الأربعاء، 19 يوليو 2023

التدخل العسكري في السودان

التدخل العسكري في السودان
● ظلت دعاوي التدخل الأممي العسكري في السودان، تتردد من حين لآخر وذهبت بعض الهيئات الحقوقية لطلب ذلك، كهيئة محامي دارفور، بالإضافة لطلب الرئيس الكيني بتدخل قوة إيساف الأفريقية، وجميع تلك الدعاوي ينظر إليها وجهات نظر متباينة، فهناك تردد أممي كبير من التدخل في السودان بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فالمملكة المتحدة لا تريد الدخول في تجربة شبيهة بدخول العراق، وروسيا غارقة في الوحل الأوكراني، وجميع الدول المحيطة تتحسب لأي قرار من شأنه إقحامها بصورة مباشرة في الصراع السوداني، لأن الأمر سيجر لها اصطفافات إقليمية ودولية يمكن أن تتعارض مع مصالحها، لذلك يظل الأمر محاطا بالمحاذير والحرص وشدة الحذر في التقديرات واتخاذ القرارات.


● ولأن القوات الدولية والتكوينات العسكرية الخاصة الإقليمية تتعامل مع فض النزاعات ومهامها وفقًا للقرارات الدولية والمنظمات الإقليمية المشاركة، وهو ما يعني أن تحفظات المملكة المتحدة وهي دولة صاحبة حق نقض (فيتو) دولي يمكن أن تعارض الأمر، وكذلك روسيا وعددومن الدول الأوروبية المشغولة بتوفير الدعم لأوكرانيا، ولأن دخول هذه القوات يهدف إلى تحقيق الاستقرار والسلام وحماية المدنيين، وتنفيذ مهام محددة مثل فصل الأطراف المتحاربة وإغلاق الجبهات وحفظ النظام والأمن في المناطق المتأثرة، يظل دخوله مقيد بموافقة السودان، وحكومته الغائبة أو المغيبة.

● وأي حديث عن تدخل في السودان لن يكون بخطب منبرية، أو مطالبة صورية، بل تقرر تلك الترتيبات لدخول القوات الدولية عادةً في أطر المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وأروقة مجلس الأمن، أو الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، ودوما ما تتم المشاورات والمفاوضات بين الدول المتعارضة والجهات المشاركة لتحديد شروط ومتطلبات الدخول، لتتحمل كافة الدول تبعات تلك التحركات، التي قد تشمل اشتراطاتها وقف إطلاق النار، والانسحاب من المناطق المتنازع عليها، والالتزام بتعهدات التعاون مع القوات الدولية.


● ولأن الأمر غاية في الخطورة والحساسية، ينطوي دخول القوات الدولية على تبعات سياسية، وعسكرية، واقتصادية، واجتماعية على الدول الأطراف، بما في ذلك التزامات الدعم المالي واللوجستي واستخدام الموارد والمرافق المحلية، وقد تواجه بعض الدول مقاومة داخلية للتدخل الخارجي، لذلك ينبغي بناء توافقات داخلية قوية لتحقيق التوازن المطلوب في العملية السياسية، وضرورة التركيز على حفظ الموارد.

● ومن خلال النظر للتجربة الإفريقية في فض النزاع وإرسال القوات الدولية، يمكن ذكر ما شهدته الصومال من تفوبج لقوات سلام الاتحاد الإفريقي (AMISOM) منذ عام 2007م، واستمرار تواجدها لتعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب في البلاد، وكذلك يعمل تحالف قوات دعم ااشرعية في اليمن، وقوات حفظ السلام العازلة والعاملة على فض النزاع المستمر في جنوب السودان.


● أما قوة إيساف العسكرية ليست جسم غريب على السودان كدولة ولا على القوات المسلحة السودانية، إذ أن إيساف نظمت أكبر تدريباتها ومناوراتها العسكرية المشتركة في السودان مع القوات الخاصة السودانية، وهناك ضباط رفيعوا المستوى من القوات المسلحة السودانية جزء من هذا التكوين الإقليمي، ولكن لأن الوضع محتقن داخل البلاد، نجد الرفض الحكومي الشديد، الذي يمنع إيقاف من الدخول لحماية المدنيين، ويمنحها في ذات الوقت الدخول للأراضي السودانية لتنظيم تدريبات مشتركة في منطقة (جبيت) العسكرية ونحوه وتمكينهم من استخدام مياه واجواه السودان للتدريب والمناورات.

● ويمكن أن تنجم كوارث عن تدخل إيساف أو أي قوة عسكرية أخرى دولية كانت أو تحالف من دول كالتحالف العربي في اليمن، فهو أمر يمكن أن يجلب للسودان عدة مخاطر وعواقب مختلفة، أخطرها تصعيد العنف، فقد تؤدي التدخلات العسكرية إلى تصعيد العنف وزيادة تفاقم الصراع ورفض تلك القوات واستهدافها من قبل جماعات مناوئة أو حركات متطرفة.

● وفضلا عن حماية المدنيين سنشهد تزايد الخسائر في صفوف المدنيين، ويمكن أن تؤدي التدخلات المسلحة إلى وقوع إصابات غير مقصودة في صفوف المدنيين وأضرار جانبية، مما يتسبب في إلحاق الأذى بالأبرياء بصورة أضعاف مما هو عليه الوضع حاليا.

● وعوضا عن الحد من تمدد الصراع لتتم أقلمته أو تدويله سنجد أن هناك خطر ماثل من أن الأهداف الأولية للتدخل قد تتوسع لتشمل دولا وأقاليم أخرى ويجد السودان نفسه في صراع قوى إقليمية ودولية، مما يؤدي إلى اشتباك عسكري طويل الأمد ومكلف.

● الأمر الذي سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة برمتها وحينها سيكون التدخل سببا في تعطل الاستقرار الإقليمي وربما خلق فراغات في السلطة، مما قد يزيد من تأجيج الصراعات. وهناك أيادي عابثة تستعد لاتخاذ السودان منصة جديدة لتحقيق مصالحها وتنظم صفوفهت للقيام بأنشطة المعارضة والمقاومة، وهؤلاء سينشطون في تجنيد وتحشيد السكان المحليين أو الجماعات المسلحة ضد التدخلات الأجنبية بحجج السيادة والحفاظ عليها وربما تحت مشروع جهادوي جديد، مما سيؤدي إلى صدام مستمر بصورة طويلة وعنيفة، وسترتفع التكاليف المالية على الدولة التي هي بالأساس مرهقة من الناحية المالية وتعاني جراء الصراع.

● ختاما: من المهم النظر بعناية إلى هذه المخاطر وموازنتها مع الفوائد المحتملة عند اتخاذ قرار بشأن دعم أو معارضة التدخلات العسكرية في النزاعات المسلحة في السودان، وهذا يتطلب أن يكون قرار تدخل إيساف بموافقة سودانية، واجماع أفريقي، ودعم دولي، تحسبا لكل المخاطر التي عددتها آنفا، وإلا ستبرر جماعات العنف الكامنة تصديها لتدخل إيساف وستجر حينئذ إيساف للصدام معها و سيتحول الصراع إلى شر سينعكس على المنطقة برمتها.

الاثنين، 17 يوليو 2023

السودان: مشروعية التهشيم تحت دعاوي التهميش

السودان: مشروعية التهشيم تحت دعاوي التهميش

● مقدمة: إن التهميش الثقافي والسياسي والاجتماعي والديني والنوعي في السودان له تاريخ طويل ومرتبط بعدة عوامل ذاتية وموضوعية، وبتتبع جذوره إلى تواريخ قديمة نجد أنه ادعاء طبيعي، وصرخة حياة لانسان ينشد الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، ولكن صاغته نخبة وفق هوها في مشاريع قاصرة ذات طابع سياسي، وجنت من خلاله سلطة وثروة وأموال طائلة، لكنها ما جنبت مجتمعاتها التهميش الذي لا زالت ترسف تحت غلاله، فيما هم يرفلون في نعيم السلطة، فمذ أن نشأت الصراعات بين القبائل والجماعات العرقية والثقافية المختلفة، تأزمت هذه الصراعات بسبب النزاع على الأراضي والموارد والتنافس على السيطرة السياسية، وغذت تلك الجماعات السياسية والأيدولوجية أوار الصراع، وجعلته يتخذ طابعا مسلحا دمويا.

متلازمة تاريخية:

● تاريخيا، تعددت أسباب الصراعات في السودان وتأثرت بعدة عوامل، بما في ذلك الاستعمار الأنجليزي وحكم الاستعمار التركي، وتقسيم البلاد الذي لم يأخذ في الاعتبار التنوع الثقافي والعرقي والديني للسكان، وقد تفاقمت المشكلات وزادت الأزمات بعد الجلاء وأصيب السودان بمتلازمة الدكتاتوريات والشموليات والأنظمة الأتوقراطية ونموذج قاس وقبيح للدولة الثيوقراطية التي اتخذت طابعا فاشيستيا، حيث لم يتم التوافق السودانيون طوال هذه الحقبة بعد الاستقلال إلى يومنا هذا على نظام سياسي شامل يعبر عن جميع المكونات السودانية، ولم يتمكنوا من صياغة مشروعهم الوطني وعجزوا مجتمعين عن الحفاظ على أمن وطنهم ووحدة أراضيه وصون الحقوق وحماية الثروات، بل تورط كثير منهم في جرائم أكبرها انفصال البلاد، والابادات الجماعية وتهريب الثروات وتخريب المرافق والمشروعات القومية.

● فمنذ أن صاغ بيتر وودوارد كتابه الذي تتناول فيه مسألة التهميش في السودان، تحت اسم "السودان: الصراع الديني والاستعمار"، والذي اتخذه البعض مرجعية تاريخية لتحليل جذور الأزمة، اتخذه البعض الآخر كدليل لتعميق الخلاف بين السودانيين للهيمنة والاستبداد وتقسيم وتجزئة المجتمعات، وقد مضى في كتابه "الحكم والصراع في السودان" الكاتب أديب خليل، لرصد وتحليل موضوعي للحكم والصراع في السودان، شابه بعض التحامل على كيانات ومجموعات مدنية ونخب بصورة تفوق حد الاحتمال، ولكنه مضى أيضا ليضع النقاط على حروف التهميش في السودان التي شرعنت المشاريع التهشيمية وشردت الرؤى النهضوية.

استراتيجيات التهشيم والتهميش:

● وقد استغل أصحاب مشروعية التهشيم خطابات التهميش لتحفيز الصراع المسلح والنزاع القبلي والتحشيد المناطقي، وقد اعتمدوا لبلوغ مرامهم استراتيجيات مركزية متعددة متوازية مع ممارسات مناطقية وجهوية غذت جذور الصراع وأسهمت في نجاح تلك الخطط والاستراتيجيات التي تضمنت الآتي:

1. إجهاض مشاريع السلام والتسوية السياسية، من خلال قطع الطريق أمام أي باب للتلاقي والحوار والتفاوض بين جميع الأطراف المعنية، وذلك في عدة حقب وفترات أشهرها قطع الطريق أمام اتفاقية السلام المزمع عقدها في سبتمبر 1989م بين الحكومة السودانية المنتخبة في 1989م والحركة الشعبية، وذلك عن طريق انقلاب الجبهة القومية الإسلامية التي حالت دون التوصل إلى اتفاقيات سياسية تعزز العدالة والمشاركة السياسية الشاملة، وتحقق السلام المستدام، لتمضي تلك المجموعة الانقلابية المغامرة في مشروع تهشيم البلاد واستمارة التهميش بمشروع جهادوي ظلامي أمنجي مستبد، قاد لتوقيع سلام فاشل في 2005م مزق البلاد، وأجج الحرب في أطراف أخرى من جماعات مهمشة أيضا.

2. الإجهاز على مشاريع التنمية وتضيع الفرص الاقتصادية، عن طريق احتكار المال والوظيفة والسلطة، لتكون متحكم فيها من قبل مجموعات التمكين الحزبية لصالح مشروع تهشيم المؤسسات التي تعول الطبقة الكادحة والوسطة، وتسهم في تنمية الهامش، وتمت صياغة مشاريع التنمية الاقتصادية، من قبل خبراء ومختصين لتتمركز فبما أسموه (مثلث حمدي)، الذي لا يتجاوز حدود سودان الوسط، الأمر الذي حد من توفير فرص العمل وتقليل نسب النمو وزاد من اتساع رقعة الفقر، فقد ذلك لتزايد الاحتقان وضعضعة الاستقرار الاجتماعي، وارتفاع أصوات (إما الهشيم أو التهميش).

3. التدمير الممنهج لبينة التعليم، وتشريد الأكاديميين والمختصين وتعريب المناهج وأدلجة الثقافة، وأسلمة المعارف، فقد تم تقويض كبريات الجامعات والمعاهد العلمية والفنية والتجارية الحكومية، لصالح آلاف المقار سميت بمدارس ومعاهد وجامعات خاصة، وتم الامتناع عن تمويل الدراسة لصالح جماعات الاستثمار في التعليم والثقافة، بدء من الزي وطباعة الكتاب المدرسي والادوات والمستلزمات التعليمية، فتحطمت مجانية التعليم وتهشم الوعي والتفاهم المتبادل بين المجتمعات المختلفة التي كانت تأتلف في مدارس وداخليات وجامعات قومية تجمع كافة أبناء السودان دون استثناء، يفضل بينهم معيار التفوق، لتخلق تلك المجمعات والجامعات القومية وشيجة قوية لترسيخ الهوية الجامعة والاندماج الوطني.

4. تمزيق الكيانات الجامعة والقومية وإيقاف كافة المؤسسات والمنظمات المجتمعية التي تنشط في العمل المدني والديمقرطي، لصالح مشاريع أيدولوجية تارة يسارية وتارة يمينية، تحورت إلى الاتحاد الاشتراكي في السبعينات، والتوالي السياسي في التسعينيات، وفي كل تلك الفترات تم تجميد الحياة السياسية ما منع تجديد القيادات وتطوير الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، وغيب الممارسة الديمقراطية والحوار، وكلس شرايين القوى الحية ليتجاوز بعضها العقد الرابع دون إجراء مؤتمر عام أو تجديد للقيادة.

5. الاستعلاءات الثقافية والدينية والاثنية والتفضيل الحزبي والتميبز، وتمزيق وثائق الحقوق والمواطنة لترتقي القبلية والحمية في مقابل تسفيل وتسفيه القومية، وتعتلى المحسوبية مراقي التطور والتقدم الوظيفي لتتردى المهنية والكفاءة في أسفل درك سحيق، فضاعت الحقوق الدستورية، وعجزت الجماعات المهمشة من الإيفاء بواجباتها لضياع حق المواطنة.

تقسيم الجماعات والمجتمعات:


● وقد فاقمت تلك الممارسات الآحادية الدكتاتورية المركزية من أعداد أصحاب دعوى التهميش منطلقين من عدة منصات فكرية وأيدولوجية، فانتحى البعض الماركسية، وآخرين العلمانية، ومنهم من خرج من رحم الحركة الإسلامية ولكنه اضطرب أيدولوجيا، وقد أسهمت تلك المجاميع (المهمشة) في تحفيز الصراع ومنحه الطابع العدائي للمركز، والاستعدائي للغير القبلي والجهوي والمناطقي، وكان لتلك المجموعات والحركات تأثيرات سلبية على الاستقرار السياسي بسبب استغلال هذه الدعاوى من قبل النخب السياسية الانتهازية لتعزيز نفوذها وسط المجتمع، واستثمرت الأنظمة الامنجية، في تقسيم الولاءات لصالحها عناصرها القبلية، وهجمت على السلطنات والنظارات والعموديات بالتسيس لصالح الحزب وخلقت فتن وثارات ونزاعات بين القبائل المتجاورة وبطون العشيرة الواحدة لتصطف في مشروع التهشيم الذي اجتاح البلاد طولا وعرضا، ونشطت تلك الكيانات السلطوية الأمنجية الأيدولوجية لبناء قواعدها السياسية على أساس التفرقة القبلية والجهوية والمنطقية والعرقية والاثنية، يستخدمون في ذلك أقبح الخطابات العنصرية التي كانت تسير بهديها صحف الخرطوم (الانتباهة) لتأجيج القلاقل وتوجيه الغضب والاحتجاج الشعبي لمصالحهم الشخصية.

صراع الوكالة:

● تجاوزت تلك الدعاوى إلى تقسيم المجتمع إلى مجموعات متناحرة، لتصبح فيما بعد جماعات سياسية تناضل لتحقيق مصالحها وطموحاتها بشكل منفصل، وتحول بعضها إلى حركات مسلحة بحثًا عن العدالة والتغيير، تحت مختلف المسميات التي تتفق جميعا في الادعاء ولكنها تختلف في الوسائل والقيادة، فتولدت جماعات إثنية مسلحة، اسقوت عليها الحكومة المركزية بتحشيد وتجيبش جماعات اثنية من ذات الهامش لتهشيمها وهو الذي ولد مليشيات تقاتل بالوكالة عن الجيش النظامي، وأخرى بمثابة مخالب قط لتنهش الجسد السوداني وتخدم مشروع تقسيمه إلى خمسة دويلات، كل هذا أدى إلى زعزعة الاستقرار وعدم القدرة على بناء مؤسسات سياسية مستقرة تعمل على تحقيق العدالة وتلبية احتياجات جميع الشعوب، وهو الأمر الذي يعني اتساع دائرة التهشيم لتتخذ مشروعيتها في تحطيم كل ما هو قديم بحجة أنه أسهم في تدميرهم.

تجارب معاصرة:

● إن التجربة السودانية ليست استثناء عن تجربة الوطن العربي والمنطقة الأفريقية، التي اتخذت فيها دعاوي التهميش طابعا مطلبيا ثم أيدولوجيا ثم مسلحا، وهناك نماذج بارزة لتطور الصراعات المستندة إلى دعاوى التهميش، كتجارب المقاومة والنضال الفلسطيني الذي نشأ نتيجة التهميش والتنكيل والسحب والتعذيب والتهجير والإقصاء الذي تعرضت له الشعب الفلسطيني، وتحولت الحركة الوطنية إلى نضال مسلح من أجل تحقيق حقوقها، وكذلك النزاعات العرقية والقبلية في رواندا والصومال وبوروندي وتشاد والعديد من الدول الأخرى في القارة الأفريقية، جميعها بلغت ذروة التعاطي المسلح والتدمير الممنهج للبلاد والتهشيم الكامل لمقدراتهم ليصلوا فيما بعد لحتمية حسن إدارة الصراعات والحوكمة الرشيدة، ونمذجة مشاريع للحقيقة والمصالحة ومؤتمرات سلام مستدام وحوار شامل.


● وقد تطور الصراع في العراق بعد الاحتلال الأمريكي وتحولت بعض الحركات العراقية إلى جماعات مسلحة، بعضها ديني وآخر مذهبي وآخر تكفيري، ونشهد يوميا تجدد الصراعات في ليبيا وسوريا واليمن، وجميعها تعتمد بشكل كبير على دعاوى التهميش والتمييز القبلي والمنطقي والثقافي والطائفي، إلا أنهم جميعا وصلوا إلى حافة التهشيم الوطني، وحصدوا الهشيم ودمرت بلادهم وثرواتهم وأيقنوا ألا تنمية بلا استقرار حتى وإن حازت الجماعات المهمشة على ملايين البراميل من إنتاج النفط أو عشرات المربعات التعدينية وملايين الكيلومترات الساحلية، فجماعات التهميش هذه تحول قادتها في غالبية تلك الدول إلى تجار أزمات وأمراء حروب ونماذج دكتاتورية مصغرة.



تمرد المجتمعات:

● إن خطاب المظلومية السياسية وادعاءات التهميش والاستضعاف العرقي والاثني والديني الذي تقدمه بعض الجماعات اليوم ونظر إليه عدد من الكتاب والمفكرين الذين تخلوا عنه في أول تجربة عملية، يعد من العوامل التي يؤثر بشكل كبير في تأجيج الصراعات السياسية والاجتماعية، فقد تم تسخير هذا الخطاب لتأجيج الكراهية والغضب بين المجتمعات المستضعفة وحفزها للتمرد والثورة، والآن جميع من نظروا لمشروع الهامش والثورة المحمية بالسلاح نكصوا على أعقابهم، لأنهم قدموا أطروحات سياسية بلا قيود أخلاقية، لأن عماد الاستقرار السياسي والتنموي والأمني هو الاستقامة والتكامل بين المجتمعات وتحقيق العدالة والتطور بتوازن بينها، وهي معايير أخلاقية لم يضعها أصحاب نظريات الهامش والجدليات البراغماتية في حسبانهم.


المشاريع البديلة: 

● وما يؤسف له أن تلك المشاريع البديلة تمت صياغتها في أجواء مشابهة ومماثلة، وقد كان هناك العديد من النماذج والمثل القوية في مختلف البلدان والثقافات حول العالم، ومن الأمثلة في منطقتنا الأفريقية، نجد نيلسون مانديلا الذي كان يصوغ خطابًا قويًا من أجل المساواة والعدالة في جنوب أفريقيا خلال النظام العنصري للابارتهايد، كان يقدم أفضل المثل وأرسى نموذجا أخلاقيا غض عنه الطرف كثر من منظري الهامش، وكذلك شهدنا جميعا كوفي عنان الذي قاد الأمم المتحدة واعتمد خطابًا قويًا لدفع بأجندة حقوق الإنسان والمساواة العرقية، وتمثل حينها أخلاقا وقيما متزنة دون شطط صاحب فكرته التي انتصرت في أروقة الأمم المتحدة، وفي العالم الآسيوي خلد الهنود والآسيويون المهاتما غاندي الذي اعتمد خطابًا سلميًا أخلاقيا في حركة الاستقلال الهندية للدفاع عن حقوق الهنود في العدالة والمساواة، لينتصر بالقوة الناعمة وقوة المنطق لا منطق القوة.


انتهازيو اللحظة:
● كما أنهم قدموا ونظروا لمشاريع تمخضت عنها نقائضها، قومية إلى انفصالية، ليبرالية إلى أوتوقراطية، علمانية إلى ثيوقرلطية، وكانهم لم يقرأوا صفحات رصفائهم ممن كتبوا، "من المظلومية إلى الاحتجاج: دراسة في ديناميات الصراع السياسي" للمفكر ألبرت أو. هيرشمان، و"الصراع المجتمعي" لفريدريش غروتير، و"ما بعد النزاع وبناء السلام" لجون داربي، فبقدر اجتهاداتهم التنظيرية وقعوا في فخاخ الأنظمة ااسلطوية المركزية وقنابلها الاجتماعية المفخخة لاسيما بعد حرب 15 إبريل 2023م، وفشلوا في تقديم نموذج معاش لفهم تجاربهم الشخصية وأفكارهم حول العدالة والمظلومية، وانبرى في الاتجاه المغاير ما أسميه (انتهازيو اللحظة)، من (نخب الصدفة) لتمطي موجة الهامش المسلح الجديدة وتسخيرها كعصا غلظة وتذخير عناصرها بأفكار تغذي خطاب المظلومية والتهميش لشرعنة التهشيم للدولة السودانية التي يرمز لها بسودان 1956ك وعاصمته المركزية الخرطوم التي كتب عليها إما أن تتساوى مع بقية السودان فتهمش أو تمسح من على وجه الأرض فتهشم وينهض مشروع جديد منبت لا أب ولا أب له.

تحالف المتخالفين:

● فغالبية (انتهازيو اللحظة) لا يجمع بينهم إلا المطامع السلطوية والبغض للآخر السياسي، ليكونوا تحالفات انتهازية للمتخالفين، ولو قرأنا ألواح المفكرين وللمنظرين البارزين في هذا السياق، سنجد أن بعض هؤلاء المتخالفين متعلق بأفكار ماضوية لكارل ماركس اللينينية، ومتعمد بأطروحات فريدريش إنجلز، وربما متقمصا لدور الحسنين البنا والترابي، وجمبعهم في مركب واحدة، كل يريد قيادتها إلى اتجاه، وكل له نظرته في فهم الطبقات الاجتماعية والاستبداد، والبعض تتلبسه شخصبة ميشيل فوكو ومايكل فوولكلور في تحليل القوى السياسية والعنف في المجتمعات، للدرجة التي لا يرى فيها أي مستقبل لأي كيان سياسي قديم ولا ينبغي أن يكون لأي مشروع حزبي تم تجريبه سابقا مستقبل في البلاد، ما يعني شرعنة تهشيم الحياة السياسية ولو بالبندقية، وإعادة صياغة السودان وفق أسس جديدة كل يصيغها حسب هواه ومرجعيته الفكرية والأيدولوجية من (انتهازيي اللحظة).

● ختاما:
• إن ادعاءات التهميش وأدوات الهامش ستتزايد وتتطور ولن تتوقف ما لم تتوقف عوامل الظلم، ولكن خطاب المظلومية السياسية المتدثر بعباءة الديمقراطية، والمحتمي بفوهة البندقية سواء كان من قوات نظامية أو جماعات مسلحة أو مليشيات إثنية، سيكون مصيره مصير الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت البلاد بالحديد والنار، وسيكون تأثيره على الصراعات مقيتا ومدمرا وصفريا لا كاسب فيه، وستنجم عنه وتنشأ ضده حركات انفصالية حادة وجادة وكيانات عنصرية مقيتة وحركات مقاومة جذرية.

• إن الترياق لتلافي ذلك التهشيم واستيعاب كافة دعاوي التهميش هو اضطلاعنا جميعا بواجبنا نحو التحرك الفوري لإهادة بناء الكيانات الوطنية الجامعة وتجديد برامجها وتحديث أفكارها وتغيير قيادتها وتطوير شعاراتها، وتشيد المؤسسات القومية والتنموية المانعة، وصياغة التشريعات القانونية الرادعة لكل من تسول له نفسه امتطاء ظهور البسطاء وتجييشهم لصالح مشاريع ظلامية ونداءات عنصرية وتقسيمية، ما يوجب تضمين جميع الأعراق والأجناس والثقافات والأديان والمجتمعات والفئات والأطراف بغض النظر عن الخلفية العرقية والقبلية والثقافية والدينية، في صياغة مشاريع المستقبل وكتابة العقد الاجتماعي الجديد لضمان الاندماج الوطني والتعايش السلمي وتحقيق السلام العادل الشامل والتحول الدمقراطى الكامل.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com