الجمعة، 14 يوليو 2023

حرب السودان: تخريب الدولة وتهريب ثرواتها

حرب السودان: تخريب الدولة وتهريب ثرواتها


● مقدمة: شهدت عدة دول تجريفا وتدميرا كبيرا للمرافق الحيوية ونهبا للموارد، وتهريبا للثروات، وتفكيكا للبنى التحتية الانتاجية، وسرقتها من قبل أفراد ومجموعات وأنظمة ودول، يحدث ذلك غالبا في حدوث انفراط عقد الامن وانهيار منظومة الدولة كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن وغيرها، وغالبا ما تتورط في تلك الجرائم الدول المستقرة، إما عبر استغلال حالة السيولة الأمنية بمباشرة عمليات نهب علنية أو سرية عبر مافيا إجرامية، أو بصورة ذكية تحت غطاء الحماية للمدنيين وإجراءات التدخلات العسكرية كما حدث في العراق وأفغانستان.


● أولا: إن استمرار للحرب في السودان بصورتها الحالية لن يقف عند القتل والتهجير والانتهاكات وتدمير البنى التحتية القومية بل سيتعداه لقتل الأمم وسرقة مستقبل الشعوب ونهب قوت أطفالهم، وإضاعة مواردهم، واستغلال ضعف كيان الدولة لكي تكون تابعة متحكم في قرارها، ومسيطر على قيادتها، لذلك يعد نهب الثروات والموارد وتفكيك بنية الدولة أمرًا خطيرًا يؤثر على النمو الاقتصادي لأي دولة ويسهم في سرعة انهيارها وتدحرجها الاقاصادي ومن ثم التداعي السياسي والتمزق للسبيكة الوطنية، فدولة كالسودان غنية بمواردها الطبيعية والبشرية الهائلة، عرضة لتهريب الموارد والتخريب خلال الحروب، وسرقة التاريخ ومحو البعد الحضاري المنافس وهو مشكلة تتطلب حلولًا آنية فعالة وشاملة، تحصن البلاد وثرواتها وشعبها من التداعي في معركة اغتيال الأمم.


● ثانيا: منذ النظام البائد (1989م - 2019م)، لقد تمت استباحة موارد البلاد النفطية، بالصورة التي لم يتم الافصاح عنها عن صادرات النفط وما انتجته الشركات الأجنبية لا سيما الصينية، وتعدى الأمر عقد شراكات ربع قرنية في مربعات التعدين التي لم يفصح عن انتاجها حتى انتهاء العقد مع الشركات الفرنسية في منطقة أرياب، ولا زالت عمليات استكشاف والتنقيب عن ثروات البحر الأحمر في طي الكتمان والنسيان، ولا يعلم عنها أحد شيئا، واستمر الأمر لتدخل مجموعات روسية للعمل في مربعات تعدين مختلفة متجاوزة التراخيص الممنوحة لها للعمل في مجالات أخرى، وانتشرت بصورة أو أخرى عمليات التهريب الرسمي عبر المطارات أو غير الرسمي عبر الحدود والمهابط السرية أو الرحلات الأمنية تحت غطاء إجلاء عملاء شركة فاغنر الروسية من مطار بورتسودان إلى قاعدة اللاذقية السورية، والآن في حالة الفراغ واللادولة الاي يشهدها السودان نرى كيف تزايدت عمليات التهريب للموارظ والمواد الخام في ظل انهيار مؤسسات الانتاج والتصنيع في السودان على قلتها، وهو الأمر الذي تستثمره دول مأزومة لاستغلال الخام السوداني وتصنيعه وتصديره من بلدانهم كبلد منشأ.


● ثالثا: لمنع عمليات التهريب والتخريب التي طالت السودان ومؤسساته الحيوية والخدمية والانتاجية ومشاريعه الزراعية، يجب أن نعمل سويا على إنهاء الحرب اللعينة واستعادة منظومة الدولة وأجهزة إنفاذ القانون الحكومية لتتخذ الدولة حينئذ التدابير الصارمة في محاربة الفساد وتعزيز الشفافية وتطوير نظام قضائي قوي يمكنه ملاحقة المتهمين وتقديمهم للعدالة، بالإضافة إلى ذلك، سنتمكن من تكوين قوة عمل خاصة لمكافحة التهريب وتوطين التكنولوجيا اللازمة للكشف عن التصرفات غير المشروعة والتجارة غير الشرعية التي تمارسها مجموعات وأفراد وأجهزة أمنية وحكومات دول.


● رابعا: ينبغي أن تلعب الأسرة الدولية وجيران السودان دورًا هامًا في حماية الثروات ومنع التهريب والتخريب لمؤسساته، وقد ورد ذلك نصا في كلمات المتحدثين وتوصيات قمة جوار السودان الاي انعقدت بالقاهرة في يوليو ٢٠٢٣م، وهو الأمر الذي يجب أن يتم إتباع القول فيه بالعمل، إذ أن هناك عدد من الدول وجماعاتها الإجرامية متهمة بعمليات النهب والتخريب وإدخال الأسلحة وتهريب الثروات والموارد وممتلكات ومقدرات المواطنين، سواء كان ذلك بصورة رسمية أو عبر جماعات الجريمة المنظمة، وعمليات الإجلاء ورحلات الإغاثة البرية والجوية، لذلك ينبغي على الجميع تكميل وتكامل جهودهم وأن يتعاونوا في مشاركة المعلومات وتقديم الدعم اللازم للسودان في بناء قدراتها الأمنية والتقنية والدفاعية والقضائية، ولبلوغ ذلك ينبغي فتح أبواب التعاون الإقليمي والدولي لمنع تهريب الموارد وملاحقة المتورطين عصابات كانوا أو أفرادا أو حكومات.


● خامسا: قبل الاستفاقة من هول صدمة الحرب وفجيعة متلازماتها العرضية من نهب وسلب وسرقات وتخريب للممتلكات وقتل واغتصاب، وغيره، علينا التفكير في الحفاظ على ما تبقى من الموارد، ودراسة أفضل ما تم اتباعه من خطوات ونماذج وممارسات فضلى في حماية ثروات الشعوب وملاحقة الأصول والأموال والآثار المنهوبة، والتخطيط لتشكيل جبهات شعبية وجهات فاعلة ومؤسسات مستقلة لمكافحة الفساد، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في استعادة الأصول المنهوبة، وذلك لرفع درجة الوعي الشعبي بخطورة الأمر، وحشد التفكير الجماعي لرصد وضبط تلك المنهوبات والمسروقات الشخصية كانت أو المملوكة لمؤسسات خاصة أو للدولة، والعمل على توفير تدريب فعال لرجال الشرطة في الولايات التي تمر عبرها تلك المنهوبات أو تستقر فيها وتمكين القضاة وتأهيلهم وتدريبهم في مجالات الرصد والتحقيق في جرائم التهريب ونهب الثروات والجرائم الملازمة للحروب.

● سادسا: على المتحاربين التحلي بالقدر العالي من المسؤولية تجاه ثروات ومقدارت البلاد، فالبلاد انهارت بفعل حربهم، ودمرت مرافقها جراء تعنتهم، ولا زال الوقت متاحا لحماية ما تبقى من الأنفس والثمرات وثروات الشعوب ووقف نزف العقول وتهريب الموارد المادية والطبيعية والبشرية التي تحتاجها الدولة لتجاوز حقبة الحرب وضوائقها المعيشية وتمكنها منتعزيز النمو الاقتصادي، لذلك عليهم أن يتحلوا جميعا في المركز والحكومات الولائية والوسطاء في الإقليم والمجتمع الدولي بالإرادة السياسية لدعم جهود وقف الحرب ومنع تداعيات انهيار السودان ومكافحة الجريمة المنظمة في حق شعبه ومنع عمليات الفساد ورصد تلك الانتهاكات لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا أفرادا كانوا أو جماعات مهنية وتجارية أو مجتمعات قبلية، وما لم يحدث ذلك ابتداء من اليوم بالتزامن مع عمليات ومبادرات الحوار لوقف الحرب لن تتمكن أي حكومة قادمة في السودان والدول الأخرى من وضع سياسات وآليات فعالة وشاملة لحماية مواردها وضمان استفادة الشعب منها بشكل منصف، لأن الوقت سيكون قد تسرب من الجميع.


● سابعا: مثلما يقع على الدولة الغائية دور حماية وحراسة المدنين ومقدراتعم والبلاد وثرواتها، تقع المسؤولية على القوى المدنية والمراصد الحقوقية وجماعات الضغط الشعبية وعناصر المجتمع الفاعلين مسؤولية مماثلة، وهنا يجدر بالجميع العمل استباقيا على رفع وعيهم بتلك القضايا وتطوير عناصر ومؤسسات إنفاذ القانون وأجهزة مكافحة الجريمة، وهو أمر يوجب انخراط الفاعلين وبخاصة المحامين والمراجعين القانونيين والمحاسبين والصيارفة ورجال الدولة حتى أولئك الذين في المعاش لتصميم عدة برامج ومخططات ومناهج لضمان التحسين والتحديث المستمر لمؤسسات تتبع الأصول واسترداد الحقوق، ومن البرامج التي نحتاج للعمل عليها، الآتي:

1. برامج متكاملة للتدريب والتأهيل الحقوقي والقانوني، تكون عالية الجودة للأفراد العاملين في مجال إنفاذ القانون وتأهيلهم بالمهارات المطلوبة لمكافحة الجريمة بفعالية وتعقب الأصول ورصد حركتها، يتضمن ذلك التدريب على التحقيقات الجنائية، وتقنيات جمع الأدلة، وحقوق الإنسان، والقضاء، وهنا يمكن الاستفادة من سودان الشتات الذي يعج بخبراء ومختصين فاعلين وعاملين في هذه المجالات، واجبهم التطوع لتصميم تلك البرامج والانخراط في تدريب الراغبين والالتزام بتقديم يد العون عمليا عقب انتهاء الصراع.

2. برامج صياغة وصناعة التشريعات والنظم القانونية المحصنة للموارد والثروات والحقوق السودانية بما في ذلك الإرث المعرفي والبحوث العلمية والبذور والثروات والمستودعات الجينية، والشروع فورا في دراسة كافة القوانين السارية في السودان والمشرعة من وزارة العدل بغية تحديث وتعزيز تلك التشريعات والنظم القانونية لتتناسب وتتواءهم مع التحديات الجديدة لحماية سودان ما بعد الحرب في مجال مكافحة الجريمة المحلية والعابرة للحدود ومواءمة تلك التصورات مع التشريعات الدولية والمعاهدات والبروتوكولات ذات الصلة، على أن يشمل ذلك تشديد عقوبات الجرائم المنظمة وتهريب الثروات والاغتيال للعقول وغسل الأموال وتمويل الحرب ودعم الأنشطة الإجرامية والإرهابية، ووضع صيغ قانونية تخلص السودان من تركة العقود المجحفة مع الدول والأنظمة التي استغلت أوضاع الحرب وضعف النظام الإنقلابي قبلها.

3. برامج رقمية وسبرانية ومناهج استخدام التكنولوجيا وأدوات الرصد الحديثة، والبدء من حيث انتهى العالم في هذا المجال، ومد العقل السوداني المختص بكافة المعارف المطلوبة والمتاحة في هذا المجال وطرق استخدامها الأمثل، وذلك لما لتقنيات المراقبة، وأجهزة الاستشعار، والتحليل الذكي، من قدرة يمكن أن تكون أدوات قوية لمراقبة الجريمة وتحليلها ورصد مراحلها وتحديد مرتكبيها وملاحقتهم، حينها ستسهم تلك التقنيات في رفع قدرات العاملين على رصد الجريمة وتسهيل عمليات التحقيق للكشف عن كافة الأنشطة غير المشروعة التي ارتكبت في فترة الحرب وما قبلها، وحتما ستؤسس تلك البرامج لنواة مستقبل حمائي لمنظومة الحكم ودرع واقي لصون ثروات وموارد البلاد وحماية حدوده والعناية بالمواطن وحقوقه.

4. برامج التعاون الإقليمي والدولي، التي تمكن من تصميم شراكات ذكية مع حكومات ومنظمات غير حكومية ومعاهد ومراكز وشركات دولية عاملة في هذا المجال وتملك أدواته الفنية والخبرات المهنية، تسهل عملية التشبيك المستقبلي والتبادل المعلوماتي بين الدول لمكافحة الجريمة عبر الحدود، ودراسة ماةيمكن إبرامه من عقود واتفاقيات تعاون مشتركة لتسهيل تبادل المعلومات والمساعدة المتبادلة في التحقيق لاسترداد الحقوق وتقديم المجرمين للعدالة، وهنا يقع العب على كل رجال ونساء الدولة من قادة القوى المدنية ومنظمات المجتمع المدني ووزراء الحكومات السابقة والقضاة والمهنيين للعب هذا الدور الاستكشافي لأفضل الأدوات التي تمكن من صناعة أمثل الشراكات.

5. برامج الوعي المؤسسي والمجتمعي لإرساء الدعائم التوعوية والمبادئ الأخلاقية والتبصير بالحقوق المادية وحقوق الإنسان، وهو برنامج ينبغي أن تؤسس له الجماعات الحقوقية والمنظمات والمراكز الوطنية، لتعتمده مؤسسات إنفاذ القانون بحيث يستند على مبادئ أخلاقية وقيمة قوية واحترام والتزام بصون الكرامة الإنسانية وحفظ وحماية حقوق الإنسان، ووضع ذلك نصب عين تلك المؤسسات عند أداء واجباتها، وهذا الأمر وحده هو الذي سيساعد في بناء الثقة بين الشرطة وأجهزة وسلطات إنفاذ القانون والمجتمع وضمان التعاون في مكافحة الجريمة، خاصة بعد حالة الغياب المريبة لتلك الأجهزة منذ 15 إبريل حتى اليوم.


●أخيرا: حال فراغنا من تلك البرامج المشار إليها أعلاه يقع على عواتقنا كأفراد وكيانات ومؤسسات وجهات مختصة، رصد وتقييم الجرائم والخسائر التي حدثت خلال الحرب، وذلك لأن الأمر يعتبر تحديًا كبيرًا ويتطلب العديد من الوسائل والتقنيات والجهات والممارسات الفضلى التي يمكن استخدامها لرصد وتقييم تلك الخسائر:

1. التحليل الجغرافي ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، الذي يساعد في تحديد وتوثيق ومسح الأضرار والخسائر بشكل متناهي الدقة خاصة بعد الطفرات التكنولوجية التي شهدها هذا المجال، ويمكن استخدام الصور الجوية والبيانات المكانية والمعلومات الأرضية لتحليل تأثير الحروب على المؤسسات والمرافق المختلفة، والكشف عن جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، الأمر الذي سيسهل التخطيط لبرامج جبر الضرر والإنصاف والحقيقة، ومشاريع إعادة الإعمار والتنمية واستعادة المنهوبات واسترداد الموارد والثروات المهربة أو قيمتها.

2. التحليل المالي والاقتصادي الذي يمتلك السودان فيه أميز العقول العالمة والعاملة في دراسة تأثير الحروب على الاقتصاد والنظام المالي، وخبراء التخطيط والإدارة، وهو ما سيسهل خطواتنا جسابيا لبلوغ المستقبل بأقصر الطرق وأقل التكاليف، وذلك بتحديد الخسائر المادية والتكاليف الاقتصادية لتلك الجرائم، لما للخبراء الاقتصاديين والمراجعين دور هام في تقدير الأضرار وتحليل التكاليف، وما يملكون من صلات واتصالات ببيوت خبرة إقليمية ودولية أخرجت بلدان كثيرة من ركام الحروب إلى رفاه الحياة.

3. المراجعات القانونية والتحقيقات الجنائية والمالية والمعلوماتية، فتعقب الأموال والثروات والأصول، وحتى عمليات التصفية، يتطلب الأمر رصد وتحديد أنواع تلك الجرائم خلال الحرب، وذلك من خلال المراجعة القانونية والتحقيقات المكثفة، عبر وحدات متخصصة ونيابات مختصة وعناصر خاصة، والسبيل إلى ذلك إنشاء لجان فعالة وفرق خاصة للتحقيق ووحدات سرية للتحري في الجرائم وتوثيقها، على ألا تكون شبيهة أو مماثلة للوحدات والنيابات الخاصة التي تم تكوينها للابتزاز والتضليل، فالمطلوب هو نموذج فاعل للمراجعة والحقيق والتدقيق يكشف الحقيقة ويصل للجناة ويفيد القضاء لاستخدام الأدلة المستخلصة لتقدير الأضرار، وانصاف الضحايا وحفظ الحقوق.

4. الرصد من خلال الجهات المختصة والمؤسسات الإقليمية والدولية، فهناك العديد من الجهات والمؤسسات الدولية التي تعمل على الانصاف ورصد الانتهاكات وتعقب الأصول، وتنشط في إعادة تأسيس البنية التحتية المدمرة واسترداد الممتلكات المنهوبة وتقدير الخسائر خلال الحروب، وهؤلاء يتمثل دورهم في تقديم المساعدة والموارد اللازمة للدول المتضررة وتوفير الخبرة والدعم في تقييم الخسائر واستعادة الممتلكات.

5. الرصد من خلال الشركات والمنظمات غير الحكومية، والتي يمكن أن تساهم في رصد وتقييم الخسائر والأضرار، من خلال انظمة المراقبة وقوائمهم المالية وبواليص الشحن، والأرصدة والمعاملات البنكية، والعقود المبرمة والصفقات المحلية والإقليمية والعالمية، ويمكنهم أيضا تقديم المساعدة في إعادة التأهيل وإعادة الإعمار، وقد تمتلك بعض الشركات اختصاصات وخبرات في تقييم المخاطر والأضرار وتحديد التكاليف المالية.


● ختاما: 
• إن هناك العديد من الدول التي فجعتها الحرب وقطعت شرايينها الاقتصادية واستحالت حياة الشعوب فيها إلى جحيم ولكن تلك الأنظمة وحكومات تلك الدول والمؤسسات عملت على استرداد ممتلكات شعوبهم وتقييم الخسائر والأضرار والاسراع بالنهوض كما حدث في دولة مثل رواندا وجنوب إفريقيا وتشيلي، عاونتهم في ذلك عدة مؤسسات إقليمية ودولية منها صندوق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم الحرب، والبنك الدولي، وبنك التنمية الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وتلعب هذه الجهات دورًا هامًا في توفير التمويل والموارد والدعم والاسناد الفني والتقني للدول المتضررة لتحقيق العدالة والاستقرار، واجبنا فتح كافة أبواب التواصل السياسي والدبلوماسي معها تمهيدا لاستعادة تموضع السودان كدولة في المنظومة العالمية.

• ومن واقع يوميات الحرب وتداعياتها شهدنا تنادٍ عالمي لإخراج السودان من حفرة جحيم الحرب، تعاونه في ذلك أكبر وأفضل الدول العربية والافريقية التي تشهد نهوضا اقتصاديا كالمملكة العربية السعودية ودول الخليج ودول الإيقاد، وبعض التي نجحت في الحد من الحروب وخفض معدلات الانتهاكات، ونظمت علاقاتها من خلال اتفاقيات تعاون ناجحة في مجال مكافحة الجريمة، كالولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا، واليابان، وقد اعتمد نجاح هذه الدول على توصلها إلى اتفاقيات دولية وإقليمية قوية، وتبادل المعلومات، والتكنولوجيا المتقدمة في مجال مكافحة الجريمة واستخدام أدوات الرصد الحديثة.

• وهي فرصة للسودان أن يستفيد من كل دولة بما يحقق مصلحته، لأنه من المهم أن يستفيد هذا البلد الأمين من البلدان الأخرى ومن التجارب الناجحة الخاصة بهذه الدول وتطبيق النماذج والممارسات الفضلى في مكافحة الجريمة ورصد الانتهاكات والحد من الأنشطة غير المشروعة ومنع تسريب وتهريب الثروات وتخريب الاقتصاد وإيقاف مخطط اغتيال الأمة السودانية حضاريا واقتصاديا وسياسيا وامنيا.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الأربعاء، 12 يوليو 2023

الحرب: أثر نفسي قائم وخطر قادم

الحرب: أثر نفسي قائم وخطر قادم

● مقدمة: بعد النزاعات والحروب والصراعات المسلحة والاقتتال الأهلي، تتولد الكثير من الأمراض وتتخلق العديد من التأثيرات السلبية على سلوك الأفراد والمؤسسات والمجتمعات والأنظمة الإدارية والحكومات بل حتى السلطات التشريعية والقضائية، وتؤدي مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية إلى عدم الاستقرار الاجتماعي، وضعف التماسك القومي، وانعدام التواصل الإنساني وبالتالي تهديد استدامة السلام، لذلك ينبغي الاستعداد للتصدي للأمر وذلك الخطر الذي يتهددنا جميعا دون استثناء، وذلك من خلال العديد من الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتقويم سلوك الفرد والاستجابة لتلك التحديات.



● أولا: تظل أعظم مهام الأكاديميين والمثقفين والساسة والحكماء هي بذل جهود مضاعفة لدراسة تأثير الحروب والصراعات المسلحة على سلوك الأفراد والمجتمعات اعتمادا على مجموعة واسعة من المناهج العلمية والنظريات السلوكية، لتنزيل ذلك في نموذج التعافي السوداني، ومحاصرة ارتدادات الحرب وانعكاساتها السلوكية على المجتمعات التي لم تصلها نيران الصراع، وهناك عدة نماذج وأفكار قد تم دراستها وتوثيقها على مختلف المستويات في عدد من الدول التي شهدت أطول الحرب وأدمى الصراعات، ومن بين الكتاب والمفكرين الذين أسهموا في هذا المجال، ويمكن الاستهداء بتصوراتهم، هم:

1. الذين صاغوا واتفقوا على ما أسموه نموذج اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والذي يركز على دراسة التأثيرات النفسية والسلوكية الناجمة عن تجارب الصدمة الشخصية والجماعية خلال الحروب والصراعات، وهؤلاء ساهمت أبحاثهم القينة والدراسات في هذا المجال في تطوير مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة وتقديم النصح والعلاج النفسي للأفراد المتأثرين، وخلصوا لمعالجات منهجية تتدرج من المستوى الفردي وصولا للمؤسسات والمجتمعات والأنظمة، وأشهر من كتب في هذا السياق سيباستيان جونغ هيير، في كتابه كتابه "جراح الحروب الكبرى، متحدثا عن تأثير الحروب والصراعات على السلوك البشري" يعرض العديد من الدراسات والأبحاث حول تأثير الحروب على السلوك البشري.


2. أصحاب نظرية السلوك الجماعي، وما اصطلح عليه بسلوك القطيع، وهؤلاء مضوا إلى نظرية تستكشف كيف يتأثر سلوك الأفراد والمجتمعات بمحيطهم والقوانين والتحفيز الاجتماعي، وتسلط الضوء على أهمية العوامل الاجتماعية في تشكيل وتغيير السلوك البشري، ويتخذ هذا المنهج أقوى أوجه التعاون للتعافي الجماعي ويمكن أن يعزز أواصر الود بين المجتمعات التي شهدت قطيعة جراء الصراع، وهنا تجدر الاشارة للكاتبة كاثلين بتجول، وكتابها "العنف السياسي وتداعياته على السلوك البشري"، والءي يشرح تأثير العنف السياسي والصراعات على السلوك الفردي والجماعي.

3. أما من قال بنظرية التأقلم الاجتماعي فهؤلاء ركزوا على كيفية تكييف الأفراد والمجتمعات مع التحديات والظروف الصعبة، ويدرس هذا النموذج كيف يمكن للأفراد أن يتعاملوا مع الضغوط النفسية والاجتماعية ويبنوا قدرات التأقلم الشخصي والاجتماعي، وهو منهج مكلف للغاية ويحتاج لقدرات وإمكانيات عالية للتدريب والتأهيل وصولا لدرجة التأقلم.



● ثانيا: جميع تلك المناهج والكتاب والمفكرين قد وضعوا متلازمة أعراض وأمراض تعزز ما نشهده خلال فترات الصراع والحروب التي قادت تغيرات كبيرة في سلوك الأفراد والمجتمعات والمؤسسات والأنظمة، وتسببت في عدة أشكال لتغير السلوك البشري خلال هذه الفترات، ومن أخطرها:

1. حدة العنف وشدة العداء، فقد تنامى بفضل الصراع مستوى العنف والعداء خلال فترات الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت من الإنسان لا يستنكر الموت أو رؤية أخيه السوداني حريق أو مهشم الرأس أو مقطع الأوصال، وهو الأمر الذي زلد الانقسامات الاثنية والمجتمعية وشجيع على التصعيد العنيف في التعاطي بين الأفراد والمجتمعات، كما شهدنا في بعض أحباء العاصمة، ومدن كالجنينة، وزالنجي، ونيالا، وكتم، وطويلة، وعدد كبير من القرى المنسية في هذا الصراع.

2. التغير السريع في القيم والتراجع في المثل والانتكاسة في المعتقدات، فقد كذبت سلوكيات عدد من الناس خلال فترة الحرب أن كثير من أخلاق السمت والموؤة والنجدة السودانية، تخطي كومة من الجشعين وتجار الأزمات وأمراء الحروب، وتم تغيير منظومة القيم والأخلاق والمعتقدات خلال فترات الصراع والحروب للدرجة التي تساقط فيها كثير من عناصر أيدولوجية حزبية في مستنقع الإثن والعرق والقبيلة، واستشرت البراغماتية في كثير من الأوساط، وبلغ الأمر مبلغا عظيما للدرجة التي يتم الترويج لأفكار تعلي النعرات وتؤسس للعداء والانفصال بين الأفراد والمجتمعات، الأمر الذي قد يقود لتقطيع أوصال البلاد.

3. التأثير النفسي وصراع الذات والأمراض الملازمة له، فقد قادت الصراعات والحروب إلى إحداث تأثيرات نفسية عميقة على عدد كبير من الأفراد وأدخلت الكثير من المجتمعات في حالة من الذهان ورهاب الصدمة، وتعرضوا للأزمات النفسية والتوتر والقلق والاكتئاب وصولا لدرجة الجنون، الأمر الذي أثر على سلوكهم اليومي وعلاقاتهم مع الآخرين، في ظل إغلاق كافة المراكز المعنية بالعلاج وتلقي الإرشاد، خاصة المراكز الخاصة بالسيدات من ضحايا العنف. كمركز التروما في جامعة الأحفاد، مع شح شديد في الأدوية والعقاقير وفرار عدد كبير من الاختصاصصين النفسيين جراء الحرب، الأمر الذي قاد للجوء كثيرين لتعاطي المخدرات التي ينشط تجار الحروب في توفيرها وتمويل أنشطتهم عبر ترويجها.

4. سادت حالة كبيرة من القلق وموجة من الشك وضعف اليقين، وعدم الثقة، بين الأفراد فيما بينهم، وبين المجتمعات، وبين المجتمعات والمؤسسات خلال فترات سابقة إلا أنها ازدادت خلال أيام الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت الناس يعتقدون أنهم في حالة خطر مستمر، خاصة أولئك الذين نزحوا من مناطق النيران إلى أخرى فأخرى عدة مرات، مما ينعكس على التعاطي اليومي بتزايد الريبة والشكوك وهو ما سيؤثر على العلاقات الاجتماعية الشخصية والعامة، فنماذج التشكيك والاتهام بالولاء لهذا الطرف أو ذاك تجعل من الجوار الآمن أمرا مستحيلا بين الأسر.

ثالثا: نحن جزء من منظومة كونية شهدت حروب وصراعات ونزاعات، وشوهدت فيها انتهاكات وفظاعات، قاد بعضها لانفصال البلاد وتخليق آثار غائرة لا يرجى برؤها، ولكن بذات القدر هناك من النماذج التي قدمت لإبراء الجراح الجسدية والنفسية وترميم الشروخ التي خلفتها الصراعات، وأشهرها:

1. ما فعله نيلسون مانديلا الذي قاد دولته العنصرية وقتئذ جنوب أفريقيا وأوصلها إلى التعافي بعد مسيرة التصالح الجنوب إفريقية متجاوزا بذلك نظام الفصل العنصري، وعمل على بناء جسور التعايش السلمي والتحقق من العدالة الاجتماعية، بالصورة التي مكنت المواطنيين من تقديم نموذجهم كحالات تعليمية وقدوات علاجية تستهدي بها اليوم عدد من المؤسسات ويستضافون في عدد من المحافل والمؤتمرات، وظل نويل باردي رئيس وزراء جنوب أفريقيا الأسبق الذي قاد مسعىً للمصالحة النهائية ونقل البلاد إلى نظام ديمقراطي بعد نظام الفصل العنصري، من أهم نماذج الاتزان النفسي والتعاطي المخلص.

2. لا يذكر كثيرون محمد الطيب الهاشمي، والذي كان يشغل رئيس المجلس الانتقالي في تونس بعد الانتفاضة الشعبية، وقد قاد مسار الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسسات التونسية بصورة راسخة قائمة على الحوار والتشاور، الأمر الذي جعل من تونس نموذج مؤسسي واجتماعي قوي رغم المحاولات المستمرة لضرب وإضعافه، وهيأ بتلك المؤسسية مرافق التعافي النفسي والتصافي وإبراء الجراح.

3. قد يبالغ المرء إذا قال أن أقوى نموذج تأثر بالحروب والصراعات والحملات النفسية والأذي الجسدي وأنهى حالات التصافي والتعافي بعد ارتكاب مجازر في حقه كفرد وفي مجتمعه كطائفه، هو الإمام الصادق المهدي، الذي شهد مذبحة الأنصار في المولد، ومجزرة الجزيرة أبا وودنوباوي والكرمك، مع ذلك قاد جهود المصالحة والمقاومة المدنية السلمية، وظل في كل الحقب يدعو للحل السياسي الشامل، ويربي مناصرية على منهج سماه بالجهاد المدني لتقويم السلوك وحراسة الحقوق، ومضى إلى الله وهو ينادي بترسيخ نموذج للحقيقة والمصالحة يبريء الجراح وينصف الضحايا، ويعاقب الجناة شبيه بكوديسا جنوب إفريقيا.


رابعا: من خلال ما تقدم ذكره وما يستقرأ حدوثه مستقبلا علينا بذل جهود حثيثة مسترشدين بالتجارب السابقة وطنيا وإقليميا ودوليا، لتقويم سلوك الفرد والجماعات بعد النزاع ومعالجة مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية على التركيبة السكانية السودانية في مدن ما بعد الصراع، ويمكن استخدام أسلوب منهجي يركز على الإصلاح والتعافي الاجتماعي والنفسي الفردي والمؤسسي، تنظمه العديد من العمليات والإجراءات، هي:

1. تقوية أواصر الشعور القومي وبناء الحوار والتواصل، وذلك بتشجيع الحوار والتواصل المفتوح بين الأفراد والمؤسسات المختلفة لخلق فهم مشترك لكافة المشاكل والمخاوف والطموحات المشتركة، وتجنيب المجتمعات خطابات النعرات وتجريم وتحريم التعالي والقطيعة والاستعلاء الاجتماعي.

2. تصميم مشروع قومي ونموذج سوداني للعدالة والحقيقة والمصالحة، يشمل العدالة للأفراد، والانصاف للمجتمعات والاسترداد للمؤسسات، ويتضمن العدالة الجنائية والانتقالية وتلك الدولية، لضمان إكمال كافة حلقات العدالة والمصالحة المجتمعية وضمان الشفافية والتعايش السلمي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان عدم الافلات من العقاب لإبراء الجراح وإزالة الشروخ النفسية.

3. تأسيس أكبر المراكز وتكوين أكبر الشبكات الصحية والنفسية ومراكز الدعم لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والمادي، للأفراد والمجتمعات المتأثرة من الصراع، للتعافي من آثار الحرب النفسية والآثار النفسية الأخرى، وتمكين المختصين من أدوات التطبيب النفسي وتأهيل عدد كبير من النساء لقيادة هذه المراكز لكونهن مفتاح تعافي الأسر والمجتمعات والأكثر انتشارا في كافة المرافق والمؤسسات.

4. تكثيف أنشطة التعليم والتثقيف وزيادة أعداد المرافق المختصة بشراكات إقليمية ومحلية ودولية، ورفع مستويات التعليم والتثقيف لتغذية التغيير الإيجابي والوعي بحقوق الإنسان، والمسؤولية الاجتماعية لملاحقة الجناة على أسس قانونية تشمل القانون الدلي الإنساني والمعاهدات والبروتوكولات ذات الصلة، والمواثيق التي تؤسس لانتزاع الحقوق.

5. وتظل التجربة الإنسانية أكبر وسائل التعافي هي التعلم والنظر للنماذج الفضلى للممارسات التي تخلصت من آثار ومضاعفات الحرب كما ذكرنا في إفريقيا والعالم والمنطقة العربية، كبرامج مثل التصالح الجنوب إفريقي بعد نظام الفصل العنصري ومحكمة جنايات رواندا الدولية لمعالجة جرائم الإبادة الجماعية، وعلى صعيد عالمي يمكن الاستفادة من خبرة المحكمة الجنائية الدولية في التعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي المنطقة العربية يمكن النظر إلى جهود الإصلاح في مختلف البلدان المتأثرة بالصراعات والحروب، مثل العراق وسوريا، والنموذج الذي يعكف الليبيون على تصميمه.

ختاما:
• إن تأثير هذه التغيرات والصراعات الدموية والحروب على التعاطي اليومي سيكون خطيرًا وكبيرا، ولأن التعاطي بين الأفراد والمجتمعات والمؤسسات يعتمد على الثقة والاحترام المتبادل، والذي ينخفض وربما يتبدد بسبب تدني مستوى الثقة خلال فترات الصراع، يظل واجبنا كأفراد وكيانات التواصل البناء لحل هذه الأزمات والمشكلات والتعاون المثمر، وإلا سنشهد المزيد من حدة التوترات والانفصالات.

• لتحقيق استقرار اجتماعي مستدام وسلام دائم بعد النزاع علينا تقويم سلوك الأفراد والمؤسسات، وتنفيذ أفضل الممارسات التي تعلي من قيم التسامح والتعايش وتكفل العدالة والتعافي الاجتماعي وتسهم في إعادة بناء المجتمعات المتضررة من الحروب والصراعات.

• ولئلا ينسحب الأمر ويتمدد حتى يتأثر التعاطي بين الأفراد والمؤسسات والنظام مع دول أخرى خلال فترات الصراع والحرب، علينا الشروع في وضع مشروع متكامل لأن ذلك قد يغير النهج السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والإنساني بيننا وغيرنا، مما قد يؤدي إلى زيادة التوترات الإقليمية والدولية وتدهور العلاقات الدبلوماسية والتعاون بين السودان وجواره الإقليمي.

• إن تقويم سلوك الفرد والمجتمعات والمؤسسات خلال هذه الفترة العصيبة سيقود إلى نجاح أكيد في التعاون وبناء الثقة والمصالح المشتركة، ويمكن أن يساهم في استمرار الحوار وتشجيع العمل المشترك وتوفير الدعم النفسي والمجتمعي لاستقرار مستدام وتجاوز للصدمات.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com