الثلاثاء، 4 يونيو 2024

روسيا والسودان بعد (أمريكا روسيا)

 روسيا والسودان بعد (أمريكا روسيا)

● في ١٩٨٩م طلبت الولايات المتحدة الأمريكية من حكومة رئيس الوزراء الراحل الإمام الصادق المهدي عليه الرضوان أن تنشيء قاعدة أمريكية في مياه البحر الأحمر ببورتسودان، إلا أنه قابل الأمر وحكومته بالرفض إذ كان الغرض منها وقتذاك الانخراط في أنشطة عسكرية ضد بعض دول الإقليم وخاصة العراق في حربها ضد الكويت ولاحقا وضع موطيء قدم لأكبر ترسانة حربية أمريكية في البحر الأحمر. فشكل ذلك الرفض أهم روافع دعم انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩م الذي أول من دفع ثمنه الأمريكان بقصف المدمرة كول، ومحاولة تفجير السفارتين في كمبالا ودار السلام وتفريخ جماعات شاركت في هجمات ١١ سبتمبر انطلقت من السودان.

- لذلك تعتبر الاتفاقيات الدولية والشراكات العسكرية موضوعًا معقدًا وذو تأثيرات كبيرة على السياسة والاقتصاد والأمن والاجتماع في السودان والمنطقة العربية والأفريقية وعلى مستوى العلاقات الدولية بشكل عام.

- إن ما رشح عن إبرام اتفاق بين السودان وروسيا لمنح روسيا مركز دعم فني ولوجستي وعسكري على البحر الأحمر يمكن أن يثير العديد من القضايا والتساؤلات، ويمكن أن ترتبط هذه الشراكة بأهداف سياسية تتعلق بتوطيد العلاقات بين البلدين أو بأهداف اقتصادية تتعلق بتطوير البنية التحتية وتبادل التكنولوجيا، ومن الممكن أيضًا أن يكون لها تأثير على الأمن في المنطقة، سواء إيجابيا أو سلبيا، حسب الاستخدام الذي سيتم لهذا المركز والتعاون العسكري، ويمكن أن يكون السياق موضوعيا وعاديا لولا ظروف الحرب الحالية.

- من المهم للقائمين على مثل هذه الاتفاقات مراعاة ما يثير قلق القوى الأخرى في الإقليم أو على الساحة الدولية، مما قد يزيد من حدة التنافس بين القوى العظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا وسيرفع من درجة التصعيد الداخلي، لذلك وفي ظل غياب تمثيل نيابي حقيقي للشعب يجب على أهل الحل والعقد والرأي والمختصين دراسة الوضع بعناية لفهم الآثار المحتملة على السودان والمنطقة والبيئة الدولية بشكل عام قبل أن نلج بوابة الاسقطاب الدولي فتفتك بنا رحاها.

- وهذا الاتفاق يأتي أيضا في سياق تحالف دولي جديد منافس للهيمنة الأمريكية، ويمكن القول أن هذا الاتفاق ومدى فعاليته وتاثيره سيعتمد على السياق الكامل للاتفاق والعلاقات السياسية بين الدولتين وعلاقاتهما مع الآخرين، إذ يُعتبر أن وجود تحالفات دولية جديدة يمكن أن يؤثر على التوازنات القائمة ويفتح المجال لنوع جديد من التنافس الدولي.

- ومن المحتملات السياسية لتوطيد العلاقات بين البلدين قد نرى ظاهريا الآتي:
1. توثيق التعاون الدبلوماسي بين السودان وروسيا في المحافل الدولية لدعم المواقف المتبادلة.
2. وتحقيق التبادل الثقافي والتعليمي بين البلدين لتعزيز فهم عميق للثقافة والتقاليد.
3. وتطوير التعاون العسكري لتطوير القدرات الدفاعية وتبادل الخبرات في هذا المجال.

- أما بالنسبة للأهداف الاقتصادية، يمكن أن نشهد حضورا للأجندة التالية التي أورد بعض منها الفريق ياسر العطا:
1. تطوير البنية التحتية في السودان في مجالات مثل النقل والطاقة والاتصالات، مما يعزز التنمية الاقتصادية.
2. تبادل التكنولوجيا في مجالات مثل الطاقة المتجددة أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتعزيز القدرات التقنية في السودان.
3. الأنشطة التنموية والتخطيط بعيد المدى.

- وهناك سيناريوهات متعددة لتنفيذ هذه الاتفاقيات السودانية الروسية والتي يمكن أن تواجه بعض المحاذير والتحديات التي نكوي على الآتي:

1. احتمالية التصعيد العسكري بين المتقاتلين، فقد تؤدي الاتفاقيات العسكرية إلى تصاعد التوترات العسكرية في البلاد وتدخل غربي (أمريكي) في تضاد التسليح للسودان ومن ثم رفع حدة الصراعات في البلاد والمنطقة، وهذا قد يؤدي إلى تصاعد الصراع الإقليمي والدولي ليصبح حربا شاملة تمتد لتتجاوز الحدود.

2. احتمالية كبيرة أن يتسبب هذا الاتفاق في اضطراب التأثير على التوازن الإقليمي، إذ سيتسبب تواجد روسيا في المنطقة في تغيير التوازنات الإقليمية وزيادة التنافس بين القوى الإقليمية وستجد عدد من الدول إما أنها مضطرة للتعاون الروسي او الاستنجاد بالالة الغربية وبخاصة الأمريكية ويمكن حينئذ نجد أن مياه البحر الأحمر عبارة عن ساحة تسابق للنفوذ الشرقي والغربي (الروسي، الأمريكي).

3. أما دبلوماسيا فسيكون تأثير العلاقات الثنائية على السياسة الداخلية كبيرا لدرجة التشظي والانقسام، وقد تثير الشراكات الدولية الجدل في السياسة الداخلية للسودان وتسبب انقسامات داخلية حتى بين أبناء المعسكر السياسي الواحد كما حدث في قضية التطبيع مع إسرائيل.


- حينئذٍ سنجد أن تأثير هذه الخطوات على الاستقرار في السودان سيعتمد على كيفية تنفيذها وتفاعلها مع الظروف المحلية والإقليمية والانشغالات بالحرب الآنية، وقد تساهم العلاقات القوية مع روسيا إذا استغلت في غير الحرب والتسلح وتسابق الاجندات التمويلية لحرب السودان بالسلاح وحرب روسيا ضد أوكرانيا بالذهب، من المؤكد سنجني الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، من خلال دعم البنية التحتية ورفع القدرات التقنية، ولكن يجب إدارة هذه العلاقات بعناية لضمان عدم تأثيرها سلبًا على الديناميكيات الداخلية في السودان.



● ختاما: علينا التأكيد مرارا وتكرارا ألا سلطة لحكومة بورتسودان ولا شرعية ولا تأهيل وطني أو سياسي أو أخلاقي يمكنها من إبرام صفقات مريبة باسم السودان يضعها في صدارة الصراع الدولي، ولتجاوز من هذه التحديات، ينبغي أن ينتهج القائمين على حكومة الأمر الواقع من عسكريين ومدنيين والسدنة من القوى الأخرى منهجا يحقق:

1. صون وحماية واستقلالية سيادة التراب السوداني ويحافظ على سمائه وأرضه ومياهه، ويكفل للسودانيين والسودانيات الدعوة لسيادتهم على حقوقهم في الحفاظ على تلك المكتسبات التاريخية وعدم التفريط فيها.

2. التكامل والتوازن في العلاقات مع الآخر الاقليمي والدولي ويجب توخي التوازن في العلاقات مع دول أخرى لتجنب تحيز وتصعيد التوترات بما لا يدخل السودان في صراع وتقاطع ويحقق المصالح ويجنب المطامع ويؤمن الجميع من المخاوف.

3. عدم احتكار التعاون الإقليمي والدولي مع جهة واحدة أو معسكر بعينه، ويمكن للسودان تحقيق التعاون مع كافة الدول الإقليمية لضمان الاستقرار والسلام في المنطقة لأن لكل دول المنقة والعالم مصلحة في استقرار السودان وسواحله بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

4. أن ينتهج الجميع في حكومة الأمر الواقع ومعارضيهم منهج الشفافية والمشاركة فيما يلي العلاقات مع الآخر لأن ذلك يزيل كافة مخاوف ومحاذير المواطن السوداني، لذلك ينبغي أن تكون الاتفاقيات شفافة ومبنية على المشاركة المجتمعية لضمان دعم شعبي واسع.

5. ألا يترك الأمر الناتج عن هكذا اتفاقيات بيد العسكريين أو بينهم، ولا بد أن تتدخل كافة الجهات المعنية والمختصة في الحوار الدبلوماسي الرسمي والشعبي الروسي السوداني أو بين السودان وبقية الدول، واعتماد الحوار الدبلوماسي لحل النزاعات وتجنب التصعيد العسكري ومخاطبة كل أهل شأن لقضيتهم مع نظرائهم.

● أخيرا: أمامنا اتفاق سيعقبه آخر يجب أن تكشف تفاصيله للجميع ويرجأ تنفيذه لحين اعتماده من سلطة معترف بها، أو سيكون هذا المنهج أحد عوامل تدمير وفناء السودان وواحد من مفاتيح مغاليق الشرر المستطير للتدخل الدولي في أراضي ومياه وسماء السودان، لأن الاعتداء على (الروسي) لن يكون على بعد مئات الأميال منا في أوكرانيا وإنما سيكون في سواحلنا حال اقحمنا أنفسنا في دوامة الصراع هذه بدون وعي، يقودها فقط نزق العسكريين في السلطة وشبقهم في التسلح.


𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔


الأحد، 2 يونيو 2024

الدعوة المصرية وتصدع الأصوات السودانية الرسمية

الدعوة المصرية وتصدع الأصوات السودانية الرسمية
* أعلنت وزارة الخارجية المصرية يوم الثلاثاء الموافق ٢٨ مايو المنصرم، عن استضافتها لقاء جامع للقوى السياسية السودانية في يونيو "حزيران" المقبل، ضمن جهود وقف الحرب بالسودان، فتدور في الذهن تساؤلات ماهي القوى المشاركة وهل سيكون اللقاء الأخير لتحقيق التوافق السياسي حول وقف الحرب، أم أنه سيكون مائدة من موائد التلاقي الذي يعقبه التدابر؟

* أستطيع القول أن ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية إلى الآن هو رغبة للسلطة في مصر بلعب دور رئيس في الشأن السوداني، تجمع فيه كل الطيف السياسي السوداني، غثه وسمينه، بضه وبضيضه، واجبنا أن نستجيب لها بحسن نية وبقلب مفتوح، ودون اعتراض أو اشتراطات مسبقة كما فعلت السلطات السودانية عبر الرد التعسفي لوزارة خارجية بورتسودان.

* والجهد المصري (الحميد) و(المحايد) و(منزوع الأهواء) مطلوب بشدة لأن القاهرة تؤثر وتتأثر بما يجري الآن في الخرطوم، ولا يوجد عاقل يرفض تعاون حقيقي مبني على الاحترام وتبادل المصالح مع مصر، إلا أن ما بمكن أن يفسد هذه الدعوة هي إقحام عناصر التنظيم الإخواني وواجهاته التي يمكن أن تعيق الجهود المصرية كما أعاقت الإقليمية للإيقاد والمملكة العربية السعودية وتلك المساعي الدولية التي يقودها رمطان لعمامرة لتحقيق السلام.

* يستخدمون في ذلك وسائل تعلمها مصر وهي:
١. التسبب في عدم التعاون الشامل بين الأطراف المعنية.
٢. وإحداث تفاوتات كبيرة في الأجندات والمصالح بين الأطراف المختلفة بتغليب الشخصي والحزبي على الوطني.
٣. كما أن تأثير المصالح السياسية الخارجية سيكون حاضر في مثل هذه الحوارات لأن مصر تتحرك في مسار تضاد سياسي مع آخر إقليمي.
٤. لذا ينبغي أن يتحول هذا التضاد والتقاطع إلى تكامل متوازن يحقق المرجو من المؤتمر وإلا سيحقق عكس مقاصده بزيادة حدة الاستقطاب والدعم لطرفي النزاع.

* ولا أتوقع أن يكون للمؤتمر ريع ملموس على الصعيد الإنساني أو الاغاثي لأن مصر تعاني نقصا في الموارد والامكانات اللازمة لدعم عمليات أو اجراءات السلام، وذلك يجعل منه مؤتمر خطط واستراتيجيات نأمل أن تسهم في إنجاح الوساطات الإقليمية الجارية في جدة بوساطة سعودية أمريكية ويقود بدوره لتحقيق التوافق بين القوى المدنية والمجتمعية، ويؤسس إلى فتح الحوار الجاد وبناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمعية السودانية، للوصول إلى تقديم حل واقعي غير منحاز يلبي مختلف المصالح.

* وأن يخرج منه المؤتمرون بتقديم ضمانات مصرية بالحياد في الشأن السوداني تسهل الوصول لوقف إطلاق نار دائم وتمهد به مصر عبر موقعها الدولي لخلق أكبر تضامن دولي وإقليمي مستمر لدعم الاستقرار واستعادة الديمقراطية والمدنية في السودان، على أن يسود هذا المؤتمر روح الشفافية والشراكة بين الجميع.

* كما تباينت في الداخل الأصوات المدنية والعسكرية واختلفت الآراء حيال مفاوضات جدة، وحيال الدعوة المصرية وظهرت حالة تصدع وانقسامات داخل معسكر الجيش السوداني بعد اتصال بلنكين بالبرهان ورفض مالك عقار الذهاب لمنبر جدة، فيبدر سؤال بديهي هل بدأ معسكر الجيش السوداني في التصدع أم أنه تبادل آراء؟

* أقول مجيبت أن تباين الآراء في معسكر الجيش والقوى المتحاربة الأخرى( دعم سريع - حركات - مستنفرين)، أمر متوقع وغالبًا ما يكون ناتجًا عن عدة عوامل منها الاختلاف في الأهداف والقيم والمصالح بين الأطراف المتحاربة، بالإضافة إلى وجود خلافات سياسية واختلالات مطامع. وقد يكون هذا الخلاف ناتجًا عن صراع حقيقي بين الأطراف يقود للقطيعة والتدابر والتباين في اتخاذ القرار، أو ربما قد يكون نتيجة لتبادل أدوار أو استراتيجيات.

* ثم جاء ياسر العطا مخاطبا جنوده المصابين وأيد عقار فيما ذهب إليه، ومن جهة أخرى تتحر الخارحية السودانية باشتراطات تعجيزية، بينما انتقد مبارك الفاضل موقف عقار واقترح تشكيل مجموعة عمل تقدم المشورة للبرهان الذي - رفض مقابلة (مبارك) - وإدارة ملف العلاقات الخارجية، فنجد أن وراء هذه التباينات في الآراء والمواقف الآتي:

١. هذه معسكرات تحركها مصالح فعقار ومن معه يخشون على مكاسبهم التي حازوا عليها عن طريق انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، وحرب أبريل ٢٠٢٣م.
٢. أما مبارك الفاضل بعد تنكبه طويلا منذ أن كان مع المخلوع حتى تاريخه أثبت أنه بوصلة التقديرات السياسية الخطائة وهو يسعى بذلك لخطب ود جهات داخلية وتحسين صورته الخارجية تحركه في ذلك نوازع ذاتية وانتهازية محضة.
٣. وفي رأيي أن تسعى القوى السياسية والمجتمعية السودانية لتوحيد معسكرات القوى المتحاربة جميعها والوصول إلى حل سلمي، وذلك بالسعي الدؤوب والتواصل المستمر افهم الجذور الحقيقية للنزاع وتحديد نقاط الاتفاق الممكنة التي يمكن السعي بها بين الأطراف المتنازعة وجعلها مشتركات وطنية للتوافق.
٤. ومن ثم يمكن تبني حوار جاد وشامل وبنّاء ومفاوضات عملية تقود إلى إيجاد حلول مقبولة للجميع، بالإضافة إلى ذلك تحقيق التفاهم المتبادل وبناء الثقة بين الأطراف يمكن أن يسهم في تحقيق حل سلمي عاجل وعادل للصراع وتحقيق وحدة البلاد، ومنبر جده هو الأقدر للوصول إلى هذه المعادلة الكسبية.

● ختاما: في رأيي الأرجح أن يعلن الجميع استجابتهم لملتقى القاهرة دون اشتراطات وعلى القاهرة أن تظهر حيادها وشفافيتها ووقوفها على مسافة واحدة من كل أطراف النزاع، لضمان نجاح مبادرتهم، والانقسام في الجيش دوافعه نابعة من تأثير عناصر التنظيم المحلول والحركة الاخوانية في سلك الخارجية وعلى قيادة القوات المسلحة، ما لم يتم التخلص من هذا التأثير لن تنجح القاهرة ولا جدة ولا المنامة في تخليص السودان من حرب الإخوان.
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔