الاثنين، 31 يوليو 2023

الحرب في السودان: تأليم النشء بانعدام فرص التعليم

الحرب في السودان: تأليم النشء بانعدام فرص التعليم


■ مقدمة: الحرب في السودان والصراعات السياسية أثرت بشكل كبير على الكثير من المؤسسات الخدمية والمرافق الحيوية ومنها المؤسسات والأنظمة التعليمية، التي كانت تعاني سلفا من مشكلات وأزمات متنوعة، لحقتها أيادي الحرب العابثة بالمزيد من السوء وعمليات التنكيل، منها الاستهداف المباشر من قبل الأطراف المتحاربة، والتدمير البنيوي للمباني باتخاذها ثكنات عسكرية ومنصات دفاعية، وما تلى ذلك من تجريف المعاني لإنها أصبحت في ظل تفاقم خطر وانتشار السلوك الإجرامي ودعاية الحرب والمتقاتلين وتنامي الفكر المتشدّد مراكزاً مهمة لجذب وتجنيد الأطفال والقصر والشباب اليائسين من إكمال تعليمهم.
وقد بينت منظمة الأمم المتحدة لشؤون الطفولة "اليونيسيف" في وقت سابق، أن الصراعات في مختلف مناطق العالم تحرم 25 مليون طفلاً وشاباً من فرص الوصول إلى المدارس، وفي السودان وحده هنالك حوالي 4 ملايين طفل قبل الحرب في السودان يشكون أوضاعا معيشية وصحية وغذائية سيئة، هذه المشكلات والأزمات تضاعفت بتوالٍ هندسي بعد الحرب وهي اليوم تؤثر بشكل كبير على ملايين التلاميذ والطلاب والفتيات والشباب والمستفيدين من الخدمات التعليمية الحكومية والخاصة، وتمنع غالبيتهم من استكمال تعليمه وفق رغبته وتصورات أهله وذويه، وتحرم كثير من العاملين في هذا السلك من وظائفهم.

● أولا: نعدد بعض الآثار التدميرية التي خلفتها الحرب على النظام التعليمي، ومن الأضرار التي تعرضت المؤسسات التعليمية، والمرافق الاستراتيجية والجامعات والمعاهد العليا والدمار الذي لحق بها والتأثيرات السلبية ما يلي:

1. تقطيع أواصر إنسانية ووشائج حميمة استمر بعضها لعام دراسي أو مرحلة تعليمية أو عدة مراحل بتمزيق شبكة علاقات اجتماعية بين التلاميذ فيما بينهم وبينهم أساتذتهم، وبينهم والعاملين في المؤسسة التعليمية، وذلك بقتل عدد منهم بسلاح المتحاربين عمدا أو عن طريق الخطأ، للدرجة التي عم الحداد فيها كل مرفق ومؤسسة تعليمية ابتداء من أعرق الجامعات السودانية( جامعة الخرطوم) التي شهدت دفن جثمان أحد طلابها بعد تعذر إجلائه لأيام منها وصلى عليه زملاؤه والعاملين وغيرهم، وعدد كبير من ساحات المدارس شهدت مباراة جثامين استحال تشييعهم إلى المقابر، فتحولت المؤسسات التعليمية من منارات إلى مقابر.

2. الدمار الماحق الذي بالمباني والبنية التحتية، وما تعرضت له الورش والمعامل والأنظمة التقنية والمزارع التجريبية، للتدمير جراء الاعتداءات والتخريب والسرقات والقصف والهجمات العسكرية، هذا أثر بشكل كبير على إمكانية توفير الخدمات التعليمية والبحثية وقد يتسبب في انقطاع المياه والكهرباء والاتصالات وقتل الحياة في تلك المرافق، وعطل أنظمتها الحيوية والبيئية والصحية.

3. نزف العقول وهجرة الكفاءات وتشتت الكادر التعليمي والبحثي، فقد شهدت البلاد نزوح المعلمين والأكاديميين والباحثين والمدرسات والموجهين والطواقم الفنية والادارييت، بسبب الحرب إلى مدن داخلية أو دول جارة وأدى تشتت هذا الكادر لأزمة ماثلة وترك الفجوات في العملية التعليمية والبحثية. وهو ما سينتج قلة خبرة وضعف مؤهلات في المدرسين والأساتذة المتبقيين، وهو ما سيؤثر سلبًا على جودة التعليم والبحث العلمي.

3. إتلاف الأنظمة وتدمير المعدات والمواد والوسائل التعليمية الحديثة وخاصة تلك التي في الجامعات والمدارس المتطورة، فقد تعرضت الأجهزة الالكترونية والسبورات التفاعلية والكمبيوترات والأجهزة الضوئية ومعدات الورش والمعامل والمكتبات والورقية والرقمية والوسائط الأخرى المستخدمة في التعليم للتدمير والنهب أثناء الحروب، وقاد هذا التدمير فعليا إلى فقدان الفرصة للطلاب والمستفيدين من الحصول على فرص تعليمية عالية الجودة، ويمكن تعداد عشرات الجامعات ومئات المدارس تعرضت لهذا النمط من الإتلاف.

4. تجمد الشرايين المالية وانقطاع الدعم والتمويل الحكومي للمؤسسات الحكومية أو الذاتي لتلك الخاصة، وقاد اندلاع الحرب إلى حجب وإيقاف التمويل الحكومي طوال الأشهر الأولى للحرب وتخصيص الموارد المالية والتمويلية للاستجابة للاحتياجات العاجلة والتي في الغالب اتخذت طابعا عسكريا، مما أؤثر على تمويل المؤسسات التعليمية والمرافق الاستراتيجية وكافة الجمعات الحكومية والمعاهد العليا، كما أن ما حدث من إضطراب في النظام المصرفي ونهب لعدد من الوحدات المالية للجامعات والمؤسسات الخاصة أو أرصدتها في البنوك والحيلولة دون الحصول عليها، تسبب ذلك في نقص الميزانية وإيقاف حتى أنشطة الحراسة والتأمين وأدنى خدمات الاستدامة من وقود وكهرباء التسيير ومياه للمرافق والمساحات الخضراء وقاد لتعطيل كلي لكافة الجهود التطويرية وتحديث الأنظمة التعليمية التي بدأتها كثير من المؤسسات والجامعات بعد الثورة المجيدة مستفيدة من رفع اسم السودان من قوائم الحظر الدولية.

5. الإتلاف المستندي الذي لحق بالأنظمة المالية والإدارية والتوثيقات والسندات العلمية والمسودات البحثية والمعلومات الخاصة بمنسوبي تلك المؤسسات، وتعذر الوصول إليها إما لاحتراقها أو اتلافها، أو سرقة الأجهزة التي تحتويها، جعل من الوصول لإرشيف تعليمي لكثيرات وكثر أمرا عسيرا وربما مستحيلا، وهو أمر أفقد كثيرات وكثيرين فرص سرعة النقل والالتحاق بموافقة أخرى، وأضاع مستقبلا مهنيا لحديثي التخرج، وأحبط المتأملين في استيعابهم للالتحاق ببعض الجامعات والمدارس والمعاهد التي كانوا يرغبون بالوصول إليها.

6. من مؤكد أن انعكاس كل ما ذكر أعلاه أسهم في تراجع مستويات التصنيف لجودة التعليم في السودان، وقاد إلى تراجع كبير في وضع السودان بالقوائم والإقليمية والدولية، وذلك لانعدام أدوات ووسائل المعايرة وإنهيار النظام المعمول كليا به وغياب السلطة المشرفة على التعليم في مختلف المستويات الاتحادية والولائية والمحلية وصولا للمستويات الإدارية الدنيا.


● ثانيا: المستوى الأخطر من التشوه، فهو ما لحق بالمعاني والتأثيرات التي خلفتها الحرب على مستويات وجدانية مباشرة، بالنسبة للطلاب والتلاميذ والمستفيدين من الخدمات التعليمية الحكومية والخاصة، والعاملين في هذا الحيز الوظيفي أو المهني أو الفئوي أو العمالي أو حتى الشرائح الاجتماعية التي تنشط في اقتصاديات التعليم والعملية التعليمية وما يرتبط بها، من غذاء، وكساء ونقل ودواء مطبوعات وملبوسات وداخليات إيواء، ومهن تجارية على هامش المرافق والمدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية، جميع هؤلاء كان التأثير عليهم بالغا ويمكن حصره في الآتي:

1. إنقطاع حلقة النمو المعرفي وانحسار المستوى الإدراكي واختلال وربما إنهيار في إشباع الحوجة المعرفية وذلك بقطع عملية التعليم برمتها، فالحرب قادت هذا العام إلى تعطيل عملية التعليم وقطع الفصول الدراسية لمختلف المراحل والمستويات، حيث أصبح من الصعب جداً للطلاب والتلاميذ الوصول إلى المدارس والجامعات بسبب القصف أو الانتقالات القسرية جراء النزوح واللجوء، وبعضهم دخل مدارس ولائية أخرى ليس تلميذا أو طالبا وإنما كمستأوين.

2. إختلالات صحية وزيادة مستويات التوتر النفسي لدى كثيرات وكثر من التلاميذ والطلاب، لما للحروب من تأثير سلبي على الصحة النفسية للطلاب والتلاميذ والمستفيدين جميعهم، فجميعهم تعرضوا للخوف والقلق والضغط النفسي بسبب الظروف القاسية، وعاشوا هول الصدمة والفزع الشديد وفقدانهم أهم محط آمالهم وطموحاتهم وبعضهم كان يخطط ويحلم بأن يكون في مستوى معين أو مرحلة جديدة أو خروج نحو حياة مهنية بعد التخرج، جميع ذلك تبدد لدى غالبية ساحقة تعاني ضيق ذات اليد وشح الموارد وضياع الفرص.

3. انفجار الكتلة البشرية وطلاب التعليم من تمركزهم في العاصمة وتشتتهم إلى الولايات وهو ما تسبب في نقص الفرص التعليمية المتاحة للطلاب والتلاميذ، ما يعني أنهم سيستمرون ويضطرون للانتقال لمناطق أكثر أمانًا نزوحا أو لاجئين، مما يتسبب في انقطاع التعليم لكثيرين وفقدان بعضهم الفرص والمنح التعليمية وتحولهم لفواقد تعليمية وتربوية.

4. رغم عودة أسر كبيرة إلى مواطنها الأصلية إلا أن الحرب أسهمت في تفكك منظومة الأسرة السودانية المتماسكة التي اختارت لم الشمل في العواصم والمدن الكبيرة لتعليم أبنائها، وهو أمر يستحيل استمراره بعد الحرب، ما يعني تفرق تلك الأسر وأبنائها للبحث عن معاهد ومدارس وفرص تعليمية أخرى داخل وخارج البلاد، أو ربما اختار بعضهم التخلي عن التعليم والخروج للبحث عن العمل.

5. ستقود تلك التراكمات بعض الصبية والشباب والمراهقين إلى الهروب من حالة العجز والاضطرابات المالية والمعيشية والنفسية وضيق ذات اليد، وحالة اللا أمل إلى التعلق بحبال التجييش الرسمي أو المليشيوي لمعالجة الاختلالات الناجمة عن انقطاع العملية التعليمية، وهو ما سيفاقم الأمر ويزيد أمد الحرب ويضاعف أعداد ضحاياها، ويزيد حدة انتهاكاتها بتجنيد الأطفال والقاصرين، وتزايد معدلات انتشار التسلح والجريمة وسط المراهقين.

● ثالثا: الحلم الذي ظل يرنو الجميع إلى تحقيقه هو عودة المؤسسات التعليمية في السودان والنظام التعليمي إلى صدارة الأنظمة التعليمية في المحيط العربي والأفريقي ومصاف التنافس العالمي، وقد هيأت الحكومة الانتقالية الأجواء لذلك واتخذت إجراءات رفع التمويل التعليمي والصحي وخفض الإنفاق على الأوجه الأخرى، ولإصلاح المؤسسات التعليمية والمرافق الاستراتيجية والمعاهد العليا خلال الحرب وبعدها يتطلب بذل جهود متعددة لإعادة ترميم وبناء هذه المؤسسات لإصلاح التلف الذي حاق بها ودمرها، وهي:

1. إصلاح المقار والمباني وإعادة بناء المرافق والبنية التحتية، وتوجيه الجهود وتكثيفها لإعادة بناء المباني والبنى التحتية المتضررة بشكل مباشر، وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة لإعادة بناء المدارس والجامعات والمرافق الاستراتيجية وتجهيزها بالتجهيزات التعليمية اللازمة، والأنظمة المالية والإدارية وتكنولوجيا وأدوات التسيير الحديثة التي تسهل العملية التعليمية.

2. حشد المهارات والقدرات التعليمية للمعلمات وتدريبهن والمعلمين والأساتذة وهيئات التدريس الجامعية، بتوفير برامج تدريبية إسعافية للمعلمين والأساتذة المتبقيين أو تعيين معلمين جدد لسد الفجوات التي ظهرت في الكادر التعليمي خلال فترة الحرب، و تخصيص أكبر قدر من الموارد للتأهيل المستمر للمعلمين لتطوير مهاراتهم التعليمية ليسهم ذلك في تحسين جودة التعليم المقدم، بما يواكب أحدث أنماط وأنظمة التعليم الأساس والمتوسط والثانوي والجامعي في المنطقة والإقليم والعالم.

3. حشد الإمكانيات وتوفير الموارد المالية والتمويل، وبجانب الاهتمام الشديد بالجوانب الصحية والإنسانية ينبغي التركيز على توفير التمويل اللازم للمؤسسات التعليمية قبل المدرسية والمدرسية والجامعية والمرافق الاستراتيجية والمعاهد العليا الحرفية والمهنية والتقنية والتكنولوجية والتجارية والزراعية والمتخصصة، ويمكن أن يأتي هذا التمويل من المنظمات الدولية والمانحين الدوليين، بالإضافة إلى جهود الحكومة المحلية في تقليص الصرف الأمني والعسكري واستثمار الموارد في التعليم وتحقيق التنمية البشرية.

4. ترميم التشوهات التي لحقت بالبعض والشروخ الذاتية التي أدت إلى اضطرابات عديدة وسط الصبية والفتيات بتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، وتوفيرها للطلاب والتلاميذ المتأثرين من الحرب، وتهيئتهم للتعامل مع التأثيرات الأكاديمية والنفسية للحرب، يمكن أن تشمل هذه الخدمات مشاركة المستشارين وعلماء النفس ومختصي تقويم السلوك وخرجي المدارس المتخصصة والعمل الاجتماعي لمساعدة الطلاب في التعامل مع الصدمة النفسية وإعادة بناء ثقتهم بأنفسهم وتوفير بيئة داعمة للتعليم، بحشد الطاقات الخيرية والأهلية التي أسهمت في إسناد التعليم في مراحل سابقة عبر رجال الأعمال والخيرين والأعيان.

5. تأسيس مناهج التسامح ونشر أهمية المعرفة والثقافة والتعليم السلمي والثقافة السلمية والقيم التعليمية في مؤسسات التعليم والمجتمع بشكل عام من خلال تطبيق برامج التعليم مشبعة بالقيم السامية والتربية الوطنية التي تحض على السلام والتتايش وحرية المعرفة والالتزام بحقوق الإنسان، ليساهم ذلك في تعزيز السلام والمصالحة والتعايش السلمي في مجتمع متضرر من الحرب ومعبأ بخطابات الكراهية وخارج من أتون العنصرية وشبح الاصطفافات الإثنية.

6. إعلان الطواريء التعليمية وسط الطبقات المتعلمة والأكاديميين في السودان وخارجه، وخلق أكبر شبكة سودانية للتعليم عابرة للقارات، تسهم بالتمويل والتدريب واستقطاب الفرص التعليمية والمنح المخصصة من مؤسسات ومرافق دولية وإقليمية وتمكين المجتمعات المختلفة والمتضررة من الحرب للوصول إليها، على أن تتوحد تلك الطواريء التعليمية تحت جهة اعتبارية موثوقة لئلا تستغل أو توظف جهودها لمصالح ذاتية أو تجارية أو استثمارية أو حتى سياسية، لينعم بخدماتها كل أبناء وبنات السودان، وتكون المعين والمعيل لآلاف الكفاءات الأكاديمية والمهنية من الخبرات السودانية وأعضاء هيئات التدريس ومجالس السند العلمي وخبراء التكنلوجيا والمعرفة وسلك التوجيه والمتابعة والإشراف.


● رابعا: بلا شك هذا الجهد المحلي المشار إليه أعلاه غير كاف، فهناك حاجة ماسة إلى تعاون إقليمي ودولي قوي وجهود مكثفة لتحقيق تلك الإصلاحات وإعادة الترميم ومنع حدوث المزيد من الأضرار في منظومتنا التعليمية المتهالكة، وذلك بتبنى الحكومات الاتحادية والولائية والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني استراتيجيات شاملة لإعادة بناء وتحسين البنية التعليمية وتوفير التعليم الجيد للطلاب والمستفيدين من خدمات التعليم في ظل الحرب وبعدها، فبعد الحرب والصراعات تعرضت العديد من النماذج التعليمية للانهيار، لكن هناك أمثلة على نهوض وتحقيق نجاحات وتطورات في التعليم في بعض البلدان المنكوبة، وقد استفادت العديد من تلك الأنظمة التعليمية من فرص التعاون الدولي لإعادة بناء التعليم في مراحله المختلفة، ومن تلك النماذج:

1. جنوب إفريقيا خرجت من حرب أهلية ونظام فصل عنصري، وتردي في البنية التحتية وتهالك الروابط المجتمعية لتصبح في فترة وجيزة بعد إنهاء نظام الفصل العنصري من أفضل الأنظمة التعليمية وهيأت أجود المرافق والمؤسسات والمناهج، لتصبح جنوب إفريقيا من القبلات التعليمية لكثير من العرب والأفارقة، وتموضعت في قوائم التصنيف الدولي والإقليمي لوضع أكثر من (50) جامعة في ضمن الجامعات الأميز والأفضل.

2. نموذج التعليم في فنلندا التي تعتبر واحدة من الدول التي تمكنت من تطوير نظام تعليم متميز بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد ما شهدته من دمار ماحق لحق ببنيتها التحتية قدمت فنلندا تعليمًا ذا جودة عالية، وركزت على تطوير مهارات التفكير النقدي والإبداع في الطلاب، واستثمرت في تدريب المعلمين وتحسين برامج التعليم لتقود الكثير من الأنظمة التعليمية حولها.

2. شكل نموذج النمور الآسوية أحدث وأقوى أنماط التعليم ونموذج التعليم في سنغافورة يعد نموذجًا ناجحًا بعد تحريرها من الاحتلال الياباني والفقر، فقد تم إعادة بناء النظام التعليمي بشكل كامل، وركزت سنغافورة على رفع مستوى جودة التعليم وتنمية القيم والمهارات في طلابها، واستثمرت في تدريب وتأهيل المعلمين.

3. النموذج الألماني الحديث الذي يقود ريادة التعليم في أوروبا وما حولها ويحتكر بعض التكنولوجيا والتقنيات وأسرار المعرفة، لم يكن الوصول لذلك معبدا أو ممهدا أو مفروشا بالورد، فقد استحدثت ألمانيا نظامها التعليمي بعد انهيار جدار برلين والوحدة الألمانية، واستثمرت الدولة الاتحادية في تطوير نظام تعليم فعال وشامل، وقد ركزت ألمانيا على (التعليم المهني) وتنمية المهارات العملية، وأدخلت إصلاحات هامة في برامج التعليم الثانوي والتكنولوجي وهو ما يمكن أن يوحي لنا أين نتجه في شراكات التعليم المهني والتقني وخاصة المتعلق بمجالات الطاقة النظيفة وتكنولوجيا الأشياء.

4. النماذج كثيرة وكبيرة، ويمكن تعداد عشرات الأنظمة التعليمية النهضة من ركام الحروب، وهو ما يوجب دراسة كل نموذج للاستفادة منه، في مجالات الأدب والثقافة والفن والإدارة وعلم الاجتماع والتكنولوجيا والزراعة والطاقة وغيره، وهناك دول تريد شراكات وتبادل منافع مع السودان على أسس عادلة كاليابان وكوريا الجنوبية والهند والصين وهولندا وكندا وغيرها من الدول التي تحركها المصالح المتبادلة وليس المطامع أو المخاوف.

■ ختاما: إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) يمكن أن تلعب دوراً هاماً في تحسين نظام التعليم خلال فترات الصراع وما بعد الحرب، ويمكن لهذه التكنولوجيا الحديثة والمتطورة أن تساعد على تسريع التقدم نحو تحقيق الهدف (4) من أهداف التنمية المستدامة (SDG4)، وهو التعليم الجيد والشامل للجميع، وهو هدف ملزم لكل الدول ويلزم العالم بدعم الحكومات لتحقيقه.
• ويقع على عاتق الأمم المتحدة ومفوضياتها ووكالاتها وهيىاتها المختصة تيسير الوصول للأنظمة التكنولوجية التعليمية للسودانيين، كأن تقوم اليونسكو بتبادل المعرفة حول الطرق المختلفة التي يمكن للتكنولوجيا أن تسهل بها حصول الجميع على التعليم، وردم الفجوات في التعلم، وبناء قدرات المعلمين، وتحسين جودة وأهمية التعلم، وتعزيز الإدماج، وتحسين إدارة التعليم وحوكمته الرشيدة.
• وتضطلع بقية المؤسسات المراصفة لها إقليمية في الاتحاد الافريقي أو الجامعة العربية أو المنظمات الإسلامية بذات الدور المعين للخروج بالنظام التعليمي السوداني من ركام الحرب، لأن تأثير الحروب على المؤسسات التعليمية والطلاب والمستفيدين يعد أمرًا خطيرًا ويحتاج إلى اهتمام شعبي ورسمي ومحلي وإقليمي ودولي للتعامل مع تلك الأضرار وتوفير الدعم اللازم لإعادة إعمار البنية التعليمية وتمكين المجتمعات من التعليم في هذه الأوقات العصيبة.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig - fb, tw, thr, Skype,
١٣. محرم. ١٤٤٥ه
٣١. يوليو. ٢٠٢٢م

السبت، 22 يوليو 2023

الحرب تفتح الباب لعودة الأنذال

الحرب تفتح الباب لعودة الأنذال

مقدمة: تستنكف القوى الدكتاتورية والأنظمة المتسلطة إنهيارها بفعل عوامل التآكل والتعفن الداخلية، أو الموجات الثورية، أو التدخلات الخارجية، أو باجتماع كل ذلك، وتجابه ذلك الانهيار بمحاولات حثيثة للعودة مستخدمة نهج الردة السياسية وكافة طرائق ومحاولات الدكتاتوريين للعودة للسلطة التي جربتها أنظمتهم وابتدعتها أجهزتهم الأمنية، كمحاولات عودة الدكتاتوريين في تونس (بن علي)، ومصر (محمد حسني مبارك)، و(محمد مرسي)، ليبيا (معمر القذافي)، ومجموعات موالية في اليمن للرئيس (علي عبد الله صالح)، وهناك العديد من الأمثلة المعاصرة في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية وأوروبا حول النظم السلطوية والحكومات الدكتاتورية التي سقطت وتسببت في اضطرابات وأزمات مختلفة، وحاول طغاتها الارتداد على الثورات أو التغيرات، ومن الضروري لكل المهتمين بهذا الأمى النظر في العديد من الأمثلة بعد موجات الربيع العربي، والأحداث في تونس ومصر وليبيا وسوريا، والأحداث في بعض الدول الأفريقية مثل زيمبابوي، ودراسة الانتقالات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية مثل تشيلي، الأرجنتين، والبرازيل، لنجد أن كل تلك الأنظمة لم يركن عناصرها ويقبلوا الهزيمة الشعبية والجماهيرية التي أقصتهم من السلطة.


● سنجد أن استماتة الأنظمة السلطوية والحكومات الدكتاتورية في التخطيط للعودة والارتداد على الثورات أو الموجات التصحيحية لها تأثيرات سلبية على الاستقرار السياسي، وقد تسببت في أزمات وكوارث قادت في بعض الأحيان إلى صراعات مسلحة كما هو الحال في السودان وغيره من دول المنطقة. 


● كما سنخلص إلى أن الأنظمة الدكتاتورية والسلطوية تستخدم مجموعة متنوعة من الأساليب والتكتيكات للعودة للحكم وإضعاف الأنظمة الديمقراطية أو الانتقالية ولتقويض الحكم المدني، ومن بين هذه الأساليب الآتي:

•أولاً: البروبوغندا والاستخدام الاستبدادي لوسائل الإعلام، والتوجيه المغرض والاستغلال الخبيث لأجهزة الدولة، واستغلال وسائل الإعلام الرسمية ووسائل الاتصال الجماهيري لترويج الدعاية وتشويه صورة المعارضة وتشويه الحقائق وتزيفها واغتيال قادة المقاومة والخصوم السياسيين معنويا، كالذي حدث في الفترة الانتقالية، بتشويه صورة نظام الحكم المدني (دي المدنية الدايرنها)، وانتشار حملات الترويج ضد قيادات الحرية والتغيير، وطاقم الحكومة التنفيذية، والهجوم المستمر ضد لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، ومن بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر حتى اندلاع الحرب واستمرار ذات المنصات الإعلامية التضليلية في نهج الإساءة والتشهير والتحريض وبث خطابات الكراهية، تمهيدا لإبراز وجوه أنذال وأذيال النظام البائد الكالح ومحاولات تجميلة بادعاء إسناد القوات المسلحة وتقديم وجوه مجرمة ومطلوبة للعدالة الدولية، كالحملة التعبوية التي يقودها رئيسي الحزب والبرلمان المحلول أحمد هارون والفاتح عز الدين ومن ورائهم جمهرة الفلول.

•ثانيا: تقزيم الموارد بالتزامن مع عمليات التأزيم الاقتصادي، وهو نهج اتبعته الجبهة الإسلامية القومية في ١٩٨٩م، وأعادت استخدامه قبل انقلاب اكتوبر ٢٠٢١م، قائم على إحداث أزمات اقتصادية وإفراغ خزائن البلاد لزعزعة الثقة بالأنظمة الديمقراطية والحكومات المدنية وإظهار فشلها في توفير الخدمات والرفاهية الاقتصادية، وفي ذلك تمت عمليات شراء السلع والاحتياجات الأساسية ورميها في النيل أو دفنها أو تخزينها حتى التلف، وهذا الأمر بعد حدوثه في ١٩٨٩م، تكرر بصورة أخرى بالمضاربة في العملة وتمويل عمليات شراء الذهب واحتكار السلع الاستراتيجية، وعمليات غسل الأموال التي رصدتها وحدة التحليلات المالية "الحكومية" التابعة لبنك السودان المركزي، وعمليات تهريب الموارد والمواشي والخام إلى دول جارة ليتم تصنيعه وتصديره منها كدولة منشأ، ونشطت في ذلك شركات ورؤوس أموال عرفت بانتمائها للحزب المحلول، ومولت تلك الواجهات المالية والاقتصادية أنشطة التخريب الانتقالي، بدءا من اعتصام القصر، وتوفير الدقيق والوقود والمحروقات والسلع الاستراتيجية لحكومة الانقلاب، وكذلك تمويل عمليات التحضير لحرب إبريل ٢٠٢٣م، ولا ننسى تمويل عملية فض اعتصام القيادة العامة في يونيو ٢٠١٩م.

• ثالثا: تسخير جهاز الدولة الأمني وأجهزته الشرطية وسلطاته القانونية لأسوأ وأنكىى عمليات القمع والاضطهاد ضد الخصوم والعناصر المقاونبة، فللمستبدين تاريخ طويل وسيء من استخدام القوة والترهيب لقمع المعارضة والمتظاهرين والحريات الفردية، وإعاقة عمل المنظمات والصحافة المستقلة، وشهد السودان طوال فترات الاستبداد لثلاثة عقود أبشع تلك الأنواع، إلا أن سلطة إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، واصلت ذلك بالصورة التي اعتقلت فيها كل قادة الحرية والتغيير وعناصر حكومتها التنفيذية، ولجان المقاومة ونكلت بالمتظاهرين والمحتجين، وانتشرت عمليات التعذيب والاخفاء القسري والتصفية والمحاكمات السياسية في ثوب قانوني تصدى لها، كيان محامو الطواريء الذي بذل فيه محاميات ومحامو السودان كل شهدهم للتصدي للمشروع القمعي الذي مهد لاستعادة عناصر النظام المباد قي الأجهزة الأمنية والشرطية والسلطات القضائية.

•رابعا: قاد ذلك لتحكم في الجهاز الأمني والعسكري بصورة أقوى مما كان عليه في فترات حكم النظام المباد، أو السلطة الانتقالية، وبذل النظام المباد جهده لإعادة عناصره والاحتفاظ بتأييد الجهاز الأمني والعسكري والاستخدام المناسب للعنف والقوة العسكرية وجعله مفتاحًا للسيطرة على النظام، وبعد انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، تمت إحالة وإقالة كافة العناصر التي نفذت الانقلاب، والاستعاضة عنهم بعناصر موالية للتنظيم المباد وتمكينهم من القرار وقيادة المؤسسات للدرجة التي صارت فيها أندية ومقار القوات النظامية أماكن لاستضافة الاجتماعات الآمنة والرسمية لفلول الحزب المباد، كما مارس الحزب المحلول هوايته في اختراق شامل لكافة القوات النظامية، وشبه النظامية، والحركات المسلحة وتخليق مليشيات جديدة، فتغلغل عناصره المحالين إلى التقاعد في فترة الثورة إلى صفوف الدعم السريع والحركات المسلحة، وشكلوا بذلك خلايا تنسيقية تأتمر بأمر التنظيم المحلول والحركة الإخوانية، ومضوا لأبعد من ذلك بإعادة عناصرهم وكتائبهم الخاصة وتدريبهم في معسكرات نظامية ومقار استراتيجية.

• خامسا: قبل وأثناء وبعد الحرب الحالية نشطت جماعات النظام المباد في التحشيد والاستخدام السياسي للتجنيد العرقي والجهوي وحتى الديني، وتنظيم حملات ومخاطبات بذات الشعارات الجهادوية التي مورست خلال ثلاثة عقود وقادت لفصل اابلاد وتأجيج الحرب في جنوب النيل الازرق وجنوب كردفان ودارفور، والتحريض على الآخر وتسعير نيران الصراعات والاضطرابات العرقية، واستمارة النعرات القبلية لتفتيت الوحدة الوطنية وصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية، التي نظمت في خطاب سياسي متفق عليه من قبل طيف واسع من السودانية، وتمزيق وثائقه، التي تحدثت عن مدنية الدولة ودستورية مؤسساتها، وعمليات استكمال السلام الشامل، وقضية شرق السودان، وتحقيق العدالة والعدالة الانتقالية وعدم الافلات من العقاب بالإضافة للملف المزعج للفلول وهو ملف تفكيك سلطة ومؤسسات التمكين والحزب الواحد لصالح الوطن وملاحقة عناصره الذين أسهموا في مشروع تدمير السودان.


• سابعا: بعد تأجيجهم الحرب ومحاولة الانقضاض على السلطة كانت خطوتهم التالية هي التوجه لقيام الانتخابات (المخجوجة) والمزورة، لاعتقادهم أن ذلك سيصبغ عليهم شرعية ويمكنهم من العودة للسلطة والردة على الثورة، وتم التحضير لتزوير الانتخابات وإجراءاتها، بالتحضير قانونيا وشكليا ولوجستيا، ومهدوا لذلك بتصريحات من مسؤولين وناطقين رسميين للسلطة الانقلاب، وما يتم الآن من عمليات تحشيد لنصرة القوات المسلحة شكلا فهو يستبطن في داخله نشاط سياسي حزبي صارخ بدأ قبل الحرب باجتماعات وإفطارات رمضان العلنية والسرية، بغية التحضير لإعلان نشاط الحزب المحظور بموجب القانون والمحلول بأمر الثورة، وفتح الباب لعناصره وتمويل أنشطتهم وحماياتهم وهو ما يهيء بشكل غير عادل لاستعادت النظام المباد والحصول على دعم شعبي زائف يمهد لإعادة الانتخاب واستعادة النظام السلطوي بوجوه جديدة في ذات الثوب الإخواني الخلق.


• أخيرا: لن تكف أيادي تمزيق الوطن، وعناصر العبث باستقرار البلاد عن محاولات الردة السياسية، وواجب القوى المدنية الحية والكيانات الثورية التصدي لمشروع التسلط بوجهيه العسكري والمدني، لمنع تحول أشواقنا في المدنية وترسيخ الأنظمة الديمقراطية إلى أنظمة سلطوية، وعلى تلك القوى المدنية وجماعات الضغط والمؤسسات الديمقراطية اتباع بعض الاستراتيجيات الفعالة، والتكتيكات والأساليب التي تم انتهائها ضد العديد من الأنظمة الدكتاتورية في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية وآسيا، وأيضا من خلال التجربة السودانية:

١. رفع الوعي بالحكم الرشيد وركائزه المتمثلة في المساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون ومكافحة الفساد، وينبغي أن تكون المؤسسات الديمقراطية شفافة ومسؤولة، وتتبع سياسات مناهضة للفساد في داخلها قبل المناداة بها على الصعيد القومي، وتحصين تلك المؤسسات من عمليات الاختراق التي تحدث في غالبها الأعم نتيجة عمليات فساد، ويمكن تطوير آليات رقابية فعالة للتأكد من حسن الأداء وتطبيق سياسات الشفافية والمساءلة.

٢. إحترام الرأي والرأي الأخر والديمقراطية وصون حرية الصحافة وحرية التعبير، وعلى تلك القوى المدنية أن تدعم الصحفيات والصحفيين السودانيين وتقديم العون والاسناد لهم، لتتمتع الصحافة بحرية كاملة لتقديم معلومات دقيقة ومستقلة، وبالأخص في أجواء الحرب الملبدة بالأكاذيب والدعاية الحربية، وكفالة حقهم فب الوصول للمعلومة وحمايتهم الشخصية وأسرهم من أي ملاحقات واعتداءات وتهديدات كالتي طالت إعلاميين واعلاميات في منطقة زالنجي غربي دارفور ، وعلى الجميع أن يتداعى لميثاق شرف تقوده القوى المدنية لصوت حرية التعبير للصحفيين وللأفراد والمنظمات الشعبية والجماهيرية.

٣. تفعيل أدوات المجتمع وتشجيع المشاركة المدنية والحد من عمليات التحشيد العنصري والمناطقي والجهوي لصالح أي من طرفي الحرب عسكريا، وبالضرورة الحديث عن المشاركة السياسية والمجتمعية للمواطنين من خلال تكوين لجان الطواريء والخدمات وشرايين الحياة، والمدارس الوقفية، والمستشفيات الميدانية، والاندية الرياضية والثقافية والمنابر الحرة، التي تكفل التعاطي المدني والمنافسة الاجتماعية والرياضية السياسية العادلة وتحفيز المواطنين على المشاركة في العملية السياسية المنظورة.

٤. مناهضة التكلس المؤسسي والجمود البنيوي في المؤسسات المدنية والسياسية ولجان المقاومة وجماعات الضغط والكيانات الثورية والنسوية والفىوية والمهنية وإعادة بناء مؤسسات ديمقراطية قوية، تجدد برامجها وشعاراتها وتطور قياداتها، لتعمل باتساق في رفع الوعي بالدولة (شعبها وأرضها وسلطاتها) واستعاب العقل الجمعي لتلك المؤسسات لضرورة النهوض بدولة المؤسسات التي تكون فيها الأجهزة القضائية المستقلة، وأجنزتها التنفيذية الفاعلة ومؤسساتها التشريعية الصارمة، وتطوير مؤسسات إنفاذ القانون وحقوق الإنسان، وضمان احترام الدستور والقوانين من الجميع.

٥. عندما تحدث عمليات النهوض المؤسسي للقوى المدنية والكيانات الثورية الحية سيتم فتح أبواب التعاون الإقليمي والدولي والدعم وإبرام الشراكات الذكية، لكفالة التعاون والتضامن الإقليمي والدولي مع السودان الذي يحاول الانتقال إلى نظام ديمقراطي، حينها سيجد العالم جدية في تعاطي القادة السودانيين مع قضايا المدنية والسلام والحرية والعدالة وسيشرعون عندئذ في تقديم الدعم المالي والتقني والسياسي للمؤسسات الديمقراطية والقوى المدنية، وهو ما سيقصر الطريق لاستعادة السلطة المدنية وقطع الطريق أمام قوى الردة الإنقلابية، وتحصين الثورة وتنفيذ شعاراتها وتفعيل أدواتها المدنية للتنافس الذي تنظمه عملية انتخابية ديمقراطية شفافة ونزيهة يعمد الشعب السوداني على ضوئها من يريد انتخابيا.


● ختاما: إن أقصر الطرق للأنظمة السلطوية الامنجية النذلة وقوى الردة السياسية الفاسدة لاستعادة فراديسهم المفقودة، تكون بالبطش والإنقلاب على السلطة القائمة أو إشعال الحروب، لتمكين أدوات وآليات الطواريء، وبالتجربة العملية خلال الخمسة عقود الماضية تبين أن أفضل الأساليب المستخدمة لردع الدكتاتوريات وبأقل تكلفة ممكنة والمجربة محليا في (١٩٦٤م و ١٩٨٥م و٢٠١٩م)، هي الأساليب السلمية والمدنية والديمقراطية للتغيير وليست الاصطفافات القبلية والجهوية والمناطقية والتحشيدات العسكرية والاحتماء خلف البندقية، وأولى الخطوات لاستعادة الأدوات المدنية هي فتح باب الحوار والتفاوض بين المتحاربين للوصول إلى وقف إطلاق نار دائم، يمهد لحل سياسي شامل ويستعيد الحياة المدنية، حينها ستكون أدوات التعاطي الحر ليست بالبندقية وإنما بالنقاش العام والاحتجاجات السلمية والانشطة المتعارف عليها دوليا ولا تكلف الدولة والشعب خسائر في الأرواح والممتلكات كالتي شهدتها حرب السودان التي تمضي نحو يومها المائة، وما لم تتم استعادة الحياة المدنية حيويتها وفعاليتها في الداخل، سيلجأ العالم إلى استخدام أدوات الضغط الدولي والعقوبات الاقتصادية للتأثير في السياسات الدكتاتورية، والتي في الغالب سيتحايل عليها الطغاة وسيكون مردودها مدمرة للبلاد ومنهكا للعباد.


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig
٤. محرم. ١٤٤٥ه
٢٢. يوليو. ٢٠٢٢م