الثلاثاء، 4 يوليو 2023

لإنهاء الحرب

لإنهاء الحرب

● مقدمة: ثبت للجميع أن استمرار الحرب في الخرطوم أدى لتمددها خارجها، وربما قاد لتوسعها عبر الحدود، وهو ما يمثل حاليا خطورة كبيرة على الاستقرار المحلي والإقليمي والدولي. فقد استيقن الجميع بصحة رفضنا للحرب منذ يومها الأول أو قل قبل اندلاعها، وتحذيرتنا المستمرة من حشد الجنود والوقود وحشو الخرطوم بالبارود، الأمر الذي أدى للإنفجار ومثل اليوم أهم وأخطر شواغل السودانيات والسودانيين وما جاورهم من شعوب المنطقة والإقليم ومن شاطرهم الخوف من شعوب العالم.

1. مثلت حرب الخرطوم أخطر تجليات تهديد السلم والأمن الدولي، إذ تسبب استمرار الحروب واتساعها في عدم استقرار العديد من الأقاليم وتأثر عدد من الدول التي باتت تخشى من زعزعة أمنها واستقرارها، وهو الأمر الذي فاقم من احتمال حدوث صراعات أو حروب جديدة في المستقبل المنظور في منطقتنا الافريقية وقرنها ومحيطها العربي، وتأثر أجواء البلاد وملاحتها البحرية.

2. قادت تلك الحرب بصورة مباشرة لإحداث تأثير سلبي حاد على الأشخاص والمجتمعات، إذ يعاني السكان المدنيون والمجتمعات السكانية والتجمعات المدنية من آثار الحروب بشكل يومي وبصورة مباشرة، جراء القتل والجرح والنزوح القسري والانتهاكات والفظاعات، فضلاً عن تدمير البنية التحتية والبؤر الخدمية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والزراعية والصناعية وخروج المرافق والأسواق التجارية وتفكيك الرأسمالية التي توفر مطلوبات الحياة، وتكلفة عالية للمعيشة والاحتياجات الحياتية والدوائية والصحية والبيئة وتراكم ملوثات الحرب وأطنان القمامة ومخلفات الحرب في شوارع المدن وحواريها.

3. شهدنا جميعنا تفاقم الاستقطاب القبلي والجهوي الذي قد يؤدي للتصعيد العنيف والانخراط في الصراعات ويقود إلى زيادة الاستقطاب بين المجموعات السكانية المختلفة، مما سينمي النعرات والتوترات القبلية والجهوية ويقوض تكامل الدولة والمجتمعات، وهو أمر مالم يتم تداركه سيقود لانقسامات وتشظي نواة المجتمع القبلي الواحد إلى ولاءات أضيق من العشائر وخشوم البيوت والبطون والفخوذ.

4. تزايد بصورة كثيفة وغير مسؤولة انتشار وتداول الأسلحة، حتى في مناطق خارج دائرة الصراع، والشروع في تشكيل ترسانات مسلحة جهوية وقبلية ومناطقية واستقطاب مدنيين للتسلح، الأمر الذي ترتبت عليه المزيد من الحروب وتوسعها وزيادة انتشار الأسلحة وتداولها بشكل غير قانوني في عدد من الولايات والأقاليم المختلفة، وهناك مجموعات تنشط في تجارة السلاح بمختلف أنواعه الخفيف والثقيل والمتوسط والمدفعي والمسير تريد الانخراط في الصراع السوداني كسوق جديد، الأمر الذي سيؤثر سلبًا على الأمن الإقليمي والدولي وقد يزيد من احتمال استخدام الأسلحة في أعمال إجرامية أخرى كتجارة البشر والمخدرات والأعضاء والجريمة المنظمة والعابرة للحدود.

● أخيرا: لإيقاف هذه الحرب العبثية وتجنب هذه المخاطر التي مثلت أمامنا ورأينا مضاعفاتها تتزايد يوما بعد يوم، لا مفر من تحلي قادة الحرب وجنرالاتها بالشحاعة والتنازل لقبول الحوار المباشر وغير المشروط، فالحوار والتفاوض وجهود حل النزاعات السلمية والتعاون الإقليمي والدولي هو وحده الأمر الحاسم للصراع في السودان، وينبغي على الفاعلين بكل أطيافهم في المسألة الوطنية السودانية، ونافذي القوات المسلحة المنخرطين في الصراع ومقاتليهم من الدعم السريع العمل بسرعة وبدعم من المجتمع الإقليمي والدولي والمنظمات الدولية العمل معًا للوصول إلى نقاط التفاهم وتهدئة التوترات وإيقاف العنف بصورة فورية، ومحاولة إنهاء هذا النزاع الدامي وهو في مراحله المبكرة قبل أن تتفاقم وتؤدي إلى نتائج كارثية تؤجج الحرب الأهلية وتقود لتحقيق نبوؤة ومخطط خافي دختر مدير الموساد الذي قال بانقسام السودان لخمسة دويلات في محاضرة ألقاها العام ٢٠٠٨م، ولبلوغ ذلك السلام المنشود أضع سبعة أعمدة يمكن أن يشيد عليها صرح السلام المستدام، وهي:


1. تحديد المناطق المتنازع عليها في العاصمة وولايات الصراع الأخرى، وإلزام كل من يسيطر على منطقة تحمل تبعاتها التي تدخل في حدود مسؤوليته التقصيرية أو الجنائية لتحميل المسؤولية وفق مقتضاها مستقبلا، قبل انسحاب جميع المسلحين من تلك المناطق إلى معسكرات ومناطق تجمع منضبطة.

 2. الشروع في تشكيل حكومة انتقالية مدنية من كفاءات وطنية مستقلة متسقة مع مشروع الثورة السودانية، تمثل جميع مكونات المجتمع المدني والسياسي والمقاومة والشبابي والنسوي والنازحين واللاجئين والمهنيين في البلاد، وذلك بشكل مؤقت لا يتعدى العامين حتى يتم إجراء انتخابات ديمقراطية.

3. إعادة بناء النظام الإداري والحقوقي والقضائي والمالي والسياسي والمحاسبي في البلاد وتفكيك دولة الحزب لصالح الوطن على أسس متفق عليها بين الكافة بصورة لا يهيمن عليها أحد أو تسيطر عليها جهة.

4. إلغاء قوانين وحل جميع الميليشيات والتكوينات المسلحة (الدعم السريع، حركات الكفاح المسلح، أي قوى مسلحة أخرى)، وتفكيكها لصالح جيش قومي مهني موحد يستوعب كافة أبناء الوطن، يتم فيه إعادة دمج وتسريح منسوبي تلك التكوينات في إطار ترتيبات أمنية متفق عليها زمانا ومكانا وكيفا.

5. إقرار واعتماد والمصادقة على كافة قوانين ومعاهدات حقوق الإنسان والعدالة والمحاسبة وتفعيل المساءلة والشفافية وإقرار مبدأ عدم الافلات من العقاب لمحاسبة الجناة وجبر الضرر الجماعي والفردي لتضميد وإبراء جراح الحرب والعنف.

6. تعزيز الحوار والمحادثات المباشرة بين الأطراف المتحاربة لتحقيق استدامة السلام عبر مؤتمر السلام الشامل، وتحديد أمهات القضايا الدستورية في المؤتمر الدستوري الجامع.

7. بحث كافة سبل التعاون والالتزام الدولي لدعم عملية السلام بجانبيه المالي والفني، ودعم عمليات حفظ وبناء السلام، وتمويل عمليات إعادة الاعمار، وتمويل اقصاديات الحرب والاستمرار في إعفاء دين السودان الخارجي، والالتزام بإبقائه خارج قوائم الحظر المالية والقوائم السوداء.

● ختاما: عل هذه النقاط السبعة الأخيرة تمنحنا فرصة للشروع في استعادة وطننا الذي ينزلق من بين أيدينا للحرب الأهلية والتمزق، فنحافظ على ما تبقى منه ونستعيد ما اقتطع منه، ونسترد ما نهب منه، ونعيد من فر عنه، ونصد كل عادٍ نحوه بسوء، ونقطع دابر كل معتد أثيم، هذا أو شبح التقسيم والعياذ بالله.

 
والله ولي التوفيق

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الاثنين، 3 يوليو 2023

خطر الاصطفاف القبلي

خطر الاصطفاف القبلي
● فقط يمكننا النظر إلى حروب السودان جميعها لندرك خطورة الاصطفافات القبلية، فقد ظلت البلاد تعاني من صراعات مسلحة طويلة الأمد بين القبائل المختلفة على أسس عرقية أو جهوية أو عشائرية أو مناطقية أو على الموارد. وهذه الصراعات قادت إلى تدهور الأمن والاستقرار في البلاد وتعرقل عملية البناء والتنمية وتمزيق اوصال الوطن والمواطنين.


● لذلك ثبت أن انخراط القبائل في الصراعات المسلحة وتشكيل اصطفافات عرقية أحد القضايا الحساسة التي تؤثر على استقرار واستقلال الدول وتزيد من احتمالية نشوب الحروب الأهلية. وبين أيدينا بعض الأمثلة الماثلة في السودان والقارة الأفريقية ونماذج معاصرة أخرى لا تحصى ولا تعد، فمن الأمثلة التاريخية في السودان والقارة الأفريقية، يمكن ذكر الحرب الأهلية في السودان (1983-2005م) والتي بدأت نتيجة لصراعات بين الحكومة السودانية المركزية والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان SPLM/A، واستمرت لعقدين مع تداعياتها الواسعة على السكان المحليين وخلفت صراعا قبليا داميا استمر حتى بعد انفصال الجنوب في 2011م، ما يعني أن أي اصطفاف قبلي في وقت الحرب سيتمزق فور زوال أسبابه وتنفض التحالفات المؤقتة أو التكتيكية.

● أما فيما يتعلق بالأمثلة المعاصرة، يكفينا فقط النظر إلى النزاعات القبلية والعرقية في دول مثل نيجيريا والصومال والكونغو الديمقراطية. هذه النزاعات تتسبب في تدمير البنية التحتية لتلك البلدان لبلدان وتهجير المدنيين وتقوض استقرار الدول، وتمخضت عنها كافة الشرور التي لا زالت تعاني منها وأخطرها تولد جماعات قبلية متطرفة واحتكار أخرى للجريمة وعصاباتها المنظمة.

● للخروج من مأزق القبلية الذي زجتنا فيه إدارة نظام المخلوع البشير عبر أمن القبائل في جهاز المخابرات وتعزيز الاستقرار، علينا الآتي:
١. الإسراع في اتخاذ عدة إجراءات بالضرورة أن تشمل هذه الإجراءات نداءات مباشرة لملوك، ومكوك، ونظار، وعمد، وشراتي، وأمراء، وفرش، وسلاطين تلك القبائل تعزيزا للمصالحة والحوار بين الأطراف المتنازعة؛
٢. وتعزيز مفاهيم السلم والتعايش والعدالة وحقوق الإنسان؛
٣. وتشجيع الحكومات الولائية على توفير خدمات عامة عادلة ومتساوية لجميع المواطنين؛
٤. وإبعاد تجنيد القبيلة لصالح محور من محاور الصراع؛
٥. والشروع في صياغة ميثاق شرف اجتماعي يجرم ويحرم الاستعلاءات القبلية؛
٦. ويحث على أن تكون السمات العامة للمجتمعات التعايش والتكافل على نحو يحقق أن تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات ويعترف ذلك الميثاق بالتعددات الثقافية والدينية والإثنية وحفظ الحقوق الإجتماعية لتلك الشعوب وحماية حضاراتها وموروثها الثقافي.

● بالإضافة إلى ذلك لا بد من الاهتمام بملف الخدمات وخصوصا إعلاء قيمة العناية بالتعليم والتوعية لرفع مستوى الفهم المتبادل والتسامح بين الثقافات المختلفة، وتشجيع الشباب على المشاركة في أنشطة اجتماعية لتدارك آثار الحرب، وأن يؤسسوا منصات جامعة للطواريء والغوث الإنساني والدعم الاجتماعي عابرة للقبائل والتكوينات المناطقية الضيقة.

 

● خلاصة: فقط يكفينا النظر إلى حروب الصومال، التي تركت بلادهم تعاني من صراعات قبلية ومذهبية أدت إلى انهيار الحكومة المركزية ونشوب حروب أهلية مستمرة، وها نحن نسير على ذات الخطى التي تعجل بظهور جماعات قبلية على شاكلة حركة الشباب أو نجمع القبائل، وهذا سيورثنا خرابا ودمارا وجب تحلي قادتنا في الإدارات الأهلية بالحكمة والروية والرؤية الثاقبة لتدارك مخاطر تلك الاصطفافات.


● ختاما: ليس لنا سبيل للخروج من مأزق القبلية، إلا بتوفيق أوضاع المظالم المتراكمة وتوفير كافة مقومات الوحدة الوطنية والمصالحة بين القبائل المختلفة، وإعمال حكم القانون والعدالة وكفالة المشاركة السياسية المتساوية لجميع الأطراف بما يحقق التكامل والتوازن. ولا ينبغي أن تتوقف منصات الحوار والتفاهم بين أبناء وشباب تلك القبائل المختلفة لتشجيع العيش المشترك والتمسك بالكل وليس الجزء وبالأصول وليس الفروع، فالسودان أصل والقبيلة فرع، وهو السبيل الوحيد لكفالة المشاركة في صناعة القرارات السياسية والاقتصادية وإدارة المستقبل، وإلا فستدور رحا الحروب وستستمر دوامة الدماء وفقد الأعزاء.


عروة الصادق 
orwaalsadig@gmail.com