الخميس، 1 أغسطس 2024

اعتقال جادين تحذير لخطر استمرار الاعتقالات التعسفية

اعتقال جادين تحذير لخطر استمرار الاعتقالات التعسفية
𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● مع تصاعد حدة الصراعات السياسية والأمنية في السودان، تزايدت وتيرة الاعتقالات التعسفية التي تستهدف المدنيين، أصبح المشهد السياسي أكثر تعقيدًا، وأحدثها كان اعتقال المهندس جادين علي عبيد، وزير الطاقة السابق وعضو المكتب السياسي لحزب الأمة القومي، الذي تم اقتياده إلى جهة غير معلومة من قبل السلطات الأمنية في ولاية النيل الأبيض بواسطة قوة من الملثمين عرفت في الولاية بالعمل الخاص، على متن عربتين فتح لهم السيد الوزير الباب ليسألوه عن شقيقه الأستاذ منصور علي عبيد الذي غادر المنطقة بعد التضييق عليه وهو الذي كان يقود مبادرات مجتمعية تخدم النازحين واللاجئين وتعين في ملفات خدمية إنسانية بعيدة كل البعد عن النشاط السياسي، وما أن عرفوا أن الأخير غير موجود حتى طلبوا من السيد الوزير الذهاب معهم إلى المجهول، هذا الحدث يثير مجددًا قضايا حقوق الإنسان والعدالة في بلد سعى لفترة طويلة إلى تحقيق الديمقراطية والاستقرار، وفي منطقة اكتوت مرارا من الانتهاكات، فالجزيرة أبا نالت وأبناؤها من الضيم ما لم تنله بقاع الأرض مجتمعة ونكل بإنسانها وأفقر وقتل وسحل وعذب واختطف وفعل به ما لم يفعل بشعب من الشعوب.

- إن الاعتقالات التعسفية تعبّر عن انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وتسيء إلى سمعة حكومة الأمر الواقع ومؤسساتها المركزية والولائية، فمن المهم أن ندرك أن التعامل مع الرافضين للحرب أو المعارضين أو المنتقدين بالأساليب القمعية لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمات وخلق مناخ من الخوف والقلق، عندما يُعتقل أفراد من المجتمع السياسي المدني بشكل غير قانوني، فإن ذلك يمثل تهديدًا آخر لدعائم دولة القانون الغائبة ويرسخ فوضوية النظام الأمنجي في المركز والولايات، ويؤثر سلبًا على الثقة في المؤسسات القائمة ويجعل من الوضع أكثر احتقانا مما هو عليه، فجادين ليس شخص فهو كيان ومجتمع ومنطقة كاملة تتداعى متى ما ألم بأحد منها ألم.

- حتما تؤدي هذه الممارسات إلى زيادة انعدام الاستقرار والذعر في صفوف المواطنين ولكن أهل أبا أقدر على التعاطي مع هذا الأمر بالطريقة التي يعرفونها، ومثل هذه التصرفات لن تثنيهم عن موقفهم ومبادرتهم الوطنية الرافضة للحرب ولكنها ستزيد من حدة الانقسام الاجتماعي والسياسي، فبدلاً من معالجة القضايا والخلافات بالحوار والتفاهم، تلجأ سلطات عمر الخليفة إلى أساليب قمعية تؤجج المشاعر السلبية وتنمي الكراهية وترفع درجات السخط على أجهزة الولاية.

- علينا أن ندرك أن الاعتقالات التعسفية ليست فقط حدثًا عابرًا؛ بل لها تداعيات خطيرة على المستوى الإقليمي والدولي، وجادين ليس شخصا بسيطا انزوى في الجزيرة أبا بل هو من الوزراء الذين فتحوا السودان لآفاق عالمية وارتبط اسمه باتفاقات طاقوية مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وألمانيا وحتى تركيا، وقاد أكبر عملية تطوير لقطاع الطاقة والنفط في فترة وجيزة ومهد لانطلاق طاقوي سوداني قطعه الإنقلاب، لذلك بذها الاعتقال ستفتح السلطة القائمة جحيما إقليميا ودوليا يندد بالانتهاكات التي تمارس ضد هؤلاء الخبراء المهنيين الأكفاء من أبناء الوطن. فالتاريخ يثبت أن الأنظمة القمعية لا تستطيع الاستمرار على المدى الطويل، وغالبًا ما تؤدي هذه الممارسات إلى عزل السودان مجددا عن المجتمع الدولي وزيادة الضغوطات الخارجية.

- أقولها وبالصوت العالي إن مصلحة السودان تتطلب السير في عكس هذا الاتجاه، وينبغي على جميع الأطراف المتحاربة الالتزام بحقوق الإنسان والحوار والتفاهم، ورفع سيف الاعتقالات التعسفية عن رقاب المدنيين، والعمل على بناء مناخ من الثقة والأمان، فيه يتمكن الجميع من التعبير عن آرائهم ومصالحهم دون خوف من العواقب، ويقودون مبادرات تخفف من وطأة التضييق الإنساني والغذائي والدوائي وتساعد الضعفاء والمتضررين والفارين من الحرب.

● ختاما: إن هذا النهج الأمنجي واستمرار الاعتقالات التعسفية لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمات، ويزيد من تعقيد الوضع السياسي، وسيرفع درجة الاحتقان في الجزيرة أبا والنيل الأبيض ويرفع درجة التضاد والتدابر بين السلطة والمواطنين أكثر مما هو كائن، فدعونا نتحد جميعًا لنرفض هذه الممارسات، ونعمل من أجل بناء سودان يتمتع مواطنوه بالحرية والكرامة للجميع على حد سواء وأن يكون القانون هو الحاكم لا الأهواء والأمزجة وسذاجة الحكامين، إن طريق التقدم يتطلب منا جميعًا الإصرار على تحقيق العدالة وحقوق الإنسان، فالعزة والكرامة لا تأتي من قمع الأصوات بل من الاستماع إليها وتقديرها والمعركة ميدانها ليس بيت جادين علي عبيد أو إخوته أو أهله فهم ليسوا مقاتلين أو حملة سلاح وإنما سلاحهم العلم والكلمة والمنطق وقوة الحجة، فسارع يا عمر الخليفة بكف أيدي عصاباتك عن جادين وملاحقة أخيه، واعلم أن السبيل للسيطرة على الجزيرة أبا وسكانها وأهلها وقادة حزب الأمة القومي فيها جربها من سبقوك بقوة السلاح والرصاص وعجزوا وخاب فألهم وارتد مكرهم عليهم، ونحن على موعد قريب من الانعتاق والحرية والكرامة في طريق ثورة لم تخب جذوتها ولم يخب من استمسك بعراها الثلاث: (الحرية السلام العدالة) وخاب من عاداها وخسر خسرانا مبينا.



╭┈ *𝙊𝙧𝙬𝙖 𝘼𝙡.𝙎𝙖𝙙𝙞𝙜* ─ ೄྀ࿐ ˊˎ-
╰┈➤ ❝[ *𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔*] ❞

الأربعاء، 31 يوليو 2024

محاولة الاغتيال - منظور استراتيجي

محاولة الاغتيال - منظور استراتيجي

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● أثارت المحاولة الأخيرة لاغتيال الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، تساؤلات وتكهنات كبيرة، إذ يرى بعض المراقبين أن هذا الحادث تم تنسيقه كجزء من استراتيجية سياسية أكبر، وفي هذا المقال سنستكشف الدوافع المحتملة وراء محاولة الاغتيال وتداعياتها على الشأن السوداني.
 
- ظل الفريق البرهان شخصية مركزية في الحكومة الانتقالية في السودان منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في عام 2019، وكان دوره في ترتيب تقاسم السلطة مع القادة المدنيين حاسماً في انتقال البلاد نحو الديمقراطية،  لكن الأحداث الأخيرة ألقت بظلالها على هذا التوازن الدقيق، وعصفت بأحلام وشعارات الثورة، ومثلت جريمة فض الاعتصام أولى نقاط اهتزاز الثقة المدنية العسكرية.

- تدرج الأمر وصولا إلى اعتراض مسيرة وأنشطة الحكومة المدنية إلى أن تم الإجهاز على بعض تلكم الثقة بانقلاب أكتوبر ٢٠٢١م،  الذي قاد إلى انفراد وعناد سلطوي باطش وغاشم ومستبد، نكل بالمدنيين وسامهم سوء العذاب وأنهك اقتصاد البلاد وفتح الباب لعودة عتاة عناصر الحزب المحلول، الذين سخرت لهم إمكانيات الدولة وعدتها وعديدها، وتمكينا في القرار العسكري والسياسي والأمني وسلك القضاء والنيابة ووزارة العدل، وجاهد البرهان جهادا كبيرا في سبيل تطمينهم واستعادة ثقتهم فيه بعد اضطرابها خلال فترة الثورة والحكم الانتقالي.

- البديهي أن توجه كافة أصابع الاتهام للدعم السريع الذي ظل موضع الشك حول جميع المحاولات السابقة التي استهدفت تحركات مماثلة ومشاراكات في فعاليات يحضرها البرهان، في شندي والقضارف وكنانة وكوستي، وجميعها ظلت مجهولة المصدر والتحليل والنتائج، وإذا تم التسليم بهذه الفرضية فإمكانية وصول لمسافات تزيد عن الألف كيلومتر من أقرب ارتكاز للدعم السريع يعني أن هناك اختراق كبير للمنظومة الأمنية للبرهان في دوائر حمايته الشخصية واستخبارته العسكرية.

- ولكني أرى الآن وصل الأمر إلى محطة جديدة وهي محطة تضعضع معسكر الحرب وتقسمه، بعد بروز أصوات داعية للاستجابة لمبادرات السلام، وفي رأيي أن هناك من يريد قطع هذا الطريق، بسد أي سبيل للمضي إلى السلام بإرسال رسالة للبرهان أننا نعرف تحركاتك وعربتك وطائرتك وحراساتك، ونستطيع الوصول إليك في أي وقت حال مضيت نحو السلام وصرح بذلك أحد مشعوذي معسكر (الحربجيــــــة) قبل ساعات من محاولة الاغتيال وهدد البرهان بصورة مباشرة، وهناك نظرة مغايرة وهي أن الأمر عمل استخباراتي داخلي لإعادة ترتيب أوضاع البرهان المأزومة واستعادة تمركز قوي لمعسكر الحرب.

- في رأيي أن النظرة الاستخباراتية للعملية المدبرة والتي تفترض أن محاولة الاغتيال كانت عملية داخلية تهدف إلى الفشل عمدا وتحقيق خسائر طفيفة، تمثل حجة مشفوعة بمبررات موضوعية، وهنا أتقدم فيما يلي بالنقاط الرئيسية التي تدعم هذه الحجة:

 1. إصرار على الانفراد بالسلطة واستمرار قمع الحريات والثورة وذلك من خلال خلق جو من الخوف وعدم الاستقرار، يمكن استخدام عملية الاغتيال الفاشلة لتبرير زيادة الإجراءات الأمنية، وتقييد الحريات المدنية، وقمع المعارضة، وقد تحاجج الحكومة بأن مثل هذه التدابير ضرورية لمنع وقوع المزيد من الهجمات.

 2. حشد الدعم العام والتأييد بمحاولة اغتيال فاشلة ستثير المشاعر العامة، وسيلتف المواطنون حول الجنرال البرهان، وينظرون إليه كرمز للصمود في مواجهة التهديدات الخارجية، وسيجمع حوله رأي عام من إدارات أهلية وسياسيون سيتسابقون لإصدار بيانات تأييد وإدانة، وهذا سيقوي موقف البرهان داخل الحكومة ومعسكر الحربجيــــــة.

 3. تبرير استمرار الجهود الحربية وستكون هذه المحاولة الفاشلة بمثابة صرخة حاشدة لمواصلة الجهود العسكرية، وسيحاجج المؤيدون لاستمرار الحرب بأن البلاد لا تزال تحت التهديد، مما يستلزم حشدا ورداً عسكرياً قوياً حاسما، وهذا من شأنه أن يزيد نفوذ الجيش في عملية صنع القرار ويجعله الأوحد الفرداني المتحكم في القرار.

 4. تبرير التدابير الأمنية القادمة، والتي ستتيح للحكومة استخدام الحادث لتبرير بروتوكولات أمنية جديدة أكثر صرامة وقسوة وتخندق، بما في ذلك الاعتقالات والمراقبة والاغتيال والتصفية لمجرد الشك، وهذا من شأنه أن يبسط سيطرة مطلقة للبرهان على الأجهزة الأمنية ويؤكد رواية الأزمة الأمنية المستمرة ويبرر أي إجراءات أمنجية، ولكننا لن نسمع بلجنة تحقيق في هذه المحاولة تكشف نتائجها للرأي العام ولن نرى قائد قوة الحماية الخاصة بقائد الجيش في منضدة الاستجواب.

 5. هذه فرصة لتجنب المشاركة في مبادرات السلام وتثبيط همم الداعين لمفاوضات السلام، تصرف الانتباه عن المحادثات الجارية والمزمع عقدها في حنيف منتصف أغسطس وفرصة أيضا للاعتذار عن المشاركة في أي قمة، حينها ستحاجج الحكومة عبر الخارجية بأن الاستقرار والأمن لهما الأسبقية على السلام في هذا المنعطف الحرج الذي يهدد حياة رأس الدولة، كما حاججوا بمسألة الكرامة والسيادة ورفض لقاء المبعوث الأمريكي في مطار بورتســــــودان.

 6. إعادة بسط هيمنة السلطة الآحادية من خلال إظهار قدرتهم على إحباط مثل هذه المحاولات، حينها ستبسط حكومة الأمر الواقع سلطتها وسيطرتها على كافة أدوات السلطة ومفاصل الدولة، وهو الأمر الذي سيبعث برسالة مفادها أنهم ما زالوا في السلطة بثبات على الرغم من التحديات التي تواجههم.

● خاتما: هذه النظرية افتراضية وتخمينية، أسلط بها الضوء على الشبكة المعقدة للمناورات الإخوانية السياسية والأمنية الموروثة في السودان، والتي رأيناها قبيل انقلاب أكتوبر في جبرة، وقبيل الحرب في أبريل ٢٠٢٣م، ورغم ما نشهده من انغماس في العوز والفقر والموت، وأن تتصارع البلاد مع التحديات الاقتصادية والتوترات الإقليمية والتوازن الدقيق بين القيادة المدنية والعسكرية، فإن أحداث مثل محاولة اغتيال البرهان تستحق الوقوف عندها والتدقيق الدقيق في مراميها ومآلاتها، وسيظل الوقت وحده كفيل بكشف الدوافع الحقيقية وراء هذه الحادثة، لكن تأثيرها على البرهان في شخصه وفي المؤسسة العسكرية وعلى الشأن السوداني لا يمكن تجاهله، لأننا سنشهد برهانا جديدا، وتوجها عسكريا وسياسيا لا يمكن تخيله.

╭┈ *𝙊𝙧𝙬𝙖 𝘼𝙡.𝙎𝙖𝙙𝙞𝙜* ─ ೄྀ࿐ ˊˎ-
╰┈➤ ❝[ *𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔*] ❞