الجمعة، 18 أغسطس 2023

حرب السودان: دروس من التقارب السعودي الإيراني

حرب السودان: دروس من التقارب السعودي الإيراني

● بعد قطيعة سياسية ودبلوماسية طويلة استئناف العلاقات السعودية الايرانية بوساطة صينية وهو أمر ملهم للمنطقة بأن العداء لن يدوم والمصالح وحدها التي تتحكم في المستقبل.. على السودانيين استلهام الدروس والعبر واتباع خطوات نحو انهاء الحرب وتأسيس الدولة واستئناف علاقتهم مع الاخر.


● في يوم تاريخي أعلنت المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية عن استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما، بعد قطيعة دامت ست سنوات، وتوتر مستبطنا استمر عقودا عديدة وسنوات مديدة، وجاء هذا الإعلان بوساطة من جمهورية الصين الشعبية، التي تربطها علاقات اقتصادية واستراتيجية مع كلا البلدين، وقد ضجت وكالات الأنباء العربية والعالمية بهذا الخبر.

● وأثار هذا التقارب ردود فعل مختلفة في المنطقة والعالم، من بينها ترحيب من قبل دول عربية وغربية، وتوجس من قبل دول أخرى، مثل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية التي سارعت خارجيتها بالتواصل مع وزير الخارجية السعودي في نفس أمسية زيارة وزير الخارجية الإيراني الذي لم يكتف بلقاء نظيره السعودي، وإنما التقى بصورة مباشرة مع ولي العهد السعودي الأمير محمدبن سلمان.

● ولكن ما هي أهمية هذا التقارب بالنسبة للسودان، الذي يشهد حالة من الصراع والانقسام منذ عقود؟ وكيف يمكن للسودانيين استلهام الدروس والعبر من هذه التجربة، واتباع خطوات جادة نحو انهاء الحرب وتأسيس الدولة واستئناف علاقتهم مع الآخر؟

● أولا: يجب أن ندرك أن التقارب بين السعودية وإيران لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة لتغيرات سياسية واقتصادية وأمنية في المستوى المحلي والإقليمي والدولي على المحو التالي:

١. السعودية تواجه العديد من التحديات:
أ. الداخلية؛ مثل تحديث اقتصادها وإصلاح نظامها السياسي وتطوير منظومتها الرقمية.
ب. والخارجية؛ مثل التغير في سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة، والضغط على حقوق الإنسان، والصراع في اليمن الذي يتداخل فيه السودان بجنوده، وأمن البحر الأحمر الذي يلاحم السودان فيه بحدوده ويتشارك السودان فيه ثروات مهولة، فضلا عن الملاحة في الخليج وما إلى ذلك.

٢. كما تواجه إيران تحديات مماثلة:
أ. الداخلية؛ مثل التضخم، والفقر، والفساد، وتململ جماهيري وموجات احتجاج عنيفة تثور من فترة لأخرى.
ب. وخارجية؛ مثل العقوبات الأمريكية، والصراع في سوريا، والبرنامج النووي وغيره.

٣. أما السودان فتحدياته الداخلية والخارجية معلومة للقاصي والداني وبيناها في مقام آخر تفصيلا، إلا أن هناك محاولة إقحام السلطات الإيرانية في الحرب الدائرة في السودان، للعب دور قديم متجدد، عبر علاقات التنظيم الإخواني السابقة بإيران بعد زيارة وفد دبلوماسي لطهران خلال أيام هذه الحرب.

• عليه، كان لزاما على كلا البلدين إدراك أن استمرار حالة التوتر لن يخدم مصالحهما، بل سيزيد من المخاطر على أمنهما واستقرارهما وتموضعهما الجيوسياسي، وتنتقل عدواهما الحميدة إلى السودان.

● ثانيا: يجب أن نفهم أن التقارب بين السعودية وإيران لا يعني نهاية الخلافات بينهما، بل يعني فتح قنوات الحوار والتفاوض والتعاون في المجالات المشتركة المذكورة آنفا، وربما صعدت أجهزة المخابرات الرافضة لهذا التقارب من نشاطها وفجرت الخلاف مجددا، وفي هذه الحالة دوما يستخدم السودان كواخدة من مخالب القط، كما شهدنا في فترات التقارب السوداني الإيراني، وهو ما يعني أن هذا الاتفاق رغم استراتيجيته مشوب بعدة محاذير فالبلدين لا تزالا تختلفان في رؤيتهما للمنطقة ودورهما فيها، وتتنافسان على النفوذ والقيادة في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، لكن هذا التنافس يمكن أن يكون بناء، إذا ما تم بطريقة سلمية ومحترمة، وبالاعتراف بالحقوق والمصالح المشروعة لكل طرف، كما يمكن أن يكون هذا التعاون مفيدا، إذا ما تم في مجالات مثل الطاقة والتجارة والبيئة والثقافة وأمن الملاحة المائية.

● ثالثا: يجب أن تستلهم قوانا السياسية السودانية والفاعلين في الحرب الدائرة الآن من هذا التقارب وتعلم رسائل ودروس للسودان، الذي يحتاج إلى السلام والوحدة والتنمية، فالسودان يعاني من حروب أهلية طويلة في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق كان السلاح الإيراني وصناعاته الدفاعية حاضرة فيها وبقوة، وعقب انفصال جنوب السودان تراجع الإمداد النفطي للبلاد تم سد جزء كبير من احتياجات السودان من المحروقات بواسكة طهران والبواخر الإيرانية كانت تربض في مرابط البحر الأحمر، حتى وصل الأمر لوصول بوارج حربية أثارت وقتئذ ثائرة المملكة العربية السعودية، وها نحن نشهد انقلاب عسكري ضد حكومة انتقالية مدنية أعقبتها حرب عبثية، لذلك ينبغي على القادة السودانيين أن يتعلموا من تجربة السعودية وإيران، أن الحرب ليست حلاً للخلافات، بل هي مصدر للدمار والمعاناة، والواجب أن يتعظوا من تجربة السعودية وإيران، أن التقارب ليس خيانة للقضية، بل هو حكمة وضرورة للحفاظ على المصلحة. 

● أخيرا: يجب على السودانيين أن يستفيدوا من تجربة السعودية وإيران،ويوقنوا انه مهما تطاولت أيام الحرب لن تنته الا بصلح، وأن السلام والتعاون هو طريق للتقدم والرخاء للبلدان، بشرط أن يكون على أساس المساواة والاحترام ورد الحقوق لأهلها وكف المظالم.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig - fb, X, thr, Skype,
٢. صفر. ١٤٤٥ه
١٨. أغسطس. ٢٠٢٣م 

الثلاثاء، 15 أغسطس 2023

عقار في المضمار

عقار في المضمار
● مقدمة: بغض النظر عن شكل الكلمة وترتيب أولوياتها وما شابها من أخطاء طباعية على عكس ما يصدر في صفحات ومنصات مجلس السيادة، ولعل الأمر لم يلق العناية التي حظي بها خطاب البرهان من التدقيق والمحيص، إلا أن الكلمة أتت بملامح خارطة طريق تتطابق وخطة دول جوار السودان، ومحشودة بسبعة رسائل يرجى ألا تضل طريقها إلى أدراج الرياح، ففيها تحديات ووعود ليس بمقدور السيد عقار المضي فيه، لأن الدولة الخفية تكبل تحركاته وترسم مساراته، وتحيط به وبمكاتبه إحاطة السوار بالمعصم، وهي التي تزين له هذا العمل حتى يظن أنه يحسن صنعا ويصدق أنه رأس الدولة إنابة عن الحاضر الغائب في غيابت الجب.

° أولا: لا يمكن أن يقرأ خطاب السيد مالك عقار بمعزل عن سياقه الموضوعي، والظرفي، والزمكاني، فالسيد عقار الذي يتحدث اليوم بعد أربعة أشهر من الحرب ومن مدينة بورتسودان بوصفه رئيسا مناوبا لمجلس السيادة الانقلابي، وفي وضع مغاير للقائد العسكري لحركة خارجة للتو من تجربة تمرد، محاطا ومزهوا بمظهر مدني أكثر منه عسكرية وبمنأى عن جنوده، وواقعه المعتاد، كل ذلك يجعلنا نستوعب السياق الذي وردت فيه تلك الرسائل، التي عددها واحدة تلو الأخرى، والتي ما فتئنا نرددها منذ اليوم الأول للحرب محذرين ومنذرين وما كنا للغيب حافظين، إلا أن السيد عقار قبل ساعات فقط كان يخاطب حفلا بمناسبة أعياد الجيش وقال حديثا مغايرا لما ورد في رسائله المسطورة، فقد تحدث بحماسة الجنرال عقار حاضا فيه الحضور العسكري على ضرورة الانتصار ليأتي اليوم ويقول أن الحرب نهايتها في طاولة التفاوض ولم يورد ذلك في حديثه أمامهم، وهي الحتمية التاريخية التي جربها عقار بذاته: لذلك على عقار تجاوز تقلباته التي تمرحلت لعدة مرات هي:


1. قبل بدء الصراع الدامي وفي مرحلة الانقلاب في 25 أكتوبر 2021م ظل عقار في تماه تام مع العسكريين وجاراهم في إصدار رسائل تهدف إلى تبرير الانقلاب، رغم محاولات القوى السياسية نصحه بعدم الانخراط في الأمر ومنع اندلاع الصراع والتأكيد على أهمية الحوار والتفاوض في حل الخلافات، ولكنه ضرب في ذلك الوقت تلك النداءات بعرض الحائط، ومضى في أواخر أيام إنهاء الإنقلاب لدعم النشاط السياسي على مضض بعد أن أيقن أنه بتحركه سيشكل دعمًا للعملية السلمية وتأكيدًا على التزام حقوق الإنسان وسلامة المدنيين.

2. أثناء الصراع اجتهد عقار في ممالأة طرف على الآخر للدرجة التي عجلت بتحفيزه بصدور فرمان يكلفه بنيابة رأس مجلس السيادة من مقر إقامته الجبرية، وقبل أن يؤدى القسم الدستوري، مضى ليجاري أصوات الفلول المنادية بالحسم العسكري، وموجها سياطا لاذعة للسياسيين الذين يجدون في إصدار رسائل تستهدف تقليل التوتر والتأكيد على الأهمية المركزية لوقف الحرب وحماية المدنيين وحقوق الإنسان، ومضى في مسار الفلول لتعطيل مسار جدة إلى مسارات جوار ضرار وأربك المشهد باجتراح تصور افتعل الفلول معركة بغير معترك مع الرئيس الكيني لتعطيله، لذلك يجب أن تنعكس هذه الرسائل في الواقع وتؤمد استعداد عقار ومن كلفه للحوار الحاظ وعدم الركون للعنف وإدعاءات الانتصارات وإجراءات عسكرة البلاد قسريا.

3. توقعي أنه وبعد انتهاء الصراع وفي مرحلة ما بعد الحرب، سينحو عقار ومن شايعه من السياسيين والعسكريين إلى إصدار رسائل تركز على التآزر وإعادة بناء البلد وتحقيق المصالح المشتركة للمواطنين وتحدثنا عن السلام (سمح) والوحدة الوطنية، إلا أننا أخوج لتلك الرسائل الآن فمن خلال هذه الرسائل، يمكن أن يتعهدوا عمليا وإجرائيا ببذل جهودهم لتوفير الأمن بتوجيه السلطات المختصة للقبض على الهاربين من السجون بدءا من الذين يجاورونه مدينة إقلمته، ويصدر قرارات تخص الخدمات الأساسية وخطوات عملية لحصر الأضرار وتأهيل أجهزة إنفاذ القانون واستدعاء جميع الفارين من عناصر الشرطة والنيابة والقضاء لتبليغ وحدات معلنة تمهيدا لإعادة الحقوق ومحاصرة الجربمة والمضي نحو مشاريع إعمار البنية التحتية وتحقيق العدالة للضحايا وجبرالضرر.


° ثانيا: في رأي أن هذه الرسائل الزمكانية تغطي بشكل عام التعامل مع مصالح المواطنين وتسعى إلى تعزيز الحوار وإيجاد حلول سلمية للصراع بعيدا عن أبواق الحرب وأزيز طائراتها وهدير مدافعها، ويجب أن تكون هذه الرسائل صادقة ومبنية على التزام حقيقي لضمان مصالح الشعب وكفالة حقوقه والسعي نحو السلام والاستقرار واتباع ذلك بخطوات نحو بناء الثقة تستبق الخصم.


° ثالثا: لا تخرج تحركات عقار من تكتيكات الخصماء التي لا تخرج أثناء الصراعات المسلحة من استخدام الأطراف المتحاربة في بعض الأحيان الرسائل السياسية المشفرة ومفهوم العصا والجزرة للتأثير على المفاوضات وإمكانية إنهاء الصراع، ولها ما لها من دلالة وخطورة كالآتي:

▪︎ فالخطوة بالجزرة تتمثل في تقديم مكافأة أو حافز للدعم السريع كمحاولة لكسب تعاونه وإقناعه بالمشاركة في حلول سلمية أو التفاوض.

▪︎ والدلالة أن هذه الجزرة ستقود إلى إمكانية الاستفادة والحصول على فوائد (غير معلنة) إذا تم التعاون والتوصل إلى اتفاق مقبول وفق خارطة الطريق المعلنة.

▪︎ أما الخطورة يمكن أن تحسن الجزرة الثقة وترفع درجة القبول وتزيد إرادة الطرف الآخر للتفاوض والتوصل إلى حل ومع ذلك، إذا كانت الجزرة غير صادقة أو غير قابلة للتحقق، فقد يؤثر ذلك سلبًا على الثقة ويعزز الشكوك والتوتر ويؤدي إلى انهيار العملية التفاوضية برمتها وتسعير نيران الحرب على وجه أشد وأقبح.



● ختاما: هذا المضمار وعر وقاسي وليس لعقار خيل ليسرجها فتوصله، لأن ما لديه (حبال بلا بقر)، وهو في ييت زجاجي من بيوت الفلول، ويحصبهم (بالحجارة)، وهذا يعني أن الأمر إن لم يكن اتفاقا صادقا وقناعة، فهو محض مناورة، ونحن ما يهمنا هو المضي نحو الاستراتيجي وليس التكتيكي لأن الشعب اكتفى من المناورات وعمليات كسب الوقت، وستظل أكبر عقبات السيد عقار في اتباع قوله بالعمل الفلول الذين خصهم برسالة صاعقة لن يقفوا أمامها مكتوفي الأيدي خاصة أن الرجل جالسهم في بورتسودان والقاهرة، ولم يقل أمامهم بمثل تلك التهديدات بالملاحقة لرموزهم، فهؤلاء سيكون هدفهم القادم تمزيق هذه الورقة وإعاقة تحركات عقار ما لم تتسق مع مخططتهم.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig - fb, X, thr, Skype,
٢٩. محرم. ١٤٤٥ه
١٦. أغسطس. ٢٠٢٣م