الخميس، 12 أكتوبر 2023

السودان والتطبيع بعد طوفان الأقصى

السودان والتطبيع بعد طوفان الأقصى

● المدخل: الأوضاع بعد طوفان الأقصى لن تكون كما قبلها ولن تعود إلى ما كان عليه الحال في 1978م اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، ولا إلى الوضع في 1994م اتفاقية سلام مع الأردن، ولا إلى ما تم في 1993م مع منظمة التحرير الفلسطينية، ولا حتى إلى ما بعد حرب أكتوبر 1973م، لذلك حتى المنطقة العربية والإسلامية والعالم عليهم إعادة التفكير بصورة جدية للخروج من سجن القرارت الدولية التي لم تنفذ على إجحافها للفلسطينيين، فالأمم المتحدة التي كانت 51 دولة وأصدرت قرارتها يومئذ اليوم أضحت 193 دولة غالبيتها ترفض الوجود الشاذ لدولة الاحتلال.

● رغم تبدل مواقف بعض الدول العربية والإسلامية وتوجهها للتطبيع، إلا أن موجة السخط التي اجتاحت العالمين العربي والاسلامي وعمت المعمورة ستبدل مواقف تلك الدولة جميعا، حتى المطبعين سيرتدون ويطردون سفراء اسرائيل احتجاجا على الانتهاكات الفظيعة التي مورست في قطاع غزة والضفة ومن قبل تدنيسها المسجد الأقصى واعتقال المرابطات والأطفال، وهذه الحالة التي تعيشها غزة غيرت حتى التكوين الحكومي الداخلي لإسرائيل وستؤثر في مستقبل العلاقات الغربية العربية خاصة بعد الدعم الأعمى لدولة الاحتلال من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإرسال بارجتين حربيتين في مياه المتوسط وهي خطوة تستفز كل جار يشاطيء غزة البحر ويشاطرها الألم والحزن.


● وضعنا في السودان قسمته سياسيا واجتماعيا خطوات المجلس العسكري بعد الثورة، فقد كانت خطوات البرهان ابتداء خيانة للضمير الوطني والموقف الشعبي الذي خرج إلى الشوارع يطالب بالحرية (التي قيدتها إسرائيل)، وبالسلام (الذي بددت آمال الوصول إليه للشعب الفلسطيني)، وللعدالة (التي ظلت سجون اسرائيل تغص بالأبرياء)، وضد العنصرية (التي مثلها نظام دولة الأبرتايد) الذي أسسته إسرائيل، وقد كان الدخول في أمر التطبيع إكمالا لخطوات رتبتها الراحلة نجوى قدح الدم للمخلوع البشير في آخر أيامه، وأتى البرهان لإكمالها متعديا الخطوط الحمراء في العلاقات الدولية لخرطوم اللاءات الثلاثة، ليجعل منها خرطوم الاستسلام لا السلام.

● وفي رأيي سيحرص قادة دولة الاحتلال ويجدون سعيهم الحثيث لإكمال حلقات التطبيع مع البرهان، وسيكون الثمن هو فائض أسلحة مقابل ذهب تسعى الدولة العبرية لشرائه بكميات كبيرة هذه الأيام، لتلافي الانهيار الاقتصادي للشيكل الإسرائيلي، ولكن ذهب السودان هو اللعنة التي حلت بروسيا، وبسلطة الانقلاب في الخرطوم، وستحل بجميع الدول التي تآمرت على السودانيين وثرواتهم، فلا يمكن أن يحلم الإسرائليون بالتطبيع مع السودان أو الأمة العربية والاسلامية أو مع الضمير الجمعي الإنساني ما لم يوفقوا وضعهم الشاذ، فهم لا زالوا دولة شاذة تتمدد في جسد الأمة العربية والإسلامية وتسيء للإنسانية.


● لذلك سيكون البرهان أمام خيارين أحلاهما مر وهما:

أ. امتلاك السلاح الاسرائيلي مقابل ذهب السودان وشراء دعمه السياسي والدبلوماسي.
ب. أو أن يفقد بعض التأييد والالتفاف حول القوات المسلحة بوصفه قائدها.

● وهذا سينعكس سلبا على البلاد ويدخلها في المأزق الآتي:

أ. اضطراب علاقاتها الدولية التي بالكاد تم استئنافها مع إيران والتي ما رجعت للسودان إلا لدعم القطاع بالسلاح عبر السودان.
ب. سيفقد البرهان ما وصل إليه من تفاهم مع الرئيس الأوكراني وخاصة بعد تصويت أوكرانيا للجنة التحقيق الدولية التي أقرها مجلس حقوق الإنسان.
ج. في حال ارتفع صوت العابثين بإعداد الخارجية السودانية أيضا سيدخل البرهان في ورطة مواجهة التوجه الأمريكي الذي خرج من دور الوساطة التاريخي إلى دور أن يكون طرفا في الحرب على قطاع غزة.

● لذلك ينبغي أن يعلم البرهان أن التطبيع لن يساعد السودان سياسيا، ولا دبلوماسيا في المحافل الدولية، ولا ماليا، ولن يزيل العقوبات عن السودان، ولن يمنع ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية، التي ربما ستجمع في ردهاتها كل منتهكي حقوق الإنسان بمن فيهم نتنياهو والبرهان.


● المخرج: ليكن موقفنا دائما وأبدا مع احترام حقوق الإنسان ورفض الانتهاكات والفظائع والعقاب الجماعي للشعوب وأن نقف بقوة مع الالتزام بقرارات الشرعية الدولية وتنفيذها، ورفض الانتهاكات التي تمارسها إسرائيل ضد المدنيين في فلسطين، وداعم لشرعية مقاومة الاحتلال وداعي لوحدة فصائل المقاومة الفلسطينة، ورافض للتطبيع مع دولة إسرائيل بشكلها التوسعي الاستيطاني التقطيعي لجسد الأمة، ما لم تذعن إسرائيل لإرادة الشرعية الدولية وتحترم قراراتها ومؤسساتها، ويرتفع صوتنا لينادي بانخراط الدول العربية والأفريقية والتوقيع على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية والمصادقة عليه والتمهيد لملاحقة كل منتهكي حقوق الإنسان في المنطقة والعالم.

(رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ) (سورة الإسراء الآية: 80) أو قل (سورة بني إسرائيل).


عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

orwaalsadig@gmail.com


الأربعاء، 11 أكتوبر 2023

الحقيقة والعدالة: هي طريق السودان نحو السلام والديمقراطية

الحقيقة والعدالة: هي طريق السودان نحو السلام والديمقراطية
● أولاً: في خطوة تاريخية ولكنها متأخرة أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارا بتشكيل بعثة دولية لتقصي الحقائق في السودان، بهدف التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية التي ارتكبت في السودان تضطلع بالاتي:

١- التحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.
٢- الحصول على أدلة الانتهاكات والتجاوزات وتجمعيها وتحليلها.
٣- القيام بتحديد هوية الأفراد والكيانات المسؤولة عن انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان.
٤- تقديم توصيات بشأن تدابير المساءلة لضمان عدم الإفلات من العقاب.
٥- التركيز في عملها بشكل خاص على حقوق الإنسان والحالات الإنسانية في المناطق التي تثير أكبر قدر من القلق لا سيما الخرطوم ودارفور.


● ثانياً: هذا القرار يمثل فرصة ذهبية للوصول إلى الحقيقة التي غطتها سحب الزيف وأبواق الحرب، ودفنها ركام الحرب وأخفى ظهورها صوت الدوي اليومي للمدافع والرشاشات وبنادق المتقاتلين وعواء السدنة، وومن خلال مناط تكليفها ربما أمكننا تحقيق العدالة لضحايا النظام السابق والانقلاب اللاحق والميليشيات الموالية له، وكذلك الانتصاف لضحايا قوات الأمن والجماعات المسلحة التي تصدت للثورة أو حاولت استغلالها، لإن توضيح المسؤوليات ومحاسبة المجرمين هي الشرط الأساسي لإنهاء دورة العنف والإفلات من العقاب، وبناء دولة قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

● ثالثًا: هذه الفرصة التي عنت لنا لا يمكننا اغتنامها ولا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم دعمها من قبل جميع الأطراف المعنية، سواء في الداخل أو في المحيط الإقليمي أو في المجتمع الدولي، فالبعثة تحتاج إلى موارد كافية وإمكانات فعالة لأداء مهامها بشكل مستقل ومهني وشفاف وشامل، كما تحتاج إلى تعاون كامل من قبل السلطات السودانية (سلطات الأمر الواقع) وجنرالات الحرب، الذين يجب أن يفتحوا أبوابهم أمام المحققين وتوفر لهم كل التسهيلات والضمانات والحماية، ولا ينبغي أن يخش أيا منهم من هذا التعاون، فالبعثة ليست ضد أحد وليست عقابا للبلاد، بل هي في صالحها، إذ ستساعدها على تطهير مؤسساتها من المجرمين والمنتهكين وبقايا النظام المخلوع، وربما تستعيد حينئذ مؤسسات الدولة ثقة شعبها وشركائها.


● رابعًا: هذه التعاون لا يجب أن يكون حكرًا على السلطات والنظاميين فقط، بل يجب أن يشمل جميع أطياف المجتمع السوداني، سواء كانوا من قوى الحرية والتغيير أو من بقية قوى المعارضة أو من المجتمع المدني أو من زعماء الدين أو من قادة المجتمعات المحلية، فجميعهم يشاركون في مسؤولية كشف الحقيقة وحماية حقوق الإنسان والدفاع عنها، وجميعهم يملكون معلومات وشهادات ووثائق قد تساهم في كشف الحقيقة وإثبات الجرائم، وجميعهم يجب أن يتحلوا بالشجاعة والصدق والتضامن، وأن يتخلوا عن الانتقام والتحيز والتستر وهي شهادات الواجب يقتضي الادلاء بها دينيا ووطنيا وإنساني فهي شهادة وأمانية : [فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] (سورة البقرة - الآية: ٢٨٣) .

● خامساً: وليس هذا فحسب بل ينبغي أيضًا أن يكون هناك دورا فاعلاً للدول والمنظمات الإقليمية والدولية، التي لها تأثير كبير على الوضع في السودان، سواء من خلال دعمها أو تدخلها أو تجاهلها، فهذه الدول والمنظمات يجب أن تساند البعثة بكل الوسائل الممكنة، سواء من خلال تقديم المساعدة المالية أو الفنية أو السياسية، أو من خلال ممارسة الضغط على الجهات التي قد تحاول عرقلة عملها أو تشويه صورتها أو حتى تلك التي يمكن أن تعاديها كما فعلت مع المبعوث الأممي السابق للسودان فولكر بيرتس، ومن أوجب واجبات تلك الجهات أن تتحمل مسؤولياتها في تطبيق نتائج التحقيق، سواء من خلال فرض عقوبات على المجرمين أو من خلال دعم ضحاياهم وأسوأ ما يمكن أن تقع فيه هذه اللجان التسويف والمماطلة دون سقوف زمنية ناجزة ومتفق عليها ترضي الضحايا فتأخر العدالة ظلم وتضييع للعدالة.

● ختاما: إن قرار مجلس حقوق الإنسان هو خطوة مهمة نحو إنهاء حالة الجدل والاتهام المتبادل والتنصل عن تحمل المسؤوليات باندلاع الحرب وقفل باب الصراع والانقسام التي عانى منها السودان لعقود طويلة، وإرساء أسس السلام والديمقراطية التي طال انتظارها، لكن هذه الخطوة لن تكتمل إلا بتضافر جهود جميع المعنيين، في الداخل والخارج، لإظهار الحقيقة وتحقيق العدالة، فالحقيقة هي المفتاح لفتح باب المصالحة وقفل أبواب المزايدة والتضليل، والعدالة هي الضمان لإغلاق باب التكرار للفظائع والجرائم والانتهاكات.


● تحبير وتذكير شديد وأخير: نحن لا ينبغي أن نرحب بالتحقيق فقط بل الواجب أن نكون أول الممتثلين والمدلين بشهاداتنا والمستعدين لأي قرار حتى وإن أحالنا الأمر إلى محاكم دولية تقضي بإدانتنا وعقابنا، إذا ثبت تورطنا في أي جرم أو انتهاك مادي أو معنوي أو مباشر أو غير مباسر، وهناك رغبة أكيدة في أن تتوسع أعمال اللجنة لتشمل العديد من الفظائع والانتهاكات التي تتعدى حرب إبريل ٢٠٢٣م.


عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig