السبت، 4 نوفمبر 2023

أبطال الحرب: بوصلة التغيير والاستقرار للمستقبل

 أبطال الحرب: بوصلة التغيير والاستقرار للمستقبل

● هذه الحرب اللعينة المقيتة العبثية الظلومة الجهولة، التي ترتكبت فيها الجرائم البشعة والفظاعات والانتهاكات وتسببت في دمار هائل وإزهاق للأنفس البريئة حتى تاريخ اليوم تجاوزت الأعداد المعلنة والمرصودة عشرة آلاف نفس جلهم أبرياء مدنيون عزل نساء وأطفال وكهول، إنه تاريخ مؤلم لا ينسى ولا يرحم ولا يغفر لمرتكبي مجازره وفظاعاته، ومع ذلك فإن هناك فئة من الأشخاص لا تلقى الاهتمام الكافي ولا يلقى لهم بال، إذ يعتقد البعض أنهم ضحايا فقط أو مجرد رقم في التقارير المحلية والأممية والدولية، يتحاجون لرقم يوازي احتياجاتهم الإنسانية وتكاليفه المالية، فيعقد لهم العالم مؤتمرات للاستجابة لم تف حتى الآن باحتياجهم، ولكن الحقيقة أن هؤلاء ليسوا أرقاما يتم الاستجداء بها أو التسول لموائد الأمم واستثارة عاطفتهم، هؤلاء ليسوا كذلك فإنهم أبطال الحرب في السودان.

● إنهم الفارون، النازحون، اللاجئون، المهجرون، المتضررون، المتطوعون، العمال والموظفون، أولئك الذين نشطوا في التنسيقيات، اللجان، المبادرات، الأطباء، المحامون، النشطاء، الشباب، النساء، المصابون، المعاقون، الطلاب، الزراع، الذين عاشوا ذلك الجحيم بكل معانيه، وذاقوا ويلاته، وتجرعوا مراراته، وشهدوا بأم أعينهم على انتهاكاته، ولكنهم لم يستسلموا أبدا فلا زالوا يتوقون لحلم العودة وأمل البناء لوطنهم، إنهم من يمثلون بوصلة حقيقية غير معطوبة للتغيير والاستقرار لتشير للاتجاه الصحيح للمستقبل، وهم يشكلون السواد الأعظم لكتبة التاريخ المشهود الذي ينبغي أن تلهمنا دروسه وعبره، فهم لا يريدون أن يكونوا مجرد ضحايا، بل يسعون جاهدين لإنهاء هذه المأساة وأن يكون لها نهاية تليق بكرامة السودانيات والسودانيين وتنهي شبح الحروب والدمار والانقسام.

● إن صمودهم الأسطوري في وسط الحرب والدمار آية تستحق أن تدرس وتخلد في سفر التاريخ، فقد تمكن هؤلاء الأبطال من البقاء قويين وثابتين، استطاعوا الصمود في ظروف قاسية وقارعوا الصعاب بكل شجاعة، رغم المعاناة التي تحملتها أجسادهم وأرواحهم، فإنهم استمروا في النضال من أجل بلدهم ولأجل مستقبلهم، يداوون الجرحى ويطعمون المسغب، ويقيلون عثرة العاثر، ويحرسون بيت أهلهم وجيرانهم، ويشيعون الموتى ويتبرعون بدمائهم بعد أن فقدوا أموالهم، وينتظمون في المعسكرات، ودور الإيواء، وغرف الطواري، ومجموعات التدخل النفسي والإنساني والعون الطبي، والرصد الحقوقي، يطببون الجراح والأرواح.

● لم يكن لديهم مهلة للشكوى أو التذمر أو التأفف أو التحطيم، بل قرروا رفع رؤوسهم عالية والانتقال إلى الأمام رغبة في الخروج من هذا الحطام، وأدركوا أنهم يمتلكون القوة اللازمة للقيام بتغيير حقيقي، وأن إرادة وأيادي الحرب لن تحكم حياة السودان إلى الأبد، وأن أي محاولات لتحطيم آمالهم وأحلامهم في الحرية والسلام والعدالة هي التي سترتد على أصحابها، وبذلك هزموا جحافل التجييش والتضليل ودعاية الحرب، وأسكتوا صيحات نافخي كيرها، ليختفي ناعقوها وينزوي إفكهم.

● اتحدوا يحدوهم الأمل والتطلع للمستقبل متجاوزين ألسنتهم وألوانهم وأعراقهم وأديانهم، فقد صمم هؤلاء الأبطال عزمهم، وأعملوا عقولهم وقلوبهم لتوفير كافة الإمكانيات المتاحة واجتراح أفكار جديدة وابتكارات خلاقة تسهم في إعادة الحياة لما حولهم ووضع تصورات لبناء مناطقهم وأحيائهم وحاراتهم وبلدهم، ومن خلال متابعتي لجهود كثيرين منهم على الأرض والمجموعات الإسفيرية أجد أنهم يعملون بلا كلل لأجل السودان الآت، حيث يسود الاستقرار والازدهار والنمو والتطور، تصوروا مستقبلا بهرم التحول والتقدم يهزم مصفوفة التدمير والانقسام، ويعملون في ذلك زرافات ووحدانا بلا كلل من أجل تحقيق تلك الرؤية.

● هم الصوت الأعلى اليوم الذي يلعن الحرب وموقدي نيرانها ويعلن عن الحقائق المؤلمة التي قد يفضل البعض تجاهلها من المتقاتلين، أجهدتهم سبعة أشهر من الإعياء والرهق والضنك، إلا إنهم اجتهدوا كثيرا ولا زالوا يلتقطون أنفاسهم ويخاطرون بكل شيء من أجل الحقيقة والعدالة، فهم يدركون أن الحرب لا يمكن أن تصنع التغيير الحقيقي، ولكن الاجتماع على رفضها، والعمل المشترك على إنهائها، هو السبيل الوحيد للخروج من حفرة الحرب إلى فكرة السلام والاستقرار.

● ما يميزهم هو الاستقلال الفكري والبعد عن التحيزات الجهوية والاثنية والايدولوجية والمناطقية والاصطفافات التي خلفتها الحرب وغذتها دعاية الأبواق، فتجد أن أهمية هؤلاء الأبطال ليست فقط في قدرتهم على التحمل والعمل الشاق، ولكنها ترتكز أيضًا على قدرتهم وقدراتهم الذاتية والاستقلال الفكري التام الذي لا يغذيه انقسام، والاستغلال لكل ما هو متاح، فهم يتحدون الأفكار التقليدية والممارسات القديمة والأنماط الكلاسيكية في التعاطي مع الأشياء، ويسعون جاهدين لتحقيق التغيير الحقيقي وتحقيق الشفافية والعدالة في المجتمع ويرسمون ملامح الغد الأفضل للسودان وإنسانه وفق تصورات مستوحاة من واقع يومي يعاش.

● ختاما: 
• إن هؤلاء الأبطال من الفتيات والصبية والنساء والرجال، الذين جاهدوا في تحمل آلام الحرب وزحزحة الأوضاع الصعبة عن كواهلهم، ومضوا في طريق مضنٍ لتضميد جراحهم، هم من اتحدوا في الحارات والأحياء والفرقان والقرى والمدن والمعسكرات، تحدوهم الآمال ويمتلكون مفتاحا من مفاتح التغيير والاستقرار في السودان، وذلك ما يدلل عليه إصرارهم على تحد عقبات وعقوبات وعسف سلطة الطواريء والتضييق والاعتقال والتعذيب والتصنيف والتخوين، وإن تفانيهم وقدرتهم على الصمود والعمل الجاد واستدامة التغيير، سيمكنهم أن يصنعوا مستقبلًا يسوده السلام والازدهار.

• لذلك علينا أن نستمع إلى أصواتهم وندعمهم في رحلتهم نحو إعادة بناء فرقانهم وقراهم وأحيائهم ومنازلهم ومرافقهم وأحلامهم ووطنهم السودان، ولا يجب أن نهملهم بل يجب أن نمد لهم يد المساعدة ونعمل بجد لتمكينهم وتمكين أفكارهم ورؤاهم وأن نمهلهم أن يجربوا ويقودا دفة الخلاص والتغيير التي سيطر عليها لعقود مجموعات ترى أن الخلاص لا يمكن أن يكون إلا عبرهم.

• هؤلاء الشباب في التنسيقيات وغرف الطواري، ودور الإيواء ولجان الأحياء، وقادة معسكرات اللجوء والنزوح، والناشطات في المجموعات النسوية، وكيانات الحقوقيين والقانونيين، ومجموعات المناصرة، ومتطوعي القطاعات الطبية والصحية، وغيرهم، إنهم ليسوا مجرد ضحايا، بل هم أبطال يستحقون التمكين لصنع مستقبلهم ومستقبل السودان بأكمله، لذلك دعوتي الخالصة لهن ولهم أن تقدموا كما فعل يوسف عليه السلام: (۝ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ۝)، ودعوتي الصادقة للجميع، دون استثناء حتى لأولئك المتجلببين بثياب أيدولوجية راديكالية وينشطون كواجهات لتعطيل الأنشطة المدنية، أقول لهن ولهم: "فلنتوحد ونعمل بتفانٍ وتجردٍ وصدقٍ بلا كللٍ أو مللٍ من أجل ردم حفرة الحرب ودفن مشعليها فيها، وننهض من الركام كما العنقاء بفكرة الوحدة لإحلال السلام الذي يستحقه الجميع ونبني وطننا وفق ما نهوى ونبتكر أو كما قال ود المكي علي السلام".

• سورة يوسف- (الآية: ٥٥).


عروة الصادق
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

الاثنين، 30 أكتوبر 2023

دور معاشيي القوات النظامية في عملية السلام

دور معاشيي القوات النظامية في عملية السلام

• مقدمة: 
صرح القائد العام للجيش بعد لقائه مبعوث سويسرا مطلع هذا الأسبوع بأن المؤسسة العسكرية لن تلعب أي دور سياسي مستقبلا، مكررا ذات أقواله قبل وبعد إنقلاب أكنوبر 2021م، وهذا يتطابق تماما مع ما ظلت تنادي له كل القوى السياسية والكيانات المقاومة والأجسام المدنية، وكذلك ظلوا يرددون أنه من الضروري إبتعاد القوات النظامية عن كافة الأنشطة الاقتصادية و تفرغه لمهامه العسكرية المعلومة و المنصوص عليها دستوا، فقد اتضح أن القوات النظامية ولفترات طويلة ظلت منشغلة بالإستثمار و الإستيراد و التصدير ما انعكس سلبا على قوة كيان تلك المؤسسات وضعف بنيتها، وأدى لتمكين أنشطة عسكرية موازية لها قادت لما نحن فيه من صراع وحرب مقيتة، ولأن القوات النظامية (جيش أمن شرطة) من أهم أجهزة الدولة المسؤولة عن حماية الوطن والمواطنين، ولكن الأنظمة التسلطية والاستبدادية استخدمت عناصر تلك الأجهزة من في الخدمة والذين في التقاعد لأغراض خبيثة، وحصن طروادة لهدم الأنظمة المدنية والتسعير للحروب الأهلية، لذلك يتعين على تلك المؤسسات تقديم دور فعال في السلام والاستقرار، ولأن الحرب والصراعات الدائرة في السودان قد أدت إلى تدمير المدن وتشريد الملايين، فإن دور المعاشيين الرافضين للحرب يأتي في مقدمة المأمول فيهم لقيادة عمليات الإصلاح وفي المرتبة الأولى للجهود المبذولة لتحقيق السلام.

● أولا: يعد المعاشيون الرافضون للحرب من الأشخاص الذين يفهمون جيداً ما يعنيه الصراع المسلح، وما يترتب عليه من دمار وخسائر بشرية واقتصادية، وذلك من خلال تجربتهم الميدانية، وأنهم يشعرون بالمسؤولية الكبيرة عن الحفاظ على السلم والاستقرار، والعمل على تحقيق السلام والمصالحة عبر الآتي: 
1. التواصل مع المنظمات الحقوقية والمدنية والسلمية المحلية والدولية، والعمل معها على بث رسائل عن مرارة الحرب وتجاربهم وخطورة تمددها لتصبح حربا أهلية.
2. المشاركة في الأنشطة المدنية السلمية كالمؤتمرات والتحركات والاحتجاجات والمسيرات والندوات الحقوقية والسلمية المنددة بالحرب وانتهاكاتها، وذلك لنشر الوعي حول أضرار الحرب وأهمية السلام.
3. التواصل المستمر مع وسائل الإعلام المحلية والدولية، والعمل على نشر رسالتهم حول أضرار الحرب وأهمية السلام، ليسمعوا صوتهم لزملائهم وللعالم وللمواطنين بأن هناك صوت نظامي رافض للحرب.
4. التواصل مع السلطات المحلية والفاعلين من قادة الحرب والمؤسسات الإقليمية والدولية، والعمل على إقناعها بأهمية دعك عملية السلام في السودان والعمل على تحقيقه.
5. التواصل مع المجتمع المحلي والإدارات الأهلية والعمل على نشر رسالتهم ورفع الوعي حول أضرار الحرب وأهمية السلام وحثهم على عدم التحشيد القبلي والجهوي والمناطقي لدعم أي من طرفي الحرب.
6. العمل على توفير الدعم اللازم للضحايا والمصابين والمتضررين، سواء من خلال المساهمة في الجهود الإنسانية أو التبرع للمنظمات الخيرية والإغاثية أو صناديق الزمالة.
7. العمل على تحقيق السلام والمصالحة، وذلك من خلال التواصل مع الأطراف المتحاربة والعمل على إيجاد حلول سلمية للصراعات.

● ثانيا: يمكن للمعاشيين أن يقوموا بدور فعال في دعم عملية السلام، من خلال التحرك للتواصل مع زملائهم في الفريقين المتحاربين، والعمل على إقناعهم بأهمية وضرورة إيقاف القتال والعمل على تحقيق السلام، كما يمكن لهم أيضاً العمل على تسهيل إخلاء الأعيان المدنية وتبادل إطلاق سراح الأسرى، والعمل على وضع خطط لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، من خلال مسارين هما:

‌أ) ويمكن للمعاشيين المساهمة في عمليات المراقبة والحماية والرصد للانتهاكات عن طريق الاتي:
1. الانضمام إلى المنظمات والهيئات والمراصد الإقليمية والدولية والمحلية التي تعمل على هذه القضايا.
2. العمل مع المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمؤسسات العامة لتحقيق هذه الأهداف.
3. العمل مع المنصات المجتمعية على توعية المجتمع بأهمية الحفاظ على السلم والأمن وحماية المدنيين، وتشجيع الحوار والتفاهم بين الأطراف المتحاربة.

‌ب) أما بالنسبة لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة، يمكن للمعاشيين المساهمة من خلال:
1. وضع الخطط والتصورات المطلوبة لهذا الغرض عبر مختصيهم وخبرائهم.
2. العمل مع المنظمات والجهات المعنية لرسم ملامح المنظومة العسكرية والامنية والدفاعية والاستخباراتية في السودان.
3. العمل على توفير المساعدات اللازمة للمصابين وأسر الشهداء، والضحايا والمتضررين من الحرب والمساهمة في إعادة بناء المرافق الخدمية والعسكرية والأمنية والدفاعية التي دمرتها الحرب.

● ثالثا: من خلال الدور الفعال والمرجو للمعاشيين النظاميين، يمكن وضع تصورات لاحقة لهيكلة القوات النظامية ووضع التصور الأمثل للجيش الموحد المهني الاحترافي، الذي يعمل على حماية الوطن والمواطنين بدون اللجوء إلى الحرب والصراعات، ويمكن للمعاشيين وضع تصورات لاحقة بعد السلام، للإصلاحات القانونية للمؤسسات والأجهزة الشرطية والأمنية وجهاز الأمن الداخلي باتباع الخطوات التالية:
1. البدء بتحليل الوضع الحالي للقوات النظامية وتحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات وأسباب ورودنا هذا المورد المهلك.
2. تطوير رؤية واضحة للجيش الموحد المهني الاحترافي وتحديد أهدافه ومهامه والموارد المطلوبة لتحقيقها، وبقية المؤسسات الأخرى.
3. وضع خطط عمل مفصلة لتحقيق هذه الأهداف وتحديد المراحل الزمنية المحددة لتنفيذها.
4. تطوير مقاربة شاملة للتدريب والتطوير المستمر للقوات النظامية وتطوير قدراتها في مجالات مثل القيادة والتكنولوجيا واللوجستيات والتخطيط الاستراتيجي.
5. بناء شبكة دفاعية ووقائية وأمنية قوية حديثة ومتطورة وفعالة تعمل على حماية الوطن وحدوده وموارده والمواطنين ومقدراتهم.
6. تحديد سياسات وتشريعات ونظم وقوانين وإجراءات فعالة لتحقيق الأمن والاستقرار ومنع اللجوء إلى الحرب والصراعات.
7. توطيد العلاقات الدبلوماسية والعسكرية مع دول الجوار والدول الصديقة والشريكة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والاستفادة من علاقات الزمالة لقدامى النظاميين.
8. إدارة الموارد المتاحة بكفاءة وفعالية لتحقيق الأهداف المحددة وتحقيق الاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

● رابعا: الواجب أيضا الاستعداد الجماعي لكل قوى الدولة والفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، لتوظيف المعاشيين في مجالات الإعمار والتطوير والإعادة الإعمارية للبنية التحتية والمنشآت الحيوية المتضررة جراء الحرب، كما يمكن توظيفهم في مجالات الأمن والدفاع والحفاظ على الاستقرار في المناطق المتضررة وإنشاء الشركات الأمنية الحكومية والخاصة، وفي مجالات الإغاثة والتموين والرعاية الصحية للمتضررين من الحرب، وفي مجالات التعليم والتدريب والتأهيل المهني للشباب والشابات الذين فقدوا فرص العمل جراء الحرب، وفي مجالات الإدارة والقيادة والإدارة العامة للدولة والمؤسسات الحكومية المتضررة، ولعب دور مهم فيما يلي:
1. إعادة الإعمار والتنمية بتوظف الجيوش الجرارة من المعاشيين في مجال الهندسة المدنية والمعمارية والإنشاءات لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة خلال الحرب.
2. العمل الإنساني والإغاثي، حيث يمكن للمعاشيين العمل في مجالات الطب والصحة والإغاثة لمساعدة النازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب.
3. في مجال التدريب والتعليم والخبرات التي يمكن للمعاشيين العمل كمدربين ومستشارين لتدريب الأفراد الجدد في الجيش والشرطة والأمن بعد الحرب، لا استغلالهم كما فعلت الأنظمة السابقة كخبراء استراتيجيين للتحريض والتعبئة المضادة.
4. العمل القانوني للخبراء والمراجع القانونية العسكرية، إذ يمكن للمعاشيين العمل في مجالات القانون والعدالة والحقوق لإعادة بناء النظام القانوني في البلاد، والإسهام في إصلاح مؤسسات كالقضاء العسكري، والآلية الشرطية، والاستشارية القانونية للمخابرات العامة.
5. العمل الإعلامي والاتصال والعمل في مجالات الإعلام لتوفير المعلومات الحقيقية والمهنية المجردة والتواصل مع الجمهور والمجتمع المحلي بشأن السلم والاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية.
6. المشاريع التجارية والاقتصادية حيث يمكن للمعاشيين العمل في مجالات الأعمال والاستثمار لتنمية الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص ومشروعات حكومية تستوعب مسرحي القوات النظامية بعد الحرب، والاستفادة من خبراتهم في تأسيس شركات تأمين للأفراد والمنشئات.

● خامسا: قبل المضي في تلك الخطوات علينا التأكيد أن الولاء للثورة والموثوقية وحدها ليست كافية بالنسبة للتحديات التي تواجه البلاد في الوقت الحالي، فمن المهم أن يتم اختيار الضباط الذين يتمتعون بالكفاءة والخبرة والتدريب الجيد، وأن يتم إعادة تدريبهم وإعدادهم لمواجهة التحديات المعاصرة، وينبغي أن يتم توظيفهم بناءً على الإنجازات والقدرات بعيدا عن الولاءات السياسية أو العقدية، وهذا يتطلب إجراءات واضحة وشفافة للتوظيف وإعادة الخدمة والترقية والتقييم، وتوفير فرص التدريب والتطوير المستمر للضباط والموظفين، وإذا تم تحقيق ذلك من المؤكد أننا سنحظى بقوات نظامية موحدة مهنية قوية ومتجانسة ومؤهلة لحماية البلاد وتحقيق الأمن والاستقرار للجميع، وسينشغل الجميع بأدوار ثانوية في هذه الفترة والفترات اللاحقة سيطغى الملف السياسي، إلا أن هذه المهمة العظيمة للمعاشيين تحتاج إلى تدقيق ودراسة جيدة، ويجب أن يتم اختيار الأفراد الذين لديهم الخبرة والكفاءة في المجالات المختلفة المذكورة والحساسة وبالأخص ملف الحدود وقضايا الأمن القومي والتعاون الدولي، ويجب أن يتم توظيفهم بناءً على الآتي:
1. وضع معايير واضحة وشفافة لا محاباة فيها أو تجاوز للضوابط الصارمة التي لا تقل صرامة عن اختيار رئيس الوزراء وترشيحات حكومته التنفيذية.
2. أن يتم تجنب أي تدخل سياسي أو عقائدي أو أيدولوجي في هذه العملية وإبعاد كل من عليه شبهة انتماء لغير مهنته أو اتهامات فساد وانتهاكات أو مشاركته في أعمال تقويض النظم المدنية.
3. أن يتم توفير الدعم والتدريب اللازم (الآني، المتقدم، الاستراتيجي) لكافة المؤهلين للمشاركة في مشروع البناء القادم، لتمكينهم من العمل بكفاءة ومهنية وفعالية.
4. أن يتم تقييم أدائهم بانتظام لضمان أن يستمروا في تقديم الخدمات بأفضل شكل ممكن يؤهلهم للمساهمة بفعالية في مسيرة الاستقرار والسلام والبناء في السودان والمساعدة في استكمال الثورة.

● سادسا: بعد حريق وإتلاف المرافق والمؤسسات والأكاديميات العسكرية والأمنية يعول على الاستفادة النظرية من مشاركات هؤلاء المعاشيين وبحوثهم العلمية ودراساتهم وتقاريرهم ومساهماتهم الأكاديمية في المؤسسات العسكرية والأمنية، فهي على المستوى الإستراتيجي كفيلة بإيجاد كثير من الحلول اللازمة لكل الأزمات الماثلة والمحتملة، وذلك لارتباط بعضها بالإستراتيجية و السياسة، الجيوسياسي، والحروب واستمراريته، والسلام وبنائه، والفساد ومحاربته ونحوه، وبعض الذي أتلف من تلك الوثائق والملفات لا زال موجود في عقول وأضابير هؤلاء الخبراء، لذلك لابد من اتباع خطوات محكمة تمكن من الاستفادة القصوى من هؤلاء المعاشيين في استعادة ذاكرة الدولة أمنيا وعسكريا وتخطيطيا، بالإضافة لتسخير علاقات المبتعثين العسكريين والأكاديميين والمرتبطين بأرقى الأكاديميات في أطراف العالم المختلفة، لتنفيذ خطط التعاون والتنمية المستدامة، فلا يمكن لأي دولة تحقيق الأمن والاستقرار دون الاعتماد على خبراء عسكريين وأكاديميين متميزين في جميع المجالات العسكرية والأمنية والإستراتيجية، ومن أجل ذلك علينا توفير جميع الدعم والموارد اللازمة لتحسين الأكاديميات والمعاهد والكليات العسكرية وزيادة الاستفادة من خبرات ومعارف الخبراء في هذا المجال، وهذا مجال يرجى المساهمة فيه بقوة وتجرد من هؤلاء الخبراء.

● ختاما: 
‌أ) يرجى أن يضطلع المعاشيون السودانيون في القوات النظامية بوضع تصورات آنية لوقف الحرب، وأخرى لاحقة بعد السلام من خلال العمل على تطوير القوات النظامية وبناء الجهاز الدفاعي والوقائي والأمني الذي يعمل على حماية الوطن وموارده والمواطنين ومقدراتهم ومنع اللجوء إلى الحرب والصراعات، على أن تكون هذه التصورات مستندة إلى تحليل شامل للوضع الحالي وتحديد الأهداف والمهام والموارد المطلوبة لتحقيقها وتطوير خطط عمل مفصلة لتنفيذها.
‌ب) وينبغي على كافة المعاشيين الرافضين للحرب المؤمنين بدولة المؤسسات والحقوق، أن يعوا أن تحقيق السلام يتطلب جهوداً مبذولة من الجميع وهم ليسوا استثناء فقط هم في استراحة محارب أملتها الظروف، وأنه لا يمكن تحقيق السلام والاستقرار والعدالة إلا بالتنسيق والتعاون بين جميع الأطراف المعنية، ومن خلال دورهم المميز والفعال في تحقيق السلام، يمكنهم أن يصنعوا فارقاً حقيقياً في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السودان.
‌ج) وعليهم العمل بروح المسؤولية والتعاون والانضباط المعهود لديهم، والتحلي بالصبر والإصرار لتحقيق الأهداف المنشودة، وأن يكونوا على استعداد لتقديم التضحيات اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار في المناطق المتضررة من الحرب، فالتضحية والفداء في أوقات السلم أقسى منها في أوقات الحرب وإبراء الجراح أصعب من صناعتها والتدمير أكثر إرهاقا وتكلفة من التعمير.

عروة الصادق
30 أكتوبر 2023م