السبت، 1 يوليو 2023

تعليقا على دعوة البرهان لعسكرة المدنيين

تعليقا على دعوة البرهان لعسكرة المدنيين

● ألقى قائد الجيش كلمته ولم يلق لها بالا لتلقي بالبلاد في سعير الحرب الأهلية والتسلح العشوائي، خصوصا وأن الأمر يأتي بعد سبعين يوم من الحرب والسودانيون ينتظرون ما أسماه الجنرال الحسم في غضون ساعات استمرت لأيام وأسابيع وشهور، فاستنفار المواطنين للتسلح في الصراعات المسلحة له ما له من مثالب وخطورة وضرر كبير على العباد والبلاد، وأبلغ تلك المضار:

1. عدم التدريب الكافي لمن يتم استدعاؤهم واستثارة الحمية فيهم ومخاطبتهم بنداءات العصبية، فأفضل المتمرسين على حمل السلاح عهده به معسكرات الخدمة القسرية، فغالبًا ما يكون لدى المدربين المهنيين الخبرة والمعرفة اللازمة لتدريب الجنود وتحسين قدراتهم العسكرية. على العكس من ذلك، يفتقر المواطنون إلى المعرفة والمهارات الضرورية للتعامل مع أسلحة عادية تقليدية ناهيك عن أخرى متقدمة، مما يزيد من فرص وقوع حوادث أو استخدام خاطئ للأسلحة.

2. في حالات شبيهة بحالات تحشيد سابقة وحاضرة في الذهن الجمعب سنشهد عدم وجود رقابة وانقلاتات وعدم سيطرة على ااسلاح، ففي الجيش المنظم يتم فرض قواعد وإجراءات صارمة لضمان أمن وسلامة الجنود والمدنيين مع ذلك رأينا العديد من المخالفات. ومع ذلك نشهد تصويبا خاطئا لكثير من الأسلحة التي أودت بحياة مدنيين عزل، يمكن أن يفتقد التسلح الشعبي لهذه الرقابة والإجراءات الواجبة، مما يؤدي إلى تهديدات بحياة المواطنين الأبرياء واتساع دائرة النار.

3. تنامي الاصطفافات وتفاقم العنف والانقسامات، يمكن أن يزيد استنفار المواطنين وتسليحهم في الصراعات المسلحة من مستوى العنف والانقسامات في المجتمع. قد يتحول المواطنون المسلحون إلى ميليشيات ومجاميع مسلحة كالتي يتم قتالها، وجماعات متناحرة تؤثر بشكل سلبي على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

4. اتساع رقعة التسلح يترتب عليها اضطراد العنف وزيادة انتهاكات حقوق الإنسان، وبسبب قلة الجرعة التدريبية وانعدتم الرقابة، قد يرتكب المواطنون الذين تم تسليحهم انتهاكات لحقوق الإنسان انتقاما لما مورس عليهم من انتهاكات دون ضوابط، سواء عمداً أو بشكل غير مقصود. هذا قد يؤدي إلى مزيد من الضحايا المدنيين والمعاناة الإنسانية.

● لم يقرأ الجنرال العظيم من سفر التسليح الشعبي تراكمات المضار التي تتوارثها بعض الشعوب والامم، وكانه نسي أن التسليح والتجييش الذي مورس لعقدين من الزمان في السودان أسهم في انقسام البلاد وتمزيق وحدها وتشتيت سكانها، هناك العديد من الأمثلة للتسليح الشعبي في الصراعات المسلحة، مثل:

1. نماذج الحروب الأهلية، ففي الحروب الأهلية قد يشارك المواطنون في مجموعات مسلحة للدفاع عن أنفسهم أو القتال من أجل أجندة معينة كما حدث في دارفور ٢٠٠٣م، التي من ثمارها الجنجويد وحرس الحدود والدعم السريع وغيرها من الجماعات المسلحة. ومثال على ذلك أيضا حرب البوسنة الهرسك في التسعينات، والتي لا تزال جيوبها المسلحة تطل برأسها مهددة استقرار المنطقة.

2. الثورات الشعبية في بعض الحالات، يستخدم المواطنون التسليح الشعبي للتمرد ضد حكومة قمعية أو ظروف اقتصادية صعبة. مثال على ذلك هو ثورتي ليبيا واليمن الشعبييتين في عام 2011م والتي انتهت إلى حرب متواصلة لأنها حادت عن سلميتها وقسمت ليبيا لدولتين شرقا وغربا، اليمن إلى دويلات وكليهما تصرف مئات الملايين من الدولارات لنزع الألغام، فضلا عن تحول سوريا إلى بؤرة من جحيم الغلو والتطرف وسوق للمخدرات والاتجار بالبشر ونهب الثروات واستقطاب العصابات وجيوش العالم.

3. أما التجربة الاثيوبية تعاملت مع الأمر باحترافية عسكرية وتقدم رئيس وزرائها وقتئذ صفوف القتال وتموضع في الجبهات، وبالرغم عن ذلك ركن إلى طاولة التفاوض وجلس مع غرمائه في جنوب أفريقيا، ليبرم اتفاق سلام.

● خلاصة: البرهان بدعوته البلهاء هذه مدفوعا من سدنة التنظيم المحلول ومنطلقا من أجندة الحركة الإخوانية يريد تحويل الصراع من نزاع سلطوي مع غريمه قائد الدعم السريع غايته استعادة دولة "الانقاذ"، فيتحول الأمر إلى حرب أهلية يصطف فيها أبناء الشعب السوداني خلف راياتهم وولاءاتهم الأولية ويفتح بذلك باب الجحيم للسودانيين والمنطقة حولهم.

● ختاما: ينبغي أن نوقن أن هناك العديد من الصراعات والأزمات الحقيقية حول العالم التي قادت بالفعل إلى استنفار المواطنين والتسليح والتجييش الشعبي، ولكنها جميعا تلجأ في نهاية المطاف إلى حلول تفاوضية، حيث يتعذر على هذا النمط الشامل تجاوز جوانب الأمان والاستقرار التي تتطلبها تلك البلدان. لذلك، يفضل العمل على تحقيق الاستقرار السياسي بالحوار والحلول السياسية لبلوغ الأمان وحفظ حياة الإنسان وفتح نفاج للتنمية الاقتصادية وحماية حقوق الإنسان ومنع حدوث تلك الصراعات المسلحة مجددا، إلا أن الأمر يحتاج شجاعة تخرج صاحبها من مخبئه ليخاطب العالم بتلك المعاني.

عروة الصادق
٢٩ يونيو ٢٠٢٣م

تكتيكات الحوار ورفضه ثم العودة

تكتيكات الحوار ورفضه ثم العودة
● مقدمة: تمنع أطراف الصراع الدامي في الخرطوم وقادة الحرب العبثية طوال الأيام الأولى للحرب عن الحوار، فاحدهما يريد أن يحسم الأمر في ثلاث ساعات وأيام قليلة لإنهاء التمرد، والآخر يريد القبض على قائد الجيش وتقدبمه للعدالة، وحول كلا الرأيين انطفت الجموع تأيدا لهذا ضد ذاك، إلى أن اكتشف الجميع أن الجلوس إلى بعضهما بصورة مباشرة أو غير مباشرة أمر حتمي، وجلسا إلى بعضهما عبر وساطة سعودية أمريكية في مدينة جدا، أغراض الجلوس المعلنة أنها إنسانية ولكنها تستبطن إنهاء الحرب والجريمة المقترفة في حق الشعب السوداني، واستمر الأمر لفتح نوافذ أخرى إفريقية عبر الايقاد، وعربية واقليمية ودولية، وآخرها التصريحات السيادية لرئيس مجلس السيادة عن قبول أي مبادرة تركية، وطلب نائبه عقار لدور روسي في حل الأزمة السودانية، وفي كل ذلك نجد أن الحوار هو السبيل الحتمي للخلاص من ورطة الحرب وجرائمها التي أوقعنا فيها جنرالات الإنقلاب.

● أولا: إن ما يمكن تسميته ممارسة التكتيك السياسي برفض الحوار والتفاوض في النزاعات المسلحة وكسب الوقت للتقدم العسكري والعودة مرة أخرى للتفاوض، هو عملية لا أخلاقية لا تقل شناعة عن جرائم الحرب والانتهاكات المستمرة والفظائع التي تخلفه الحرب لأن ينعكس بصورة مباشرة على الاوضاع في الأرض ويتسبب على مدار اليوم والساعة بأضرار عديدة وبالغة منها:

1. زيادة التكلفة الإنسانية ومفاقمة الكوارث وزيادة الخسائر البشرية، وعدم اللجوء إلى الحوار والتفاوض يعني استمرار الصراع المسلح، ما يعني تنامي تكلفة الصراع واتساع رقعته وازدياد انتهاكاته وفظاعاته.

2. كما يعني استمرار الصراع والتقدم العسكري من أجل كسب الأراضي العملياتية، تدمير المرافق والمؤسسات الحيوية والاستراتيجية والبنية التحتية في المناطق المتصارع عليها، وازدياد رقعة التدمير لمساكن المواطنين ودخول إحياء وربما مدن جديدة حيز الصراع، ويمكن أن يكون هناك تأثير طويل الأمد على المستوى الاقتصادي والاجتماعي سيهزم اي خطط تنموية لتدارك آثار الحرب والدمار الذي خلفته.

3. بتأخير الحوار والتفاوض والتماطل وتزايد أيام الحرب ستتنامى نبرات الاعتداد بالنفس والخطابات العنترية واللغة الحربية الامر الذي سيعيق إيجاد حل دائم للنزاع، حيث أن المشكلة الأساسية لن يتم استيضاحها أو حلها بشكل كامل من خلال السيطرة العسكرية فقط، لما لها من جوانب إنسانية وامنية وسياسية واقتصادية تغيب عند العملياتيين، وكذلك ليست من أولويات أبواق الحرب ونافخي كيرها وداقي طبولها.

4. كما أن استمرار الصراع وعدم التوصل لحل سلمي في الخرطوم ومدن السودان الملتهبة سيؤدي إلى تعقيد بيس الوضع في البلاد فقط بل كل الوضع الإقليمي وسيقود لحدة التوتر وزيادة الاستقطاب بين الدول المجاورة للسودان والتي لها ارتباطات جيوسياسية أو مصالح أو مطامع أو مخاوف وهي كثيرة لا تحصى ولا تعد على الصعيد الإقليمي والدولي.

5. كل ما ذكر حتما يؤثر على ثقة الأطراف المتضررة ويجعلها صعبة التعاون في عملية إعادة البناء وبناء الثقة، وستكون نيران الحرب تحت الرماد متى ما سنحت السوانح لانقضاض طرف على الآخر لن يدخر جهدا في ذلك.


● ثانيا: واقع الأمر يقول أن هناك مؤسسات أمر واقع على رأسها قائد الجيش متوليا زمام الأمر في القوات المسلحة ومانحا تفويضا سياديا للسيد مالك عقار، وبما سمعناه من السيد عقار في حركاته وسكناته الأفريقية وطلبه للحكومة الروسية أستطيع القول، نعم، هنالك إمكانية لإجتماع الخصوم المتحاربين في طاولة حوار، ولقد تم استخدام هذه الطريقة في العديد من النزاعات حول العالم بنجاح. قد تكون هناك تحديات في الوصول إلى اتفاقية سلام شاملة، ولكن الحوار يمكن أن يوفر فرصًا لتبادل الآراء وتحقيق تفاهم أعمق بين الأطراف المتحاربة وتمهيد لوقف إطلاق نار دائم، ولا يخفى على الجميع أن الطرفين يجلسان إلى بعضهما عبر ممثلين في مدينة جدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

● ولنا رصيد كبير من التجارب السودانية التي تمت في مدن وعواصم كأبوجا ونيفاشا وجيبوتي والقاهرة وجميع تلك التجارب السابقة في إفريقيا والعالم العربي والعالم بشكل عام قد وفرت قدرًا كبيرًا من المعرفة والتعلم لأطراف الصراع المسلح الحالية إلا أن هناك أصحاب أجندة حربية يحولون دون الجلوس المباشر لإنهاء الصراع منذ الساعات الأولى للحرب، ونشروا الفوضى في كل مدن السودان للحيلولة دون تحرك الوساطة السياسية التي كانت تعمل حتى ساعات الفجر الأولى يوم ١٥ ابريل ٢٠٢٣م، لذلك استطيع القول أنه يمكن استخدام تجارب نجاح الحوار التي تمت في بلادنا وفي محيطنا بهذه المناطق كنماذج للاسترشاد والتعامل مع الصراعات المسلحة الحالية في الخرطوم ومختلف مدن السودان، وذلك من خلال تحليل أسباب النجاح والعوامل التي ساهمت في تحقيق التوافق سابقا.
وأجزم أن أقصر الطرق لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، يعتمد على الظروف الفريدة لكل صراع وأطرافه. ومع ذلك، هنالك بعض النقاط التي يمكن أن تساهم في إنهاء الصراع، مثل:

1. غلبة إرادة الأطراف المتحاربة للعمل من أجل السلام وتحقيق الاستقرار، وتغليب مصلحة الوطن العليا على رغبات الانتصار الشخصية.
2. الالتزام بقيم ومباديء حقوق الإنسان والعدالة وإيجاد اتفاقية سياسية مبنية على المبادىء السلمية والأجندة الديمقراطية.
3. التفاوض النزيه والشفاف، بمشاركة جميع الأطراف المتضررة وذوي النفوذ في الصراع وأصحاب المصلحة الذين شملهم الصراع بصورة مباشرة أو غير مباشرة كالضحايا وذويهم واللاجئين والنازحين والفارين من ويلات الحرب.
4. تدعيم الوساطة الفعالة والمستقلة من قبل أطراف موثوقة ومحايدة، وجعل منبر جدة محطة جامعة لكل المبادرات التي تقدمها دول واهيئات وأحلاف إقليمية ودولية.


● ثالثا: ومن وقائع التاريخ المنظور والمسطور نجد أن عدم الالتفات إلى الحوار السياسي، واستمرار النزاعات المسلحة، ورفض الحل السلمي والتفاوض أدى إلى مشاكل وأزمات وحرائق جسيمة في الدول المحيطة والمناطق وأمن العالم. وهناك العديد من الأمثلة للقادة الذين تمنعوا ورفضوا الحوار وتسببوا في تدمير بلدانهم وتهديد السلم والأمن الإقليمي والدولي، ومن بين هذه الأمثلة لا الحصر:

1. صدام حسين (العراق): رفض الحوار وشن حرباً على الكويت في عام 1990م، مما أدى إلى العديد من التداعيات السلبية على العراق والمنطقة إلى أن تم غزوها في 2003م، وتولدت فيها جيوب ومجاميع مسلحة تهيمن على القرار السياسي وتعبث بمقدرات العراق لمدة عقدين من الزمان.

2. معمر القذافي (ليبيا): على الرغم من مبادرات التسوية العديدة التي قدمت له والدعوات المشفقة التي لم يلق لها بالا، رفض الحوار وشن حرب أهلية في عام 2011م حفزت القبائل والشباب للتسلح، مما ألحق أضرارًا كبيرة بليبيا وأدى إلى انهيار البنية التحتية وانعدام الأمن وآلت الأوضاع لبلاد واحدة بحكومتين وثلاث رؤوس متنازعة ومتمحورة حول أحلاف خارجية متخالفة، وانفتحت ليبيا لتجارب متطرفة وعنيفة وجريمة منظمة وعابرة للحدود.

3. بشار الأسد (سوريا): رفض الحوار مع المعارضة السورية، مما أدى إلى نشوب الحرب الأهلية في سوريا منذ عام 2011م وتسبب في دمار هائل ونزوح الكثير من السكان.

إن هذه الأمثلة تُظهر الأهمية القصوى للحوار والتفاوض لحل الصراعات السياسية والعمل على تحقيق السلام والأمن في الدول والمناطق المختلفة.


● ختاما: لذلك بشكل عام يعتبر الاعتماد على التكتيك السياسي المحدود دون اللجوء إلى الحوار والتفاوض سابقة خطيرة ومدمرة للفاعلين على المشهد وللبلاد، حيث يؤدي ذلك إلى استمرار الصراع واستمرار الخسائر البشرية والمادية ودخول شياطين الجماعات الإرهابية والاجندات الدولية. لذلك يجب أن يكون هنالك استعدادا لتقديم تنازلات متى ما لزم الأمر من كل الأطراف، والاستفادة من الدروس المستفادة من النزاعات السابقة والأفكار المبتكرة في حل النزاعات بمعنى أن نبتديء من حيث انتهى العالم وليس باجترار الماضي، ولربما استطاع السيد عقار نقل التجربة الروسية في التعامل مع جماعة فاغنر. لأن تجربة الحوار والتفاوض هي عملية طويلة ومعقدة وقد تتطلب صبرًا وإرادة حقيقية للتوصل إلى اتفاق مستقر ومستدام.



عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com