الخميس، 6 يونيو 2024

قانون المقاومة الشعبية- تقنين لتمرد قادم

 قانون المقاومة الشعبية - التقنين لتمرد قادم
● تسعى حكومة بورتسودان لتسريع إصدار تشريع يشرعن وجود ما سمي بالمقاومة الشعبية، وينبغي قراءة هذه الخطوة مع التاريخ القريب والمماثل لسن تشريع كهذا قام بتقنين دور جماعات حرس الحدود وانتقالها لوضع جديد تحت مسمى الدعم السريع والمصادقة عليه عبر برلمان سلطة النظام المباد، ولأن العقل الذي يدير البلاد هو ذات ذهنية السلطة المبادة وواجهاتها القانونية والتشريعية التي تمت استعادتها بعد انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، هاهم يكررون ذات الأخطاء بغية شرعنة مليشيات جديدة تأتمر بأمر أمراء الحرب ومنسقيها وقادة كتائبها، وجعل الأمر ذو صيغة مقبولة للمتسائلين من المحيط الإقليمي والدولي ومحاولة إضفاء بعض الشرعية عليه.

- ويبقى السؤال الملح، هل من مؤسسات شرعية لإجازة مثل هذا القانون؟ مع العلم أن المؤسسات المخولة بإصدار وكتابة هذه التشريعات من مستشاري وزارة العدل، والفقهاء الدستوريين في دوائر التشريع المختلفة، جميعهم خارج دائرة الدولاب ومؤسساتهم وإداراتهم في حالة غياب منذ اليوم الأول للحرب وبعضهم تم إبعاده منذ الانقلاب، وأتى بمن هم أهل الحظوة وعناصر التمكين من الإخوانيين، فضلا عن تمزيق المرجعية الدستورية (الوثيقة الدستورية) في أكتوبر ٢٠٢١م، فأصبح هذا التشريع بلا روافع مؤسسية ولا مرجعية دستورية، وإنما هو تفصيل يتناسب وسلطة الحرب وأجواء الاقتتال ويلبي أهواء الجنرالات.

- إن تقنين أوضاع الجماعات المتطرفة الخارجة عن القانون خلافا لكونه عملية خطرة فهو عملية حساسة ومعقدة نظرًا للتحديات الأمنية والسياسية المترتبة عليه، هذه الجماعات المسلحة "حاليا" و"المتمردة" لاحقا ونا تفرزه من ميليشيات غير نظامية بدأت منذ تكوينها تنشط خارج إطار القانون، وتسببت في فظائع وجرائم لم يجروء أحد على ذكرها أو مساءلة مرتكبيها حتى من قيادة الجيش.

- وحتما ستحقق هذه التشريعات عكس مقاصدها، لأنه إذا كان الغرض فرض القانون والنظام، فالواجب إنهاء الحرب أولا واستعادة الوضع الدستوري ومن ثم سن قوانين دستورية صارمة يمكن أن توفر الإطار القانوني الضروري لمحاسبة هذه الجماعات واستعادة النظام والأمن في المجتمع.

- وإن كان القانون المراد منه الحفاظ على الأمن، فإن التسامح مع هذه الجماعات المتطرفة وواجهاتها الخارجة عن القانون يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الجريمة وتعطيل الأمن العام، لذلك تقنين أوضاعها ينبغي أن يكون بشكل دستوري شفاف ونزيه وصحيح يمكن أن يساهم في تحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي، أما الطريقة الحالية فهي تزيين الباطل والبناء على الهواء دون عمد دستوري أو قانوني.

- وكذلك لن يوقف هذا التشريع ويمنع الانتهاكات الحقوقية التي تمارسها هذه الجماعات لأنها منحت صلاحيات تقنن الاننهاك كاستعادة صلاحيات جهاز المخابرات العامة، وكفتاوى شيوخ السلطان التي تخول لهم فعل كل ما هو مخالف للأعراف والتقاليد والأديان وتنصبهم أنهم خلفاء الله في الأرض القائمين على الغير بالحجة، والواجب هو الاتفاق محليا وإقليميا ودوليا على برامج التقنين هذه مع الكافة حينئذ فقط يمكن أن تحد السلطة المعترف بها من انتهاكات حقوق الإنسان التي قد تقع من قبل هذه الجماعات، وبالتالي تحمي حقوق المواطنين وتبسط سيادة حكم القانون، أما اختيار التوقيت الحالي وفوضى الحرب لإصدار هذا التشريع فهو تشجيع وشرعنة لممارسة المزيد من الاننهاكات بفوضى السلاح.

● ختاما: إن أخطر ما يمكن أن تتسبب فيه مثل هذه التشريعات والقوانين الحيلولة دون التحول نحو السلام وتحقيق العدالة والمصالحة، لأن بعض هذه الجماعات المسلحة سترى أن لها امتياز دستوري على أخرى وحصانات تمنعها وقادتها وأمراءها من الملاحقات الجنائية أو الدولية، والواجب هو التفكير في تحويل كافة الجماعات المسلحة السابقة واللاحقة لكيانات مدنية تتجه نحو المشاركة في الحياة السياسية بعد تقنين أوضاعها عبر عمليات الدمج والتسريع المتوافق عليها، وهذا الأمر وحده سيدعم تنمية البلاد وسيسهم في استقرارها ويدعم تحقيق عملية العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

الثلاثاء، 4 يونيو 2024

محاولات إرغام (الكومة) على الانحياز أو الإبادة

محاولات إرغام (الكومة) على الانحياز أو الإبادة

● يثار حديث تحريضي كثيف هذه الأيام من أبواق الحرب لضرب منطقة الكومة شمالي دارفور، وقد استجاب مغامرو سلطة الأمر الواقع في بورتسودان لإصدار تعليماتها للطيران الحربي لقصف الكومة حجراً وشجرًا ومدرًا وبشرًا، ولم يكن الأمر عرضيا لمرة أو مرتين بل تجاوزه لخمس مرات أصيب على إثرها عدد من المواطنين ومواشيهم ومرافقهم.

- هذا الأمر يفهم عملياتيا إذا كانت الكومة واحدة من معسكرات الدعم السريع أو بها واحدة من مرافقه ومؤسساته، ولكن السلطة التي تحكم المنطقة حتى اليوم سلطة الخرطوم بمعتمد مكلف من حكومة الولاية، وتسير الشرطة أنشطتها وبها محكمة مختصة وتبنت الإدارة الأهلية فيها قرارا برفض الحرب ومنعت نقل أنشطتها وآلياتها للمدينة التي تغص بآلاف النازحين الأبرياء الذين هرعوا إليها من كافة المناطق المحتربة.

- الغريب في الأمر أن سلطة الحرب وعلى رأسها البرهان تعلم يقينا أنها تقصف منطقة يقاتل أحد أبنائها في صفوفه في حامية الفاشر العقيد أركان حرب آدم عمر وهو بن اخت الفريق الركن آدم حامد موسى أحد قادة الجيش الذين خدموا القوات المسلحة وتدرجوا في سلكها العملي والعملياتي إداريين ومقاتلين، واليوم يكافأ أهله على خدمته الطويلة الممتازة بالقصف الجوي.

- وليتكامل الدور العملياتي مع التجفيف والتجريف الإداري أصدر والي ولاية شمال دارفور المكلف الأستاذ. الحافظ بخيت محمد يوم الأحد الموافق الثاني من يونيو الجاري قراراً قضى بموجبه إعفاء كل من المدير التنفيذي لمحلية "الكومة" السيد مبارك محمد آدم صالح والسيد سيدو إسحاق منان عبدالرحمن المدير التنفيذي لمحلية "الواحة"، ومن نافلة القول الإشارة إلى أن المحليتين المستهدفتان متهمتان بينهما حواضر اجتماعية للدعم السريع، في الوقت الذي يؤم الكومة غالبية مدنية مم نازحين أبرياء من مختلف الأعراق والاثنيات.


- إن هذا الهدم المؤسسي والتداعي لظل الدولة الذي بدأ بالخرطوم وانتقل إلى ولايات الجزيرة ودارفور وغرب كردفان يوضح خطورة هدم الأنظمة الدكتاتورية للسلطة الإدارية في الأقاليم النائية، حتى تلك التي لا زالت تسير ضمن دولاب الدولة وأنظتمته الحاكمة وتشريعاته المعتمدة، وما سيسببه هذا الشغور الإداري المتعمد وتأثير هذه القرارات على الأمن والاستقرار في المنطقة.

- الواضح أن حالة العجز التي تملكت البرهان وحاكم إقليم دارفور للسيطرة على مقاليد الحكم وبسط سلطة الدولة أوعزت إليهم هدم سلطتهم ونقض غزلهم بأيديهم، وهذا الأمر من الخطورة بمكان ويمكن أن يكون له تأثير كبير على السلطة الإدارية في الأقاليم النائية، هذا التأثير لن يكون إيجابيًا إطلاقا بل سلبيًا محضا، وهذا الأمر يمهد لإصدار إجراءات آحادية لتنفيذ الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد المتوقع.

- وهناك الآن عدد من التحديات الإدارية بعد الهدم، منها فراغ السلطة وشغور كرسي الحكم السياسي والقضائي والإدارة التنفيذية وسلطة الشرطة، وهو أمر يوجب ملء هذا الفراغ بشكل فعال للحفاظ على استقرار ليس الكومة فحسب بل كل الأقاليم النائية، وهذا سيجعل من المناطق المستقر مجالا خصبا للاحتراب والاستقطاب.

- ما تقوم به سلطة الأمر الواقع يوضح تخبطا تشريعيا قوميا وسيولة وضع مترهل غرقت فيه سلطة مناوي التي لم يشرع لها قانون حكم ولائي أو محلي وظلت تمارس عسفها بمزاجية جنرالات المعركة ولوردات الحرب دون الاكتراث لتغيير القوانين واللوائح والتشريعات الحاكمة فقد كانت هناك حاجة ماسة لتعديل القوانين واللوائح لتناسب النظام الجديد للإقليم قطع الطريق أمامها مناوي بتآمره وتضامنه مع قادة إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، ومن ثم حرب أبريل ٢٠٢٣م، وهذا الأمر يتطلب جهدًا إداريًا كبيرًا ووعيا سياسيا وإرادة صادقة من حكما

- إن مثل هذه الهجمات العسكرية والتجربفات الإدارية ذات تأثير بالغ على الأمن والاستقرار، ليس في الكومة وحدها بل على السودان وإقليم دارفور فالكومة عنق زجاجة دارفور ومربطها مع بقية أقاليم السودان كردفان والشمالية، وأي اضطراب فيها سيقود لتصاعد التوتر الاجتماعي، إذ أن طابع هذه القرارات الولائية أخذت منحا إثنيا في ظرف دقيق يسهل عمليات الاصطفاف الجهوي والقبلي، ويخرج سكان المنطقة إرغاما من دائرة الحياد الإيجابي الداعي للسلم والاستقرار والرافض للحرب.

● ختاما: في ظل غياب أو تغييب سلطة الدولة يجب أن تتخذ السلطات المحلية الإدارية والإدارات الأهلية قرارات شجاعة بعدم إخلاء أي موقع إلا لجهة مسؤولة تستلمه وتساءل عنه وتضطاع بمسرولياته وقد مثلت حكمتهم في الفترة السابقة ترياقا للانزلاق في أتون الحرب الحالية المدمرة، وواجب الادارة الأهلية والكيانات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني اتخاذ كافة التدابير والإجراءات للحد من هذا التوتر والحفاظ على الأمن والاستقرار الذي لا زالت تنعم به الكومة وعشرات الآلاف من النازحين فيها وتواصل دورها الحميد والمسؤول في تجنيب المنطقة فتن التحريض الاثني التي تقودها أيادي الفتنة التي تنشط من الجهات المتحاربة، لذلك الرشد مطلوب بشدة، خاصة أن أي اضطراب فيها سيشكل عبئا إنسانيا مضاعفا على أهلها وضيوفها وسيتسبب في تبعات اقتصادية بعد الهدم الإداري لن يتضرر منها أهل الكومة فحسب بل كل المحليات المرتبطة بها والولايات التي تتأثر بحركة القوافل عبورا وحتى التجارة القادمة من خارج الحدود، وهو ما يوجب أن تتخذ الإدارات الأهلية والسلطات الإدارية ومنظمات المجتمع المدني إجراءات فعالة ومباشرة وجريئة للحفاظ على ما تبقى من مكاسب الإقليم ككل و الكومة على وجه الخصوص من النواحي الإنسانية والاقتصادية والإسهام في تحسين الظروف المعيشية عبر استدامة الاستقرار ومنع المنطقة من التدمير والانهيار.


𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔