الأربعاء، 11 أكتوبر 2023

الحقيقة والعدالة: هي طريق السودان نحو السلام والديمقراطية

الحقيقة والعدالة: هي طريق السودان نحو السلام والديمقراطية
● أولاً: في خطوة تاريخية ولكنها متأخرة أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارا بتشكيل بعثة دولية لتقصي الحقائق في السودان، بهدف التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية التي ارتكبت في السودان تضطلع بالاتي:

١- التحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.
٢- الحصول على أدلة الانتهاكات والتجاوزات وتجمعيها وتحليلها.
٣- القيام بتحديد هوية الأفراد والكيانات المسؤولة عن انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان.
٤- تقديم توصيات بشأن تدابير المساءلة لضمان عدم الإفلات من العقاب.
٥- التركيز في عملها بشكل خاص على حقوق الإنسان والحالات الإنسانية في المناطق التي تثير أكبر قدر من القلق لا سيما الخرطوم ودارفور.


● ثانياً: هذا القرار يمثل فرصة ذهبية للوصول إلى الحقيقة التي غطتها سحب الزيف وأبواق الحرب، ودفنها ركام الحرب وأخفى ظهورها صوت الدوي اليومي للمدافع والرشاشات وبنادق المتقاتلين وعواء السدنة، وومن خلال مناط تكليفها ربما أمكننا تحقيق العدالة لضحايا النظام السابق والانقلاب اللاحق والميليشيات الموالية له، وكذلك الانتصاف لضحايا قوات الأمن والجماعات المسلحة التي تصدت للثورة أو حاولت استغلالها، لإن توضيح المسؤوليات ومحاسبة المجرمين هي الشرط الأساسي لإنهاء دورة العنف والإفلات من العقاب، وبناء دولة قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

● ثالثًا: هذه الفرصة التي عنت لنا لا يمكننا اغتنامها ولا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم دعمها من قبل جميع الأطراف المعنية، سواء في الداخل أو في المحيط الإقليمي أو في المجتمع الدولي، فالبعثة تحتاج إلى موارد كافية وإمكانات فعالة لأداء مهامها بشكل مستقل ومهني وشفاف وشامل، كما تحتاج إلى تعاون كامل من قبل السلطات السودانية (سلطات الأمر الواقع) وجنرالات الحرب، الذين يجب أن يفتحوا أبوابهم أمام المحققين وتوفر لهم كل التسهيلات والضمانات والحماية، ولا ينبغي أن يخش أيا منهم من هذا التعاون، فالبعثة ليست ضد أحد وليست عقابا للبلاد، بل هي في صالحها، إذ ستساعدها على تطهير مؤسساتها من المجرمين والمنتهكين وبقايا النظام المخلوع، وربما تستعيد حينئذ مؤسسات الدولة ثقة شعبها وشركائها.


● رابعًا: هذه التعاون لا يجب أن يكون حكرًا على السلطات والنظاميين فقط، بل يجب أن يشمل جميع أطياف المجتمع السوداني، سواء كانوا من قوى الحرية والتغيير أو من بقية قوى المعارضة أو من المجتمع المدني أو من زعماء الدين أو من قادة المجتمعات المحلية، فجميعهم يشاركون في مسؤولية كشف الحقيقة وحماية حقوق الإنسان والدفاع عنها، وجميعهم يملكون معلومات وشهادات ووثائق قد تساهم في كشف الحقيقة وإثبات الجرائم، وجميعهم يجب أن يتحلوا بالشجاعة والصدق والتضامن، وأن يتخلوا عن الانتقام والتحيز والتستر وهي شهادات الواجب يقتضي الادلاء بها دينيا ووطنيا وإنساني فهي شهادة وأمانية : [فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] (سورة البقرة - الآية: ٢٨٣) .

● خامساً: وليس هذا فحسب بل ينبغي أيضًا أن يكون هناك دورا فاعلاً للدول والمنظمات الإقليمية والدولية، التي لها تأثير كبير على الوضع في السودان، سواء من خلال دعمها أو تدخلها أو تجاهلها، فهذه الدول والمنظمات يجب أن تساند البعثة بكل الوسائل الممكنة، سواء من خلال تقديم المساعدة المالية أو الفنية أو السياسية، أو من خلال ممارسة الضغط على الجهات التي قد تحاول عرقلة عملها أو تشويه صورتها أو حتى تلك التي يمكن أن تعاديها كما فعلت مع المبعوث الأممي السابق للسودان فولكر بيرتس، ومن أوجب واجبات تلك الجهات أن تتحمل مسؤولياتها في تطبيق نتائج التحقيق، سواء من خلال فرض عقوبات على المجرمين أو من خلال دعم ضحاياهم وأسوأ ما يمكن أن تقع فيه هذه اللجان التسويف والمماطلة دون سقوف زمنية ناجزة ومتفق عليها ترضي الضحايا فتأخر العدالة ظلم وتضييع للعدالة.

● ختاما: إن قرار مجلس حقوق الإنسان هو خطوة مهمة نحو إنهاء حالة الجدل والاتهام المتبادل والتنصل عن تحمل المسؤوليات باندلاع الحرب وقفل باب الصراع والانقسام التي عانى منها السودان لعقود طويلة، وإرساء أسس السلام والديمقراطية التي طال انتظارها، لكن هذه الخطوة لن تكتمل إلا بتضافر جهود جميع المعنيين، في الداخل والخارج، لإظهار الحقيقة وتحقيق العدالة، فالحقيقة هي المفتاح لفتح باب المصالحة وقفل أبواب المزايدة والتضليل، والعدالة هي الضمان لإغلاق باب التكرار للفظائع والجرائم والانتهاكات.


● تحبير وتذكير شديد وأخير: نحن لا ينبغي أن نرحب بالتحقيق فقط بل الواجب أن نكون أول الممتثلين والمدلين بشهاداتنا والمستعدين لأي قرار حتى وإن أحالنا الأمر إلى محاكم دولية تقضي بإدانتنا وعقابنا، إذا ثبت تورطنا في أي جرم أو انتهاك مادي أو معنوي أو مباشر أو غير مباسر، وهناك رغبة أكيدة في أن تتوسع أعمال اللجنة لتشمل العديد من الفظائع والانتهاكات التي تتعدى حرب إبريل ٢٠٢٣م.


عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig 

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2023

حرب السودان والعودة إلى( قُم)

حرب السودان والعودة إلى (قُم)

● أعلن طاقم العابثين بخارجية السودان مساء الاثنين ٩ أمتوبر استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران بعد قطيعة استمرت عدة سنوات تسبب فيها ذات التنظيم الذي فرخ هذا الطاقم، يأتي هذا الإعلان متسق زمكانيا مع أشواق وتطلعات التنظيم المحلول وسلطته البائدة، إذ قالت عصابة وزارة الخارجية السودانية في بيان إن البلدين "قررا استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما خدمة لمصالح الطرفين إثر عدد من الاتصالات الرفيعة المستوى التي جرت خلال الأشهر الأخيرة"، وهو ما يعني أننا أمام فصل جديد من فصول الدعاية الإسلاموية الكذوب والمضللة.


● أولا: عودة العلاقات الثنائية السودانية الإيرانية تعد خطوة هامة إذا كانت تحركها المصالح ضمن الإطار العام الذي تتوجهه إيران انفتاحا نحو المنطقة والمحيط العربي والافريقي، ولكن التوقيت يقول بأن الحكومة السودانية تريد استغلال الأمر كسابق عهدها بمراجع (قُم) وعمائم (طهران) واستخدام سلاح الدبلوماسية في استعادة التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، وتظهر هذه العودة رغبة كلا الجانبين في تعزيز التعاون وتوطيد العلاقات الأمنية والعسكرية بينهما، إذ أن الجانب الإيراني لا زال يذكر الآتي:

١. المرافق الاستراتيجية الأمنية والعسكرية التي أسسها في الخرطوم.
٢. المخزون الاستراتيجي من الأسلحة والذخائر التي صنعها وخزنها في السودان.
٣. مرافق وحسينيات وملحقيات ثقافية تم إغلاقها دون سابق إنذار.
٤. عوائد جليلة من تجارة الغاز والنفط الإيراني للسودان وأفريقيا وسطا وغربا.

● ثانيا: من الممكن أن تتيح هذه العلاقات فرصاً جديدة لتبادل المعرفة والخبرات الأمنية والعسكرية بين السودان وإيران، لما لإيران معرفة سابقة بمنظومة السودان الدفاعية وتعتبر إيران دولة ذات تجربة واسعة في هذا المجال، وقد تسهم في تعزيز قدرات السودان الأمنية والدفاعية، ولكن في الوقت الحالي سيثير هذا الأمر حفيظة الكثير من الدول خاصة مع اندلاع طوفان الأقصى.

● ثالثا: يمكن أن تكون عودة العلاقات السودانية الإيرانية خطوة للاتفاف على الحظر والعقوبات المفروضة على إيران، فالسودان يعتبر بوابة إفريقية لإيران، وهذا يعني أنها قد تمثل لها طريقًا للتواصل والتعامل مع دول أخرى في القارة الأفريقية، وهذا قد يفتح بابًا جديدًا للتجارة والتعاون السياسي بين إيران والدول الأفريقية، وهو ما يمكن أن يسهم في تخطي العوائق التي فرضتها العقوبات.

● رابعا: إيران يمكن أن تكون للسودان مخرجًا للحصول على الأسلحة والمعدات العسكرية والمحروقات، إذ يعاني السودان من صعوبات اقتصادية وضعف في البنية التحتية العسكرية، وبالتالي فإن إيران قد توفر له الدعم الضروري في هذا الصدد، وهو في رأيي تطلع جنرالات الحرب وعناصر التنظيم الإخواني في الخارجية.

● خامسا: ينبغي أن نذكر أن هذه العلاقات الجديدة إذا حققت مصالح البلدبن فأهلا وسهلا بها، وإذا اتخذت لغير ذلك فستثير مخاوف بعض الدول والأطراف الإقليمية والدولية، فإيران تعتبر دولة ذات سجل طويل في مجال دعم وتمويل الجماعات المسلحة، وهذا قد يعطي استدراجًا للتوترات في المنطقة، خصوصاً مع وجود بعض الصراعات القائمة في مناطق أفريقية وعربية.

● سادسا: يمكن القول أن عودة العلاقات الثنائية السودانية الإيرانية تمثل خطوة مهمة إذا استخدمت في مجالات تخدم المواطن السوداني وستكون وبالا اذا استغلت في تعزيز التعاون الأمني والعسكري، لذلك الأجدى جعلها خطوة لتوفير فرص جديدة للتعاون والتبادل بين البلدين، فإنه من المهم أيضًا ضمان أن هذا التعاون يتم وفقًا للقوانين والمعايير الدولية ولا يساهم في زيادة التوترات في المنطقة.


● أخيرا: على إيران الرسمية والشعبية تذكر أن هذه المنظومة التي تحكم البلاد إلى زوال، وأن أي محاولات لإحياء رميمها ستبوء بالفشل، وأنها ستستنزف موارد طهران، وعليها أن تسخر جهدها لما بدأته طهران من مرافق ومؤسسات مدنية كمحطات المياه التي توقف العمل فيها منذ إنقطاع العلاقات، ومشاريع استدامة الطاقة والتكنولوجيا، وبعض التجارب الزراعية، ولكن التوجه العسكرتاري والأمني يجب ألا يرتبط بالحرب في الخرطوم أو المعارك التي تدور في محيطنا الأفريقي والعربي.