السبت، 23 سبتمبر 2023

من السودان: بمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية

‏*من السودان: بمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية*
■ من الضروري أن نستذكر التضحيات التي قدمها السودانيون من أجل الحرية والعدالة ونشدان الحقوق والانعتاق، ولأن الديمقراطية تعتبر حجر الزاوية لتحقيق تطور اجتماعي وسياسي مستدام في السودان، نعكف على التصدي لكل نظام يريد تكبيلنا بأطر الشمولية وقيود الدكتاتورية، والتي من ضمنها آلة العنف التي تستخدم في الحرب اليوم.

■ لقد شهد السودان خلال العقود الماضية تداعيات الاستبداد وسطوة النظام القمعي، وبطش أجهزته الأمنية، وانتهاكاته الصارخة، واعتداءاته الكارثية، وعلى الرغم من ذلك استطاع الشعب السوداني أن يظهر إصرارا فائقا ورغبة أكيدة وعزما شديدا على تحقيق التحول الديمقراطي الكامل في بلادهم.

■ لقد وقفن السودانيات قبل السودانيين صفا واحدا ضد نظام الحكم البائد، ودفعوا ثمنا غاليا من أجل الحرية، فقد فقدنا العديد من الأرواح الغالية التي كانت رمزا للأمل والتغيير الذي أجهضته إجراءات العسف والجور، ولكن الشهداء لن يضيعوا هباءً منثوراً، لإنهم عبدوا الطريق أمام سقوط النموذج القديم للدكتاتوريات والشموليات ورسموا بدمائهم ملامح بداية صفحة جديدة في تاريخ السودان.

■ تعد الديمقراطية ركيزة أساسية لبناء المجتمع السوداني المستقبلي وهي غاية الشباب الذين يجدون المسير نحوها، ليس لأنها الإطار الأمثل والنموذج الأفضل للحكم، ولكن لأنها تتيح المشاركة الشعبية في صنع القرار، وضمان حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وتتيح المساءلة والمساواة والشفافية وسيادة حكم القانون، وهي الطريق الأقصر للتداول السلمي للسلطة، وبها نقطع الطريق أمام ذاتيي التطلع، وأصحاب الأشواق الآحادية، لأننا نشهد للأسف أن الدكتاتوريات لا تزال تهدد وحدة البلاد واستقرارها وتبدد الحلم المنشود بهذا الانتقال الديمقراطي.

■ لذلك فإن دورنا اليوم هو دعم جهود كافة السودانيات والسودانيين العاملين والحادبين على تحقيق السلام العادل والديمقراطية الكاملة، رغم التحديات التي يواجهونها جراء الحرب والصعوبات التي تحد من تحركهم ونشاطهم بسبب الأزمات التي تواجهها البلاد، فإن الشعب السوداني سيظل مصمما على تحقيق طموحاته وإشباع تطلعاته في بناء مستقبل ديمقراطي أفضل.

■ كشباب وشابات سودانيين، علينا ألا نركن لإحباطات الحرب والهروب منها وألا يثنينا ركامها وأرتال الخراب، علينا أن نكون عماد التغيير والتقدم، ونصوغ ملامحه وفق ما نهوى ونبتكر، وأن نستخدم قوتنا وهمتنا وعزيمتنا ورغبتنا ووحدتنا وشغفنا لبسط قيم الحوار والتعاون والمشاركة المدنية في المجتمع، وعلينا أن نعمل سويا لنبني نظاما سياسيا يحترم حقوق الإنسان ويضمن العدالة والتنمية المستدامة ويضعنا في صدر الأمم.

■ ويقع علينا بذلك عبء عظيم وهو أن نشجع محيطنا الإقليمي والمجتمع الدولي لدعم السودان في رحلته نحو الديمقراطية التي لا بد أنها عائدة وراجحة، وهو ما يوجب أن توفر المنظمات الإقليمية والدولية والشركاء الدوليون الدعم اللازم لاستعادة الحكم الرشيد والتنمية الاقتصادية في السودان والوصول لنظام عادل ينصف الضحايا ويمنع الافلات من العقاب.

■ في نهاية المطاف فإن إحلال السلام العادل والتحول الديمقراطي الكامل هي غاية كافة السودانيات والسودانيين، إلا قوى الظلام الآحادية، الأمنجية، الدكتاتورية، الأيدولوجية، الراديكالية، الفاسدة، الإرهابية، والمتطرفة، وواجبنا أن نستمر في العمل بجد وتصميم لتحقيق هذه الأهداف السامية وفاء بعهد مهرناه بالدماء، لإن السودان الديمقراطي يعني مستقبلا أفضل لجميع المواطنين، بغض النظر عن خلفيتهم الثقافية أو الدينية أو السياسية أو الإثنية أو هويتهم.

■ فلنُعِد التأكيد على ضرورة تحقيق مشاركة السودانيين في تحديد مصيرهم، ونَعُد جاهزيتنا وكلنا عزم وقوة وإصرار لكل السودانيين على إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار، والمضي في طريق بناء ديمقراطية حقيقية ومستدامة في الأعوام القادمة، ولنشمر عن سواعد الجد ولنستثمر في الشباب ونمنحهم الفرصة لتقدم الصفوف في صناعة السلام والإستقرار لا بتقديمهم إلى صفوف القتال، ولنؤهلهم للتعلم والتطور لا الزج بهم في صراعات أورثتهم الأمية والتخلف، ولنعمل معا لبناء مستقبل يجسد قيم العدالة والحرية التي نصبو إليها، إن الديمقراطية هي طريقنا نحو التغيير والتقدم، وهي كما قال الحكيم: ❞الديمقراطية في السودان عائدة وراجحة❝.

عروة الصادق

orwaalsadig

• الجمعة: ٣٠. صفر ١٤٤٥ه.
• الموافق: ١٥. سبتمبر ٢٠٢٣م.
twitter.com/orwaalsadig/st…‎

الأحد، 10 سبتمبر 2023

"الإسلام السياسي في السودان: استفاقة أماني الطويل"

"الإسلام السياسي في السودان: استفاقة أماني الطويل"


● بعد فترة طويلة من حالة الإنكار، والاستهتار بدور الجماعة الإخوانية ودورها في ما يحدث السودان، استفاقت الأستاذة أماني الطويل وهي باحثة مصرية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وخبيرة في الشؤون السودانية والأفريقية، استفاقت لتخبرنا دون سابق إنذار أن عناصر التنظيم المحلول هم من أججوا الحرب ويسعون لاستمرارها وتسعير أوارها.

• مع العلم أن الأستاذة لها عدة مؤلفات ومقالات تتناول التاريخ والسياسة والدين في السودان، وتنتقد دور الإسلام السياسي في تفتيت وتخريب البلاد، وفي حديثها لبي بي سي عربية والذي نقلته عدة نواقع من بينها موقع "عربي21"، أعربت عن رأيها حول المشروع الإسلامي في السودان، وكيف استغل الإسلاميون الجيش للحفاظ على حصتهم في (كيكة) الحكم المستقبلية، وكيف أثاروا الحرب ودعموا استمرارها من أجل مصالحهم الضيقة، وهي شهادة تأخرت كثيرا وأضاعت وقتا ثمينا للوصول إليها.

● في هذه المقالة، سأحاول تحليل رؤية أماني الطويل للإسلام السياسي في السودان، ومدى صحتها ودقتها، وما هي التحديات والمخاطر التي تواجهها وتوقيت إطلاق هذه الشهادة التي ظلت مكتومة طوال أيام الحرب التي وصلت شهرها الخامس، وهو تحليل يعبر عني ولا تتحمل أي جهة أو جبهة أو كيان مسؤوليته وأسأل عنه أمام الناس وبين يدي رب العالمين.

■ أولاً: يجب أن نفهم ما هو المشروع الإسلامي في السودان، وكيف نشأ وتطور، يعود أصل المشروع إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في مصر عام 1928م على يد حسن البنا، وانتشرت كالسرطان في بعض الدول العربية والإسلامية، واستنبتت نسخة في السودان، وظهرت فروع للجماعة في خمسينات وستينات القرن الماضي، بقيادة حسن عبد الله الترابي، وانخرطت جماعة الإخوان في تلويث الحياة السياسية وتقسيم كياناتها الاجتماعية واختراق بيوتاتها التاريخية والدينبة، وشكلت حزب جبهة الميثاق ثم الجبهة الإسلامية القومية ثم تحوراتها اللاحقة، التي أكلمت التمزيق المناطقي والإثني واعتمدت ما عرف بالأمراء ليقودوا حروبها المختلفة.

■ ثانياً: يجب أن ندرك كيف استولى المشروع على سلطة الدولة، وكيف مارسها في عام 1989م، حيث نفذ ضباط من جماعة الإخوان (بالبزة العسكرية) انقلاباً على حكومة الشعب المنتخبة المدنية بقيادة الامام الصادق المهدي، بدعم وتخطيط وتنفيذ من جماعة الجبهة الإسلامية القومبة، وتولى عمر حسن أحمد البشير رئاسة المجلس العسكري أو ما سمى بمجلس قيادة ثورة الانقاذ ، وحسن الترابي رئاسة المجلس الوطني عرابا للحكومة، بعد خديعة شهيرة وأثيرة للإسلاميين مفادها: "اذهب للقصر رئيسا وسأذهب للسجن حبيسا"، وكانت أول دعم تحظى به هذه الجماعة كان من جمهورية مصر العربية لنضع أمام الطويل أن هذا السرطان ما كان له أن يستشري لولا الاعتراف والدعم السياسي والاعتراف الدبلوماسي الذي وجده من مصر، التي صعقت بعد أن أعلنت حكومة المشروع نفسها دولة إسلامية، وأصدرت قوانين ألبست لباس الدين تقوم على تفسيرات محافظة للإسلام، كذلك سعت حكومة ما سمى بالمشروع الحضاري إلى تغير هوية المجتمع من خلال سياسات التخطيط الاجتماعي (إعادة صياغة المجتمع)، والتي تضمنت تعريب وإسلامة الثقافة والتعليم والإعلام. إلى أن وصل نزغ التمدد السلطوي بقادتها للتخطيط لاغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك في أديس أبابا، محاولة جلبت للبلاد احتلال حلايب وشلاتين وأبو رماد من السلطات المصرية وصمت النظام الإسلاموي وقتئذ.

■ ثالثاً: يجب أن ننظر إلى كيف أثر المشروع على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في السودان، ويمكن القول إن حكم المشروع الحضاري كان مأساوياً وفاشلاً في كل المجالات، فقد تسبب في حروب أهلية مستمرة مع الجنوب ودارفور والنيل الأزرق، وأدى إلى انفصال جنوب السودان عام 2011م، كما تسبب في تدهور الاقتصاد وارتفاع الفقر والبطالة والتضخم، بالإضافة إلى ذلك تسبب في انحدار الحريات وانتهاك حقوق الإنسان والمواطنة، وتفشي الفساد والمحسوبية. وتسبب في إبادة حوالي مئاتي ألف شخص وهجرة خمسة ملايين لجوءًا إلى دول أخرى، للدرجة التي جعلت من قادته مطالبين على قوائم الملاحقة الدولية وأخيرا ً، تسبب في تشويه صورة الإسلام والمسلمين ليقدم بدوره أسوأ نظام حكم بعد تجربتي القاعدة وطالبان في افغانستان وداعش في العراق والشام، وهو ما سبب عزلة دولية للسودان لم يخرج منها إلا بعد ثورة 2018م، وهو ما لم ترغب فيه أو تدعمه الحكومة المصرية التي ظلت ترهن تعامل العالم مع مصر عبر بوابتها.

■ رابعاً: بنبغي أن نتساءل عن مستقبل المشروع الحضاري بعد ثورة ديسمبر 2018م، التي أطاحت بحكم البشير، وأدت إلى تشكيل حكومة انتقالية مدنية - عسكرية، هل لا يزال المشروع قائماً؟ هل يحاول المشروع التخلص من المساءلة؟ هل يحارب المشروع التغييرات الديمقراطية؟ هل يستخدم المشروع الجيش لحماية مصالحه؟ هل يثير المشروع الحرب لإفشال الانتقال؟

• هذه أسئلة مهمة تستحق التأمل والتحليل، في رأي أماني الطويل، فإن المشروع لا يزال حياً، ولا يزال يحاول التأثير على مجرى الأحداث، فهو يستخدم عناصره في الجيش لضغط على حكومة الانتقال، ويستغل التوترات بين المدنيين والعسكريين. كذلك، هو يستخدم خلاياه المسلحة في دارفور وغيرها من المناطق لإثارة الصراعات وزعزعة الأمن، بالإضافة إلى ذلك، هو يستخدم شبكاته في الإعلام والجامعات وغيرها من المؤسسات لخلق رأي عام مضاد للثورة. أخيراً، هو يستخدم نفوذه في بعض الدول الإقليمية والدولية لإضعاف موقف حكومة الانتقال، ولم تتوصل الطويل لتلك الإجابات اليوم، بل هي معلومات استخباراتية ومخابراتية مؤكدة في أضابير المخابرات المصرية، وظلت الطويل على علم بها، وعلى دراية بأن النظام المصري ظل يستخدم كرت (الإخوان) لابنزاز النظام السياسي في الخرطوم، وفي آخر أيامه بلغ التعاون مبلغا عظيما، إذ تم اعتقال كافة المجموعة التنظيمية للإخوان المسلمين المصريين المستجيرين بإخوانهم في السودان، وتجسيرهم في أفواج إلى مصر في يناير وفيراير 2018م، وكنت وقتها أشاركهم الاعتقال بأمر محمد عطا المولى عباس الذي أقيل ليخلفه صلاح عبد الله (قوش) الذي أكمل عملية تسليم شباب في ريعان العمر لنقرأ بعد خروجنا من الانتقال أنهم لقوا حتفهم في عمليات دهم تمت في سيناء وأذكر منهم الشاب أحمد حسن له الرحمة والمغفرة، وظل التساؤل البريء قائم كيف لشخص معتقل في السودان يسلم للسلطان المصرية يصل ويقاتل في سيناء؟؟ الإجابة دين الإخوان يحتمل كل شيء.

■ خامساً: يجب أن نفكر في التوقيت الذي اختارت فيه الطويل التعبير الصريح عن ارتباط سياسي وعسكري وإعلامي لسدنة النظام البائد وعناصر التنظيم المحلول في تاجيج الحرب، وما إذا كان هذ الصوت يعكس تفكير مصر الرسمية في كيفية مواجهة نفايات المشروع (الحضاري) النووية والانشطارية الملوثة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان والمحيط الإقليمي، وكيفية تجاوز آثاره، في رأي أماني الطويل، فإن ذلك يتطلب جهوداً على مستوى دولي وإقليمي، ولكني أقول أن استئصال هذا الداء يبدأ برفع الغطاء الذي ظلت تمنحه السلطات المصرية لعناصر الحزب المحلول وأبواق الحرب الذين تستضيفهم، وتوفر إقامة وحماية للفارين من عناصر النظام المباد وقادته، والتخلص من الأدوات السياسية والاقتصادية التي استخدمتها مصر في التضييق على النظام الانتقالي وبخاصة كارتيلات تهريب الذهب والمواشي والمواد الخام ومافيا تهريب الموارد السودانية، والاعتراف بدعم إنقلاب أكتوبر 2021م، والاعتذار عن ذلك، لأن تلك الخطوات هي التي فتحت الباب لعودة العناصر الإخوانية التي أججت حرب إبريل 2023م، والتي ستنتقل آثارها ونيرانها لعقر الديار المصرية، في موجات هجرية أو مجموعات إجرامية، وبخاصة تلك العناصر المتشددة التي فرت من السجون السودانية، وتنشط مجموعات نظامية في تهريبهم إلى مصر، كما أن موجة الاتجار بالسلاح والبشر والممنوعات، لن تتوقف في الحدود السودانية وإنما ستبحث عن أسواق جديدة شمالا، كل هذا زرع إخواني سقته أيادي مصرية لابتزازه وها هي تحصد حصرمه.


■ ختاما: يجب أن تدرك الطويل أن ما يحدث الآن هو استعادة لتجربة استمرت ثلاثة عقود ومحاولة استنساخ انقلاب يونيو 1989م، بالاستيلاء على السلطة بواسطة مدنيين و (كتائب ظل) يتزيون بزي القوات المسلحة، كُتّب كتائب: " البراء، والبنيان المرصوص، والبرق الخاطف، والقعقاع، وغيرها"، لإعادة تسميم الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية والأمنية، وتقسيم الكيان والوجدان السوداني، وتأطير جديد لنظام الحكم في السودان، بإقامة نظام آحادي استبدادي ولو على جماجم السودانيات والسودان، وفي ذلك أججوا هذه الحرب التي لم تكن معلوماتها مخفية، على أجهزة المخابرات المحلية والاقليمية والدولية، إلا أن التضليل الذي مارسته السلطة العسكرية والتمويه والتغطية الإقليمية جعلت من اندلاعها أمرا مستحيلا في نظر الكثير من المراقبين، ونحن أمام وجه كالح من أوجه الإسلام السياسي الذي سيستميت للحصول على السلطة، وهذه المرة لن يكف بمجرد محاولة اغتيال لرئيس دولة مجاورة وإنما سيعمل على إلحاق أكبر ضرر سياسي واقتصادي واجتماعي بالنظام الذي شرد وأباد إخوانهم في ميدان رابعة، ورأينا كيف يرفع عناصره تلك الشارة التي تقول بأن السودان لن يمنى وحده بشرر وجحيم هؤلاء، وإنما هي نيران ستلتهم المنطقة استوقدتها هذه الجماعات في الخرطوم التي ستتمدد ألسنتها إلى الكثير من العواصم الجارة والشقيقة والصديقة، فهنيئا لك الاستفاقة المتأخرة سيدتي الطويل.


orwaalsadig

• الأحد: ٢٥. صفر ١٤٤٥ه.
• الموافق: ١٠. سبتمبر ٢٠٢٣م.