الأربعاء، 12 يوليو 2023

الحرب: أثر نفسي قائم وخطر قادم

الحرب: أثر نفسي قائم وخطر قادم

● مقدمة: بعد النزاعات والحروب والصراعات المسلحة والاقتتال الأهلي، تتولد الكثير من الأمراض وتتخلق العديد من التأثيرات السلبية على سلوك الأفراد والمؤسسات والمجتمعات والأنظمة الإدارية والحكومات بل حتى السلطات التشريعية والقضائية، وتؤدي مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية إلى عدم الاستقرار الاجتماعي، وضعف التماسك القومي، وانعدام التواصل الإنساني وبالتالي تهديد استدامة السلام، لذلك ينبغي الاستعداد للتصدي للأمر وذلك الخطر الذي يتهددنا جميعا دون استثناء، وذلك من خلال العديد من الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتقويم سلوك الفرد والاستجابة لتلك التحديات.



● أولا: تظل أعظم مهام الأكاديميين والمثقفين والساسة والحكماء هي بذل جهود مضاعفة لدراسة تأثير الحروب والصراعات المسلحة على سلوك الأفراد والمجتمعات اعتمادا على مجموعة واسعة من المناهج العلمية والنظريات السلوكية، لتنزيل ذلك في نموذج التعافي السوداني، ومحاصرة ارتدادات الحرب وانعكاساتها السلوكية على المجتمعات التي لم تصلها نيران الصراع، وهناك عدة نماذج وأفكار قد تم دراستها وتوثيقها على مختلف المستويات في عدد من الدول التي شهدت أطول الحرب وأدمى الصراعات، ومن بين الكتاب والمفكرين الذين أسهموا في هذا المجال، ويمكن الاستهداء بتصوراتهم، هم:

1. الذين صاغوا واتفقوا على ما أسموه نموذج اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والذي يركز على دراسة التأثيرات النفسية والسلوكية الناجمة عن تجارب الصدمة الشخصية والجماعية خلال الحروب والصراعات، وهؤلاء ساهمت أبحاثهم القينة والدراسات في هذا المجال في تطوير مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة وتقديم النصح والعلاج النفسي للأفراد المتأثرين، وخلصوا لمعالجات منهجية تتدرج من المستوى الفردي وصولا للمؤسسات والمجتمعات والأنظمة، وأشهر من كتب في هذا السياق سيباستيان جونغ هيير، في كتابه كتابه "جراح الحروب الكبرى، متحدثا عن تأثير الحروب والصراعات على السلوك البشري" يعرض العديد من الدراسات والأبحاث حول تأثير الحروب على السلوك البشري.


2. أصحاب نظرية السلوك الجماعي، وما اصطلح عليه بسلوك القطيع، وهؤلاء مضوا إلى نظرية تستكشف كيف يتأثر سلوك الأفراد والمجتمعات بمحيطهم والقوانين والتحفيز الاجتماعي، وتسلط الضوء على أهمية العوامل الاجتماعية في تشكيل وتغيير السلوك البشري، ويتخذ هذا المنهج أقوى أوجه التعاون للتعافي الجماعي ويمكن أن يعزز أواصر الود بين المجتمعات التي شهدت قطيعة جراء الصراع، وهنا تجدر الاشارة للكاتبة كاثلين بتجول، وكتابها "العنف السياسي وتداعياته على السلوك البشري"، والءي يشرح تأثير العنف السياسي والصراعات على السلوك الفردي والجماعي.

3. أما من قال بنظرية التأقلم الاجتماعي فهؤلاء ركزوا على كيفية تكييف الأفراد والمجتمعات مع التحديات والظروف الصعبة، ويدرس هذا النموذج كيف يمكن للأفراد أن يتعاملوا مع الضغوط النفسية والاجتماعية ويبنوا قدرات التأقلم الشخصي والاجتماعي، وهو منهج مكلف للغاية ويحتاج لقدرات وإمكانيات عالية للتدريب والتأهيل وصولا لدرجة التأقلم.



● ثانيا: جميع تلك المناهج والكتاب والمفكرين قد وضعوا متلازمة أعراض وأمراض تعزز ما نشهده خلال فترات الصراع والحروب التي قادت تغيرات كبيرة في سلوك الأفراد والمجتمعات والمؤسسات والأنظمة، وتسببت في عدة أشكال لتغير السلوك البشري خلال هذه الفترات، ومن أخطرها:

1. حدة العنف وشدة العداء، فقد تنامى بفضل الصراع مستوى العنف والعداء خلال فترات الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت من الإنسان لا يستنكر الموت أو رؤية أخيه السوداني حريق أو مهشم الرأس أو مقطع الأوصال، وهو الأمر الذي زلد الانقسامات الاثنية والمجتمعية وشجيع على التصعيد العنيف في التعاطي بين الأفراد والمجتمعات، كما شهدنا في بعض أحباء العاصمة، ومدن كالجنينة، وزالنجي، ونيالا، وكتم، وطويلة، وعدد كبير من القرى المنسية في هذا الصراع.

2. التغير السريع في القيم والتراجع في المثل والانتكاسة في المعتقدات، فقد كذبت سلوكيات عدد من الناس خلال فترة الحرب أن كثير من أخلاق السمت والموؤة والنجدة السودانية، تخطي كومة من الجشعين وتجار الأزمات وأمراء الحروب، وتم تغيير منظومة القيم والأخلاق والمعتقدات خلال فترات الصراع والحروب للدرجة التي تساقط فيها كثير من عناصر أيدولوجية حزبية في مستنقع الإثن والعرق والقبيلة، واستشرت البراغماتية في كثير من الأوساط، وبلغ الأمر مبلغا عظيما للدرجة التي يتم الترويج لأفكار تعلي النعرات وتؤسس للعداء والانفصال بين الأفراد والمجتمعات، الأمر الذي قد يقود لتقطيع أوصال البلاد.

3. التأثير النفسي وصراع الذات والأمراض الملازمة له، فقد قادت الصراعات والحروب إلى إحداث تأثيرات نفسية عميقة على عدد كبير من الأفراد وأدخلت الكثير من المجتمعات في حالة من الذهان ورهاب الصدمة، وتعرضوا للأزمات النفسية والتوتر والقلق والاكتئاب وصولا لدرجة الجنون، الأمر الذي أثر على سلوكهم اليومي وعلاقاتهم مع الآخرين، في ظل إغلاق كافة المراكز المعنية بالعلاج وتلقي الإرشاد، خاصة المراكز الخاصة بالسيدات من ضحايا العنف. كمركز التروما في جامعة الأحفاد، مع شح شديد في الأدوية والعقاقير وفرار عدد كبير من الاختصاصصين النفسيين جراء الحرب، الأمر الذي قاد للجوء كثيرين لتعاطي المخدرات التي ينشط تجار الحروب في توفيرها وتمويل أنشطتهم عبر ترويجها.

4. سادت حالة كبيرة من القلق وموجة من الشك وضعف اليقين، وعدم الثقة، بين الأفراد فيما بينهم، وبين المجتمعات، وبين المجتمعات والمؤسسات خلال فترات سابقة إلا أنها ازدادت خلال أيام الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت الناس يعتقدون أنهم في حالة خطر مستمر، خاصة أولئك الذين نزحوا من مناطق النيران إلى أخرى فأخرى عدة مرات، مما ينعكس على التعاطي اليومي بتزايد الريبة والشكوك وهو ما سيؤثر على العلاقات الاجتماعية الشخصية والعامة، فنماذج التشكيك والاتهام بالولاء لهذا الطرف أو ذاك تجعل من الجوار الآمن أمرا مستحيلا بين الأسر.

ثالثا: نحن جزء من منظومة كونية شهدت حروب وصراعات ونزاعات، وشوهدت فيها انتهاكات وفظاعات، قاد بعضها لانفصال البلاد وتخليق آثار غائرة لا يرجى برؤها، ولكن بذات القدر هناك من النماذج التي قدمت لإبراء الجراح الجسدية والنفسية وترميم الشروخ التي خلفتها الصراعات، وأشهرها:

1. ما فعله نيلسون مانديلا الذي قاد دولته العنصرية وقتئذ جنوب أفريقيا وأوصلها إلى التعافي بعد مسيرة التصالح الجنوب إفريقية متجاوزا بذلك نظام الفصل العنصري، وعمل على بناء جسور التعايش السلمي والتحقق من العدالة الاجتماعية، بالصورة التي مكنت المواطنيين من تقديم نموذجهم كحالات تعليمية وقدوات علاجية تستهدي بها اليوم عدد من المؤسسات ويستضافون في عدد من المحافل والمؤتمرات، وظل نويل باردي رئيس وزراء جنوب أفريقيا الأسبق الذي قاد مسعىً للمصالحة النهائية ونقل البلاد إلى نظام ديمقراطي بعد نظام الفصل العنصري، من أهم نماذج الاتزان النفسي والتعاطي المخلص.

2. لا يذكر كثيرون محمد الطيب الهاشمي، والذي كان يشغل رئيس المجلس الانتقالي في تونس بعد الانتفاضة الشعبية، وقد قاد مسار الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسسات التونسية بصورة راسخة قائمة على الحوار والتشاور، الأمر الذي جعل من تونس نموذج مؤسسي واجتماعي قوي رغم المحاولات المستمرة لضرب وإضعافه، وهيأ بتلك المؤسسية مرافق التعافي النفسي والتصافي وإبراء الجراح.

3. قد يبالغ المرء إذا قال أن أقوى نموذج تأثر بالحروب والصراعات والحملات النفسية والأذي الجسدي وأنهى حالات التصافي والتعافي بعد ارتكاب مجازر في حقه كفرد وفي مجتمعه كطائفه، هو الإمام الصادق المهدي، الذي شهد مذبحة الأنصار في المولد، ومجزرة الجزيرة أبا وودنوباوي والكرمك، مع ذلك قاد جهود المصالحة والمقاومة المدنية السلمية، وظل في كل الحقب يدعو للحل السياسي الشامل، ويربي مناصرية على منهج سماه بالجهاد المدني لتقويم السلوك وحراسة الحقوق، ومضى إلى الله وهو ينادي بترسيخ نموذج للحقيقة والمصالحة يبريء الجراح وينصف الضحايا، ويعاقب الجناة شبيه بكوديسا جنوب إفريقيا.


رابعا: من خلال ما تقدم ذكره وما يستقرأ حدوثه مستقبلا علينا بذل جهود حثيثة مسترشدين بالتجارب السابقة وطنيا وإقليميا ودوليا، لتقويم سلوك الفرد والجماعات بعد النزاع ومعالجة مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية على التركيبة السكانية السودانية في مدن ما بعد الصراع، ويمكن استخدام أسلوب منهجي يركز على الإصلاح والتعافي الاجتماعي والنفسي الفردي والمؤسسي، تنظمه العديد من العمليات والإجراءات، هي:

1. تقوية أواصر الشعور القومي وبناء الحوار والتواصل، وذلك بتشجيع الحوار والتواصل المفتوح بين الأفراد والمؤسسات المختلفة لخلق فهم مشترك لكافة المشاكل والمخاوف والطموحات المشتركة، وتجنيب المجتمعات خطابات النعرات وتجريم وتحريم التعالي والقطيعة والاستعلاء الاجتماعي.

2. تصميم مشروع قومي ونموذج سوداني للعدالة والحقيقة والمصالحة، يشمل العدالة للأفراد، والانصاف للمجتمعات والاسترداد للمؤسسات، ويتضمن العدالة الجنائية والانتقالية وتلك الدولية، لضمان إكمال كافة حلقات العدالة والمصالحة المجتمعية وضمان الشفافية والتعايش السلمي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان عدم الافلات من العقاب لإبراء الجراح وإزالة الشروخ النفسية.

3. تأسيس أكبر المراكز وتكوين أكبر الشبكات الصحية والنفسية ومراكز الدعم لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والمادي، للأفراد والمجتمعات المتأثرة من الصراع، للتعافي من آثار الحرب النفسية والآثار النفسية الأخرى، وتمكين المختصين من أدوات التطبيب النفسي وتأهيل عدد كبير من النساء لقيادة هذه المراكز لكونهن مفتاح تعافي الأسر والمجتمعات والأكثر انتشارا في كافة المرافق والمؤسسات.

4. تكثيف أنشطة التعليم والتثقيف وزيادة أعداد المرافق المختصة بشراكات إقليمية ومحلية ودولية، ورفع مستويات التعليم والتثقيف لتغذية التغيير الإيجابي والوعي بحقوق الإنسان، والمسؤولية الاجتماعية لملاحقة الجناة على أسس قانونية تشمل القانون الدلي الإنساني والمعاهدات والبروتوكولات ذات الصلة، والمواثيق التي تؤسس لانتزاع الحقوق.

5. وتظل التجربة الإنسانية أكبر وسائل التعافي هي التعلم والنظر للنماذج الفضلى للممارسات التي تخلصت من آثار ومضاعفات الحرب كما ذكرنا في إفريقيا والعالم والمنطقة العربية، كبرامج مثل التصالح الجنوب إفريقي بعد نظام الفصل العنصري ومحكمة جنايات رواندا الدولية لمعالجة جرائم الإبادة الجماعية، وعلى صعيد عالمي يمكن الاستفادة من خبرة المحكمة الجنائية الدولية في التعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي المنطقة العربية يمكن النظر إلى جهود الإصلاح في مختلف البلدان المتأثرة بالصراعات والحروب، مثل العراق وسوريا، والنموذج الذي يعكف الليبيون على تصميمه.

ختاما:
• إن تأثير هذه التغيرات والصراعات الدموية والحروب على التعاطي اليومي سيكون خطيرًا وكبيرا، ولأن التعاطي بين الأفراد والمجتمعات والمؤسسات يعتمد على الثقة والاحترام المتبادل، والذي ينخفض وربما يتبدد بسبب تدني مستوى الثقة خلال فترات الصراع، يظل واجبنا كأفراد وكيانات التواصل البناء لحل هذه الأزمات والمشكلات والتعاون المثمر، وإلا سنشهد المزيد من حدة التوترات والانفصالات.

• لتحقيق استقرار اجتماعي مستدام وسلام دائم بعد النزاع علينا تقويم سلوك الأفراد والمؤسسات، وتنفيذ أفضل الممارسات التي تعلي من قيم التسامح والتعايش وتكفل العدالة والتعافي الاجتماعي وتسهم في إعادة بناء المجتمعات المتضررة من الحروب والصراعات.

• ولئلا ينسحب الأمر ويتمدد حتى يتأثر التعاطي بين الأفراد والمؤسسات والنظام مع دول أخرى خلال فترات الصراع والحرب، علينا الشروع في وضع مشروع متكامل لأن ذلك قد يغير النهج السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والإنساني بيننا وغيرنا، مما قد يؤدي إلى زيادة التوترات الإقليمية والدولية وتدهور العلاقات الدبلوماسية والتعاون بين السودان وجواره الإقليمي.

• إن تقويم سلوك الفرد والمجتمعات والمؤسسات خلال هذه الفترة العصيبة سيقود إلى نجاح أكيد في التعاون وبناء الثقة والمصالح المشتركة، ويمكن أن يساهم في استمرار الحوار وتشجيع العمل المشترك وتوفير الدعم النفسي والمجتمعي لاستقرار مستدام وتجاوز للصدمات.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com 


الثلاثاء، 11 يوليو 2023

خطر الحروب على الحياة والقوى المدنية

خطر الحروب على الحياة والقوى المدنية


● أولا: مقدمة؛ لقد جرفت النزاعات على مر العصور كافة أشكال الحياة المدنية ومظاهر المجتمع المدني المتماسك وغيبت فعالياته وفاعليه السياسيين، والمثقفين، والتجار، والمهنيين، والفئوين، وغيره، وهو ما يعني ان الحرب التي اندلعت بالسودان في 15 إبريل 2023م، لها تأثيرات سلبية كبيرة على الحركة السياسية المدنية والحقوقية والمجتمعات المدنية الأخرى، والتي كانت تهيء نفسها المضي في ترسيخ الأنظمة الديمقراطية، وهنا أعدد دلائل التجريف المادي والمعنوي والنفسي للحياة المدنية وما ترتب عليه من خراب وأضرار يمكن أن تنهك جسد الدولة مستقبلا ويسهم ذلك التدمير إلى استمرارية الحرب.

1. مثل تدمير البنية التحتية لمقار ومرافق الحياة المدنية والخدمية وتحطيم المنظومة المتهالكة سلفا، وهو حتمية إندلاع الحرب، لأن الحروب عادة تكون مصحوبة بتدمير كبير للبنية التحتية للمجتمعات المدنية أكثر من المرافق العسكرية، وبالتالي يتأثر القدرة على توفير الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم ومرافق الترفقه والتعاطي المدني، ونحن اليوم نكابد آثار ذلك الدمار.

2. فرار السكان من الحرب أفرغ المدن من محتواها المدني السياسي والثقافي والاقتصادي والمهني، لأن الحرب قادت إلى تشريد الكثير من السكان وقادة المجتمع ونخبه، حيث اضطروا إلى مغادرة منازلهم ومدنهم بحثًا عن الأمان في مدن أخرى أو عبر الفرار إلى دول الجوار، هذا التشتت قد أثر بصورة مباشرة على استمرار الحرب وزيادة الجرائم والانتعاكات، وحد من القدرة على القيام بالنشاطات السياسية وبناء القوى المدنية والأحزاب والمؤسسات السياسية والمجموعات المدنية والكيانات النقابية التي تسرب عناصرها مخلفين وراءهم كل ما يملكون من رصيد معرفي ومهني ومادي ومقتنيات ومستندات وموروث ثقافي أو قيمي.

3. غيبت الحرب أهم الحقوق الدستورية التي كان يمارسها المجتمع المدني، وهو غياب الحركة الجماهيرية والمظاهرات والمواكب والتجمعات السلمية والوقفات الاحتجاجية التي تناهض الاستبداد بوسائل تعكس مدنية التطلع والطموح، وقد قوضت الحرب قدرة الجماهير السلمية المدنية على التجمع والتواصل والمواكب والمظاهرات السلمية للتعبير عن آرائهم ومطالبهم السياسية، واتخذت السلطة الانقلابية في 25 أكتوبر 2021م إجراءات قمعية خانقة ضد المجتمع المدني وسلبته حرية التعبير وحق الاجتماع، إلا أنها أجهزت تماما على ذلك المجتمع المدني في ظل الظروف الحربية الحالية، بل اتخذت من شرط الاصطفاف مع أو ضد السلطة الحاكمة سبيلا لتصفية الخصوم السياسيين.

4. استشراء الخوف العام والانعدام الأمني في العاصمة وقلته في الولايات، جعل ذلك كافة المرافق المدنية والأماكن الحيوية غير آمنة، وهذا أثر على قدرة الناس على المشاركة السياسية والاقتصادية والمهنية والرياضية والثقافية والنشاط الاجتماعي، حيث يتزايد القلق على سلامتهم الشخصية وحياة عائلاتهم، وقلت فرص التجمع حتى لأداء الصلوات في المساجد والكنائس ودور العبادة.

5. اتخاذ أطراف الحرب من المرافق المدنية والمؤسسات الحيوية والحياتية ثكنات عسكرية ودفاعات أمنية وارتكازات للقناصة والقوات، الأمر الذي أدخل الجامعات والاستادات والمتاحف والمدارس والمشافي ودور الرياضة دائرة الصراع، ومنع ذلك التواجد العسكري كافة الأنشطة المدنية التي ظلت تمارس رغم ظروف السودانيين القاسية قبل الحرب.

● ثانيا: أركز هنا على نماذج إنهيار الأحزاب في فترات الحرب التي تعتمد على الظروف والسياقات الزمكانية الخاصة وعلى سبيل المثال، سيؤدي التدمير الفعلي أو التهديد بالتدمير الناجم عن الحرب إلى تفكك الأحزاب السياسية القومية علي وجه الخصوص وتعزيز الحركات الجهوية والمناطقة والإثنية وربما تزايد الحركات المسلحة المناطقية، حيث يتعذر على القوى المدنية والأحزاب السياسية تنظيم أنشطتها والحفاظ على هياكلها وتأمين قياداتها من حملات الاستهداف والاغتيال المعنوي أو التصفية الجسدية أو التشريد والإفقار وإعداد موروثاتها الفكرية والعبث بوثائقها وموقعها ومرافقها.

● ثالثا: بشكل عام تشير الدراسات المنشورة عن تجارب عربية وإفريقية ولاتينية إلى أن الحرب قادت في غالب الأحيان إلى تقويض الحركة السياسية المدنية وضعف مؤسسات الديمقراطية والحقوق المدنية، ومع ذلك فإن الإصرار الكبير لبعض القوى والاستجابة الشعبية والصمود وكثافة الجهود المبذولة من أجل إعادة بناء المجتمعات والمؤسسات المدنية القوية يمكن أن تلعب فيه تلك القوى دورًا حاسمًا في إحداث التغيير وتعزيز الديمقراطية واستعادة الحكم الراشد وترسيخ دعائم السلام المستدام.


● رابعا: نجد أن عملية تعافي الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني من آثار التدمير التي تسببت فيها الصراعات المسلحة تتطلب جهودًا شاملة ومتعددة المستويات (حكومية- شعبية- إقليمية- دولية)، وتشمل العديد من الجوانب المهمة، وهنا أستعرض بعض النماذج لأشكال تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية في بعض الدول العربية والأفريقية والعالم:

1. نموذج التعافي المرتبط بتحقيق السلام والاستقرار، إذ يعتبر بناء السلام والاستقرار أحد أولويات تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية، على سبيل المثال نجد في جنوب إفريقيا بعد زوال نظام الفصل العنصري في 1990م، شهدت المؤسسات والأحزاب السياسية والمجتمعات المدنية تعاونًا وحوارًا شاملاً لبناء نظام ديمقراطي شامل قاد إلى استقرار سياسي وترسيخ مباديء الحكم الراشد وارتفاع معدل النمو الاقتصادي والتطور في كافة المستويات المدنية والحقوقية، بل حتى التموضع الاستراتيجي في القارة الافريقية والقرار الدولي، كل ذلك بفضل تعافي المجتمع المدني.

2. نموذج إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية واستعادة الحياة في المرافق التي دمرتها أو قتلتها الحرب، فتعافي المجتمعات المدنية يتطلب أيضًا إعادة بناء وتطوير المؤسسات السياسية والبنية التحتية المدمرة. ونجد في النموذج اللبناني بعد الحرب الأهلية، نهوض سريع في تسعينيات القرن الماضي واستقرار حتى مطلع هذه الألفية، فقد قدمت المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني مساعدات لإعادة بناء وتطوير البنية التحتية للمدن المتضررة بالصورة التي جعلت من لبنان نموذج ديمقراطي في المنطقة وقبلة سياحية للعالم ووجهة للتعليم لعدد كبير من أبناء المنطقة العربية، ولا زالت الحركة النقابية والحقوقية المدنية في لبنان من أقوى الحركات في المنطقة.

3. نموذج يكفل المشاركة السياسية ويضمن إسهام الكافة في بناء الدولة وتقوية مؤسساتها، لأن الحركة السياسية والمجتمعات المدنية تعود فور مزاولة نشاطها لتأسيس مبدأ المشاركة السياسية وتنظيم الحوارات والتجمعات السلمية والاعتراف بالآخر، ففي تونس بعد الثورة التي اندلعت جراء حريق بوعزيزي لنفسه، قد تعافت أحزاب المعارضة والمجتمع المدني من خلال تنظيم الحنكة والنشاطات السياسية والتعبير عن الرأي الحر، وتم خلال فترة الثورة استعادة الحياة المدنية وقوة المؤسسات النقابية لا سيما العمالية، وظلت إلى يومنها هذا عنوان لتقويم وتقييم مؤسسات الدولة ومناهضة الإجراءات الشمولية، ويعول على تلك الحركة المدنية لا سيما الشبابية في استعادة تونس إلى المسار الديمقراطي.

4. نموذج بناء الثقة والمصالحة القائم على استعراض الحقيقة وتأسيس منصات الاعتراف، وجبر الضرر وبناء الثقة، وتحقيق المصالحة الوطنية، لتلعب المجتمعات المدنية والقوى الحية دورًا مهمًا في تعافي المجتمعات إذ يتعذر على المتحاربين أو المؤسسات العسكرية القيام بذلك الدور، ونجد أنه في كولومبيا بعد عقود من النزاع المسلح وقع اتفاق سلام تفاوضي بين الحكومة والمتمردين قاد إلى مصالحة شاملة، مما أفسح المجال أمام تعافي الأحزاب السياسية والمجتمع المدني التي تشهد تحركات مدنية وحقوقية ومهنية كبيرة هذه الأيام.

5. نموذج تعزيز الشراكات والتعاون الإقليمي والدولي لإنهاء الصراع في البلدان وانتشالها من الحروب، وربط قواها المدنية بشبكات جارة صديقة وشقيقة، تعمل تلك الشراكات على توطيد أواصر التواصل والتعاون بين المؤسسات السياسية والمجتمعات المدنية والشركاء الدوليين لرفع القدرات وخلق التعافي في المجتمعات، وهذا شهدناه في العديد من البلدان من تعاون المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية للإسهام في خلق نماذج مدنية وديمقراطية وتنموية واستقرار سياسي.

6. أما نماذج الوصاية والتدخل التي اسهمت في كثير من الأحيان إلى التخلص من طبقة مدنية وقوى سياسية واجتثاثها لصالح كيانات أخرى، كما حدث في العراق، ويحدث في اليمن، وليبيا، وما انتهت إليه افغانستان، قاد إلى تشكيل مجتمعات مدنية وقوى سياسية وطبقات اقتصادية لها ارتباطات عضوية بالخارج، أو قطيعة بينية وخصام مزق الوحدة الوطنية وقسم التراب الواحد.

خامسا: واجبنا كقوى مدنية وأحزاب سياسية ومجتمعات محلية ليس الهروب من الحرب إلى ولاءاتنا الأولية، بل بالتوجه القوى والفوري للحفاظ على القوى المدنية والمجتمعات والقطاعات الفئوية والمهنية والنقابات خلال فترات هذه الحرب. وضرورة تحييدها لصالح إنهاء الاقتتال والصراعات لأن ذلك يمثل تحديًا كبيرًا حال النجاح فيه يمكن الإسراع في إنهاء الصراع واستعادة الحياة المدنية وترميم مؤسساتها، ولن يتسنى لنا ذلك إلا باتخاذ بعض التدابير والإجراءات التي يمكن اتباعها للحفاظ على استمرارية هذه المؤسسات والقوى المدنية الحية والحيوية وضمان فعاليتها وتاثيرها، وهي:

1. رفع الوعي بضرورة المؤسسات والمؤسسية وتدريب القادة المحليين والولائيين وعلى المسوى المركزي، وينبغي التركيز على بناء قوة قدرات القيادة ورفع المهارات اللازمة للتعامل مع الظروف الصعبة في فترات الصراع المسلح والحروب والنزاعات، ويمكن توفير التدريب والاستشارة والدعم اللازم للقادة وأعضاء القوى المدنية لتعزيز قدرتهم على الصمود والعمل تحت ضغوط الحرب، وذلك بصورة مباشرة أو عبر استخدام الفضاءات الرقمية المفتوحة، وذلك بأن تعقد تلك القوى شراكات أشرنا إليها أعلاه وتنظيم شبكات محلية تضم كافة الفاعلين والمؤثرين المدنيين والحقوقيين والمبدعين وقادة الرأي ونحوه

2. ربط الجميع بسلسلة حلقات تواصل وتوسيع وتوزيع شبكات الاتصال والتعاون، فالتعاون والشراكات بين المؤسسات والقوى المدنية والقطاعات الفئوية والمهنية والنقابات سيتيح ذلك تقاسم الموارد والمعرفة والدعم المتبادل وتعزيز القوة الجماعية لهذه الجهات، ويسهل التنسيق والتحرك والتنظيم لاستعادة الحقوق ومناهضة كافة اشكال التعدي غير القانوني ورصد ومنع الانتهاكات.

3. تشكيل دروع الحماية وتنظيم أشكال مدنية لحراسة القطاع غير الرسمي (الخاص) من بطش القطاع الرسمي (الحكومي)، وينبغي أن تركز الجهود المدنية على تنظيم وحماية القطاع الخاص في التجارة والصناعة والعمل وغيرع، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والمبادرات المجتمعية، وذلك عن طريق تقديم الدعم المالي والقانوني والأمني لمثل هذه المؤسسات للحفاظ على استقرارها وسلامة أعضائها، ومنع كافة أشكال التعدي ضد أصحابها فنموذج تدمير استثمارات القطاع الخاص ومصالح بعض المدنيين وحرق ونهب مرافقهم يوجب النظر في توفير أقصى درجات الحماية لهم وأن تعكف القوى السياسية المدنية على رصد ذلك في مواقفها وأدبياتها وأفكارها لتبادل المنفعة والحماية لهذه المجتمعات المدنية التي بتعافيها يتعافى التعليم والصحة والاقتصاد وتزدهر البلاد.

4. تجاوز حالة الوجوم التي سببتها الحرب والنهوض للعب الدور المدني الحقوقي والتأثير السياسي لصياغة العقد الاجتماعي الجديد وصناعة الدستور الذي يستعيد الحياة والاستقرار في البلاد، وهو ما يتطلب إعادة بناء قوى المجتمع المدني والقوى الفئوية والمهنية والقطاعية، وتفعيل أدوات التعاطي المدني بصورة أمثل أثناء الصراعات، وسيكون لذلك تأثيرًا سياسيًا قويًا ومهما للمشاركة في التوافقات السياسية وبناء العقود الاجتماعية المطلوبة في الحالة السودانية، كما يمكن أن يكون لهذا الأثر دور حاسم في تحقيق السلام والاستقرار وتنمية المجتمعات المتأثرة بالصراع لا سيما في مجتمعات تدفعها الحرب نحو تقرير المصير الذي إن مكنوا سيكون قرارهم الفرار من الجحيم والانفصال وهذا أمر ترياقه القوى والكيانات المدنية القومية.

● ختاما:
• إن الصراع في السودان تكرر واستمر لعقود ولفترات متفاوتة، عملت فيه السلطة الدكتاتورية وعمدت على تمزيق الكيانات المدنية حتى القبائل والمجموعات الفنية وصمموا لذلك إدارات متخصصة في جهاز الأمن والمخابرات الوطني سيء الصيت، ولكن كل تلك الفترات ليست بصعوبة الوضع الحالي الذي يتخذ من الحرب الحالية واحدة من أدوات تجريف الحياة المدنية، ولا يوجد له شبيه في المنطقة أو العالم سوى نموذج لمؤسسة وحزب صمدا خلال الصراعات هو حركة المقاومة الفلسطينية (مثل حركة فتح وحماس) التي واصلت نشاطها السياسي والاجتماعي خلال الصراع الإسرائيلي، وهو نموذج مغذى بأدوات الصراع العنيفة رغم أن له أجنحة سياسية يتعذر تطبيقه في السودان لكثرة الجماعات والحركات المسلحة ذات الطابع السياسي.
• ولكن يمكن أن تتخذ القوى المدنية وبخاصة الأحزاب السياسية حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا وحزب جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية نماذج يمكن الاقتداء بها، وذلك لقدرتهما على الصمود والقيام بنشاط سياسي والمساهمة في بناء نظام ديمقراطي بعد فترات الصراع المسلح.
• وتشير هذه النماذج الاخيرة إلى أن عملية تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية بعد الصراعات المسلحة تحتاج إلى جهود مشتركة من الجميع وتوجه سياسي واقتصادي واجتماعي مستدام لتحقيق الاستقرار والديمقراطية، فيه تحافظ المؤسسات والأحزاب والقوى المدنية على قوميتها وأهميتها لترسيخ ورفع الوعي بالحقوق المدنية وضرورة التنظيم والتواصل الفعال والتجمع وحرية الرأي والاستفادة من شبكات المناصرة والتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين.



عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com