الجمعة، 30 ديسمبر 2022

إضراب المعلمات والمعلمين - بعد سياسي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد سياسي

• تعلقت الأنظمة الدكتاتورية والشمولية والأتوقراطية على مر التاريخ بحبال الاستبداد وتأطير المعارف والعلوم والمرافق والمؤسسات التعليمية وفق التصورات السلطوية، وتسطير الأسفار والكتب حتى الديني منها وفق ما يتفق وهوى السلطان، حتى جلدت ظهور العلماء وحبست أفكارهم وحرقت مسوداتهم أو قتلوا جراء اجتهاداتهم الدينية والفكرية والعلمية، وتلك السياسات القاهرة كانت في الغالب تتخذ طابعا آحاديا مهيمنا إملائيا لا مجال فيه للتفكير "خارج الصندوق"، ويتم التعامل فيه مع عناصر العملية التعلمية كجنود تجسس أو ضباط تجنيد أو جنرالات في جيوش السلطة، ومع المناهج والخطب كفرمانات رسمية لا ينبغي التحريف فيها أو التفكير أو قراءة ما وراء سطورها، جميعهم يأتمرون بأمرها وينفذون سياساتها.


• وجعلت هذه المؤسسات حواضن لتفريخ شتى أنواع الممارسات السياسية الفاسدة التي أضرت بالبلاد، وبهذه المؤسسات ذات نفسها، فتم تقديم الكفاءة على الولاء، حتى صارت عدد من المدارس الصناعية والتجارية والأكاديمة جراء تلك السياسات عبارة عن بيوت خربة ينعق بومها، وتم تشريد طواقم التدريس والتدريب فيها والاستعاضة عنهم بأبناء التنظيم والحزب الواحد.




• فخرجت تلك الأنظمة السلطوية أجيالا تفكيرها قاصر لا يجاوز شراك النعال، وسهل تجييشهم للحروب الأهلية واقتيادهم للنزاعات على أساس الهوية، وهيمنت على عقولهم العصبيات، لصالح تنفيذ سياسات السلطة القابضة، وتم التمهيد لذلك للأسف من منظرين ومفكرين تم تأهيلهم في أرقى المنارات، وتذخيرهم بأنفع العلوم إلا أن طغيان الأيدلوجيا والانتماء أقوى من مراقي العلم والمعرفة.



• فيما أطلقت الأنظمة الديمقراطية العنان للتلاميذ والمعلمات والمعلمين والخبراء والمختصين ليضعوا مناهج مستقلة ديمقراطية، شحذت الهمم، وفتحت الباب للإبداع في مجالات معرفية مختلفة، فانتشرت الأنشطة اللاصفية والجمعيات الأدبية ونمت الجماعات المتنافسة في العلوم التطبيقية والفنون والرياضة، للدرجة التي بزغ فيها نجم أطفال صاروا لاحقا علامات وقامات فكرية وأدبية وفنية ورياضية وسياسية يشار لهم بالبنان.



• هذا المسعى الحر الديمقراطي لم ولن يعجب المتسلطين، لذلك سيظل الحاكم المستبد يحاول تدجين هذه المؤسسات وملأها بعناصر التخابر والجوسسة وحشوها بالمنتسبين لقواه الأمنية ومليشياته الأيدولوجية، وهو الأمر الذي تصدى له بصلابة وجلد وهمة معلمو ومعلمات بلادي الشرفاء، الذين انتظموا في سلك مناهضة الاستبداد بوسائل سلمية وراقية لتحرير مؤسساتهم من الهيمنة والتدمير والعسكرة.




• إن التعليم ومؤسساته ملف سياسي سيادي ينبغي التعامل معه بأرفع المستويات السياسية والسيادية، وأن يتم مراقبة الفاعلين فيه وأدواتهم ووسائلهم ومدخلات عمليتهم التعليمية بدقة شديدة، ورقابة متناهية عبر السلطة السيادية والسلطة التشريعية وتنفيذ محكم من السلطات التنفيذية الاتحادية والولائية، لتجنب الأخطاء الكارثية والتدخلات الخارجية التي تحاول طمس الخرائط وملامح التاريخ والسيادة الوطنية، فالجميع يرى ويسمع كيف سمح لبعض الدول شراء الأطلس الذي كان يوزع على المدارس ومحو أثره لطمس جغرافيا وطبغرافيا وجيوسياسا السودان، وكثيرة هي أوجه التدخلات السياسية التي لا مجال للتساهل فيها، أو الصفح عن مرتكبيها لأنها جرائم متراكمة في حق أجيال كاملة.



• لذلك على القوى السياسية السعي الحثيث والدؤوب لدعم أنشطة المعلمات والمعلمين، وتأهيل القطاعات الفئوية وعلى رأسها دوائر المعلمين، بالصورة التي توحد ترفع قدرات المعلمين وتعزز وعيهم سياسيا بمواثيق الأمم المتحدة وصكوكها ومعاهداتها وبروتوكولاتها ذات الصلة بالتعليم على رأسها الحق في التعليم، وأن تجعل من تصوراتهم للمستقبل قائمة على توجه قومي قوي ديمقراطي يحترم الإنسان لكونه إنسان بعيدا عن جنسه ونوعه ولونه وسنه، وأن تلزمهم بسياسات نبذ العنف والتطرف وخطابات الكراهية والعنصرية، وأن تقدم عناصر قادرة على الإدارة والتخطيط السليم لوضع استراتيجية قومية شاملة للتعليم تراعي هذا التعدد الثقافي والديني والإثني وتحقق التطور واللحاق بركب الأمم المتقدمة.




• ختاما: قوة التعليم ومؤسساته وحرية البحث العلمي وأنظمة التدريس المتطورة لا تتحقق إلا في نظام حر ديمقراطي، وساسة أحرار يملكون قرارهم الوطني، ولا يخضعون لوصاية أو ابتزاز سياسي، وكذلك لا يجعلون من كرت التعليم مدخلا للمناورة والضغط والإبتزاز، فالسياسي الحقيقي والتنفيذي النظيف هو الذي يراعي مصلحة البلاد والعباد وإن كان الأمر ضد توجهه السياسي أو الحزبي أو مصلحته الشخصية، لذلك نجد أنه في الفترة التي توحدت فيها إرادة المعلمين والمعلمات وتجردوا لصالح قضيتهم المهنية بصدق، دفعوا بعجلة التحول الشامل في البلاد، وكانوا من أوائل المؤسسات التي أحدثت التصدع الأكبر في النظام الاستبدادي ودفعوا لذلك أثمانا باهظة تعذيبا وتشريدا واعتقالا على أيدي تلاميذ درسوهم في ظل الأنظمة الاستبدادية، إلا أن بذرة الوعي التي نشرها هؤلاء المعلمون الأحرار أثمرت أجيالا استنكرت الدكتاتورية وتنكرت للشمولية وآمنت بالحرية واستشهدت في سبيلها، وتقدمهم الآساتذة في صفوف الشهادة كالأستاذ المربي الراحل الشهيد أحمد الخير.

• كما أن التعليم صار من مصادر القوة الناعمة التي تؤسس عليها استراتيجيات الدول، ونرى كيف تنظم منافسات دولية تعليمية سنوية وموسمية في شتى ضروب المعرفة، وتستحوذ على اهتمام كثير من الدول والمؤسسات والمعاهد البحثية، وتتخذ كبريات الدول من تلك المنافسات سبيلا لإظهار التفوق المعرفي وزيادة معدلات الذكاء في الأجيال الناشئة ما يعني هيمنة على المستقبل المعرفي والتكنولوجي، فصارت تلك المؤتمرات الأكاديمية ترسل رسائل سياسية أقوى من الطوربيدات النووية، وهو الأمر الذي يحتاجه السودان لردع أيادي التدخل الخبيث في مؤسساته التعليمية وكف التلاعب بالسيادة الوطنية وطمس الهوية ومحو التاريخ.



عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين - بعد ديني

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد ديني


• تمثل المدارس السودانية مغرسة الفضائل والقيم والأخلاق والأعراف والمعتقدات ومنبع التدين الراشد، لذلك نجد أنها قد تم استهدافها في كل الحقب بمحاولات التدجين أو الأدلجة القسرية التي جافت المهنية ونافت الأعراف والتقاليد وتضادت مع المعتقدات، وعليه اضطربت المناهج وثارت ثورات الرفض والتأييد الذي ضيع مصير جيل كامل بين تجديف في الدين والمعتقدات وتجريف للقيم والثوابت وتحريف لقطعي النصوص أو توظيف للدين في إثراة ثائرة الأطفال وشحنهم بمحمول ديني آحادي التوجه كما فعلت التجربة الإخوانية طوال الثلاثة عقود.



• هذا النزاع الأيدولوجي أقحم الصراع الديني في مصير أطفالنا، ما بين من يحاول علمنة العملية التعلمية وما بين أولئك الأصوليون الذي يريدون اتخاذها مفارخ تنظيمية أيدولوجية تجير لصالح تنظيماتها العابرة للحدود وأفكارهم التدميرية التي مزقت البلاد وشردت العباد.



• مع أن تلك التجربة محسوبة على الإسلام إلا أن  الدين الإسلامي لا يحفظ في قوالب معلبة إخوانية أو صوفية أو طائفية أو سلفية أو شيعية أو أي نمط ثابت وإنما هو قطعيات لا تبديل فيها، وفروع واجتهادات يجد حتى أئمتها العذر لبعضهم البعض في اتباع مناهجهم فقد قال الإمام مالك رحمه الله: ((كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ)، وكذلك التدين عملية اختيارية لا مجال للجبر  أو الإكراه فيها – فقد قال جل جلاله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ) وجاء في القرآن قوله سبحانه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ (256)، ولا ينبغي اقحام النزعات الفكرية أو النزوات الشخصية أو النزاعات الأيدولوجية في أذهان أطفال فطرهم الله فطرة سوية غير محشووة بنصوص الحشريين من غلاة التدين والدين.





• وينبغي الإعتراف والإقرار أن الفترة الإنتقالية لم تخل من تلك التوجهات الحشرية لإقحام بعض النصوص والتوجهات الأيدولوجية في المناهج، وهو ما حفز المناوئين لحشد المغالين والتزيدين لشن حروب من منابر خلافتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيقا وتكفيرا واتهاما بالزندقة والمروق عن الملة، ولم تنجح الوزارة في اتخاذ مؤسسات دينية مرجعية في أمر المناهج وحتى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية دخلت في تضاد مع وزارة التربية والتعليم، وهو الأمر الذي يوجب التأسيس لمرجعية إسلامية جامعة ومتجددة، تتولى أمر المسلمين، وتضع مناهج تعليم أطفالهم، كما يفعل الأزهر في مصر والزيتونة في تونس وغيرها في دول مماثلة.




• لذلك نجد أن هناك من يصور القائمين على هذه الاحتجاجات للمعلمات والمعلمين بأنه ضد الدين وضد القيم ومناف للأخلاق وهو دأب عاجزي المنطق وفاقدي الحيلة والسند الفكري، وهو مدخلهم للهجوم على لجنة المعلمين السودانيين ومثار تحريضهم ضدهم، ومسارهم الفكري والسياسي للوقوف ضد مطالب المعلمين، فهم يعلمون علم اليقين أن العملية التعليمية لو استمرت كما هو مخطط لها ومورست الحرية والاستقلالية والديمقراطية في التعليم سيثبت خبراء وعلماء وأساتذة السودان المنهج الذي يستقيم وجليل التقاليد، وكريم الأعراف، وعظيم الأخلاق، ورشيد القيم، وعظمة الدين المتين، وقويم الشعائر، وسليم الفطرة السوية، وهو ما لن يوجد للدين المبدل بالغلو سبيلا في تلك المناهج التي ستعتمد الدين المنزل وفق منهاج معتدل قويم.



• ختاما: سيظل التنازع الديني العلماني ماثلا في السودان، وسيستمر قادته في اتخاذ الميادين والسوح التعليمية مسارح للعبث باسم العلمانية والدين، ويجب أن يفض هذا الاشتباك الديني العلماني بعيدا عن عقول أطفالنا، إلى أن يصلوا سن التمييز والإختيار، والتفكير الحر، وتعزيز العقل الناقد فيهم، فلا الدين الإسلامي نصوصه للحفظ فقد نزل للتفكر والتدبر كما قال منزله العلي القدير: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٤٤ النحل﴾ وقال في محكم التنزيل: ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿١٧٦ الأعراف﴾ وأورد في كتابه سبحانه: (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٢٤ يونس﴾ وكرر مرارا قوله جل جلاله: ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٣ الرعد﴾، وغيرها كثير من النصوص التي أشارت للألباب والعقول والتدبر والتذكر، وهو ما يرد بوضوح على العقلانيين العلمانيين الذين يدفعون بحجج تصور أن الدين يهيمن على العقل والفكر ويمنع إعمالهما، لذلك الواجب هو مزاوجة الواقع التعليمي العلمي ومستحدثات العصر من أفكار وأطروحات ومناهج ووسائل تدريس وتدريب وتقنيات مع الواجب في مجتمعنا السوداني والمواءمة بينهما بعيدا عن الأهواء والرغبات والمحركات الذاتية امتثالا للقول المأثور لإبن القيم الجوزية: " أن على الفقيه إدراك الواجب إجتهاداً ومعرفة الواقع إحاطة ثم المزاوجة بينهم للفتوى"، وعدم تمكين شيخ أو مجموعة أو حركة أو مذهب أو جماعة من أمر المناهج التعليمية، وكذلك عدم الاستجابة للابتزاز الرافض للدين في الحياة العامة وتمكينهم من الهيمنة على مرافق التعليم ومؤسساته، لتكون تلك المؤسسات مستقلة ومهنية صرف بعيدة عما ذكرناه.

عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM