الثلاثاء، 4 يونيو 2024

محاولات إرغام (الكومة) على الانحياز أو الإبادة

محاولات إرغام (الكومة) على الانحياز أو الإبادة

● يثار حديث تحريضي كثيف هذه الأيام من أبواق الحرب لضرب منطقة الكومة شمالي دارفور، وقد استجاب مغامرو سلطة الأمر الواقع في بورتسودان لإصدار تعليماتها للطيران الحربي لقصف الكومة حجراً وشجرًا ومدرًا وبشرًا، ولم يكن الأمر عرضيا لمرة أو مرتين بل تجاوزه لخمس مرات أصيب على إثرها عدد من المواطنين ومواشيهم ومرافقهم.

- هذا الأمر يفهم عملياتيا إذا كانت الكومة واحدة من معسكرات الدعم السريع أو بها واحدة من مرافقه ومؤسساته، ولكن السلطة التي تحكم المنطقة حتى اليوم سلطة الخرطوم بمعتمد مكلف من حكومة الولاية، وتسير الشرطة أنشطتها وبها محكمة مختصة وتبنت الإدارة الأهلية فيها قرارا برفض الحرب ومنعت نقل أنشطتها وآلياتها للمدينة التي تغص بآلاف النازحين الأبرياء الذين هرعوا إليها من كافة المناطق المحتربة.

- الغريب في الأمر أن سلطة الحرب وعلى رأسها البرهان تعلم يقينا أنها تقصف منطقة يقاتل أحد أبنائها في صفوفه في حامية الفاشر العقيد أركان حرب آدم عمر وهو بن اخت الفريق الركن آدم حامد موسى أحد قادة الجيش الذين خدموا القوات المسلحة وتدرجوا في سلكها العملي والعملياتي إداريين ومقاتلين، واليوم يكافأ أهله على خدمته الطويلة الممتازة بالقصف الجوي.

- وليتكامل الدور العملياتي مع التجفيف والتجريف الإداري أصدر والي ولاية شمال دارفور المكلف الأستاذ. الحافظ بخيت محمد يوم الأحد الموافق الثاني من يونيو الجاري قراراً قضى بموجبه إعفاء كل من المدير التنفيذي لمحلية "الكومة" السيد مبارك محمد آدم صالح والسيد سيدو إسحاق منان عبدالرحمن المدير التنفيذي لمحلية "الواحة"، ومن نافلة القول الإشارة إلى أن المحليتين المستهدفتان متهمتان بينهما حواضر اجتماعية للدعم السريع، في الوقت الذي يؤم الكومة غالبية مدنية مم نازحين أبرياء من مختلف الأعراق والاثنيات.


- إن هذا الهدم المؤسسي والتداعي لظل الدولة الذي بدأ بالخرطوم وانتقل إلى ولايات الجزيرة ودارفور وغرب كردفان يوضح خطورة هدم الأنظمة الدكتاتورية للسلطة الإدارية في الأقاليم النائية، حتى تلك التي لا زالت تسير ضمن دولاب الدولة وأنظتمته الحاكمة وتشريعاته المعتمدة، وما سيسببه هذا الشغور الإداري المتعمد وتأثير هذه القرارات على الأمن والاستقرار في المنطقة.

- الواضح أن حالة العجز التي تملكت البرهان وحاكم إقليم دارفور للسيطرة على مقاليد الحكم وبسط سلطة الدولة أوعزت إليهم هدم سلطتهم ونقض غزلهم بأيديهم، وهذا الأمر من الخطورة بمكان ويمكن أن يكون له تأثير كبير على السلطة الإدارية في الأقاليم النائية، هذا التأثير لن يكون إيجابيًا إطلاقا بل سلبيًا محضا، وهذا الأمر يمهد لإصدار إجراءات آحادية لتنفيذ الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد المتوقع.

- وهناك الآن عدد من التحديات الإدارية بعد الهدم، منها فراغ السلطة وشغور كرسي الحكم السياسي والقضائي والإدارة التنفيذية وسلطة الشرطة، وهو أمر يوجب ملء هذا الفراغ بشكل فعال للحفاظ على استقرار ليس الكومة فحسب بل كل الأقاليم النائية، وهذا سيجعل من المناطق المستقر مجالا خصبا للاحتراب والاستقطاب.

- ما تقوم به سلطة الأمر الواقع يوضح تخبطا تشريعيا قوميا وسيولة وضع مترهل غرقت فيه سلطة مناوي التي لم يشرع لها قانون حكم ولائي أو محلي وظلت تمارس عسفها بمزاجية جنرالات المعركة ولوردات الحرب دون الاكتراث لتغيير القوانين واللوائح والتشريعات الحاكمة فقد كانت هناك حاجة ماسة لتعديل القوانين واللوائح لتناسب النظام الجديد للإقليم قطع الطريق أمامها مناوي بتآمره وتضامنه مع قادة إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، ومن ثم حرب أبريل ٢٠٢٣م، وهذا الأمر يتطلب جهدًا إداريًا كبيرًا ووعيا سياسيا وإرادة صادقة من حكما

- إن مثل هذه الهجمات العسكرية والتجربفات الإدارية ذات تأثير بالغ على الأمن والاستقرار، ليس في الكومة وحدها بل على السودان وإقليم دارفور فالكومة عنق زجاجة دارفور ومربطها مع بقية أقاليم السودان كردفان والشمالية، وأي اضطراب فيها سيقود لتصاعد التوتر الاجتماعي، إذ أن طابع هذه القرارات الولائية أخذت منحا إثنيا في ظرف دقيق يسهل عمليات الاصطفاف الجهوي والقبلي، ويخرج سكان المنطقة إرغاما من دائرة الحياد الإيجابي الداعي للسلم والاستقرار والرافض للحرب.

● ختاما: في ظل غياب أو تغييب سلطة الدولة يجب أن تتخذ السلطات المحلية الإدارية والإدارات الأهلية قرارات شجاعة بعدم إخلاء أي موقع إلا لجهة مسؤولة تستلمه وتساءل عنه وتضطاع بمسرولياته وقد مثلت حكمتهم في الفترة السابقة ترياقا للانزلاق في أتون الحرب الحالية المدمرة، وواجب الادارة الأهلية والكيانات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني اتخاذ كافة التدابير والإجراءات للحد من هذا التوتر والحفاظ على الأمن والاستقرار الذي لا زالت تنعم به الكومة وعشرات الآلاف من النازحين فيها وتواصل دورها الحميد والمسؤول في تجنيب المنطقة فتن التحريض الاثني التي تقودها أيادي الفتنة التي تنشط من الجهات المتحاربة، لذلك الرشد مطلوب بشدة، خاصة أن أي اضطراب فيها سيشكل عبئا إنسانيا مضاعفا على أهلها وضيوفها وسيتسبب في تبعات اقتصادية بعد الهدم الإداري لن يتضرر منها أهل الكومة فحسب بل كل المحليات المرتبطة بها والولايات التي تتأثر بحركة القوافل عبورا وحتى التجارة القادمة من خارج الحدود، وهو ما يوجب أن تتخذ الإدارات الأهلية والسلطات الإدارية ومنظمات المجتمع المدني إجراءات فعالة ومباشرة وجريئة للحفاظ على ما تبقى من مكاسب الإقليم ككل و الكومة على وجه الخصوص من النواحي الإنسانية والاقتصادية والإسهام في تحسين الظروف المعيشية عبر استدامة الاستقرار ومنع المنطقة من التدمير والانهيار.


𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

روسيا والسودان بعد (أمريكا روسيا)

 روسيا والسودان بعد (أمريكا روسيا)

● في ١٩٨٩م طلبت الولايات المتحدة الأمريكية من حكومة رئيس الوزراء الراحل الإمام الصادق المهدي عليه الرضوان أن تنشيء قاعدة أمريكية في مياه البحر الأحمر ببورتسودان، إلا أنه قابل الأمر وحكومته بالرفض إذ كان الغرض منها وقتذاك الانخراط في أنشطة عسكرية ضد بعض دول الإقليم وخاصة العراق في حربها ضد الكويت ولاحقا وضع موطيء قدم لأكبر ترسانة حربية أمريكية في البحر الأحمر. فشكل ذلك الرفض أهم روافع دعم انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩م الذي أول من دفع ثمنه الأمريكان بقصف المدمرة كول، ومحاولة تفجير السفارتين في كمبالا ودار السلام وتفريخ جماعات شاركت في هجمات ١١ سبتمبر انطلقت من السودان.

- لذلك تعتبر الاتفاقيات الدولية والشراكات العسكرية موضوعًا معقدًا وذو تأثيرات كبيرة على السياسة والاقتصاد والأمن والاجتماع في السودان والمنطقة العربية والأفريقية وعلى مستوى العلاقات الدولية بشكل عام.

- إن ما رشح عن إبرام اتفاق بين السودان وروسيا لمنح روسيا مركز دعم فني ولوجستي وعسكري على البحر الأحمر يمكن أن يثير العديد من القضايا والتساؤلات، ويمكن أن ترتبط هذه الشراكة بأهداف سياسية تتعلق بتوطيد العلاقات بين البلدين أو بأهداف اقتصادية تتعلق بتطوير البنية التحتية وتبادل التكنولوجيا، ومن الممكن أيضًا أن يكون لها تأثير على الأمن في المنطقة، سواء إيجابيا أو سلبيا، حسب الاستخدام الذي سيتم لهذا المركز والتعاون العسكري، ويمكن أن يكون السياق موضوعيا وعاديا لولا ظروف الحرب الحالية.

- من المهم للقائمين على مثل هذه الاتفاقات مراعاة ما يثير قلق القوى الأخرى في الإقليم أو على الساحة الدولية، مما قد يزيد من حدة التنافس بين القوى العظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا وسيرفع من درجة التصعيد الداخلي، لذلك وفي ظل غياب تمثيل نيابي حقيقي للشعب يجب على أهل الحل والعقد والرأي والمختصين دراسة الوضع بعناية لفهم الآثار المحتملة على السودان والمنطقة والبيئة الدولية بشكل عام قبل أن نلج بوابة الاسقطاب الدولي فتفتك بنا رحاها.

- وهذا الاتفاق يأتي أيضا في سياق تحالف دولي جديد منافس للهيمنة الأمريكية، ويمكن القول أن هذا الاتفاق ومدى فعاليته وتاثيره سيعتمد على السياق الكامل للاتفاق والعلاقات السياسية بين الدولتين وعلاقاتهما مع الآخرين، إذ يُعتبر أن وجود تحالفات دولية جديدة يمكن أن يؤثر على التوازنات القائمة ويفتح المجال لنوع جديد من التنافس الدولي.

- ومن المحتملات السياسية لتوطيد العلاقات بين البلدين قد نرى ظاهريا الآتي:
1. توثيق التعاون الدبلوماسي بين السودان وروسيا في المحافل الدولية لدعم المواقف المتبادلة.
2. وتحقيق التبادل الثقافي والتعليمي بين البلدين لتعزيز فهم عميق للثقافة والتقاليد.
3. وتطوير التعاون العسكري لتطوير القدرات الدفاعية وتبادل الخبرات في هذا المجال.

- أما بالنسبة للأهداف الاقتصادية، يمكن أن نشهد حضورا للأجندة التالية التي أورد بعض منها الفريق ياسر العطا:
1. تطوير البنية التحتية في السودان في مجالات مثل النقل والطاقة والاتصالات، مما يعزز التنمية الاقتصادية.
2. تبادل التكنولوجيا في مجالات مثل الطاقة المتجددة أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتعزيز القدرات التقنية في السودان.
3. الأنشطة التنموية والتخطيط بعيد المدى.

- وهناك سيناريوهات متعددة لتنفيذ هذه الاتفاقيات السودانية الروسية والتي يمكن أن تواجه بعض المحاذير والتحديات التي نكوي على الآتي:

1. احتمالية التصعيد العسكري بين المتقاتلين، فقد تؤدي الاتفاقيات العسكرية إلى تصاعد التوترات العسكرية في البلاد وتدخل غربي (أمريكي) في تضاد التسليح للسودان ومن ثم رفع حدة الصراعات في البلاد والمنطقة، وهذا قد يؤدي إلى تصاعد الصراع الإقليمي والدولي ليصبح حربا شاملة تمتد لتتجاوز الحدود.

2. احتمالية كبيرة أن يتسبب هذا الاتفاق في اضطراب التأثير على التوازن الإقليمي، إذ سيتسبب تواجد روسيا في المنطقة في تغيير التوازنات الإقليمية وزيادة التنافس بين القوى الإقليمية وستجد عدد من الدول إما أنها مضطرة للتعاون الروسي او الاستنجاد بالالة الغربية وبخاصة الأمريكية ويمكن حينئذ نجد أن مياه البحر الأحمر عبارة عن ساحة تسابق للنفوذ الشرقي والغربي (الروسي، الأمريكي).

3. أما دبلوماسيا فسيكون تأثير العلاقات الثنائية على السياسة الداخلية كبيرا لدرجة التشظي والانقسام، وقد تثير الشراكات الدولية الجدل في السياسة الداخلية للسودان وتسبب انقسامات داخلية حتى بين أبناء المعسكر السياسي الواحد كما حدث في قضية التطبيع مع إسرائيل.


- حينئذٍ سنجد أن تأثير هذه الخطوات على الاستقرار في السودان سيعتمد على كيفية تنفيذها وتفاعلها مع الظروف المحلية والإقليمية والانشغالات بالحرب الآنية، وقد تساهم العلاقات القوية مع روسيا إذا استغلت في غير الحرب والتسلح وتسابق الاجندات التمويلية لحرب السودان بالسلاح وحرب روسيا ضد أوكرانيا بالذهب، من المؤكد سنجني الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، من خلال دعم البنية التحتية ورفع القدرات التقنية، ولكن يجب إدارة هذه العلاقات بعناية لضمان عدم تأثيرها سلبًا على الديناميكيات الداخلية في السودان.



● ختاما: علينا التأكيد مرارا وتكرارا ألا سلطة لحكومة بورتسودان ولا شرعية ولا تأهيل وطني أو سياسي أو أخلاقي يمكنها من إبرام صفقات مريبة باسم السودان يضعها في صدارة الصراع الدولي، ولتجاوز من هذه التحديات، ينبغي أن ينتهج القائمين على حكومة الأمر الواقع من عسكريين ومدنيين والسدنة من القوى الأخرى منهجا يحقق:

1. صون وحماية واستقلالية سيادة التراب السوداني ويحافظ على سمائه وأرضه ومياهه، ويكفل للسودانيين والسودانيات الدعوة لسيادتهم على حقوقهم في الحفاظ على تلك المكتسبات التاريخية وعدم التفريط فيها.

2. التكامل والتوازن في العلاقات مع الآخر الاقليمي والدولي ويجب توخي التوازن في العلاقات مع دول أخرى لتجنب تحيز وتصعيد التوترات بما لا يدخل السودان في صراع وتقاطع ويحقق المصالح ويجنب المطامع ويؤمن الجميع من المخاوف.

3. عدم احتكار التعاون الإقليمي والدولي مع جهة واحدة أو معسكر بعينه، ويمكن للسودان تحقيق التعاون مع كافة الدول الإقليمية لضمان الاستقرار والسلام في المنطقة لأن لكل دول المنقة والعالم مصلحة في استقرار السودان وسواحله بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

4. أن ينتهج الجميع في حكومة الأمر الواقع ومعارضيهم منهج الشفافية والمشاركة فيما يلي العلاقات مع الآخر لأن ذلك يزيل كافة مخاوف ومحاذير المواطن السوداني، لذلك ينبغي أن تكون الاتفاقيات شفافة ومبنية على المشاركة المجتمعية لضمان دعم شعبي واسع.

5. ألا يترك الأمر الناتج عن هكذا اتفاقيات بيد العسكريين أو بينهم، ولا بد أن تتدخل كافة الجهات المعنية والمختصة في الحوار الدبلوماسي الرسمي والشعبي الروسي السوداني أو بين السودان وبقية الدول، واعتماد الحوار الدبلوماسي لحل النزاعات وتجنب التصعيد العسكري ومخاطبة كل أهل شأن لقضيتهم مع نظرائهم.

● أخيرا: أمامنا اتفاق سيعقبه آخر يجب أن تكشف تفاصيله للجميع ويرجأ تنفيذه لحين اعتماده من سلطة معترف بها، أو سيكون هذا المنهج أحد عوامل تدمير وفناء السودان وواحد من مفاتيح مغاليق الشرر المستطير للتدخل الدولي في أراضي ومياه وسماء السودان، لأن الاعتداء على (الروسي) لن يكون على بعد مئات الأميال منا في أوكرانيا وإنما سيكون في سواحلنا حال اقحمنا أنفسنا في دوامة الصراع هذه بدون وعي، يقودها فقط نزق العسكريين في السلطة وشبقهم في التسلح.


𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔