الثلاثاء، 11 يوليو 2023

خطر الحروب على الحياة والقوى المدنية

خطر الحروب على الحياة والقوى المدنية


● أولا: مقدمة؛ لقد جرفت النزاعات على مر العصور كافة أشكال الحياة المدنية ومظاهر المجتمع المدني المتماسك وغيبت فعالياته وفاعليه السياسيين، والمثقفين، والتجار، والمهنيين، والفئوين، وغيره، وهو ما يعني ان الحرب التي اندلعت بالسودان في 15 إبريل 2023م، لها تأثيرات سلبية كبيرة على الحركة السياسية المدنية والحقوقية والمجتمعات المدنية الأخرى، والتي كانت تهيء نفسها المضي في ترسيخ الأنظمة الديمقراطية، وهنا أعدد دلائل التجريف المادي والمعنوي والنفسي للحياة المدنية وما ترتب عليه من خراب وأضرار يمكن أن تنهك جسد الدولة مستقبلا ويسهم ذلك التدمير إلى استمرارية الحرب.

1. مثل تدمير البنية التحتية لمقار ومرافق الحياة المدنية والخدمية وتحطيم المنظومة المتهالكة سلفا، وهو حتمية إندلاع الحرب، لأن الحروب عادة تكون مصحوبة بتدمير كبير للبنية التحتية للمجتمعات المدنية أكثر من المرافق العسكرية، وبالتالي يتأثر القدرة على توفير الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم ومرافق الترفقه والتعاطي المدني، ونحن اليوم نكابد آثار ذلك الدمار.

2. فرار السكان من الحرب أفرغ المدن من محتواها المدني السياسي والثقافي والاقتصادي والمهني، لأن الحرب قادت إلى تشريد الكثير من السكان وقادة المجتمع ونخبه، حيث اضطروا إلى مغادرة منازلهم ومدنهم بحثًا عن الأمان في مدن أخرى أو عبر الفرار إلى دول الجوار، هذا التشتت قد أثر بصورة مباشرة على استمرار الحرب وزيادة الجرائم والانتعاكات، وحد من القدرة على القيام بالنشاطات السياسية وبناء القوى المدنية والأحزاب والمؤسسات السياسية والمجموعات المدنية والكيانات النقابية التي تسرب عناصرها مخلفين وراءهم كل ما يملكون من رصيد معرفي ومهني ومادي ومقتنيات ومستندات وموروث ثقافي أو قيمي.

3. غيبت الحرب أهم الحقوق الدستورية التي كان يمارسها المجتمع المدني، وهو غياب الحركة الجماهيرية والمظاهرات والمواكب والتجمعات السلمية والوقفات الاحتجاجية التي تناهض الاستبداد بوسائل تعكس مدنية التطلع والطموح، وقد قوضت الحرب قدرة الجماهير السلمية المدنية على التجمع والتواصل والمواكب والمظاهرات السلمية للتعبير عن آرائهم ومطالبهم السياسية، واتخذت السلطة الانقلابية في 25 أكتوبر 2021م إجراءات قمعية خانقة ضد المجتمع المدني وسلبته حرية التعبير وحق الاجتماع، إلا أنها أجهزت تماما على ذلك المجتمع المدني في ظل الظروف الحربية الحالية، بل اتخذت من شرط الاصطفاف مع أو ضد السلطة الحاكمة سبيلا لتصفية الخصوم السياسيين.

4. استشراء الخوف العام والانعدام الأمني في العاصمة وقلته في الولايات، جعل ذلك كافة المرافق المدنية والأماكن الحيوية غير آمنة، وهذا أثر على قدرة الناس على المشاركة السياسية والاقتصادية والمهنية والرياضية والثقافية والنشاط الاجتماعي، حيث يتزايد القلق على سلامتهم الشخصية وحياة عائلاتهم، وقلت فرص التجمع حتى لأداء الصلوات في المساجد والكنائس ودور العبادة.

5. اتخاذ أطراف الحرب من المرافق المدنية والمؤسسات الحيوية والحياتية ثكنات عسكرية ودفاعات أمنية وارتكازات للقناصة والقوات، الأمر الذي أدخل الجامعات والاستادات والمتاحف والمدارس والمشافي ودور الرياضة دائرة الصراع، ومنع ذلك التواجد العسكري كافة الأنشطة المدنية التي ظلت تمارس رغم ظروف السودانيين القاسية قبل الحرب.

● ثانيا: أركز هنا على نماذج إنهيار الأحزاب في فترات الحرب التي تعتمد على الظروف والسياقات الزمكانية الخاصة وعلى سبيل المثال، سيؤدي التدمير الفعلي أو التهديد بالتدمير الناجم عن الحرب إلى تفكك الأحزاب السياسية القومية علي وجه الخصوص وتعزيز الحركات الجهوية والمناطقة والإثنية وربما تزايد الحركات المسلحة المناطقية، حيث يتعذر على القوى المدنية والأحزاب السياسية تنظيم أنشطتها والحفاظ على هياكلها وتأمين قياداتها من حملات الاستهداف والاغتيال المعنوي أو التصفية الجسدية أو التشريد والإفقار وإعداد موروثاتها الفكرية والعبث بوثائقها وموقعها ومرافقها.

● ثالثا: بشكل عام تشير الدراسات المنشورة عن تجارب عربية وإفريقية ولاتينية إلى أن الحرب قادت في غالب الأحيان إلى تقويض الحركة السياسية المدنية وضعف مؤسسات الديمقراطية والحقوق المدنية، ومع ذلك فإن الإصرار الكبير لبعض القوى والاستجابة الشعبية والصمود وكثافة الجهود المبذولة من أجل إعادة بناء المجتمعات والمؤسسات المدنية القوية يمكن أن تلعب فيه تلك القوى دورًا حاسمًا في إحداث التغيير وتعزيز الديمقراطية واستعادة الحكم الراشد وترسيخ دعائم السلام المستدام.


● رابعا: نجد أن عملية تعافي الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني من آثار التدمير التي تسببت فيها الصراعات المسلحة تتطلب جهودًا شاملة ومتعددة المستويات (حكومية- شعبية- إقليمية- دولية)، وتشمل العديد من الجوانب المهمة، وهنا أستعرض بعض النماذج لأشكال تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية في بعض الدول العربية والأفريقية والعالم:

1. نموذج التعافي المرتبط بتحقيق السلام والاستقرار، إذ يعتبر بناء السلام والاستقرار أحد أولويات تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية، على سبيل المثال نجد في جنوب إفريقيا بعد زوال نظام الفصل العنصري في 1990م، شهدت المؤسسات والأحزاب السياسية والمجتمعات المدنية تعاونًا وحوارًا شاملاً لبناء نظام ديمقراطي شامل قاد إلى استقرار سياسي وترسيخ مباديء الحكم الراشد وارتفاع معدل النمو الاقتصادي والتطور في كافة المستويات المدنية والحقوقية، بل حتى التموضع الاستراتيجي في القارة الافريقية والقرار الدولي، كل ذلك بفضل تعافي المجتمع المدني.

2. نموذج إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية واستعادة الحياة في المرافق التي دمرتها أو قتلتها الحرب، فتعافي المجتمعات المدنية يتطلب أيضًا إعادة بناء وتطوير المؤسسات السياسية والبنية التحتية المدمرة. ونجد في النموذج اللبناني بعد الحرب الأهلية، نهوض سريع في تسعينيات القرن الماضي واستقرار حتى مطلع هذه الألفية، فقد قدمت المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني مساعدات لإعادة بناء وتطوير البنية التحتية للمدن المتضررة بالصورة التي جعلت من لبنان نموذج ديمقراطي في المنطقة وقبلة سياحية للعالم ووجهة للتعليم لعدد كبير من أبناء المنطقة العربية، ولا زالت الحركة النقابية والحقوقية المدنية في لبنان من أقوى الحركات في المنطقة.

3. نموذج يكفل المشاركة السياسية ويضمن إسهام الكافة في بناء الدولة وتقوية مؤسساتها، لأن الحركة السياسية والمجتمعات المدنية تعود فور مزاولة نشاطها لتأسيس مبدأ المشاركة السياسية وتنظيم الحوارات والتجمعات السلمية والاعتراف بالآخر، ففي تونس بعد الثورة التي اندلعت جراء حريق بوعزيزي لنفسه، قد تعافت أحزاب المعارضة والمجتمع المدني من خلال تنظيم الحنكة والنشاطات السياسية والتعبير عن الرأي الحر، وتم خلال فترة الثورة استعادة الحياة المدنية وقوة المؤسسات النقابية لا سيما العمالية، وظلت إلى يومنها هذا عنوان لتقويم وتقييم مؤسسات الدولة ومناهضة الإجراءات الشمولية، ويعول على تلك الحركة المدنية لا سيما الشبابية في استعادة تونس إلى المسار الديمقراطي.

4. نموذج بناء الثقة والمصالحة القائم على استعراض الحقيقة وتأسيس منصات الاعتراف، وجبر الضرر وبناء الثقة، وتحقيق المصالحة الوطنية، لتلعب المجتمعات المدنية والقوى الحية دورًا مهمًا في تعافي المجتمعات إذ يتعذر على المتحاربين أو المؤسسات العسكرية القيام بذلك الدور، ونجد أنه في كولومبيا بعد عقود من النزاع المسلح وقع اتفاق سلام تفاوضي بين الحكومة والمتمردين قاد إلى مصالحة شاملة، مما أفسح المجال أمام تعافي الأحزاب السياسية والمجتمع المدني التي تشهد تحركات مدنية وحقوقية ومهنية كبيرة هذه الأيام.

5. نموذج تعزيز الشراكات والتعاون الإقليمي والدولي لإنهاء الصراع في البلدان وانتشالها من الحروب، وربط قواها المدنية بشبكات جارة صديقة وشقيقة، تعمل تلك الشراكات على توطيد أواصر التواصل والتعاون بين المؤسسات السياسية والمجتمعات المدنية والشركاء الدوليين لرفع القدرات وخلق التعافي في المجتمعات، وهذا شهدناه في العديد من البلدان من تعاون المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية للإسهام في خلق نماذج مدنية وديمقراطية وتنموية واستقرار سياسي.

6. أما نماذج الوصاية والتدخل التي اسهمت في كثير من الأحيان إلى التخلص من طبقة مدنية وقوى سياسية واجتثاثها لصالح كيانات أخرى، كما حدث في العراق، ويحدث في اليمن، وليبيا، وما انتهت إليه افغانستان، قاد إلى تشكيل مجتمعات مدنية وقوى سياسية وطبقات اقتصادية لها ارتباطات عضوية بالخارج، أو قطيعة بينية وخصام مزق الوحدة الوطنية وقسم التراب الواحد.

خامسا: واجبنا كقوى مدنية وأحزاب سياسية ومجتمعات محلية ليس الهروب من الحرب إلى ولاءاتنا الأولية، بل بالتوجه القوى والفوري للحفاظ على القوى المدنية والمجتمعات والقطاعات الفئوية والمهنية والنقابات خلال فترات هذه الحرب. وضرورة تحييدها لصالح إنهاء الاقتتال والصراعات لأن ذلك يمثل تحديًا كبيرًا حال النجاح فيه يمكن الإسراع في إنهاء الصراع واستعادة الحياة المدنية وترميم مؤسساتها، ولن يتسنى لنا ذلك إلا باتخاذ بعض التدابير والإجراءات التي يمكن اتباعها للحفاظ على استمرارية هذه المؤسسات والقوى المدنية الحية والحيوية وضمان فعاليتها وتاثيرها، وهي:

1. رفع الوعي بضرورة المؤسسات والمؤسسية وتدريب القادة المحليين والولائيين وعلى المسوى المركزي، وينبغي التركيز على بناء قوة قدرات القيادة ورفع المهارات اللازمة للتعامل مع الظروف الصعبة في فترات الصراع المسلح والحروب والنزاعات، ويمكن توفير التدريب والاستشارة والدعم اللازم للقادة وأعضاء القوى المدنية لتعزيز قدرتهم على الصمود والعمل تحت ضغوط الحرب، وذلك بصورة مباشرة أو عبر استخدام الفضاءات الرقمية المفتوحة، وذلك بأن تعقد تلك القوى شراكات أشرنا إليها أعلاه وتنظيم شبكات محلية تضم كافة الفاعلين والمؤثرين المدنيين والحقوقيين والمبدعين وقادة الرأي ونحوه

2. ربط الجميع بسلسلة حلقات تواصل وتوسيع وتوزيع شبكات الاتصال والتعاون، فالتعاون والشراكات بين المؤسسات والقوى المدنية والقطاعات الفئوية والمهنية والنقابات سيتيح ذلك تقاسم الموارد والمعرفة والدعم المتبادل وتعزيز القوة الجماعية لهذه الجهات، ويسهل التنسيق والتحرك والتنظيم لاستعادة الحقوق ومناهضة كافة اشكال التعدي غير القانوني ورصد ومنع الانتهاكات.

3. تشكيل دروع الحماية وتنظيم أشكال مدنية لحراسة القطاع غير الرسمي (الخاص) من بطش القطاع الرسمي (الحكومي)، وينبغي أن تركز الجهود المدنية على تنظيم وحماية القطاع الخاص في التجارة والصناعة والعمل وغيرع، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والمبادرات المجتمعية، وذلك عن طريق تقديم الدعم المالي والقانوني والأمني لمثل هذه المؤسسات للحفاظ على استقرارها وسلامة أعضائها، ومنع كافة أشكال التعدي ضد أصحابها فنموذج تدمير استثمارات القطاع الخاص ومصالح بعض المدنيين وحرق ونهب مرافقهم يوجب النظر في توفير أقصى درجات الحماية لهم وأن تعكف القوى السياسية المدنية على رصد ذلك في مواقفها وأدبياتها وأفكارها لتبادل المنفعة والحماية لهذه المجتمعات المدنية التي بتعافيها يتعافى التعليم والصحة والاقتصاد وتزدهر البلاد.

4. تجاوز حالة الوجوم التي سببتها الحرب والنهوض للعب الدور المدني الحقوقي والتأثير السياسي لصياغة العقد الاجتماعي الجديد وصناعة الدستور الذي يستعيد الحياة والاستقرار في البلاد، وهو ما يتطلب إعادة بناء قوى المجتمع المدني والقوى الفئوية والمهنية والقطاعية، وتفعيل أدوات التعاطي المدني بصورة أمثل أثناء الصراعات، وسيكون لذلك تأثيرًا سياسيًا قويًا ومهما للمشاركة في التوافقات السياسية وبناء العقود الاجتماعية المطلوبة في الحالة السودانية، كما يمكن أن يكون لهذا الأثر دور حاسم في تحقيق السلام والاستقرار وتنمية المجتمعات المتأثرة بالصراع لا سيما في مجتمعات تدفعها الحرب نحو تقرير المصير الذي إن مكنوا سيكون قرارهم الفرار من الجحيم والانفصال وهذا أمر ترياقه القوى والكيانات المدنية القومية.

● ختاما:
• إن الصراع في السودان تكرر واستمر لعقود ولفترات متفاوتة، عملت فيه السلطة الدكتاتورية وعمدت على تمزيق الكيانات المدنية حتى القبائل والمجموعات الفنية وصمموا لذلك إدارات متخصصة في جهاز الأمن والمخابرات الوطني سيء الصيت، ولكن كل تلك الفترات ليست بصعوبة الوضع الحالي الذي يتخذ من الحرب الحالية واحدة من أدوات تجريف الحياة المدنية، ولا يوجد له شبيه في المنطقة أو العالم سوى نموذج لمؤسسة وحزب صمدا خلال الصراعات هو حركة المقاومة الفلسطينية (مثل حركة فتح وحماس) التي واصلت نشاطها السياسي والاجتماعي خلال الصراع الإسرائيلي، وهو نموذج مغذى بأدوات الصراع العنيفة رغم أن له أجنحة سياسية يتعذر تطبيقه في السودان لكثرة الجماعات والحركات المسلحة ذات الطابع السياسي.
• ولكن يمكن أن تتخذ القوى المدنية وبخاصة الأحزاب السياسية حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا وحزب جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية نماذج يمكن الاقتداء بها، وذلك لقدرتهما على الصمود والقيام بنشاط سياسي والمساهمة في بناء نظام ديمقراطي بعد فترات الصراع المسلح.
• وتشير هذه النماذج الاخيرة إلى أن عملية تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية بعد الصراعات المسلحة تحتاج إلى جهود مشتركة من الجميع وتوجه سياسي واقتصادي واجتماعي مستدام لتحقيق الاستقرار والديمقراطية، فيه تحافظ المؤسسات والأحزاب والقوى المدنية على قوميتها وأهميتها لترسيخ ورفع الوعي بالحقوق المدنية وضرورة التنظيم والتواصل الفعال والتجمع وحرية الرأي والاستفادة من شبكات المناصرة والتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين.



عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الأحد، 9 يوليو 2023

جماعات إعلامية تضليلية

جماعات إعلامية تضليلية


● لعبت الجماعات الإعلامية التضليلية دورًا خطيرا في الحروب والنزاعات على مر العصور بعضه يندرج ضمن الدعاية الحربية، وبعضه تضليلي لتثبيط همة العدو، وقد تم استخدام كافة وسائل الإعلام لنشر معلومات مشوهة وغير صحيحة بهدف التأثير على الرأي العام وتشويه سمعة الأطراف المتنازعة لبعضها في الصراع. وتم استغلال هذه الأدوات الإعلامية لتأجيج التوترات وخلق الانقسامات بين الأفراد والمجتمعات، أشهرها الحرب الإعلامية بين الروس والأوكران الدائرة حاليا، والصراع الإعلامي داخل البيت الأمريكي وخارجه ضد الصين وإيران.


● إن تأثير الجماعات الإعلامية التضليلية على الاستقرار السياسي في السودان سيكون كارثيًا. وسيؤدي نشر المعلومات المضللة إلى زعزعة الثقة في كيان الدولة وشعبها وقطاعاتها الحية والمؤسسات السيادية والسياسية، وتقويض مبدأ التعاطي الحر والتدافع المدني وإجهاض العملية الديمقراطية مستقبلا،  وستسهم هذه الأنشطة التي تمارسها جماعات التضليل في تأجيج الكراهية والتحريض على العنف ورفع شأن النعرات وخفض درجة الولاءات القونية، مما سيزيد حدة الصراعات وتعقيدها في المركز والولايات الهشة التي تتزايد فيها تلك الخطابات المقيتة.


● بالنظر والقراءة في صحائف التاريخ نجد العديد من النماذج التي تشهد تأثير الجماعات الإعلامية التضليلية في السودان وإفريقيا والعالم. على سبيل المثال، دور منصات الجبهة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول وواجهاته الإعلامية التي عبأت الرأي العام ضد الجنوب وصورت أن النزاع هو عمليات جهادوبة أوردت البلاد إلى الانقسام بعد قتل مليوني نفس، وتصوير النظام الديمقراطي في 1989م بأنه أفشل نظم الحكم وتم تكرار ذلك في شيطنة الفترة الانتقالية، واليوم يتم تكرار ذات الأمر عبر الآلة الإعلامية الحربية، وبدأت بعض المجموعات الموالية للنظام المباد تتخذ ذات الأسلوب الذي استخدم في النزاعات الدامية بدولة الصومال، حيث استخدمت الجماعات الإرهابية وسائل الإعلام للترويج لأفكارها الطائفية والعنصرية البغيضة، وتكرار هذا الأمر سيقود لذات النتائج مما يهدد الاستقرار السياسي والأمن في المنطقة ويمزق نسيج المجتمع.


● هناك العديد من النماذج والأمثلة الأخرى في العالم أيضًا، مثل تأثير وسائل الإعلام التضليلية في النزاع السوري، حيث استخدمت أطراف الصراع العديد من القنوات الإعلامية لنشر المعلومات المضللة وتشويه صورة الأطراف الأخرى في الصراع، وذلك بالاستعانة بمجموعات روسية تنشط في هذا المضمار، واليوم تنشط ذات تلك الجماعات ودول عديدة في استضافة منصات تحرض على العنف في السودان وتبث خطابات الكراهية وفتاوى القتل والتصفية السياسية للخصوم.


● في مناهج الإعلام الحربي والسياسي تعد الدعاية الحربية أحد وسائل الصراع حتى وإن لم تلتزم بمعايير مهنية وأخلاقية وقد تكون لها تأثيرات متناقضة في إنهاء النزاعات أو استمرار النزاعات، فعلى الصعيد الإيجابي قد تدفع الدعاية الحربية الشعور بالوحدة والتضامن بين الشعب وقواته المسلحة وتعرض الجوانب الأخرى للصراع بشكل مجتزأ وغير مواتٍ، كما يمكن استخدام الدعاية الحربية للتأثير على الرأي العام ورفع معنويات القوات العسكرية في الجبهة الداخلية أو الخارجية.


● وكذلك للدعاية الحربية آثار سلبية أيضًا، وتسهم في تأجيج العنف والتشفي والانتقام وعدم الثقة، وتعزز حالة من العنصرية والكراهية نحو الأطراف الأخرى في النزاع. وتاريخيًا كما أشرت أعلاه فقد استُخدمت الدعاية الحربية لتبرير العمليات العسكرية وترويج الأفكار الدكتاتورية والعسكرية وتصورات الحسم العسكري، مما أطال وعقد عمليات التفاوض وعمليات السلام ليستمر الصراع في الجنوب إلى عقدين من الزمان وكذلك في غرب السودان ولا زال في جنوب كردفان يراوح مكانه.


● وأخطر المعارك الإعلامية تلك التي تخاض بالأسلحة رخيصة التكاليف وسهلة الامتلاك، وذلك باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة من أدوات التضليل، فقد أثرت هذه الظاهرة سلبًا على المشهد الإعلامي السوداني وضللت الراي العام الإقليمي والعالمي، إذ تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي منصات سهلة وزهيدة وسريعة لنشر المعلومات، وهي في الوقت نفسه تفتقد للرقابة والتحقيق والتدقيق الصحفي المهني الاحترافي المستقل المحايد والشفاف ويتوارى خلفها مؤججوا الصراع بأسماء وهمية، لذلك يستغل كافة أطراف الصراع الوسائط الاجتماعية لنشر الأخبار المضللة والشائعات بهدف تشويه الحقائق والإضرار بالأطراف الأخرى في النزاع، وهناك ممتهنون محترفون لبث الشائعات وتصميم الحملات التضليلة وصناعة المحتوى الزائف يقتاتون من هذه المهنة وهم مع من يدفع أكثر.


● وليس السودان بمعزل عن تلك المصانع التضليلية أو الجماعات التطبيلية، إذ تعتبر الدول الأفريقية والعربية ودول العالم بشكل عام معرضة لتأثيرات الدعاية الحربية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتضليل، فما يحدث فيه هذه الأيام شييه بما حدث في حرب اليمن، التي تم استخدام الدعاية الحربية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع للتأثير على الرأي العام وتشويه الحقائق في الحرب، وانتشار انتاج ما سمي بمنصات الإعلام الحربي، يحاول المتصارعون في السودان جاهدين تصميم منتج شبيه بمنتج الإعلام الحربي اليمني، والبعض لا يجتهد كثير اجتهاد بل يقتطع بعض ذلك المنتوج ويعيد تدوي+ره.


● واجب الأفراد والجماعات والمؤسسات الإعلامية وقادة الرأي والمؤثرين العمل بجد لبذل الحقائق مجردة وبثها بصورة واضحة لا تحتمل اللبس والتأويل، وذلك للتصدي لهذه الأنماط الإعلامية السلبية التضليلية، وقد تحتاج الدولة والمجتمعات السودانية والأفراد إلى رفع ونشر الوعي والتثقيف الإعلامي بصورة عاجلة وكثيفة، وينبغي تشجيع الإعلاميين ومحترفي المهنة وصناع المحتوى لتطوير مهارات التحليل والإطلاع والقراءة النقدية والبحث عن المعلومات الحقيقية والمجردة من مصادر موثوقة، فضلاً عن تشجيع الحوار والتواصل الفعّال بين كافة الأطراف، ويتعين أيضًا مخاطبة منصات التواصل الاجتماعي والسلطات الرقابية بحملات توعوية لتبني إجراءات فعّالة في مواجهة هذه الأنماط الضارة والتضليلية التي ستضعف مصداقية تلك المنصات التفاعلية وستعصف مستقبلا باستقرار أمم وشعوب ويمكن أن تجهض حتى الأنظمة الديمقراطية، ويمكن أن ترسخ لخطابات وأنظمة دكتاتورية.


● وواجبنا جميعا كقوى وكيانات اجتماعية إدارة معاركنا السياسية والتنافسية بصدق وتجرد وأن نعمل سويا للتخلص من المنصات الإعلامية التضليلية وتحجيم أدوارها في الفضاء العام، والسير في هذا الطريق بوعي وصدق وهمة وتنافس شفاف واتباع خطوات مهمة تخلصنا من الصحائف الصفراء والمحتوى الزائف وصانعيه وذلك بالآتي:

1. رفع درجات الوعي الإعلامي بأهمية التحقيق والاستيثاق من المعلومات والتثقيف الإعلامي لدى المهنيين و الجمهور، وينبغي تعليم الناس كيفية تحليل المصادر وتقييم المعلومات بشكل نقدي وتدريب طيف واسع من المجتمعات، وفي ذلك تقوم عدد من المؤسسات الإعلامية بعقد دورات تدريبية بهذا الصدد.

2. إنشاء منصات محايدة والترويج للإعلام المستقل بكثافة، وينبغي دعم وتعزيز وسائل الإعلام المستقلة التي تلتزم بمبادئ الحياد والمصداقية والمهنية والشفافية والتي في الغالب تعاني من شح الموارد المالية في بلداننا، ودعم الحسابات الشخصية للصادقين اللامنتمين ورفدهم بالمعلومات الموثوقة لأنهم من أهم مصادر النشر فهناك حسابات شخصية لأفراد موثوقيتها عالية جدا لدى الجمهور الواجب المحافظة على استقلاليتها وصدقيتها وتوسيع دائرة انتشارها.

3. تفعيل أدوات المراقبة القانونية والمتابعة اللصيقة والرقابة الصارمة ذاتيا وفنيا وأخلاقيل، والتشديد على المنصات الإعلامية التضليلية ومراقبة نشاطها على مدار الساعة من جهات رسمية أو تطوعية أو منظمات غير ربحية كالذي تفعله منصة (جهينة) الاستقصائية، ويجب ألا تتعارض أو تتناقض هذه الرقابة مع حرية التعبير وأخلاقيات المهنة الإعلامية، فالبحث عن الحقيقة وحرية التعبير هما عماد النظام الديمقراطي وأهم شعارات الثورة السودانية.

4. واجب الكيانات الرسمية والشعبية والخاصة وجميع الأفراد العاملين في الاعلام العمل والتشبيك التعاوني الدولي، فالواجب يقول أن تعمل المؤسسات والأفراد والدول والجهات الدولية سويًا لمواجهة التحديات التي تثيرها المنصات الإعلامية التضليلية على المستوى الدولي، بحيث يسهل تبادل المعلومات وتبني استراتيجيات مشتركة لمواجهة هذه التهديدات ومكافحة الإعلام المضلل، وخلق آفاق تعاون مستقبلي.

● ومثال لذلك التعاون المهني المثمر الحيوي والفعال الذي يشير إلى  بعض النماذج المهنية والاحترافية في إفريقيا والمنطقة العربية والعالم، هناك العديد من الأمثلة، على سبيل المثال تقدم وسائل الإعلام المستقلة في تونس وشبكة تنوع الأصوات والآراء في جنوب أفريقيا قدرا عاليا من الصدقية والموثوقية والاحترافية، والتي توفر منصات إعلام مستقلة تقدم تقارير حيّة ومهنية عن أحداث متعددة بصورة احترافية في الساحة العربية والإفريقة، وهناك صحفيون ومؤسسات إعلامية متميزة تعمل على نقل الأخبار بشكل دقيق وشفاف، إلا أن الاهتمام بهذه المنصات في الغالب يكون فقط من المختصين أو الباحثين عن منصات شفافة.

● وعلى المستوى العالمي لا يمكن حصر المنصات الإعلامية المستقلة ولكن توجد منظمات غير حكومية مثل "صحفيون بلا حدود" و"مراسلون بلا حدود" التي تعمل على دعم الصحافة المستقلة وحماية حرية التعبير في جميع أنحاء العالم، وهؤلاء منفتحون للتعاون مع المؤسسات الإعلامية بصورة مباشرة أو عبر الانترنت وتقدم محتويات احترافية ومهنية وتدريبية، عملت في السودان بصورة كبيرة بعد الانفتاح إبان الفترة الانتقالية إلا أن دورها بدأ في الانحسار منذ إنقلاب 25 أكتوبر 2021م.

● ختاما: إن تحقيق السلام والاستقرار واستكمال الثورة والتغيير وإنهاء الحرب وإعادة إعمار ما دمرته وكشف الانتهاكات، يتطلب جهودًا مشتركة من الأفراد والحكومات والمجتمع المدني، والمنظمات الإقليمية والدولية والفاعلين والمؤثرين لدعم ((مشروع الحقيقة))، وحراسة مشارع الحق، وصد كافة أشكال الكذب والادعاء، ورصد جميع الفظائع المرتكبة في كل ولايات السودان، وينبغي أن تكون الشفافية والرقابة والتثقيف الإعلامي من أولويات الجميع وفي صلب الجهود المبذولة لاحتواء وتحجيم الأثر الضار للمنصات الإعلامية التضليلية، والعمل سويا على مكافحة هذه الجماعات الإعلامية التضليلية، بالتأكيد على رفع الوعي العام بالحريات وأهمية الحصول على المعلومات من مصادر موثوقة والتمكن من تحليلها وتنقيحها، حينها سيلعب الإعلام المستقل الحر وحرية التعبير دورًا حاسمًا في تحقيق ذلك الحلم الذي تنادى به ثوار وثائرات السودان.



عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


.