الأربعاء، 25 أكتوبر 2023

رسالتي في ذكرى انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م

رسالتي في ذكرى انقلاب ٢٥ اكتوبر 
● في ذكرى إجهاض حلم الوطن ووأد بناته وقتل بنيه، اتقدم بتحيةً لكل السودانيات والسودانيين مضوا وقضوا بفعل آلة الانقلاب لهم الرحمة والمغفرة ولآلهم وذويهم وعارفي فضلهم الصبر الجزيل، لأولئك الذين تصدوا للانقلاب المشؤوم منذ وهلته الأولى، ونادوا (بهبوا لحماية ثورتكم) منذ تصفير مؤقت الانقلاب الزمكاني، للذين حاول الانقلاب دمغهم بالفساد والاجرام وعجز، للذين ما انقلب العسكر إلا لعزلهم وإبعادهم، للذين كانوا يستخدمون سلاح (الكلمة) فاستخدم (السلاح) ككلمة ولكمة في مواجهتهم.

● للمواكب والتنسيقيات واللجان، للطواريء والمحامين والأطباء وللحراك والطوفان، للذين يعملون جاهدين الآن لوقف الحرب اللعينة في أركان المعمورة كلها، لأولئك الذين لا يسكنون السودان وإنما يسكن السودان بين حناياهم، لأولئك الذين لم يستكينوا لأصوات الإرهاب الفكري والتهديد والوعيد، لأولئك الذين مضوا في رص الصفوف وتوحيد الرؤى، وضم الجميع لمنصة الانطلاق نحو استعادة المستقبل الذي سلبته الانقلابات وحرب أكتوبر ٢٠٢٣م، 

● لأولئك الشباب والنسوة والشيوخ والعمال والصناع والزراع والخبراء، للجوء والفرار والنزوح، للمصابين للمكلومين للأرامل والأطفال والأيتام والجروح، للذين شردتهم الحرب وآلتها، وبطشت بهم أيادي الظلم وآذتها، لتلك الأواصر التي غذتها العنترية والعنجهية والعنصرية ومزقتها، وللكل معوز في دار إيواء، ولكل مريض حرمته الحرب من جرعة دواء، ولكل تلميذ أو طالب هددت الحرب مستقبله التعليمي والأكاديمي وقطعت دراسته العليا.

● للذين قالوا كلمتهم منذ اليوم الأول رفضا للحرب ومنطق (القوة) وانحازوا لقوة (المنطق)، لهم وهم يسعون ويتكبدون عناء ورهق السفر والترحال والتواصل المضني مع بعضهم والعالم، بعد أن فرقتهم السبل وسدت أبواب أوطانهم عنهم بدعاية الكذب والتضليل وبروبوغاندا الحرب، تحياتي لهم وهن وهم لا زالوا متمسكين بسلمية الأدوات ومدنية القنوات لإقامة دولة الحرية والديمقراطية، ولم يتوانوا عند النضال لتحقيق الأهداف التي نادت بها ثورة ديسمبر المجيدة، فالحرية والسلام والعدالة هي الأسس الرئيسية التي يجب أن تقوم عليها الدولة السودانية الجديدة، ولا يمكن الاستغناء عنها أبدا بأي حال من الأحوال.

● ومن هنا (أم درمان) فإنني أحثني وهن وهم والجميع على العمل بروح الوحدة والتضامن والترفع عن الصغائر، وأحضني وهن وهم والجميع على ترك الخلافات الشخصية والضغائن والأحقاد، وأحرضني وهن وهم للعمل بروح البذل والعطاء والتضحية والفداء، والتفاني في خدمة الوطن وبنيه وبناته، الذين أصلت ظهورهم نيران الحرب، وأدخلت حزنها في كل وجدان، وسلبت سعادة كل إنسان، فمن خلال العمل المشترك وحده والتنسيق بين جميع الأطراف الني قادت وحدة الطريق نحو الثورة وحققت خلاصها من اعتى دكتاتوريات القرن والقارة، يمكن أن نخرص أصوات البنادق ونغلق أبواق الحرب، ونردم برك الدم، ونواري رفاة الشؤم، ونبني دولة جديدة تحترم حقوق الإنسان، وتحقق التنمية المتوازنة والمستدامة، وتوفر فرص العمل والرفاهية للجميع.

● ومن المهم أن ندرك جميعاً أن العمل الجاد والمثابرة هي الأساس الذي مكنتا من الانتصار على الأنظمة الدكتاتورية في كل الحقب، وهو ما سيجعلنا قادرين على تحقيق الأهداف التي نسعى إليها سويا وجميعا، فلا يمكن أن نتوقع النجاح إذا كانت الأفكار متشتتة، والجهود مفرقة، والجماعات متشظية، وإذا لم يكن هناك تفاهم وتعاون بين الجميع، فلا يرجى الوصول إلى غاية أو نيل هدف.

● ولذلك فالجميع يرجى منهم العمل بروح وثابة تواقة قوية تدفعها الإيجابية، حتى أولئك الذين تمنعوا عن التواصل مع إخوانهم وزملائهم من رفاق الطريق، واجبنا إيجاد العذر لبعضنا والمضي قدما إلى الاستمرار والاصرار بالاعتماد على الحوار والتشاور سبيلا أوحدا للتعاطي في الشأن السوداني، والتأكيد على أن يكون التعاون المثمر هو الوسيلة التي نبلغ بها سويا وجميعا غاياتنا، وعلى مساندة بعضنا البعض في هذا المسار الطويل الذي ينتظرنا محفوفا بالألغام والآلام، فإننا نثق بأننا قادرون على تحقيق الأهداف التي نصبو إليها بوحدتنا وقوتنا وتماسكنا وتمسكنا بحلم الثورة، وبفضل الإرادة القوية لهذا الشعب والعمل المستمر والمحبة لله والوطن وللإنسان.

● فلنعمل جميعاً بروح الثورة وأدبياتها، ونعمل ونُعمل أدواتها السلمية بالوحدة والتضامن والحوار والتشاور، ولنتحد في سبيل بناء دولة الحرية والديمقراطية التي يستحقها الشعب السوداني والتخلص من شبح الأيدولوجيا الواهمة والسياسات الخاطئة والحروب الأهلية، لنحقق سيادة شعبنا ووحدته، متكاملا متوازنا عادلا متطورا، متصل بمحيط الإقليمي والدولي.

● ختاما: فلنكن أبناء وطن واحد في كل جهاتنا وجبهاتنا وتحالفاتنا وأحزابنا وكياناتنا ومنظماتنا وجماعاتنا، تفرقنا ألواننا وألسنتنا وأدياننا تنوعا موحدا لسوداننا ووجداننا، وتجمعنا وحدة الحقوق والواجبات والاعتراف بكوننا سودانيون نستحق أن نتعايش بإخاء في أرض أجدادنا ومنبت رزقنا، ولنعمل بكل قوتنا وجهدنا وعزيمتنا، لتحقيق الأهداف التي نصبو إليها سويا وجميعا، فالنجاح لن يأتي بالانفراد والعناد والفساد، ولا سبيل إليه إلا بالعمل المضني والجاد والنصر لن يتحقق بغير التضحية والتفاني.

𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

orwaalsadig@gmail.com
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٣م 

الاثنين، 23 أكتوبر 2023

إنهاء الحرب: تحدٍ للصعاب وشغف للشجعان وفرص المحن

إنهاء الحرب: تحدٍ للصعاب وشغف للشجعان وفرص المحن
● نعيش والبشرية من حولنا في عالم مليء بالتحديات والكوارث والحروب والأزمات القاسية، ولكن الحقيقة المثيرة للفكر، والمعملة للتأمل، والشاحذة للعقل، والمعلية للهمم، هي قدرة الإنسانية على تجاوز تلك الصعوبات والمتاعب والخروج منها بنجاح مهما استطالت أيام محنتها، وذلك عندما يتحدى البشر الأقوياء الأسوياء الكرماء غربان الشؤم ورعاة الظلم، ودعاة البطش، وغلاة الفكر، ودعاوى الموت، حتما سُطر في التاريخ أنهم يدحرون جحافل المحن، ويصدون جيوش البلايا، وينيرون أيام الغم والنقم، ويتمكنون من تجاوزها وتحويلها إلى نعم وفرص ومزايا ذهبية للتطور والنمو والرقي، كما قال الإمام المهدي عليه السلام: (المزايا في طيّ البلايا، والمنن في طيّ المحن، والنعم في طيّ النقم).

● أولاً: وقبل كل شيء علينا أن نفهم أن كوامن تحريك أبناء وبنات السودان لوضع لبنات الجبهة المدنية لوقف الحرب، وهي الثقة بالنفس والتفاؤل، وهما مفتاحا نجاح التحديات والمجسران لتجاوز العقبات، فعندما يكون لدى البشر الإيمان بقدرتهم على التغلب وتحقيق النجاح، يصبحون حينها قادرين على إزالة العقبات والتغلب على المصاعب بشجاعة وإصرار وحسم وحزم وتجرد.

● ثانيًا: يمكن أن يكون للإنسان دور محدود في التغيير، ولكن قوة العقل البشري الجماعي تلعب دورًا حاسمًا في تحدي الصعاب، وتجاوز الأزمات، واجتراح الحلول، وتكامل الرؤى، وذلك من خلال اليقين الجازم بأن لديهم الإمكانيات الفكرية والذهنية والقدرة على تغيير هذه الظروف السلبية، وباستطاعتهم سويا وجماعيا العمل بجد وهمة وابتكار للتغلب على العراقيل التي تقف في طريقهم، وحتما سيستطيعون تحويل هذه الأزمات إلى فرص من خلال استغلال المشاكل كمحفز للتطور والابتكار وتعلم الدروس والاعتبار.

● ثالثًا: غاية هذه التحركات البشرية الفردية والجماعية هي إيجاد الحلول المناسبة والإيجابية وسيلتها الحوار والأدوات السلمية المدنية الديمقراطية التي لا تنازل عنها، وهو أمر آخر يساعد البشر على تحدي الصعاب، فبدلاً من الركون لاحباطات الحرب وانغلاق الرأي وتحجيم الدور المدني في البلاد، حرك الجميع التفكير في العقبات والمشاكل كمصادر للإحباط، وانصب تركيزهم على البحث عن حلول مستدامة وجذرية ومبتكرة وإيجابية، وجعلوا من هذا التحدي للحرب فرصة ذهبية أخيرة لبناء السودان، واستعادة استقراره، ومأسسة حكومته، وترشيد حوكمته، لتعمل على رفاه مجتمعه، وتطوير مهارات بنيه وفق أسس جديدة واكتساب خبرات وخيرات مفيدة.

● رابعاً: إن التعاون اللامشروط والتفاني اللامتناهي في سبيل الوطن، والدعم المتبادل الذين تشهدهما أروقة اجتماعات القوى المدنية هما أيضًا من أهم الأدوات القوية التي ستمكننا من تجاوز الصعاب، وعندما يتحد البشر معًا ويسيروا سويا سيتحدون أمل أمر عسير، ويمكنهم عندئذ بتبادل الخبرات والمعرفة ثقب الصخور، وبتقديم الدعم المتبادل والتشجيع لبعضهم البعض يجعلهم يضعون أفضل الخيارات الفكرية والسياسية والمعارف المحلية والإقليمية والدولية أمام أمتهم، وهذه الروح الجماعية تعطينا القوة اللازمة لمواجهة التحديات بشكل فعال والنهوض بأنفسنا من كبوة الحرب والخروج من قمقمها، وإلى الأبد بحول الله.

● خامسًا: يظل العزم والتصميم على عدم الاستسلام هما جوهر النجاح في هذه المهمة التي تعد أعسر خطوات تحدي الصعاب الوطنية لما اعتراها من تخوين وتشويش وتشويه للقائمين عليها، وما نراه من تلك المجموعات وتحليها بكل هذا العزم والتصميم والتجرد، فمن المؤكد أنهم يستطيعون التغلب على المصاعب بسهولة، لأنهم يدركون أن الفشل هو أحد أشكال النجاح، وأن الاستمرار في المحاولة سوف يؤدي في النهاية إلى تحقيق الأهداف، وأنه لا بد من صنعاء وإن طال السفر.

● سادساً: للسودانيين وحدهم القدرة على تغيير مصيرهم وتحدي الصعاب وإنهاء الحرب عن طريق الشجاعة والإصرار والتفاؤل، وعندما يرفعون رؤوسهم للأعلى ويعلقون آمالهم بالثريا ينالةنها ويتجاوزون العقبات، ويحققون نجاحاً حقيقياً ويصنعون مستقبلاً أفضل لأنفسهم وللعالم من حولهم.

● سابعاً: استعادة الشرعية المدنية الديمقراطية السلمية، وانتزاع مشروعية الحرب العبثية وكبت أصوات وأبواق الحرب، وكبح جماح أدوات العنف، وتحجيم منظومته الإخوانية (حزب الشيطان) القائمة على التضليل والأكاذيب والمتعطشة للدماء، ووضع الأسس والرؤى المتكاملة الملبية لتطلعات وأشواق الشعب السوداني، تحقيقا لرغبته وتنفيذا لشعارات ثورته (حرية سلام وعدالة).

● أخيرا: مع كل ذلك لا أحد يستطيع التكهن أو الجزم بنجاح تكوين الجبهة المدنية الموحدة لإنهاء الحرب، إلا أن كافة العوامل التي يمكن أن تساهم في نجاح العمل الجبهوي التحالفي المدني للقوى السياسية والمجتمعية السودانية في إنهاء الحرب أضحت متوافرة في هذا المنبر الذي تنعقد جلساته بأديس أبابا في ٢٣ أكتوبر حتى ٢٦ منه، ومن بين هذه العوامل:

١. الرغبة الأكيدة في الوحدة والتعاون بين القوى السياسية والمجتمعية والتي تعد أمرًا حاسمًا لتحقيق نجاح أي عمل جبهوي تحالفي، وكافة المشتركين وممثلو المبادرات متعاونون ويعملون معًا لتحديد أهداف مشتركة وصياغة استراتيجية فعالة لإنهاء الحرب.

٢. كذلك الشراكة الكبيرة بين القوى السياسية والمجتمع المدني، والدور الفعال للشخصيات القومية والمنظمات غير الحكومية والمجموعات العاملة في المجالات الاجتماعية ولجان المقاومة والمجموعات النسوية والمهنية والفئوية والحرفية والقطاعية ومنظمات حقوق الإنسان، التي تلعب دورًا هامًا في توفير الدعم والتوجيه والموارد للعمل الجبهوي التحالفي.

٣. على غير كثير من الانشطة السابقة لهذا التحرك رؤية واضحة وخطط استراتيجية للتوجهات التي نسعى لتحقيقها، وهي موضوعة بصورة محكمة وخطوات عملية للتحقيق يرجى التوافق عليها.

٤. هناك دور كبير يعول عليه وهو الروافع الإقليمية والدولية التي تساعد في دعم التحركات المدنية السلمية عبر الاتحادين (الافريقي) و(الأوروبي)، ومنظمة (ايقاد)، ودول جوار السودان و(الترويكا)، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وهناك تعاون وتفاعل مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية التي تهتم بالسلم وحقوق الإنسان واستقرار المنطقة، ومن بين هذه الروافع:

أ. التضامن الدولي الإنساني من الدول والمنظمات الداعمة والعاملة في مجال حقوق الإنسان والسلم والتي تساهم بشكل كبير في دعم الحركات المدنية السلمية، وتشارك تقديم الدعم المعنوي والمالي والتقني والقانوني للسودان عبر منصات مختلفة أهمها سياسيا الامم المتحدة وقرارات الدول الكبرى، وإنسانيا مؤتمر الاستجابة الإنسانية بشان السودان.

ب. تغير الأجندة الدولية وسيادة التوجهات الرامية لتعزيز السلم والأمان وحقوق الإنسان، خاصة بعد استطالة أمد الحرب في أوكرانيا، واندلاع حرب غزة في فلسطين المحتلة، وجميع الدول الآن تسعى لأبرام اتفاقيات ومعاهدات دولية تعمل على إرساء السلم والاستقرار وحماية السكان المدنيين وتنشط فيما تسميه (Zero Conflict Zone) منطقة خالية من النزاع.

ج. هناك دعم إنساني ومالي كبير متعهد به وملتزم به حال تحقق استقرار في السودان، يحفز الجميع للوحدة لجبر ضرر السودانيين، فستقدم الدول والمنظمات الدولية دعمًا ماليًا وإنسانيًا للسودان، ولتحركات وأنشطة منظماته وقواه المدنية السلمية الديمقراطية، وتلك الناشطة في مجالات الغوث، وسيشمل ذلك تقديم المساعدات الإنسانية ودعم العمليات الانتقالية وتعزيز الديمقراطية، والحوكمة الرشيدة، وحقوق الإنسان، وعمليات العدالة ، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، وإعادة الإعمار، وعمليات حفظ وبناء السلام واعادة اللاجئين والنازحين والفارين من الحرب.

● ختاما: تعتبر هذه العوامل والخطوات والروافع مهمة لتحدي الصعاب ولبلوغ سدرة منتهى التوافق السوداني المدني لإنهاء الحرب واستقرار البلاد، وهي كذلك ضرورية لضمان نجاح العمل الجبهوي التحالفي المدني ودعم التحركات المدنية السلمية في إنهاء الحروب، ومع ذلك فإن تحقيق النجاح يعتمد أيضًا على تكامل بقية الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السودان والقدرة على تجاوز التحديات العالمية والمحلية المرتبطة بالحرب في السودان.

عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
orwaalsadig@gmail.com