الخميس، 3 أغسطس 2023

الإتفاق على وقف الحرب قد أوشك .. واجبنا الاستعداد له

الاتفاق على وقف الحرب قد أوشك .. واجبنا الاستعداد له 

● مقدمة: دون أدنى شك بات اتفاق الأطراف المتقاتلة في السودان وشيكا، بعد وصولهم لقناعة أن هذه الحرب أثرت وأضرت أيما ضرر بكلا الفريقين، وبمؤسسات الدولة وأنهكت المواطنين وأزهقت أرواحهم، وتدفقت دماء غزيرة وأهدرت ونهبت أموال وموارد كثيرة، وتدفعهم إلى ذلك ضغوط الجهود الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى مطامع كبيرة في إنهاء الحرب ومخاوف كثيرة من الملاحقات الدولية المترتبة على الجرائم والانتهاكات التي سجلت في الخرطوم ومدن مختلفة في ولايات السودان، بعضها يرقى لأن يكون جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم عدوان يحاسب على القانون الدولي الإنساني والقانوني الجنائي الدولي، ورغم ما يشاع من رفض للحوار وتمنع عن الجلوس للطرفين مع بعضهما وعدم وصولها لاتفاق فهو محض تضليل، فالمعلومات المؤكد تقول بأن الطرفين جلسوا في لقاءات غير مباشرة و مباشرة ووصلوا لتفاهمات كبيرة تم التكتم عليها، والنفي الحالي هو لبث روح الحماسة للجنود في الميدان، وأن رسالة الرقض تلك ليس المعني بها الشعب السوداني ولا المراقبين ولا الأسرة الدولية، بل جنودهم والمستنفرين في ميادين التدريب، فالحقيقة التي يتحاشون قولها أنهم جلسوا في لقاءات مباشرة، والآن يجري تنسيق المبادرات السعودية مع الايقاد وجيران السودان عبر معالي المستشار في الديوان الملكي القطان الذي زار تشاد ومن بعدها جوبا، وسيلتئم اجتماع لوزراء خارجية جوار السودان الأحد والاثنين في دولة تشاد، يتزامن كل ذلك مع اتصالات مهمة لوزير الخارجية الأمريكي مع نظيره المصري سامح شكري، واتصالات السفير الأمريكي بالسودان مع القوى المدنية واجتماعه بهم في القاهرة، وتحركات خفية للمملكة المتحدة وسفيرها لدى السودان في أديس أبابا، فجميعهم متقاتلين وفاعلين قد ملوا الحرب وأنهكوا ويريدون السلام، ولكن كل هذا تهدده عده عوامل، منها: 


● أولا: عدم رغبة من اججوا الحرب في حدوث هذه التسوية، وهناك دفع وتحشبد لمنع الأطراف المتحاربة للتوصل إلى اتفاق وقف الحرب، وترغب هذه المجموعات التي تنشط في الخفاء من عناصر الحزب المحلول والحركة الإخوانية في مواصلة القتال بمحاولة تحقيق مكاسب إضافية أو تمكين سيطرتهم على مناطق معينة، بغية الوصول للسلطة، وللحد من نشاط هذه المجموعات ينبغي اتخاذ التادبير التالية:

١. تجفيف مصادر التمويل والإمدادات، وتشديد الرقابة على حركة الأموال والسلاح والمواد التخريبية وتدفق الإمدادت المتفجرة، وتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية والأدلة بشأن مصادر التمويل والإمدادات لهذه الجماعات التخريبية، وتجفيف منابعها، وفرض عقوبات على الأفراد أو الكيانات التي تدعمها مادياً أو لوجستياً، ورصد مجموعات التغطية والتمويه الرسمية والشعبية التي توفر لهم الملاذات الآمنة في مدن وولايات السودان المختلفة وتؤي بعضهم في قرى حدودية في دول جارة.

٢. مكافحة التطرف والتحريض وخطابات الكراهية ووقف الدعاية الحربية، لتعزيز قيم التسامح والحوار والاندماج في المجتمعات، وتوعية الشباب بخطورة الأفكار المتطرفة، وتقديم بدائل وبرامج إيجابية لهم، كما ينبغي على الشركاء الدوليين مراقبة وسائل الإعلام والانترنت وتقديم الدعم التقني للحد من تفشي تلك الخطابات وانتاجها المسموم، ومنع نشر أو ترويج أي محتوى يحث على الكراهية أو العنف أو التطرف، أو يؤجج الحرب ويدعم استمرارها ويبرر أو يشكك في جرائم الإرهاب، ويستخف بالانتهاكات التي تمارسها مجموعات مسلحة ضد المدنيين.

٣. تفعيل أدوات مكافحة العدوان وجرائم الحرب ومنع التشدد والإرهاب، وذلك بتطبيق القوانين الصارمة محليا وإقليميا ودوليا ضد كل من يشارك في أنشطة عدائية أو حربية أو إرهابية أو يخطط لها أو يساندها أو يستقطب لها أموال وجنود، وتحسين قدرات الأجهزة الأمنية في المركز والولايات لملاحقة وضبط المشتبه بهم، وأن تفعل اتفاقيات التعاون في تسليم المطلوبين من الذين ينشطون في هذا المجال خارج البلاد وتبادل المعلومات والخبرات وتقديم المساعدة القضائية وفق بروتوكولات واتفاقيات دولية متعارف عليها.

٤. ترميم الشروخ النفسية للحرب وإعادة تأهيل المغرر بهم، وذلك بتصميم وإنشاء مراكز وبرامج خاصة لإعادة تأهيل المغرر بهم من المتأثرين بالقتال والمستنفرين له والمنضمين إلى الجماعات الجهادوية والتخريبية، وتقديم الدعم النفسي والمراجعة الفقهية والدينية، وبذل العون المعنوي والاجتماعي والتعليمي والمهني لهم، وتشجيعهم على التخلي عن الأفكار المتطرفة والاندماج في المجتمع.



● ثانيا: نمو الترسانة والإمكانات العسكرية وحشد الدعم لكلا الطرفين، يجعل أحدهما يعتقد أنه يستطيع تحقيق المزيد من الانتصارات العسكرية والتوسع وإمكانية حسم المعركة وهذا المسار يتجه نحوه بشدة القادة الميدانيين، من جانب، الأمر الذي يتطلب الحد منه بإجراءات كالآتي:

١. آنيا، بالوقف الفوري لكافة عمليات التسليح العشوائي والتجييش، وحصر كافة كميات الأسلحة والذخائر والمتفجرات بيد النظاميين من الجهتين وتلك التي تسربت لأيدي المدنيين، ووقف كافة إجراءات التراخيص لامتلاك الأسلحة التي تستخرج بصورة غير مضبوطة في المركز والولايات.

٢. رفع قدرات الأجهزة الأمنية المحلية والإقليمية في مراقبة وضبط حركة الأسلحة والذخائر عبر الحدود، ومنع التهريب والاتجار غير المشروع بها، ومدها بتقنيات المراقبة والرصد اللازمة.

٣. التطبيق الفوري للمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تحظر أو تحد من استخدام أو نشر أو تخزين أو إنتاج أو نقل أو تجارة أنواع معينة من الأسلحة، مثل الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية أو المستهدفة للأفراد أو الألغام المضادة للأفراد أو المستهدفة للمركبات، قبل الدخول في أتون عمليات التفخيخ والتلغيم الأرضي.

٤. إسناد مبادرات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في المركز والولايات ودعم الشخصيات القومية الفنية والأكاديمية والرياضية والثقافية، التي تسعى إلى رفع الوعي بخطورة انتشار السلاح وتأثيره على حقوق الإنسان والتنمية والمناخ والبيئة، وتشجيع ثقافة السلام والحوار والتسامح.

٥. استمرار جهود التعاون والحوار بين المتقاتلين وتشجبع الحوار الجاري في جدة، والبحث عن حلول سياسية ودبلوماسية للصراعات، والابتعاد عن استخدام القوة أو التهديد بها كوسيلة لتحقيق المصالح.

٦. لاحقا؛ نحتاج إلى جهود نزع السلاح والتسليح والإعادة التكاملية (DDR)، والتي تهدف إلى نزع سلاح المقاتلين وإعادة دمجهم في المجتمعات المدنية، وتقديم البدائل السلمية للنزاع، وهو جهد ينبغي التحضير له من الآن بالتوازي مع البحث عن عمليات السلام، لأن ارتداداته وخيمة حال لم يتم التنبه له.



● ثالثا: بجانب التباين السياسي بين القوى المدنية وعدم قدرتهم على رسم معالم جبهة مدنية موحدة تضم أكبر طيف من الفرقاء السودانيبن، سيعيق دعم جهود التسوية، وقد تتسبب الخلافات العميقة بين أطراف النزاع في تعقيد جهود التوصل إلى حل سلمي لأن أي منهما يحاول الاستقواء بعدد كبير من الكتل المدنية، وهو ما يرجى تجاوزه بالآتي:

١. واجب عملي لا بد أن تضطلع به كافة القوى المدنية لاستمرار الحوار والتشاور بين مختلف القوى المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وإشراك جميع التحالفات ومكوناتها في صنع القرارات والسياسات المتعلقة بالعملية السياسية اللاحقة وعنليات السلام وخطط التنمية والعدالة، واحترام تنوع تلك التكوينات وخصوصيتها.

٢. تقديم الدعم المادي والفني والحماية اللازمة للجبهات المهنبة والفئوية ولجان المقاومة والمراكز والمنظمات غير الحكومية والإعلام المستقل والنشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية، والمجموعات المناهضة للحرب، وضمان كفالة حرية التعبير والتجمع والجمعيات، والتشديد بعدم تعرضهم للتضييق أو التهديد أو القمع أو الاعتقال أو الاخفاء القسري أو التعذيب أو الاغتيال.

٣. تفعيل التعاون والشراكة الذكية بين القطاعات المدنية والحكومية والخاصة في المركز والولايات وربطها مع أخرى إقليمية ودولية، وبناء قنوات اتصال فعالة وثقة متبادلة، وتبادل المعرفة والخبرات، وتحديد الأولويات المشتركة عبر هيئات سياسية ودبلوماسية وأكاديمة تسرع تلك الشراكات إجراءات التعافي والتعويض وجبر الضرر واستعادة مكتسبات الانتقال المدني الديمقراطي.

٤. وضع التصورات الكافية لتطوير مؤسسات (مدنية، وحزبية، وحكومية، وطوعية. ومهنية، وفئوية، وثقافية، واجتماعية، وصحية) قومية وشاملة ومرنة، تعالج قصورها السابق وتستجيب لحاجات ومطالب كافة المجتمعات الحضرية والرفية بصورة متوازنة تحقق المساواة، وتحسن من جودة الخدمات الأساسية وتكفل العدالة الاكتماعية، وتضمن حكماً رشيداً يستند إلى سيادة القانون والشفافية والمساءلة والمحاسبة.

٥. الإسراع في اجتراح حل جذري للفاقد التعليمي ومشاكل المتسربين من المدارس، والذين خسروا فرص جامعية ومنح للالتحاق بدراسات داخل وخارج البلاد جراء الحرب، وتوفير فرص التعليم والتدريب والتوظيف للشباب وإعادة تأهيل مراققهم بصورة سريعة وحديثة، وتمكينهم من معارف العصر خصوصاً في المجالات المرتبطة بالحقوق المدنية والدراسات الانسانية والسلام والتنمية والديمقراطية والتكنولوجيا.

٦. الحرص على المشاركة الفاعلة للنساء في جميع مستويات الحوار والتفاوض وجميع مراحل التشاور والانخراط في عملية بناء السلام بمراحله المختلفة، من خلال تمكينهن وتقديمهن وتحديد حاجاتهن وإزالة الحواجز التي تواجههن، وقديم كافة أيادي العون والدعم لأنشطتهن وضمان حصولهن على حقوقهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، وتجريم كافة أشكال التمييز ضدهن قولا وفعلا.



● رابعا: مثل التآكل الاقتصادي والمالي وتأثر المصالح المادية والمالية للمتقاتلين وحلفائهم أكبر عامل من عوامل إنهاء واستمرار الحرب، إذ أن هناك مخزون حربي تم توفيره لقتال لا يدوم على أسوأ الفروض لثلاثة أيام، وبالأكثر أسبوع، تآكل هذا الرصيد من حيث المال والوقود والجنود مع إنهاك وفقد للخزائن والمدخرات الخاصة وهدر للموارد القومية، كما أن هناك دول لها مصالح اقتصادية ومادية تريد إنهاء الصراع وأخرى تعيق التوصل إلى إتفاق لوقف النزاع وتدعم استمرار الحرب، حيث يستفيد بعض الأطراف من استمرار الحرب لتحقيق مكاسب اقتصادية (مثل تهريب المواد الخام والثروات وتجارة السلاح والبشر والمخدرات وتجارة الأزمات أو الطاقة ونحوه)، الأمر الذي يتطلب الآتي:

١. إلزام كافة الدول المتدخلة في الصراعات الوطنية على احترام سيادة ووحدة وسلامة السودان وحدوده، والالتزام بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، والامتناع عن التصرفات التي تزيد من تأجيج الصراع أو تهديد الأمن الإقليمي أو الدولي، ووقف كافة أشكال التعدي والانتهاك للسيادة برا وملاحة وجوا، ومنع التدخل في المرافق السيادية والاستراتيجية السرية والمعلنة ولو بالردع.

٢. تشديد الرقابة والتفتيش على حركة الأموال والسلاح والمواد المتفجرة من وإلى العاصمة والولايات وعبر الحدود، وتبادل المعلومات والأدلة بشأن مصادر وجهات التمويل والإمدادات، وتجفيف منابعها، ووالسعي لفرض عقوبات على الأفراد أو الكيانات التي تدعم الحرب مادياً أو لوجستياً، وتأسيس مراصد شعبية ورسمية لتعقب تلك الموارد.

٣. مطالبة الأمم المتحدة والدول التي أصدرت قراراتها بفرض عقوبات على الأفراد أو الكيانات المؤججة للحرب والتي تدعمها بالتنفيذ، وفرض عقوبات على تلك الدول التي تقوم بنهب أو تهريب ثروات السودان وتعقب إقتصادياتها نموا وازدهارا ورصد مخزونها الاستراتيجي واحتياطياتها النقدية من العملات والذهب، ومدى تهريب موارد مثل المعادن أو البترول أو الموارد الزراعية أو المائية أو الحيوانية أو السمكية، وضرورة تجفيف منابع تمويلهم أو دعمهم للجماعات المسلحة أو الإرهابية.

٤. تفعيل دور البعثة المتكاملة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والمجتمع المدني في رصد وتقييم الموارد السودانية والعجز الاقتصادي والتردي التنموي وحالة حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية، وتقديم المساعدات والحماية للشعب المتضرر من الصراع، وتقديم الدعم التقني لتعقب أمواله وأصوله التي نهبت في فترة الحرب وفترات سابقة.

٥. تطبيق كافة القوانين والاتفاقيات الدولية التي تحظر تمويل الإرهاب وتمنع غسل الأموال وتحد من تجارة أو نقل أو تخزين أو إنتاج أو استخدام أنواع معينة من الموارد التي تستخدم في تمويل الحروب، مثل الماس أو الذهب أو النفط أو التحف أو المخدرات، وحماية متاحف البلاد ومقارها الأثرية ومناجمها الغنية ومراقبة الشركات الدولية التي تنشط في التعدين او السياحة او النقل او غيره لمنع أي نشاط إجرامي يسهل تهريب ثروات البلاد وتمويل الحرب والإرهاب.

٦. وقف نشاط كافة الأسواق المشبوهة التي تعرض مقتنيات ومدخرات منهوبة، من أجهزة، ومصوغات، وأثاثات، ومعدات، ومركبات، ومتحركات، وأدوات، ومنقولات والتحفظ على كافة من يعرض للبيع أو يشتري (عينا) ليس له إثبات بملكيته، وفحص كافة عمليات البيع والتحويل ونقل الملكية التي تمت للأصول الثابتة أو المتحركة منذ اندلاع الحرب وما بعدها، وحتى تلك التي تمت بعد إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م.

٧. منع خروج أي أجهزة بها معلومات أو وثائق أو دراسات متعلقة بالابتكار والاختراع والبحث العلمي دون علم صاحبها من الباحثين أو الدارسين أو الاكاديميين الذين ضيعت الحرب مخطوطات ومسودات ومشاريع بحثية مهمة لا تقدر بثمن.



● ختاما: هذه الرزنامة من الآراء والإجراءات حال تمثلناها وصرنا إلى اتفاق يؤسس لوقف إطلاق نار دائم بجدة، ومضينا نحو توحيد الجبهة المدنية لوضع ملامح المشروع السياسي من لقاءات أديس أبابا، ووصلنا لبلورة رؤية موحدة مع مبادرة الايقاد ودول الجوار السوداني، حتما سنحصن بلادنا من الويل والثبور وعظائم الأمور.

• أما في حال تعذر الأمر وتعثرت خطواتنا نحو السلام فإن العالم لن يقف مكتوف اليد ولن تسلم بلادنا وقيادة الاطراف المتقاتلة من الملاحقة الجنائية والتعرض للضغوط التي يمكن للمجتمع الدولي ممارستها، كفرض عقوبات اقتصادية على الأطراف المتورطة في النزاع، مما يعرضهم لضغط اقتصادي يجبرهم على التوصل إلى حل سلمي.

• وستستخدم الدول والمنظمات الدولية الدبلوماسية للتعبير عن القلق والضغوط على الأطراف المتحاربة وإعمال سلاح الإدانة والحالة لمجلس الأمن الدولي، وإذا أشتدت الأوضاع حرجا اكثر مما هي عليه قد يكون التدخل العسكري المحدود أو الشامل ضروريًا لإيقاف الحرب وفرض وقف إطلاق نار لحماية المدنيبن.

• لذلك من المهم جدا أن يتحرك المتحاربان نحو بعضهنا، وأن تتحرك الكيانات القومية والمؤسسات السودانية المدنية نحو بعضها، وأن ينفتح الجميع للحوار الشامل وأن يتعاون المجتمع الدولي والأطراف المتحاربة للعمل سويًا من أجل تجسير العقبات وفجوات الثقة وتحقيق وقف دائم للحرب ورسم ملامح المشروع النهضوي السوداني الذي يحقق السلام والعدالة والحرية ويبريء الجراح ويسكت السلاح ويجبر الضرر.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig - fb, tw, thr, Skype,
١٧. محرم. ١٤٤٥ه
٤. أغسطس. ٢٠٢٢م


الاثنين، 31 يوليو 2023

الحرب في السودان: تأليم النشء بانعدام فرص التعليم

الحرب في السودان: تأليم النشء بانعدام فرص التعليم


■ مقدمة: الحرب في السودان والصراعات السياسية أثرت بشكل كبير على الكثير من المؤسسات الخدمية والمرافق الحيوية ومنها المؤسسات والأنظمة التعليمية، التي كانت تعاني سلفا من مشكلات وأزمات متنوعة، لحقتها أيادي الحرب العابثة بالمزيد من السوء وعمليات التنكيل، منها الاستهداف المباشر من قبل الأطراف المتحاربة، والتدمير البنيوي للمباني باتخاذها ثكنات عسكرية ومنصات دفاعية، وما تلى ذلك من تجريف المعاني لإنها أصبحت في ظل تفاقم خطر وانتشار السلوك الإجرامي ودعاية الحرب والمتقاتلين وتنامي الفكر المتشدّد مراكزاً مهمة لجذب وتجنيد الأطفال والقصر والشباب اليائسين من إكمال تعليمهم.
وقد بينت منظمة الأمم المتحدة لشؤون الطفولة "اليونيسيف" في وقت سابق، أن الصراعات في مختلف مناطق العالم تحرم 25 مليون طفلاً وشاباً من فرص الوصول إلى المدارس، وفي السودان وحده هنالك حوالي 4 ملايين طفل قبل الحرب في السودان يشكون أوضاعا معيشية وصحية وغذائية سيئة، هذه المشكلات والأزمات تضاعفت بتوالٍ هندسي بعد الحرب وهي اليوم تؤثر بشكل كبير على ملايين التلاميذ والطلاب والفتيات والشباب والمستفيدين من الخدمات التعليمية الحكومية والخاصة، وتمنع غالبيتهم من استكمال تعليمه وفق رغبته وتصورات أهله وذويه، وتحرم كثير من العاملين في هذا السلك من وظائفهم.

● أولا: نعدد بعض الآثار التدميرية التي خلفتها الحرب على النظام التعليمي، ومن الأضرار التي تعرضت المؤسسات التعليمية، والمرافق الاستراتيجية والجامعات والمعاهد العليا والدمار الذي لحق بها والتأثيرات السلبية ما يلي:

1. تقطيع أواصر إنسانية ووشائج حميمة استمر بعضها لعام دراسي أو مرحلة تعليمية أو عدة مراحل بتمزيق شبكة علاقات اجتماعية بين التلاميذ فيما بينهم وبينهم أساتذتهم، وبينهم والعاملين في المؤسسة التعليمية، وذلك بقتل عدد منهم بسلاح المتحاربين عمدا أو عن طريق الخطأ، للدرجة التي عم الحداد فيها كل مرفق ومؤسسة تعليمية ابتداء من أعرق الجامعات السودانية( جامعة الخرطوم) التي شهدت دفن جثمان أحد طلابها بعد تعذر إجلائه لأيام منها وصلى عليه زملاؤه والعاملين وغيرهم، وعدد كبير من ساحات المدارس شهدت مباراة جثامين استحال تشييعهم إلى المقابر، فتحولت المؤسسات التعليمية من منارات إلى مقابر.

2. الدمار الماحق الذي بالمباني والبنية التحتية، وما تعرضت له الورش والمعامل والأنظمة التقنية والمزارع التجريبية، للتدمير جراء الاعتداءات والتخريب والسرقات والقصف والهجمات العسكرية، هذا أثر بشكل كبير على إمكانية توفير الخدمات التعليمية والبحثية وقد يتسبب في انقطاع المياه والكهرباء والاتصالات وقتل الحياة في تلك المرافق، وعطل أنظمتها الحيوية والبيئية والصحية.

3. نزف العقول وهجرة الكفاءات وتشتت الكادر التعليمي والبحثي، فقد شهدت البلاد نزوح المعلمين والأكاديميين والباحثين والمدرسات والموجهين والطواقم الفنية والادارييت، بسبب الحرب إلى مدن داخلية أو دول جارة وأدى تشتت هذا الكادر لأزمة ماثلة وترك الفجوات في العملية التعليمية والبحثية. وهو ما سينتج قلة خبرة وضعف مؤهلات في المدرسين والأساتذة المتبقيين، وهو ما سيؤثر سلبًا على جودة التعليم والبحث العلمي.

3. إتلاف الأنظمة وتدمير المعدات والمواد والوسائل التعليمية الحديثة وخاصة تلك التي في الجامعات والمدارس المتطورة، فقد تعرضت الأجهزة الالكترونية والسبورات التفاعلية والكمبيوترات والأجهزة الضوئية ومعدات الورش والمعامل والمكتبات والورقية والرقمية والوسائط الأخرى المستخدمة في التعليم للتدمير والنهب أثناء الحروب، وقاد هذا التدمير فعليا إلى فقدان الفرصة للطلاب والمستفيدين من الحصول على فرص تعليمية عالية الجودة، ويمكن تعداد عشرات الجامعات ومئات المدارس تعرضت لهذا النمط من الإتلاف.

4. تجمد الشرايين المالية وانقطاع الدعم والتمويل الحكومي للمؤسسات الحكومية أو الذاتي لتلك الخاصة، وقاد اندلاع الحرب إلى حجب وإيقاف التمويل الحكومي طوال الأشهر الأولى للحرب وتخصيص الموارد المالية والتمويلية للاستجابة للاحتياجات العاجلة والتي في الغالب اتخذت طابعا عسكريا، مما أؤثر على تمويل المؤسسات التعليمية والمرافق الاستراتيجية وكافة الجمعات الحكومية والمعاهد العليا، كما أن ما حدث من إضطراب في النظام المصرفي ونهب لعدد من الوحدات المالية للجامعات والمؤسسات الخاصة أو أرصدتها في البنوك والحيلولة دون الحصول عليها، تسبب ذلك في نقص الميزانية وإيقاف حتى أنشطة الحراسة والتأمين وأدنى خدمات الاستدامة من وقود وكهرباء التسيير ومياه للمرافق والمساحات الخضراء وقاد لتعطيل كلي لكافة الجهود التطويرية وتحديث الأنظمة التعليمية التي بدأتها كثير من المؤسسات والجامعات بعد الثورة المجيدة مستفيدة من رفع اسم السودان من قوائم الحظر الدولية.

5. الإتلاف المستندي الذي لحق بالأنظمة المالية والإدارية والتوثيقات والسندات العلمية والمسودات البحثية والمعلومات الخاصة بمنسوبي تلك المؤسسات، وتعذر الوصول إليها إما لاحتراقها أو اتلافها، أو سرقة الأجهزة التي تحتويها، جعل من الوصول لإرشيف تعليمي لكثيرات وكثر أمرا عسيرا وربما مستحيلا، وهو أمر أفقد كثيرات وكثيرين فرص سرعة النقل والالتحاق بموافقة أخرى، وأضاع مستقبلا مهنيا لحديثي التخرج، وأحبط المتأملين في استيعابهم للالتحاق ببعض الجامعات والمدارس والمعاهد التي كانوا يرغبون بالوصول إليها.

6. من مؤكد أن انعكاس كل ما ذكر أعلاه أسهم في تراجع مستويات التصنيف لجودة التعليم في السودان، وقاد إلى تراجع كبير في وضع السودان بالقوائم والإقليمية والدولية، وذلك لانعدام أدوات ووسائل المعايرة وإنهيار النظام المعمول كليا به وغياب السلطة المشرفة على التعليم في مختلف المستويات الاتحادية والولائية والمحلية وصولا للمستويات الإدارية الدنيا.


● ثانيا: المستوى الأخطر من التشوه، فهو ما لحق بالمعاني والتأثيرات التي خلفتها الحرب على مستويات وجدانية مباشرة، بالنسبة للطلاب والتلاميذ والمستفيدين من الخدمات التعليمية الحكومية والخاصة، والعاملين في هذا الحيز الوظيفي أو المهني أو الفئوي أو العمالي أو حتى الشرائح الاجتماعية التي تنشط في اقتصاديات التعليم والعملية التعليمية وما يرتبط بها، من غذاء، وكساء ونقل ودواء مطبوعات وملبوسات وداخليات إيواء، ومهن تجارية على هامش المرافق والمدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية، جميع هؤلاء كان التأثير عليهم بالغا ويمكن حصره في الآتي:

1. إنقطاع حلقة النمو المعرفي وانحسار المستوى الإدراكي واختلال وربما إنهيار في إشباع الحوجة المعرفية وذلك بقطع عملية التعليم برمتها، فالحرب قادت هذا العام إلى تعطيل عملية التعليم وقطع الفصول الدراسية لمختلف المراحل والمستويات، حيث أصبح من الصعب جداً للطلاب والتلاميذ الوصول إلى المدارس والجامعات بسبب القصف أو الانتقالات القسرية جراء النزوح واللجوء، وبعضهم دخل مدارس ولائية أخرى ليس تلميذا أو طالبا وإنما كمستأوين.

2. إختلالات صحية وزيادة مستويات التوتر النفسي لدى كثيرات وكثر من التلاميذ والطلاب، لما للحروب من تأثير سلبي على الصحة النفسية للطلاب والتلاميذ والمستفيدين جميعهم، فجميعهم تعرضوا للخوف والقلق والضغط النفسي بسبب الظروف القاسية، وعاشوا هول الصدمة والفزع الشديد وفقدانهم أهم محط آمالهم وطموحاتهم وبعضهم كان يخطط ويحلم بأن يكون في مستوى معين أو مرحلة جديدة أو خروج نحو حياة مهنية بعد التخرج، جميع ذلك تبدد لدى غالبية ساحقة تعاني ضيق ذات اليد وشح الموارد وضياع الفرص.

3. انفجار الكتلة البشرية وطلاب التعليم من تمركزهم في العاصمة وتشتتهم إلى الولايات وهو ما تسبب في نقص الفرص التعليمية المتاحة للطلاب والتلاميذ، ما يعني أنهم سيستمرون ويضطرون للانتقال لمناطق أكثر أمانًا نزوحا أو لاجئين، مما يتسبب في انقطاع التعليم لكثيرين وفقدان بعضهم الفرص والمنح التعليمية وتحولهم لفواقد تعليمية وتربوية.

4. رغم عودة أسر كبيرة إلى مواطنها الأصلية إلا أن الحرب أسهمت في تفكك منظومة الأسرة السودانية المتماسكة التي اختارت لم الشمل في العواصم والمدن الكبيرة لتعليم أبنائها، وهو أمر يستحيل استمراره بعد الحرب، ما يعني تفرق تلك الأسر وأبنائها للبحث عن معاهد ومدارس وفرص تعليمية أخرى داخل وخارج البلاد، أو ربما اختار بعضهم التخلي عن التعليم والخروج للبحث عن العمل.

5. ستقود تلك التراكمات بعض الصبية والشباب والمراهقين إلى الهروب من حالة العجز والاضطرابات المالية والمعيشية والنفسية وضيق ذات اليد، وحالة اللا أمل إلى التعلق بحبال التجييش الرسمي أو المليشيوي لمعالجة الاختلالات الناجمة عن انقطاع العملية التعليمية، وهو ما سيفاقم الأمر ويزيد أمد الحرب ويضاعف أعداد ضحاياها، ويزيد حدة انتهاكاتها بتجنيد الأطفال والقاصرين، وتزايد معدلات انتشار التسلح والجريمة وسط المراهقين.

● ثالثا: الحلم الذي ظل يرنو الجميع إلى تحقيقه هو عودة المؤسسات التعليمية في السودان والنظام التعليمي إلى صدارة الأنظمة التعليمية في المحيط العربي والأفريقي ومصاف التنافس العالمي، وقد هيأت الحكومة الانتقالية الأجواء لذلك واتخذت إجراءات رفع التمويل التعليمي والصحي وخفض الإنفاق على الأوجه الأخرى، ولإصلاح المؤسسات التعليمية والمرافق الاستراتيجية والمعاهد العليا خلال الحرب وبعدها يتطلب بذل جهود متعددة لإعادة ترميم وبناء هذه المؤسسات لإصلاح التلف الذي حاق بها ودمرها، وهي:

1. إصلاح المقار والمباني وإعادة بناء المرافق والبنية التحتية، وتوجيه الجهود وتكثيفها لإعادة بناء المباني والبنى التحتية المتضررة بشكل مباشر، وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة لإعادة بناء المدارس والجامعات والمرافق الاستراتيجية وتجهيزها بالتجهيزات التعليمية اللازمة، والأنظمة المالية والإدارية وتكنولوجيا وأدوات التسيير الحديثة التي تسهل العملية التعليمية.

2. حشد المهارات والقدرات التعليمية للمعلمات وتدريبهن والمعلمين والأساتذة وهيئات التدريس الجامعية، بتوفير برامج تدريبية إسعافية للمعلمين والأساتذة المتبقيين أو تعيين معلمين جدد لسد الفجوات التي ظهرت في الكادر التعليمي خلال فترة الحرب، و تخصيص أكبر قدر من الموارد للتأهيل المستمر للمعلمين لتطوير مهاراتهم التعليمية ليسهم ذلك في تحسين جودة التعليم المقدم، بما يواكب أحدث أنماط وأنظمة التعليم الأساس والمتوسط والثانوي والجامعي في المنطقة والإقليم والعالم.

3. حشد الإمكانيات وتوفير الموارد المالية والتمويل، وبجانب الاهتمام الشديد بالجوانب الصحية والإنسانية ينبغي التركيز على توفير التمويل اللازم للمؤسسات التعليمية قبل المدرسية والمدرسية والجامعية والمرافق الاستراتيجية والمعاهد العليا الحرفية والمهنية والتقنية والتكنولوجية والتجارية والزراعية والمتخصصة، ويمكن أن يأتي هذا التمويل من المنظمات الدولية والمانحين الدوليين، بالإضافة إلى جهود الحكومة المحلية في تقليص الصرف الأمني والعسكري واستثمار الموارد في التعليم وتحقيق التنمية البشرية.

4. ترميم التشوهات التي لحقت بالبعض والشروخ الذاتية التي أدت إلى اضطرابات عديدة وسط الصبية والفتيات بتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، وتوفيرها للطلاب والتلاميذ المتأثرين من الحرب، وتهيئتهم للتعامل مع التأثيرات الأكاديمية والنفسية للحرب، يمكن أن تشمل هذه الخدمات مشاركة المستشارين وعلماء النفس ومختصي تقويم السلوك وخرجي المدارس المتخصصة والعمل الاجتماعي لمساعدة الطلاب في التعامل مع الصدمة النفسية وإعادة بناء ثقتهم بأنفسهم وتوفير بيئة داعمة للتعليم، بحشد الطاقات الخيرية والأهلية التي أسهمت في إسناد التعليم في مراحل سابقة عبر رجال الأعمال والخيرين والأعيان.

5. تأسيس مناهج التسامح ونشر أهمية المعرفة والثقافة والتعليم السلمي والثقافة السلمية والقيم التعليمية في مؤسسات التعليم والمجتمع بشكل عام من خلال تطبيق برامج التعليم مشبعة بالقيم السامية والتربية الوطنية التي تحض على السلام والتتايش وحرية المعرفة والالتزام بحقوق الإنسان، ليساهم ذلك في تعزيز السلام والمصالحة والتعايش السلمي في مجتمع متضرر من الحرب ومعبأ بخطابات الكراهية وخارج من أتون العنصرية وشبح الاصطفافات الإثنية.

6. إعلان الطواريء التعليمية وسط الطبقات المتعلمة والأكاديميين في السودان وخارجه، وخلق أكبر شبكة سودانية للتعليم عابرة للقارات، تسهم بالتمويل والتدريب واستقطاب الفرص التعليمية والمنح المخصصة من مؤسسات ومرافق دولية وإقليمية وتمكين المجتمعات المختلفة والمتضررة من الحرب للوصول إليها، على أن تتوحد تلك الطواريء التعليمية تحت جهة اعتبارية موثوقة لئلا تستغل أو توظف جهودها لمصالح ذاتية أو تجارية أو استثمارية أو حتى سياسية، لينعم بخدماتها كل أبناء وبنات السودان، وتكون المعين والمعيل لآلاف الكفاءات الأكاديمية والمهنية من الخبرات السودانية وأعضاء هيئات التدريس ومجالس السند العلمي وخبراء التكنلوجيا والمعرفة وسلك التوجيه والمتابعة والإشراف.


● رابعا: بلا شك هذا الجهد المحلي المشار إليه أعلاه غير كاف، فهناك حاجة ماسة إلى تعاون إقليمي ودولي قوي وجهود مكثفة لتحقيق تلك الإصلاحات وإعادة الترميم ومنع حدوث المزيد من الأضرار في منظومتنا التعليمية المتهالكة، وذلك بتبنى الحكومات الاتحادية والولائية والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني استراتيجيات شاملة لإعادة بناء وتحسين البنية التعليمية وتوفير التعليم الجيد للطلاب والمستفيدين من خدمات التعليم في ظل الحرب وبعدها، فبعد الحرب والصراعات تعرضت العديد من النماذج التعليمية للانهيار، لكن هناك أمثلة على نهوض وتحقيق نجاحات وتطورات في التعليم في بعض البلدان المنكوبة، وقد استفادت العديد من تلك الأنظمة التعليمية من فرص التعاون الدولي لإعادة بناء التعليم في مراحله المختلفة، ومن تلك النماذج:

1. جنوب إفريقيا خرجت من حرب أهلية ونظام فصل عنصري، وتردي في البنية التحتية وتهالك الروابط المجتمعية لتصبح في فترة وجيزة بعد إنهاء نظام الفصل العنصري من أفضل الأنظمة التعليمية وهيأت أجود المرافق والمؤسسات والمناهج، لتصبح جنوب إفريقيا من القبلات التعليمية لكثير من العرب والأفارقة، وتموضعت في قوائم التصنيف الدولي والإقليمي لوضع أكثر من (50) جامعة في ضمن الجامعات الأميز والأفضل.

2. نموذج التعليم في فنلندا التي تعتبر واحدة من الدول التي تمكنت من تطوير نظام تعليم متميز بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد ما شهدته من دمار ماحق لحق ببنيتها التحتية قدمت فنلندا تعليمًا ذا جودة عالية، وركزت على تطوير مهارات التفكير النقدي والإبداع في الطلاب، واستثمرت في تدريب المعلمين وتحسين برامج التعليم لتقود الكثير من الأنظمة التعليمية حولها.

2. شكل نموذج النمور الآسوية أحدث وأقوى أنماط التعليم ونموذج التعليم في سنغافورة يعد نموذجًا ناجحًا بعد تحريرها من الاحتلال الياباني والفقر، فقد تم إعادة بناء النظام التعليمي بشكل كامل، وركزت سنغافورة على رفع مستوى جودة التعليم وتنمية القيم والمهارات في طلابها، واستثمرت في تدريب وتأهيل المعلمين.

3. النموذج الألماني الحديث الذي يقود ريادة التعليم في أوروبا وما حولها ويحتكر بعض التكنولوجيا والتقنيات وأسرار المعرفة، لم يكن الوصول لذلك معبدا أو ممهدا أو مفروشا بالورد، فقد استحدثت ألمانيا نظامها التعليمي بعد انهيار جدار برلين والوحدة الألمانية، واستثمرت الدولة الاتحادية في تطوير نظام تعليم فعال وشامل، وقد ركزت ألمانيا على (التعليم المهني) وتنمية المهارات العملية، وأدخلت إصلاحات هامة في برامج التعليم الثانوي والتكنولوجي وهو ما يمكن أن يوحي لنا أين نتجه في شراكات التعليم المهني والتقني وخاصة المتعلق بمجالات الطاقة النظيفة وتكنولوجيا الأشياء.

4. النماذج كثيرة وكبيرة، ويمكن تعداد عشرات الأنظمة التعليمية النهضة من ركام الحروب، وهو ما يوجب دراسة كل نموذج للاستفادة منه، في مجالات الأدب والثقافة والفن والإدارة وعلم الاجتماع والتكنولوجيا والزراعة والطاقة وغيره، وهناك دول تريد شراكات وتبادل منافع مع السودان على أسس عادلة كاليابان وكوريا الجنوبية والهند والصين وهولندا وكندا وغيرها من الدول التي تحركها المصالح المتبادلة وليس المطامع أو المخاوف.

■ ختاما: إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) يمكن أن تلعب دوراً هاماً في تحسين نظام التعليم خلال فترات الصراع وما بعد الحرب، ويمكن لهذه التكنولوجيا الحديثة والمتطورة أن تساعد على تسريع التقدم نحو تحقيق الهدف (4) من أهداف التنمية المستدامة (SDG4)، وهو التعليم الجيد والشامل للجميع، وهو هدف ملزم لكل الدول ويلزم العالم بدعم الحكومات لتحقيقه.
• ويقع على عاتق الأمم المتحدة ومفوضياتها ووكالاتها وهيىاتها المختصة تيسير الوصول للأنظمة التكنولوجية التعليمية للسودانيين، كأن تقوم اليونسكو بتبادل المعرفة حول الطرق المختلفة التي يمكن للتكنولوجيا أن تسهل بها حصول الجميع على التعليم، وردم الفجوات في التعلم، وبناء قدرات المعلمين، وتحسين جودة وأهمية التعلم، وتعزيز الإدماج، وتحسين إدارة التعليم وحوكمته الرشيدة.
• وتضطلع بقية المؤسسات المراصفة لها إقليمية في الاتحاد الافريقي أو الجامعة العربية أو المنظمات الإسلامية بذات الدور المعين للخروج بالنظام التعليمي السوداني من ركام الحرب، لأن تأثير الحروب على المؤسسات التعليمية والطلاب والمستفيدين يعد أمرًا خطيرًا ويحتاج إلى اهتمام شعبي ورسمي ومحلي وإقليمي ودولي للتعامل مع تلك الأضرار وتوفير الدعم اللازم لإعادة إعمار البنية التعليمية وتمكين المجتمعات من التعليم في هذه الأوقات العصيبة.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig - fb, tw, thr, Skype,
١٣. محرم. ١٤٤٥ه
٣١. يوليو. ٢٠٢٢م