الجمعة، 17 فبراير 2023

هل يستكمل البرهان خطواته نحو .....؟

هل يستكمل البرهان خطواته نحو.....؟

● سألني في الخاص والعام بعض المهتمين عن تصريحات الجنرال البرهان وما سبقها من تصريحات للكباشي، وما دلالات تلك الخطابات التي وصفها البعض بالملغومة والمأزومة، أتفهم أن يقال ذلك الحديث في ثكنة عسكرية أو منطقة أو فرقة أو أمام اجتماع يضم قيادة الأركان، ولكن ان يكون ذلك حديث الأعراس والمناسبات والزيجات فهو أمر يغاير إرث القوات المسلحة المنضبط ويشي بأننا نتعامل مع مجموعة احترفت السياسة لمدى ثلاثة عقود وانغمست في الأجندة السياسية.

● وبذلك استنتجت أن البرهان يعمد إلى خلط الأوراق كلما أحرزت العملية السياسية تقدما، فهو من قال بالإجراءات التصحيحية واستضاف اعتصام القصر وقطع انتقال السلطة للمدنيين بانقلاب ٢٥ أكتوبر، ومن بعدها حاول التراجع باتفاق (حمدوك برهان) وتوجه بعد فشله لإحياء الفلول من قبورهم بمبادرة الجد، وأخيرا ناور بمجموعة القاهرة وما بين هذا وذاك كثير من التدابير السياسية.


● وهو يعلم يقينا أن التوجه الآن بعد استكمال مؤتمرات التفكيك والسلام والشرق سيكون نحو ملفي العدالة الانتقالية وإصلاح الأجهزة الأمنية، ويعلم أن قضية دمج الدعم السريع والمليشيات والحركات أمر متوافق عليه من الجميع وقد تم النص على ذلك في الاتفاق الإطاري، وأبدى هو ونائبه قائد الدعم السريع رغبتهما الأكيدة في الوصول لجيش مهني قومي موحد تحت قيادة مدنية، إلا أن إطلاق مثل هذه التصريحات منه ومن الجنرال كباشي يوضح بجلاء أنهما يقرءان من لوح غير الذي يقرأ منه الجميع، وأن هناك ترتيب وتدبير لأمر ما، ربما يكون محاولة لكسب الوقت أو فتح باب لعناصر يريد البرهان إلحاقها بالإطاري أو محاولة حثيثة وجادة وأخيرة لاستكمال عملية انقلاب ٢٥ أكتوبر وتسليم مفاصل الدولة والجيش للتنظيم المحلول والحركة الإخوانية وهذه الأخيرة تبدت علاماتها وقرائن أحوالها.


● إذا، العبرة ليست في الحديث وإنما في طريقته وزمانه ومكانه ووضعه كاشتراط لم يكن موجودا، وهو ما يعني أن التصورات لإدماج وتسريح القوات ليست أمور متفق عليها حتى في البيت العسكري، وهو أمر محل نقاشه مؤتمر إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية، ولا أستطيع التكهن بخفايا يضمرها البرهان ولكن هناك تحركات عسكرية وأمنية كثيفة خاصة للفلول وواجهات الحزب المحلول تتزامن وهذه التصريحات وهو مدعاة للتساؤل عن القادم الذي ربما لن يكون كما نرى من سلاسة وسير في العملية السياسية.



● ختاما: إن السودان يمكن أن تحدث فيه مغامرات ولكنها لن تنجح ولو استمرت لعقد أو ربع قرن أو ثلاثة عقود وهو ما قالت به صحائف التاريخ، فنحن أمام عام كامل ويزيد ولم يستطع الانقلاب التقدم قيد أنملة، وإنما أكل بنيه، وعمل على تصفية عناصره التنفيذية لا سيما العسكريين الذين نفذوا الانقلاب وقاموا بقمع مواجهته، وفعلوا ما لم يفعله نظام البشير في جنرالات القوات النظامية، ويبقى التحدي هو التحلي بالمسؤولية والمضي بشجاعة في تكملة العملية السياسية لاستعادة الحكم المدني والسلطة المدنية واستكمال السلام وتخفيف المعاناة المعيشية وتمهيد الطريق لاستعادة الديمقراطية والحكم الراشد، وما سوى ذلك خراب خراب خراب والعياذ بالله، فهل يستكمل الجنرال خطواته نحو .......؟. 

يوم الجمعة ليلة ٢٧ رجب ١٤٤٤ه
الموافق ١٧ فبراير ٢٠٢٣م

الخميس، 26 يناير 2023

تشكيل السودان كدولة في 26 يناير 1885م

تشكيل السودان كدولة في 26 يناير 1885م

• تبدت ملامح السودان بخارطته الموروثة حتى قبيل الإنفصال، والمعروفة منذ أن لاح رموز السلطة الدينية والسياسية والاجتماعية والعسكرية في الفترة من 1882م-1898م، وقد بين ذلك تفصيلا الكاتب والمؤرخ هيذر ج. شاركي من جامعة بنسلفانيا، والذي أشار لاستعراض كتاب: تشكيل الدولة المهدية السودانية: مراسم السلطة ورموزها لكيم سيرسي.



• عندما نشر هولت دراسته التاريخية عن الدولة المهدية في عام 1958م وحاول تأكيد أنها استمدت كثير من تعاليمها وانظمتها من الحكم التركي واجتهد لتأكيد ذلك، فقد تطرق عدد قليل من المؤرخين إلى هذا الجزء من التاريخ السوداني. ويمثل بحث كيم سيرسي أحدث مساهمة في هذا الموضوع. وركز سيرسي على شخصيتين هما الإمام المهدي الذي أسس الدولة المهدية وتوفي فجأة عام 1885م، وخليفته السيد عبد الله بن السيد محمد الذي حكم بسط سلطته على كل حدود السودان من العاصمة التارخية أم درمان، حتى أطاح الاستعمار الأنجلو -مصري بنظامه عام 1898م ". وقد شرح سيرسي أن أحد الاهتمامات الأساسية لكتابه هو شارات ورموز المهديين، مع الانتباه إلى كيفية تشكيلهم لدولة كانت "مهدية وسودانية بشكل فريد"، على عكس ما ظل يردده مؤرخون يريدون النيل من المهدي وخليفته. وقد تناول المؤلف هذا الاهتمام في الفصل الثاني، المعنون "التشريف، والاحتفال، ورموز السلطة"، عندما ينظر إلى استخدام الدولة المهدية لعناصر من الثقافة المادية تتراوح من الملابس مثل العمامة (الإمام)، إلى عناصر مثل المسبحة. الخرز (سبحة) والعملات المعدنية، وتصنيع الأسلحة وتدريع الخيول والفرسان، وهو الأمر الذي يبين أن تحرير الخرطوم لم يكن مجرد معركة عابرة وإنما هو تأسيس لدولة كاملة الأركان بعلمها وأعلامها وعلمائها وعملتها وعمالها على الأمصار المختلفة.



• وقد مثل الإسلام الصوفي واثنتين من الأنظمة السياسية الإسلامية السودانية - سلطنتي الفونج والفور، بالإضافة لممالك تقلي والمسبعات – أهم روافد الانطلاق المهدوي لتوحيد السوداينين إذ عبر الإمام المهدي بكل قوة ووضوع عن عزمه توحيد العباد بمختلف مشاربهم القبلية والإثنية والإنطلاق بهم لتحرير البلاد، وفي سبيل ذلك سكب مدادا غزيرا ودما عزيزا على أرض الوطن، وآزره في ذلك شموس الدعوة وأقمار الدولة من بني السودان الأشاوس وبناته، إذ كان للنساء دورا مشهودا في انتصارات المهدية وأعمالها الاستخباراتية.



• وما ميز النظام المهدوي وقتئذ سودانيته الخالصة وعنفوانه الشاب، وذاتية دفعه وقومية موارده، ورفضه القطعي للنظام التركي المصري وعدم ركونه للإملاء أو الإبتزاز والإغراء. فقد حاول الأعداء كل سبل الاستمالة والتهديد والوعيد للمهدي عليه السلام للعدول عن موقفه مرسلين له الهدايا والنياشين والقرابين والعطايا، إلا أنه ركلها كلها وقرأ عليهم قول الله تعالى على لسان نبي الله سليمان عليه السلام: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (النمل: 36).



• فقد كان الإمام المهدي مقيدا لسانه بقطعيات الوحي ويتخذ من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم سراجا يهتدي به، ورأى أن الاجتهادات المذهبية أقوال رجال وصلوا إليها بعقولهم، وأوصلوها إلينا بهمتهم وهو ما أوجب الاجتهاد وأسس على ذلك مدرسته الاجتهادية القائمة على قوله: "لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال"، وجعل من أقواله وأفعاله اجتهادا جديدا جامعا لمن فرقتهم المذاهب والطوائف والحركات، لذلك لم يجد كثير من أهل التصوف والمدارس السنية في مذهبه شائبة تشوبه أو تمنعهم من اتباعه.



• ولكن لم يغفر المستعمر للمهدي أو خليفته عليهما السلام ليصورهما بصاحبي الدولة الثيوقراطية الآحادية الاستبدادية، وفي ذلك تبارى ونجد باشا وسلاطين باشا، الذين أسس كثير من الكتاب سرديات وقصص وحكاوى مجحفة في حق تلك الدولة والدعوة وصاحبيها، ولكن الدكتور المؤرخ يوسف فضل حسن بجهد المقل قدم حقائق مسطورة، في كتابه العرب والسودان (1967م)، وكذلك بروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم الذي اجتهد في جمع مكاتبات المهدية في حوالي سبعة ملازم، ولم يأل الدكتور عبد المحمود أبو شامة جهدا في توضيح بعض الملتبسات الاستعمارية، وكذلك قام بروفيسور محمد المصطفى حسن عبد الكريم بتصحيح بعض المفردات التي أخلت بالمعاني كان آخرها ترجمته لكتاب ثيوبولد، أما كتاب أندرس بيوركيلو ، مقدمة المهدية (1989م)، بالإضافة إلى أعمال غابرييل واربورغ، ولا سيما الخلاف التاريخي في وادي النيل (1992م) ، فهؤلاء اجتهدوا موضوعيا في رسم ملامح الدولة بمعطياتهم الزمكانية، التي لم تخلو من محاميل إنجيلية وأغراض مسيحية للدولة العظمى وقتئذ لذلك هيمنت العناصر الثقافية الروحية على التعاطي مع كتابة تاريخ الدولة المهدية.




• وينبغي ألا ينفصل أي تعاطي مع المهدية بمعزل عن مناقشة التاريخ الأفريقي الإسلامي والتوجه العالمي نحو التحرر، ونجد ذلك في مدونات العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. وكتابي التاريخ الحضري الحديث لمهدي أم درمان لروبرت س. كرامر، وآخر بعنوان المدينة المقدسة على النيل (ماركوس وينر ، 2010م). 



• فنجد أن الاستبداد واتساع رقعة الاستعمار وأطماع المستعمرين، حفزت الكيان السوداني ككل للإنخراط في ثورات غاضبة ضد الحكم العثماني تدرجت من الإحتجاج إلى الإحراق، واستمر الأمر كذلك إلى أن وثب الإمام المهدي وثبته الأولى في الجزيرة أبا منتصرا على حملة أبو السعود التي أتت لتجريده من قوته الإجتماعية وإثنائه عن دعوته الدينية، وتكرر الأمر في قدير وحصار الأبيض وكانت واقعة شيكان قاصمة الظهر، إلا أن وصل الإمام المهدي في سادس وثباته إلى تخوم مدينة الخرطوم وهو بن أربعة عقود، شابا فتيا.



• إن قراءتنا لهذا التاريخ بصورة مجردة تجعلنا أهل لصناعة السياسيات وصياغة القرارات في السودان المعاصر، في وقت تتكالب فيه ذات القوى الاستبدادية والاستعمارية للنيل من بلادنا وتحطيم إرادة شعبنا، يحفزهم لذلك صراعاتنا الداخلية على السلطة، وعناصر الصراع الدخيلة على الممارسة السياسية، لذلك هذا الدرس وحده ما سيمكننا من إعادة اكتشاف أنفسنا سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا ودينيا، ويمكن أن تقودنا تلك المراجعات التاريخية لاستقراء أساسيات الصر اع وأخطار الاختراق المحتمل والأطماع المستمرة والأزلية، متى ما أدركنا ذلك سنحصن المستقبل.




• حينما كتب برينستون، نيوجيرسي كتابه أم درمان أثناء المهدية، تأكد لي تماما أن نظرة المؤرخين للسودان بصورته الحقيقية تنطلق من محطتين محطة تاريخية قبل الميلاد قال بيها ديودورس المؤرخ الصقلي اليوناني الذي شديد على أن السودانيين هم أول الخليقة من البشر، وكتاب آخر عن خرائط أم درمان، ببليوغرافيا وفهرس، تستطيع أن تستيقن بلا ريب أن المحطات التاريخية للسودان انفصمت عراها ولم تتصل إلى في عهد الدولة المهدية، حتى أولئك الحانقين على المهدية ككاتب سجن الجناح الفرنسي لمدة عشر سنوات في معسكر المهدي: 1882م -1892م الأب جوزيف أوروالدر،لم يستطيعوا تجاوز فكرة أن السودان عرف بالمهدية والمهدية عرفت العالم بالسودان.



• ما يؤسف له أن التأسيس المعرفي للتعريف بالسودان اتخذ من المناهج والغبائن الاستعمارية دليلا للاسترشاد إلى ماضي السودانيين ودولتهم، وفي سبيل ذلك صمم المستعمر مناهجه التاريخية وحشدها في ذهن النخب والمتعلمين من رواد كلية غردون التذكارية، ولم يفصح عن حقائق التاريخ إلى بعد قرن من الزمان، حيث بدأت تتسرب بعض الوثائق التي تثبت بطلان زيف أدعياء كتابة التاريخ السوداني الذي قدح في المهدية قدح اللئام.



• ختاما: ونحن في ذكرى تحرير الخرطوم وتأسيس الدولة نقول، إن لم يحمد للمهدية أمر سوى تحريرها للسودان من العيش في كنف المستعمرات والإدارات الإستعمارية لكفاها، فهي التي هيأت العقل والوجدان السوداني على الوثوب للأمام والتوق للحرية والإنعتاق، وهو الأمر الذي يسيطر على العقل الشعبي إلى يومنا هذا رفضا للذل والهيمنة والاستبداد والاستعمار، وواجبنا الحافظ على ذلك إن لم نقل الوفاء إلى ما هنالك، بإعادة كتابة التاريخ من أضابير تلك المخابرات، ومن مكاتبات المهدي المخفية وتصحيح ما تم تجريفه وتحريفه من قيم وقرارات وقراءات، وهو الواجب الذي ينبغي أن تضطلع به دولة مسؤولة مستقلة ذات سيادة، لا يتحكم أحد في طباعة مناهجها أو تدريب معلميها أو تقييم وسائل تعليمها، حينها سنجد معلمات ومعلمين يعتزون بتاريخهم ويتفاخرون بآبائهم، ويغذون عقول النشء بجينات البطولة والشجاعة والبسالة والفداء والتضحية.