السبت، 22 يوليو 2023

الحرب تفتح الباب لعودة الأنذال

الحرب تفتح الباب لعودة الأنذال

مقدمة: تستنكف القوى الدكتاتورية والأنظمة المتسلطة إنهيارها بفعل عوامل التآكل والتعفن الداخلية، أو الموجات الثورية، أو التدخلات الخارجية، أو باجتماع كل ذلك، وتجابه ذلك الانهيار بمحاولات حثيثة للعودة مستخدمة نهج الردة السياسية وكافة طرائق ومحاولات الدكتاتوريين للعودة للسلطة التي جربتها أنظمتهم وابتدعتها أجهزتهم الأمنية، كمحاولات عودة الدكتاتوريين في تونس (بن علي)، ومصر (محمد حسني مبارك)، و(محمد مرسي)، ليبيا (معمر القذافي)، ومجموعات موالية في اليمن للرئيس (علي عبد الله صالح)، وهناك العديد من الأمثلة المعاصرة في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية وأوروبا حول النظم السلطوية والحكومات الدكتاتورية التي سقطت وتسببت في اضطرابات وأزمات مختلفة، وحاول طغاتها الارتداد على الثورات أو التغيرات، ومن الضروري لكل المهتمين بهذا الأمى النظر في العديد من الأمثلة بعد موجات الربيع العربي، والأحداث في تونس ومصر وليبيا وسوريا، والأحداث في بعض الدول الأفريقية مثل زيمبابوي، ودراسة الانتقالات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية مثل تشيلي، الأرجنتين، والبرازيل، لنجد أن كل تلك الأنظمة لم يركن عناصرها ويقبلوا الهزيمة الشعبية والجماهيرية التي أقصتهم من السلطة.


● سنجد أن استماتة الأنظمة السلطوية والحكومات الدكتاتورية في التخطيط للعودة والارتداد على الثورات أو الموجات التصحيحية لها تأثيرات سلبية على الاستقرار السياسي، وقد تسببت في أزمات وكوارث قادت في بعض الأحيان إلى صراعات مسلحة كما هو الحال في السودان وغيره من دول المنطقة. 


● كما سنخلص إلى أن الأنظمة الدكتاتورية والسلطوية تستخدم مجموعة متنوعة من الأساليب والتكتيكات للعودة للحكم وإضعاف الأنظمة الديمقراطية أو الانتقالية ولتقويض الحكم المدني، ومن بين هذه الأساليب الآتي:

•أولاً: البروبوغندا والاستخدام الاستبدادي لوسائل الإعلام، والتوجيه المغرض والاستغلال الخبيث لأجهزة الدولة، واستغلال وسائل الإعلام الرسمية ووسائل الاتصال الجماهيري لترويج الدعاية وتشويه صورة المعارضة وتشويه الحقائق وتزيفها واغتيال قادة المقاومة والخصوم السياسيين معنويا، كالذي حدث في الفترة الانتقالية، بتشويه صورة نظام الحكم المدني (دي المدنية الدايرنها)، وانتشار حملات الترويج ضد قيادات الحرية والتغيير، وطاقم الحكومة التنفيذية، والهجوم المستمر ضد لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، ومن بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر حتى اندلاع الحرب واستمرار ذات المنصات الإعلامية التضليلية في نهج الإساءة والتشهير والتحريض وبث خطابات الكراهية، تمهيدا لإبراز وجوه أنذال وأذيال النظام البائد الكالح ومحاولات تجميلة بادعاء إسناد القوات المسلحة وتقديم وجوه مجرمة ومطلوبة للعدالة الدولية، كالحملة التعبوية التي يقودها رئيسي الحزب والبرلمان المحلول أحمد هارون والفاتح عز الدين ومن ورائهم جمهرة الفلول.

•ثانيا: تقزيم الموارد بالتزامن مع عمليات التأزيم الاقتصادي، وهو نهج اتبعته الجبهة الإسلامية القومية في ١٩٨٩م، وأعادت استخدامه قبل انقلاب اكتوبر ٢٠٢١م، قائم على إحداث أزمات اقتصادية وإفراغ خزائن البلاد لزعزعة الثقة بالأنظمة الديمقراطية والحكومات المدنية وإظهار فشلها في توفير الخدمات والرفاهية الاقتصادية، وفي ذلك تمت عمليات شراء السلع والاحتياجات الأساسية ورميها في النيل أو دفنها أو تخزينها حتى التلف، وهذا الأمر بعد حدوثه في ١٩٨٩م، تكرر بصورة أخرى بالمضاربة في العملة وتمويل عمليات شراء الذهب واحتكار السلع الاستراتيجية، وعمليات غسل الأموال التي رصدتها وحدة التحليلات المالية "الحكومية" التابعة لبنك السودان المركزي، وعمليات تهريب الموارد والمواشي والخام إلى دول جارة ليتم تصنيعه وتصديره منها كدولة منشأ، ونشطت في ذلك شركات ورؤوس أموال عرفت بانتمائها للحزب المحلول، ومولت تلك الواجهات المالية والاقتصادية أنشطة التخريب الانتقالي، بدءا من اعتصام القصر، وتوفير الدقيق والوقود والمحروقات والسلع الاستراتيجية لحكومة الانقلاب، وكذلك تمويل عمليات التحضير لحرب إبريل ٢٠٢٣م، ولا ننسى تمويل عملية فض اعتصام القيادة العامة في يونيو ٢٠١٩م.

• ثالثا: تسخير جهاز الدولة الأمني وأجهزته الشرطية وسلطاته القانونية لأسوأ وأنكىى عمليات القمع والاضطهاد ضد الخصوم والعناصر المقاونبة، فللمستبدين تاريخ طويل وسيء من استخدام القوة والترهيب لقمع المعارضة والمتظاهرين والحريات الفردية، وإعاقة عمل المنظمات والصحافة المستقلة، وشهد السودان طوال فترات الاستبداد لثلاثة عقود أبشع تلك الأنواع، إلا أن سلطة إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، واصلت ذلك بالصورة التي اعتقلت فيها كل قادة الحرية والتغيير وعناصر حكومتها التنفيذية، ولجان المقاومة ونكلت بالمتظاهرين والمحتجين، وانتشرت عمليات التعذيب والاخفاء القسري والتصفية والمحاكمات السياسية في ثوب قانوني تصدى لها، كيان محامو الطواريء الذي بذل فيه محاميات ومحامو السودان كل شهدهم للتصدي للمشروع القمعي الذي مهد لاستعادة عناصر النظام المباد قي الأجهزة الأمنية والشرطية والسلطات القضائية.

•رابعا: قاد ذلك لتحكم في الجهاز الأمني والعسكري بصورة أقوى مما كان عليه في فترات حكم النظام المباد، أو السلطة الانتقالية، وبذل النظام المباد جهده لإعادة عناصره والاحتفاظ بتأييد الجهاز الأمني والعسكري والاستخدام المناسب للعنف والقوة العسكرية وجعله مفتاحًا للسيطرة على النظام، وبعد انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، تمت إحالة وإقالة كافة العناصر التي نفذت الانقلاب، والاستعاضة عنهم بعناصر موالية للتنظيم المباد وتمكينهم من القرار وقيادة المؤسسات للدرجة التي صارت فيها أندية ومقار القوات النظامية أماكن لاستضافة الاجتماعات الآمنة والرسمية لفلول الحزب المباد، كما مارس الحزب المحلول هوايته في اختراق شامل لكافة القوات النظامية، وشبه النظامية، والحركات المسلحة وتخليق مليشيات جديدة، فتغلغل عناصره المحالين إلى التقاعد في فترة الثورة إلى صفوف الدعم السريع والحركات المسلحة، وشكلوا بذلك خلايا تنسيقية تأتمر بأمر التنظيم المحلول والحركة الإخوانية، ومضوا لأبعد من ذلك بإعادة عناصرهم وكتائبهم الخاصة وتدريبهم في معسكرات نظامية ومقار استراتيجية.

• خامسا: قبل وأثناء وبعد الحرب الحالية نشطت جماعات النظام المباد في التحشيد والاستخدام السياسي للتجنيد العرقي والجهوي وحتى الديني، وتنظيم حملات ومخاطبات بذات الشعارات الجهادوية التي مورست خلال ثلاثة عقود وقادت لفصل اابلاد وتأجيج الحرب في جنوب النيل الازرق وجنوب كردفان ودارفور، والتحريض على الآخر وتسعير نيران الصراعات والاضطرابات العرقية، واستمارة النعرات القبلية لتفتيت الوحدة الوطنية وصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية، التي نظمت في خطاب سياسي متفق عليه من قبل طيف واسع من السودانية، وتمزيق وثائقه، التي تحدثت عن مدنية الدولة ودستورية مؤسساتها، وعمليات استكمال السلام الشامل، وقضية شرق السودان، وتحقيق العدالة والعدالة الانتقالية وعدم الافلات من العقاب بالإضافة للملف المزعج للفلول وهو ملف تفكيك سلطة ومؤسسات التمكين والحزب الواحد لصالح الوطن وملاحقة عناصره الذين أسهموا في مشروع تدمير السودان.


• سابعا: بعد تأجيجهم الحرب ومحاولة الانقضاض على السلطة كانت خطوتهم التالية هي التوجه لقيام الانتخابات (المخجوجة) والمزورة، لاعتقادهم أن ذلك سيصبغ عليهم شرعية ويمكنهم من العودة للسلطة والردة على الثورة، وتم التحضير لتزوير الانتخابات وإجراءاتها، بالتحضير قانونيا وشكليا ولوجستيا، ومهدوا لذلك بتصريحات من مسؤولين وناطقين رسميين للسلطة الانقلاب، وما يتم الآن من عمليات تحشيد لنصرة القوات المسلحة شكلا فهو يستبطن في داخله نشاط سياسي حزبي صارخ بدأ قبل الحرب باجتماعات وإفطارات رمضان العلنية والسرية، بغية التحضير لإعلان نشاط الحزب المحظور بموجب القانون والمحلول بأمر الثورة، وفتح الباب لعناصره وتمويل أنشطتهم وحماياتهم وهو ما يهيء بشكل غير عادل لاستعادت النظام المباد والحصول على دعم شعبي زائف يمهد لإعادة الانتخاب واستعادة النظام السلطوي بوجوه جديدة في ذات الثوب الإخواني الخلق.


• أخيرا: لن تكف أيادي تمزيق الوطن، وعناصر العبث باستقرار البلاد عن محاولات الردة السياسية، وواجب القوى المدنية الحية والكيانات الثورية التصدي لمشروع التسلط بوجهيه العسكري والمدني، لمنع تحول أشواقنا في المدنية وترسيخ الأنظمة الديمقراطية إلى أنظمة سلطوية، وعلى تلك القوى المدنية وجماعات الضغط والمؤسسات الديمقراطية اتباع بعض الاستراتيجيات الفعالة، والتكتيكات والأساليب التي تم انتهائها ضد العديد من الأنظمة الدكتاتورية في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية وآسيا، وأيضا من خلال التجربة السودانية:

١. رفع الوعي بالحكم الرشيد وركائزه المتمثلة في المساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون ومكافحة الفساد، وينبغي أن تكون المؤسسات الديمقراطية شفافة ومسؤولة، وتتبع سياسات مناهضة للفساد في داخلها قبل المناداة بها على الصعيد القومي، وتحصين تلك المؤسسات من عمليات الاختراق التي تحدث في غالبها الأعم نتيجة عمليات فساد، ويمكن تطوير آليات رقابية فعالة للتأكد من حسن الأداء وتطبيق سياسات الشفافية والمساءلة.

٢. إحترام الرأي والرأي الأخر والديمقراطية وصون حرية الصحافة وحرية التعبير، وعلى تلك القوى المدنية أن تدعم الصحفيات والصحفيين السودانيين وتقديم العون والاسناد لهم، لتتمتع الصحافة بحرية كاملة لتقديم معلومات دقيقة ومستقلة، وبالأخص في أجواء الحرب الملبدة بالأكاذيب والدعاية الحربية، وكفالة حقهم فب الوصول للمعلومة وحمايتهم الشخصية وأسرهم من أي ملاحقات واعتداءات وتهديدات كالتي طالت إعلاميين واعلاميات في منطقة زالنجي غربي دارفور ، وعلى الجميع أن يتداعى لميثاق شرف تقوده القوى المدنية لصوت حرية التعبير للصحفيين وللأفراد والمنظمات الشعبية والجماهيرية.

٣. تفعيل أدوات المجتمع وتشجيع المشاركة المدنية والحد من عمليات التحشيد العنصري والمناطقي والجهوي لصالح أي من طرفي الحرب عسكريا، وبالضرورة الحديث عن المشاركة السياسية والمجتمعية للمواطنين من خلال تكوين لجان الطواريء والخدمات وشرايين الحياة، والمدارس الوقفية، والمستشفيات الميدانية، والاندية الرياضية والثقافية والمنابر الحرة، التي تكفل التعاطي المدني والمنافسة الاجتماعية والرياضية السياسية العادلة وتحفيز المواطنين على المشاركة في العملية السياسية المنظورة.

٤. مناهضة التكلس المؤسسي والجمود البنيوي في المؤسسات المدنية والسياسية ولجان المقاومة وجماعات الضغط والكيانات الثورية والنسوية والفىوية والمهنية وإعادة بناء مؤسسات ديمقراطية قوية، تجدد برامجها وشعاراتها وتطور قياداتها، لتعمل باتساق في رفع الوعي بالدولة (شعبها وأرضها وسلطاتها) واستعاب العقل الجمعي لتلك المؤسسات لضرورة النهوض بدولة المؤسسات التي تكون فيها الأجهزة القضائية المستقلة، وأجنزتها التنفيذية الفاعلة ومؤسساتها التشريعية الصارمة، وتطوير مؤسسات إنفاذ القانون وحقوق الإنسان، وضمان احترام الدستور والقوانين من الجميع.

٥. عندما تحدث عمليات النهوض المؤسسي للقوى المدنية والكيانات الثورية الحية سيتم فتح أبواب التعاون الإقليمي والدولي والدعم وإبرام الشراكات الذكية، لكفالة التعاون والتضامن الإقليمي والدولي مع السودان الذي يحاول الانتقال إلى نظام ديمقراطي، حينها سيجد العالم جدية في تعاطي القادة السودانيين مع قضايا المدنية والسلام والحرية والعدالة وسيشرعون عندئذ في تقديم الدعم المالي والتقني والسياسي للمؤسسات الديمقراطية والقوى المدنية، وهو ما سيقصر الطريق لاستعادة السلطة المدنية وقطع الطريق أمام قوى الردة الإنقلابية، وتحصين الثورة وتنفيذ شعاراتها وتفعيل أدواتها المدنية للتنافس الذي تنظمه عملية انتخابية ديمقراطية شفافة ونزيهة يعمد الشعب السوداني على ضوئها من يريد انتخابيا.


● ختاما: إن أقصر الطرق للأنظمة السلطوية الامنجية النذلة وقوى الردة السياسية الفاسدة لاستعادة فراديسهم المفقودة، تكون بالبطش والإنقلاب على السلطة القائمة أو إشعال الحروب، لتمكين أدوات وآليات الطواريء، وبالتجربة العملية خلال الخمسة عقود الماضية تبين أن أفضل الأساليب المستخدمة لردع الدكتاتوريات وبأقل تكلفة ممكنة والمجربة محليا في (١٩٦٤م و ١٩٨٥م و٢٠١٩م)، هي الأساليب السلمية والمدنية والديمقراطية للتغيير وليست الاصطفافات القبلية والجهوية والمناطقية والتحشيدات العسكرية والاحتماء خلف البندقية، وأولى الخطوات لاستعادة الأدوات المدنية هي فتح باب الحوار والتفاوض بين المتحاربين للوصول إلى وقف إطلاق نار دائم، يمهد لحل سياسي شامل ويستعيد الحياة المدنية، حينها ستكون أدوات التعاطي الحر ليست بالبندقية وإنما بالنقاش العام والاحتجاجات السلمية والانشطة المتعارف عليها دوليا ولا تكلف الدولة والشعب خسائر في الأرواح والممتلكات كالتي شهدتها حرب السودان التي تمضي نحو يومها المائة، وما لم تتم استعادة الحياة المدنية حيويتها وفعاليتها في الداخل، سيلجأ العالم إلى استخدام أدوات الضغط الدولي والعقوبات الاقتصادية للتأثير في السياسات الدكتاتورية، والتي في الغالب سيتحايل عليها الطغاة وسيكون مردودها مدمرة للبلاد ومنهكا للعباد.


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig
٤. محرم. ١٤٤٥ه
٢٢. يوليو. ٢٠٢٢م

الخميس، 20 يوليو 2023

حرب السودان: الفراغ الاجتماعي والثقافي والسياسي

حرب السودان: الفراغ الاجتماعي والثقافي والسياسي
● حالة اللادولة التي يعيشها السودان ليست مهدد لحياة الإنسان وموارد البلاد ومرافقها الخدمية والاستراتيجية والتنموية فحسب، بل يعد تفشي الحروب والنزاعات من مسببات إحداث فراغات في القيادة الأكاديمية والمهنية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يعرض السودان ونظامه التقني والفني والإداري والصحي والرياضي والمجتمعات للخطر، ويتسبب ذلك في تدهور كافة الكيانات والمؤسسات المدنية، ونجم عن ذلك الفراغ القيادي وتدهور وضياع وتهاوي المؤسسات المدنية وتسلل القيادات الانتهازية إلى سطح جهاز الدولة ومؤسساتها وكياناتها وإداراتها وبروز قيادة طفيلية وأمراء حرب، وذلك مرده للآتي:

1. فرار الكثير من النخب والكفاءات من ويلات الحرب وغياب القيادة المجتمعية قاد ذلك لفراغ هيكلي ومؤسسي في بنية العديد من المؤسسات الشعبية والأهلية والدينية والمدنية، ولتدارك الأمر على تلك القوى والمؤسسات العمل الفوري على تأسيس منصات ومنظمات طواريء محلية تعمل على تشجيع وتدريب القادة المحليين في الولايات والمدن والقرى والفرقان والمراحيل والدمر، لتعزيز قدراتهم في قيادة المجتمع والمؤسسات المحلية، وملء المقاعد التي خلفها شغور القيادات.

2. تكلس شرايين المؤسسات وعدم تجديدها وغياب التنظيم المحكم لاغلب منظمات المجتمع المدني وأحزابه السياسية وجماعاته الإبداعية واداراته الاهلية وقياداته الدينية، وهو ما يتطلب بذل جهود مضاعفة وأدوار كبيرة من تلك المؤسسات ورصيفتها غير الحكومية والمنظمات غير الربحية في تقديم الخدمات الأساسية وإدارة الشؤون المحلية الأهلية والفنية والدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية والانتاجية والسياسية، وكذلك في دعم وتمكين المجتمع المحلي لترتيب صفوفه وفق تنظيمات تستوعب حالة الحرب.

3. دخول الكثير من القيادات حالة السبات والاختفاء، وعدم انعقاد الاجتماعات التقييمية والتخطيطية والدورية قاد لانعدام الشفافية والمساءلة ومحاسبة المتطفلين على تلك الكيانات، وهو ما يقتضي ضمان وجود آليات فعالة للشفافية والمساءلة في إدارة كافة المرافق والمؤسسات المدنية والكيانات الحية، لأن غياب المساءلة يساهم بصورة ملحوظة صعود أصحاب الأجندة لقيادة تلك المؤسسات وعودة عناصر الحزب المباد لقيادة زمام الأمور في المركز والولايات، لذلك نهج المساءلة (المؤسسية أو الشعبية) سيمنع تسلل القيادات الانتهازية، ويفضح ممارساتهم ويذكر بتاريخهم وعلاقاتهم المشبوهة ويمكن من حماية المجتمع ويؤسس لتفادي الفساد المالي والإداري ويحصن المؤسسات من الاختراق التنظيمي.

4. تعذر تعاون المؤسسات فيما بينها جراء الحرب، وانقطاع التعاون والتنسيق الإقليمي والدولي الذي كان يعكف على دعم الانتقال في السودان وقواه المدنية والسياسية، لذلك ينبغي ابتكار صيغة جديدة لاستئناف التعاون والتنسيق بين الجهات المعنية على المستوى الدولي والإقليمي لتقديم الدعم والمساعدة والاسناد في كافة المجالات المدنية والإنسانية ورفع القدرات القيادية المحلية وتنظيم المؤسسات المدنية، وتمكين أولئك القادة المحليين من ملء الشغور المدني.

5. إدخال البلاد في حالة استقطاب إثني وعنصري وجهوي الأمر الذي انعكس على تماسك الكيانات والمؤسسات القومية، وساهم في خلق حالة من الاصطفاف، وتهجير وإبادة للمجتمعات، قد خلفت ضغائن وغبائن ، لن يزيلها إلا استحضار الموروث الثقافي والقيمي والتاريخ المشترك بين كافة المكونات السودانية، في المصالحات والديات والبروش، وجلسات الصلح، والاستفادة من التراث الثقافي والتراث الشعبي لرفع الحس القومي بالهوية والوحدة الوطنية، وإبراز دور القيادات المحلية والإدارات الأهلية والمؤسسات المدنية في إعادة بناء وتماسك المجتمع على أسس قومية.


6. محاولات الاختراق الأمنية التي تحاول تنفيذها أجهزة الدولة الخفية وعناصر الحزب المحلول وكتائبه الخاصة داخل التنظيمات المدنية والبيوتات الدينية والعشائر والقبائل، في محاولة مستميتة لجر الكيانات القومية والمؤسسات السودانية والقوى المدنية، والأسر التاريخية للاصطفاف في الحرب، والانخراط في حملات التحشيد والتجييش.

7. ضعف موارد وإمكانيات الكيانات والمجتمعات والقوى المدنية وانعدام الموارد على قلتها بعد الحرب، وفقدها بسبب عنليات السلب والنهب والحرق والسرقات، أضعفت كل ذلك الأداء اليومي لتلك الكيانات وبالأخص على الصعيد الإعلامي والإنساني والسياسي للقوى المدنية، في مواجهة حملات إعلامية موازية مضللة ومدروسة بكثافة وبتمويل كبير ومنصات إعلامية خارجية وداخلية تعمل على اغتيال معنوي لكافة القيادات المناهضة للحرب من قادة القوى المدنية ورموز المجتمع، ومحاولة خلق عناصر جديدة بديلة يتم ترميزها لتقود تلك المؤسسات والمجتمعات المدنية.


● الخلاصة: إذا الفراغ السياسية لن تنحصر تاثيراته في المدى القريب المنظور ولكن من المؤكد أن يكون له تأثير كبير على المجتمع، حيث سيؤدي إلى ضعف بنية التماسك الوطني وتفكك النسيج الاجتماع، ويقةد التشكيك في القيادات السياسية الوطنية في القوى السياسية والمجتمعات الأهلية وسلك الصحافة والإعلام والعمل المدني التطوعي، مما سيزيد الفراغ السياسي النابع من عجز الدولة في حالة الحرب هذه، حينها سيغيب التواصل والحوار ، ويبعد أو يقتلى أو ينفى نساء ورجال التواصل والحوار ، وإسكات أهل الحكمة والرأي من نساء ورجال التواصل والحديث المتزن لتملأ الفراغ مجموعات الغوغاء.

● أخيرا: على القوى المدنية والكاينات السياسية عدم الاستسلام للخيارات المفروضة، وعدم إفراغ للحياة من تواجدهم المادي والمعنوي، وعليهم المضي في اجتراح أنشطة وبرامج تحافظ على وجودهم وسك مجتمعاتهم المحلية، وتدعم جماهيرهم وتعزز التواصل بينهم، وليس بالضرورة أن تكون تلك الأنشطة والبرامج ذات طابع رسمي لئلا تتصادم مع عسف السلطة وحالة الطواريء المضروبة على بعض الولايات، كالآتي:


1. تفعيل برامج وانشطة التواصل والتفاعل الاجتماعي على الأرض وعلى الوسائط المتاحة، كالقيام بالنشاطات الاجتماعية مع الأصدقاء والعائلة والمجتمع المحلي، مثل الفعاليات الاجتماعية والانشطة الأكاديمية، والحلقات العلمية، والقيام ببرامج الرياضة الجماعية والانشطة التنافسية لدعم المتضررين من الحرب، ومشاركة قادة المجتمع ونخبة تلك القوى بالحضور في تلك الفعاليات المحلية.

2. تنظيم حملات الدعم والاسناد المادي والمشاركة في العمل التطوعي، والمساهمة في الأعمال التطوعية والخيرية مثل تمويل ودعم وتوزيع الغذاء والدواء والكساء على المحتاجين والمشاركة في حملات إصلاح المرافق وتأهيل البنى التحتية وأنشطة إصحاح البيىة وتنظيف المناطق العامة وعمليات التخضير والزراعة، فكل هذه الأنشطة تساعد في بناء روابط قوية بين الناس وتهيء الجميع وتدربهم على العمل الجماعي، وتزيل حواجز الفجوات النفسية التي خلفتها الحرب.

3. التخطيط والدعم والتمويل والتنظيم وجدولة الفعاليات الاجتماعية والثقافية مثل المهرجانات والمعارض والحفلات الموسيقية، والبازارات. والندوات التوعوية بصورة ريعية أو خيرية تعود مساهماتها لدعم المجتمعات المتأثرة بالصراعات. وهذه الفعاليات ستوفر أجواء صحية للناس للتواصل والتفاعل والاحتفال بالتنوع الثقافي الذي يذخر به السودان، وتجمع الشتات الذي فرقته حرب الخرطوم.


5. الاستفادة من الشراكات الذكية المحلية والاقليمية والدولية لدعم القضايا الاجتماعية، والمساهمة بصورة عملية في حل القضايا الاجتماعية المهمة، مثل إعالة الأسر وبرامج لم الشمل، وانشطة الإجلاء للعالقين، وبرامج مكافحة الفقر والعنف والتمييز، عن طريق المشاركة في حملات التوعية والدعم المادي للمنظمات غير الحكومية التي تعمل على هذه القضايا.


6. هذا يوجب نمذجة النظام الأساسي لحالات الطواريء والحرب لتنظيم المجتمع المدني وتفعيل أنشطته عبر الآتي:

       أ. مؤسسات وشراكات وتعاونيات مشتركة، تضم القوى المدنية والمنظمات المجتمعية والكيانات السياسية ولجان المقاومة والمجموعات النسوية وكافة الجمعيات غير ربحية.

       ب. بالإضافة لاشراك المؤسسات الثقافية والفنية التي لها مشاريع ثقافية، تضم المؤسسات والمراكز والجمعيات الفنية والمتاحف والمعارض الثقافية والمكتبات والاندية ونقاط تمركز المهتمين بالثقافة والفن، وذلك لتنظيم فعاليات وأنشطة تعزز الثقة بالتواصل والتفاعل بين الناس وترفع الوعي الثقافي.

       ج. المراكز الاجتماعية والرياضية نقاط التلاقي الحضاري لكل الذين يتشاركون نفس أنماط الإبداع والاهتمامات والهوايات، ما سيمكن تلك المراكز من تنظيم فعاليات رياضية واجتماعية وتحفيز العمل الجماعي وبناء العلاقات وخلق مبدعين جدد رغم أنف الحرب.

       د. المساجد والخلاوى والمؤسسات الدينية والمنابر التي تخاطب المجتمع، عليها الحفاظ بخطاب الإخاء الديني والإنساني ومعاني الاتزان والإصلاح والتعايش والمحبة ونبذ خطابات الكراهية، ورفدها بأئمة ودعاة على درجة من التدين والوسطية والإلمام بكافة الجوانب الفقهية، وتمتعهم بالقبول والوعي والادراك للمزالق والفتن، ونشر تلك الأنشطة على المنصات الإعلامية لإسكات أبواق الحرب وطبالي الأنظمة الدكتاتورية من علماء السوء وفقها السلطان.


● ختاما: ستنتهي الحرب بصورة أو أخرى، ولكن نهايتها ستخلف آثارا مدمرة على الإنسان والزرع والضرع، والبنيان، ولكن الضرر الأبلغ هو تداعي منظومة القيم والأخلاق والكيانات المدنية والاجتماعية والثقافية التي تحافظ على تلك القيم، لذلك نن الضروري أن يكون هناك تعاون وتنسيق فعّال بين الأفراد والمؤسسات والمجتمعات المعنية لمواجهة التحديات الناجمة عن الحروب والنزاعات والمحافظة على الكيانات المدنية والمؤسسات الحيوية والمرافق الخدمية والجماعات الديمقراطية المحبة للسلام، وإلا فستعود البلاد للحرب فور توقيع اتفاق السلام في حالة غياب تلك المؤسسات المدنية والقيادات ولن تصل البلاد لصيغة ديمقراطية تكفل تنافس تلك الكيانات ولا نهج شفاف يؤسس لحياة مدنية تجعل من أنشطتها كوابح للتمدد الدكتاتوري في البلاد.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig - fb, tw, thr, Skype,
٢. محرم. ١٤٤٥ه
٢٠. يوليو. ٢٠٢٢م