السبت، 3 أغسطس 2024

التصدع والإنقسام وأثره على مباحثات السلام

التصدع والإنقسام وأثره على مباحثات السلام

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● الحالة التي تعيشها البلاد حاليًا حرجة للغاية وسوق متحرك للتحولات السياسية والاجتماعية والتوسعات العسكرية، تتفاقم وتتفاعل معها الكيمياء الداخلية للكيانات وقد برزت الخلافات داخل حزب المؤتمر الوطني المحلول، وهي ليست جديدة فهي دأبه منذ عام 1989م حتى سقوط نظامه 2019م، وترتب على الأمر نشوء تيارات داخلية اتخذت العنف والانقلاب سبيلا أوحدا لتصفية الحسابات، وفي ذلك هناك عمليات اغتيال مشهورة ومشهودة وكذلك عمليات اعتقال آخر ضحاياها كان الاعتقال التبادلي بين صلاح قوش وعبد الغفار الشريف كل منهما اقتص من الآخر، وازداد الخلاف في نهاية نوفمبر 2019م، عندما أصدرت السلطات الانتقالية السودانية قانونًا ينص على حل حزب المؤتمر الوطني واسترداد أمواله المنهوبة ومنع رموزه من ممارسة العمل السياسي لعشر سنوات على الأقل، قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو الذي دفع الحزب المحلول وقياداته إلى الزاوية.

● ومنذئذ رأى البعض بضرورة الإنحناء للعاصفة والعمل على إجراء مراجعات فكرية وسياسية واعتذار عن أخطاء الماضي والإذعان للثورة، فيما رأى تيار "مكابر" كبير ضرورة استعادة الفردوس المفقود مهما كلف الثمن ولو بقوة العنف والسلاح واستخدام أدواتهم "العنفية" المجربة، ونادوا بعدم الركون أو الاستسلام للثورة، وانخرطواا في العمل على إفشالها وتجربم رموزها وخلق حالات السيولة الاقتصادية والأمنية والفوضى الاجتماعية، وهذا كان له تأثير كبير على اندلاع الخلافات في الجيش السوداني ومعسكري دعاة الانتقال المدني واستمرار عسكرة الحكم، واستمر الأمر إلى يومنا هذا متمظهرا في دعاة استمرار الحرب والمنادين بالسلام.

● وبات مؤكدا أن تلك الخلافات داخل الحزب المحلول قد أثرت على الجيش السوداني من أعلى هرمه إلى أدنى المستويات التراتيبية، خاصةً في ظل تجاذبات مناطقية وجهوية وإثنية بين عناصر الحزب المختلفة داخل الجيش والتنظيم السري في صفوفه، وقد أدى ذلك الانقسام إلى تشتيت الجهود والتركيز على الصراعات الداخلية بدلاً من التركيز على القضايا الوطنية والأمنية، حتى انفرط العقد الأمني واندلعت الحرب بضراوة في ظل ارتفاع أصوات (الحربجيــــــة) وخفوت الأصوات الداعية للسلام والاستقرار، وهذا أثر على مواقف دعاة استمرار الحرب ومعسكر السلام، وظل يعيد باستمرار تشكيل توجهاتهم وتحالفاتهم الداخلية والخارجية ففي الوقت الذي يتجه بعض قيادة الوطني ورجال الجيش "غربا" نحو روشتة السلام الأمريكية، يتجه جنرالات آخرون وعناصر من الحزب المحلول "شرقا" يستظلون بأسلحة طهران ودعم موسكو المنتظر. وحتما سيؤدي هذا الانقسام إلى مزيد من "تقويض" جهود السلام أو "تعقيد" الوضع الأمني، وبالتالي تفاقم الأزمات الإنسانية و الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وسيطول انتظار المواطن المغلوب على أمره للحسم العسكري أو الوصول لاتفاق سلام شامل عادل يعيده إلى دياره.

● وهنا تبرز القضايا المتعلقة بفهم قادة المؤسسة العسكرية السودانية لتحركات المجتمع الدولي الداعية للسلام من العوامل المحورية التي تؤثر على مجريات الأحداث السياسية والأمنية في السودان. فقد تحكمت علاقات الحزب المحلول بالمؤسسة في قراراتها، واتسمت سيطرة المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم بعد الثورة الشعبية بتوجهات متباينة، مما أعاق التوصل إلى حل سياسي شامل، وقطع الطريق أمام الانتقال المدني الديمقراطي بانقلاب أكتوبر 2021م وبدد مكاسب الحكومة الانتقالية.

● مثل قصور الفهم أهم أشكال الفهم المتواضع الذي تمثل في تجاهل التحولات الدولية، فقد ظل قادة المؤسسة العسكرية منغمسين في أجندة التنظيم والحركة ولا يدركون تماماً عمق التحولات الدولية التي تؤثر على الأوضاع الداخلية في السودان، ولا الدور الذي لعبه الإقليم والمجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والسعودية، وقد ظل الجميع يسعون إلى استقرار السودان عبر تحقيق السلام، لكن قادة المؤسسة العسكرية قيدتهم أغلال التنظيم ولم يلتقطوا إشارات الدعم الدولي بتفاصيله وأبعاده التي تشمل مجموعة من المؤشرات والإجراءات التي تشير إلى تأييد المجتمع الدولي للجهود والسياسات المعنية بالانتقال وانتهجتها الحكومة السودانية وقتذاك، وتُعَد هذه الإشارات المتواصلة إلى يومنا هذا إيماءات مهمة في توجيه الدعم لتحقيق السلام واستعادة الانتقال السياسي والاقتصادي وهنا بعض التفاصيل والأبعاد المتعلقة بدعم المجتمع الدولي للسودان المرجو حال مضينا للسلم طوعا، وهي:

١. وقف الانتهاكات وإلجام المتفلتين وفتح الباب لملاحقة العناصرة المؤججة للعنف في السودان، وتوفير آليات فنية ولوجستية للحد من الجرائم ورصد الفظائع المرتكبة والتحقيق الشفاف فيها وتسهيل إمكانيات توصل للضحايا والمتضررين، وتوفير أدوات توقف الجريمة العابرة للحدود، والحد من انتشار المنهكات الوطنية الاقتصادية والمهددات الأمنية والمدمرات الاجتماعية، ووقف الضرر البيئي المترتب على الحرب، وتهيئة مواعين العدالة وتأهيلها للمحاكمات التي لا تمكن من الافلات من العقاب.
٢. استئناف المساعدات المالية والإنسانية وتقديم قروض ميسرة من المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لدعم الانتقال الاقتصادي في السودان، وتوجيه المساعدات الإنسانية لتلبية الاحتياجات الملحة للسكان، خصوصاً في الأوقات التي تشهد فيها البلاد أزمات مثل الحرب الحالية والجفاف والنزاعات والكوارث الطبيعية.
٣. استعادة الاعتراف الدبلوماسي وكسب تحركات من الدول الكبرى لتطبيع العلاقات مع السودان وتقديم اعتراف رسمي بالنظام القادم على النحو الذي كان في الحكومة الانتقالية، واستئناف زيارات من رؤساء ووزراء الخارجية أو ممثلين من الدول الكبرى لتقديم الدعم المعنوي والتشجيع على المضي قدما في عمليتي السلام والانتقال.
٤. استرجاع اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري وتوفير الدعم لتدريب القوات المسلحة المهنية الموحدة أو القوى الأمنية والشرطية المحلية لدعم الاستقرار، وإرسال مراقبين دوليين لمراقبة أنشطة الحكومة التأسيسية والعمليات العسكرية لضمان الشفافية وصون حقوق الإنسان وحماية عملية السلام.
٥. الدعم السياسي باستخدام الضغط من قبل الدول الكبرى لتشجيع الأطراف المتنازعة على الحوار والتفاهم، ودعم جهود الوساطة بين الحكومة والجماعات المناهضة للحرب والمنادية بإيجاد حلول سلمية، وكف أيادي العبث الخارجي بالسودان وموارده.
٦. شرعنة النظام القادم والحكومة وتمكينها من المشاركة في المؤتمرات الدولية والمحافل مثل درات انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة واجتماعات هيئاتها ووكالاتها، مما يحقق شرعيتها الدولية ورفع إجراءات التقييد المقررة عليها، ودعم محادثات السلام وحقوق الإنسان وتنفيذ الاتفاقيات والبروتوكولات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
٧. المساعدة التقنية ونقل التكنولوجيا والمعرفة وتقديم المساعدة الفنية في مجالات عسكرية وتعليمية وخدمية مثل إدارة المياه، الزراعة، والصحة العامة، والطاقة المستدامة، وبناء القدرات والتدريب على الإدارة الحكومية الفعالة والمشاركة المدنية.

● ختاما: هذه السبع "جزرات" كفيلة بدفع حكومة الأمر الواقع والجيش السوداني للمضي بثبات لقطع حبله السري بينه وبين الحزب المحلول وحركته، والذهاب لما يحفظ كرامة السودانيين ويصون وحدة التراب ويهيء لمسار تعافي وتصافي وطني، وهو أمر يتطلب منا استيعاب موقف المؤسسة العسكرية السودانية في المباحثات القادمة العميقة وحثها على الحلي بالمسؤولية في فهم الديناميات الدولية والسعي نحو تحقيق سلام شامل يضمن للجميع حقوقهم وطموحاتهم، وعلى القادة العسكريين إعادة تقييم استراتيجياتهم والتحلي برؤية تتماشى مع احتياجات المواطن البسيط الذي ينادي بالسلام وتلبي مطالبه في العيش الكريم، وتستوعب تلك الاستراتيجيات مطلوبات المجتمع الإقليمي والدولي لضمان المشاركة الفعالة في مباحثات جنيف وتحقيق استقرار دائم في السودان بضمانات حقيقية وهي الفرصة الأخيرة لإلجام التمددات العسكرية واتساع دائرة العمليات الحربية، وكذلك لوقف سيناريو الحرب الأهلية والتدخل الدولي ودخول جماعات الغلو والتطرف بالوجه الدموي القبيح في المشهد بصورة أشد وأبطش.

╭┈ *𝙊𝙧𝙬𝙖 𝘼𝙡.𝙎𝙖𝙙𝙞𝙜* ─ ೄྀ࿐ ˊˎ-
╰┈➤ ❝[ *𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔*] ❞

الخميس، 1 أغسطس 2024

اعتقال جادين تحذير لخطر استمرار الاعتقالات التعسفية

اعتقال جادين تحذير لخطر استمرار الاعتقالات التعسفية
𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● مع تصاعد حدة الصراعات السياسية والأمنية في السودان، تزايدت وتيرة الاعتقالات التعسفية التي تستهدف المدنيين، أصبح المشهد السياسي أكثر تعقيدًا، وأحدثها كان اعتقال المهندس جادين علي عبيد، وزير الطاقة السابق وعضو المكتب السياسي لحزب الأمة القومي، الذي تم اقتياده إلى جهة غير معلومة من قبل السلطات الأمنية في ولاية النيل الأبيض بواسطة قوة من الملثمين عرفت في الولاية بالعمل الخاص، على متن عربتين فتح لهم السيد الوزير الباب ليسألوه عن شقيقه الأستاذ منصور علي عبيد الذي غادر المنطقة بعد التضييق عليه وهو الذي كان يقود مبادرات مجتمعية تخدم النازحين واللاجئين وتعين في ملفات خدمية إنسانية بعيدة كل البعد عن النشاط السياسي، وما أن عرفوا أن الأخير غير موجود حتى طلبوا من السيد الوزير الذهاب معهم إلى المجهول، هذا الحدث يثير مجددًا قضايا حقوق الإنسان والعدالة في بلد سعى لفترة طويلة إلى تحقيق الديمقراطية والاستقرار، وفي منطقة اكتوت مرارا من الانتهاكات، فالجزيرة أبا نالت وأبناؤها من الضيم ما لم تنله بقاع الأرض مجتمعة ونكل بإنسانها وأفقر وقتل وسحل وعذب واختطف وفعل به ما لم يفعل بشعب من الشعوب.

- إن الاعتقالات التعسفية تعبّر عن انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وتسيء إلى سمعة حكومة الأمر الواقع ومؤسساتها المركزية والولائية، فمن المهم أن ندرك أن التعامل مع الرافضين للحرب أو المعارضين أو المنتقدين بالأساليب القمعية لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمات وخلق مناخ من الخوف والقلق، عندما يُعتقل أفراد من المجتمع السياسي المدني بشكل غير قانوني، فإن ذلك يمثل تهديدًا آخر لدعائم دولة القانون الغائبة ويرسخ فوضوية النظام الأمنجي في المركز والولايات، ويؤثر سلبًا على الثقة في المؤسسات القائمة ويجعل من الوضع أكثر احتقانا مما هو عليه، فجادين ليس شخص فهو كيان ومجتمع ومنطقة كاملة تتداعى متى ما ألم بأحد منها ألم.

- حتما تؤدي هذه الممارسات إلى زيادة انعدام الاستقرار والذعر في صفوف المواطنين ولكن أهل أبا أقدر على التعاطي مع هذا الأمر بالطريقة التي يعرفونها، ومثل هذه التصرفات لن تثنيهم عن موقفهم ومبادرتهم الوطنية الرافضة للحرب ولكنها ستزيد من حدة الانقسام الاجتماعي والسياسي، فبدلاً من معالجة القضايا والخلافات بالحوار والتفاهم، تلجأ سلطات عمر الخليفة إلى أساليب قمعية تؤجج المشاعر السلبية وتنمي الكراهية وترفع درجات السخط على أجهزة الولاية.

- علينا أن ندرك أن الاعتقالات التعسفية ليست فقط حدثًا عابرًا؛ بل لها تداعيات خطيرة على المستوى الإقليمي والدولي، وجادين ليس شخصا بسيطا انزوى في الجزيرة أبا بل هو من الوزراء الذين فتحوا السودان لآفاق عالمية وارتبط اسمه باتفاقات طاقوية مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وألمانيا وحتى تركيا، وقاد أكبر عملية تطوير لقطاع الطاقة والنفط في فترة وجيزة ومهد لانطلاق طاقوي سوداني قطعه الإنقلاب، لذلك بذها الاعتقال ستفتح السلطة القائمة جحيما إقليميا ودوليا يندد بالانتهاكات التي تمارس ضد هؤلاء الخبراء المهنيين الأكفاء من أبناء الوطن. فالتاريخ يثبت أن الأنظمة القمعية لا تستطيع الاستمرار على المدى الطويل، وغالبًا ما تؤدي هذه الممارسات إلى عزل السودان مجددا عن المجتمع الدولي وزيادة الضغوطات الخارجية.

- أقولها وبالصوت العالي إن مصلحة السودان تتطلب السير في عكس هذا الاتجاه، وينبغي على جميع الأطراف المتحاربة الالتزام بحقوق الإنسان والحوار والتفاهم، ورفع سيف الاعتقالات التعسفية عن رقاب المدنيين، والعمل على بناء مناخ من الثقة والأمان، فيه يتمكن الجميع من التعبير عن آرائهم ومصالحهم دون خوف من العواقب، ويقودون مبادرات تخفف من وطأة التضييق الإنساني والغذائي والدوائي وتساعد الضعفاء والمتضررين والفارين من الحرب.

● ختاما: إن هذا النهج الأمنجي واستمرار الاعتقالات التعسفية لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمات، ويزيد من تعقيد الوضع السياسي، وسيرفع درجة الاحتقان في الجزيرة أبا والنيل الأبيض ويرفع درجة التضاد والتدابر بين السلطة والمواطنين أكثر مما هو كائن، فدعونا نتحد جميعًا لنرفض هذه الممارسات، ونعمل من أجل بناء سودان يتمتع مواطنوه بالحرية والكرامة للجميع على حد سواء وأن يكون القانون هو الحاكم لا الأهواء والأمزجة وسذاجة الحكامين، إن طريق التقدم يتطلب منا جميعًا الإصرار على تحقيق العدالة وحقوق الإنسان، فالعزة والكرامة لا تأتي من قمع الأصوات بل من الاستماع إليها وتقديرها والمعركة ميدانها ليس بيت جادين علي عبيد أو إخوته أو أهله فهم ليسوا مقاتلين أو حملة سلاح وإنما سلاحهم العلم والكلمة والمنطق وقوة الحجة، فسارع يا عمر الخليفة بكف أيدي عصاباتك عن جادين وملاحقة أخيه، واعلم أن السبيل للسيطرة على الجزيرة أبا وسكانها وأهلها وقادة حزب الأمة القومي فيها جربها من سبقوك بقوة السلاح والرصاص وعجزوا وخاب فألهم وارتد مكرهم عليهم، ونحن على موعد قريب من الانعتاق والحرية والكرامة في طريق ثورة لم تخب جذوتها ولم يخب من استمسك بعراها الثلاث: (الحرية السلام العدالة) وخاب من عاداها وخسر خسرانا مبينا.



╭┈ *𝙊𝙧𝙬𝙖 𝘼𝙡.𝙎𝙖𝙙𝙞𝙜* ─ ೄྀ࿐ ˊˎ-
╰┈➤ ❝[ *𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔*] ❞