تجديد الدين بالدم إحياء لتاريخ دامٍ
𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
إن التاريخ الإسلامي ما بعد انتقال النبي الأعظم ﷺ وانتهاء دولة الخلافة وما تمخض عن ذلك من دويلات المُلك العضود (أموية، عباسية، فاطمية ... الخ) يمثل مرآة تعكس حاضر الحركات الإسلاموية، يجعلنا نفهم لم قتلت الجواري مروان بن الحكم بالوسادات لمجرد سخريته من بن زوجته بن يزيد؟ وكيف قتل مروان بن محمد آخر أمراء بني أمية، وما سبب قتل الحجاج لعبد الله بن الزبير بن العوام وصلبه؟ وكيف قتل من يفترض لنه أمير للمؤمنين مخمورا في الدولة العباسية وأعني المتوكل الذي بقر بطنه باغر التركي؟ وكيف غدر الحسين عليه السلام في كربلاء؟ وغيرهم وغيرهم من تاريخ دامي ومفجع سطره بن كثير والسيوطي والذهبي وابن خلدون وغيرهم من أصحاب التأريخ وكتاب السير والأعلام.
تُظهر مليا وجليا دراسة التاريخ الإسلامي أن الأحداث والاتجاهات التي نشأت في الماضي لها تأثير عميق على الحركات الإسلامية المعاصرة، ويمكننا ملاحظة هذا التأثير في عدة جوانب أهمها، الصراع حول السلطة وما عرف بصراعات الخلافة وتأثيرها، والصراعات التي دارت حول الخليفة وكونه ونسبه وأصله في العصور الأولى للإسلام، مثل الصراعات التي تناسلت عن الخلاف بين سيدنا الإمام علي بن أبي طالب وسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ققد تركت أثرًا عميقًا على التوجهات الشيعية والسنية الماثلة اليوم، وتتكررت مثل هذه الصراعات في الحركات الإسلاموية المعاصرة تآمراُ بتآمر ووقع حافر بحافر، كما رأينا في انقسامات داخلية في بعض الحركات والسودان أسفر عن نموذج إسلاموي شائه كان نموذج الحركة الإخوانية السودانية بمسمياتها المختلفة وواجهاتها المتشظية.
اتخذ قادة تلك الانقسامات التاريخية حجية التفسير المتعدد للنصوص، وتبنوا التنوع في تفسير القرآن والسنة أدى إلى ظهور مذاهب إسلامية مختلفة، مثل المذاهب الأربعة عند السنة، والمذاهب الاثني عشرية عند الشيعة، هذا التنوع البراغماتي تكرر في الحركات الإسلاموية المعاصرة، حيث تناسلت تيارات متعددة لكل منها تفسيره الخاص للنصوص، وصار الاجتهاد ألزم من النص والتعصب للتيار والفرع أشد من الامتثال والانتساب للأصل، وهذا ما تراه في المناهج التبريرية التي ساقها شيوخ الحركات الإسلاموية لتبرير الوقوع على الدولة سفاحا والوصول للسلطة وانتهاك حقوق الإنسان وتجاوز حالة الدول القطرية وعدم الاعتراف بالسيادة.
انغمس أولئك الشيوخ في الممارسة السياسية، وتشيخ الفسدة والبراغماتيون من الساسة، فحدث تزاوج خبيث بين السياسة والدين لدى الحركات استخدم الدين في التاريخ الإسلامي كأداة للسياسة، وكذلك إستخدام أدوات السياسة وساطة الدولة لتنفيذ المشروع الديني، وهو زواج أشبه بمواقعة الخيل للحمير فتنتج بغالا، وهنا شهدنا صراعات بين الحكام والعلماء، وارتمى كثير من الشيوخ في أحضان السلطان وانتجب عدد من السلاطين جمهرة من الشيوخ واتخذوهم أخلاء، يحلون لهم الحرام ويحرمون على خصومهم الحلال، هذا النمط تكرر في الحركات الإسلاموية المعاصرة مرارا بذات الصورة، وهو ما قاد بعض الحركات إلى مزاوجة شائهة الدين بالسياسة، وأدى إلى صراعات داخلية وخارجية، في نموذج ضياء الحق باكستان، وطالبان أفغانستان، وأربكان أردغان في تركيا، ومورو والغنوشي في تونس، والطامة الكبرى تجلت في التجربة السودانية التي مثلت أسوأ ممارسة سياسية باسم الاسلام، وأقبخ تجربة دينية مارست السياسة.
تاريخيا كان دور العلماء مهما وحاسما في استدامة استقرار الحكم، فقد كان للعلماء دور كبير في تشكيل الفكر الإسلامي عبر التاريخ، وكانوا يؤثرون على الرأي العام ويوجهون الأحداث، واتسم ما كتب من تاريخنا وموروثنا الاسلامي بكثير من الانحياز حتى بلغ أحدهم مبلغ أن يقول بأن يحج الناس إلى المسجد الأقصى، وافتى كثير من فقهاء السلطان وقتئذ بفتاوى ترتب عليها أحكاما سلطانية، هذا الدور لا يزال قائماً في الحركات الإسلاموية الحالية تضطلع به حفنة ممن قصروا والتحوا ونعقوا مع كل ناعق بشر أو بخير، وللأسف لعب بعض العلماء دورًا هامًا في تضليل الرأي العام وتفسير النصوص حسب الحوجة فأبرز بعضهم ما عرف بطبعات منقحة لكتب التفاسير والحديث وأسقط كثير منهم نصوصا قطعية ولم يوردوها في كتبهم أو يستدلوا بها في خطبهم، وأصدر بعضهم فتاوى وتشريعات باسم الإسلام قطعت الأوصال وقتلت وقادت حروبا سياسية جعلتها دينية جهادوية، ومنهم من نصب نفسه أميرا للمؤمنين وجبت بيعته.
لذلك يمكننا أن نرى بجلاء انعكاسات هذه الأنماط التاريخية على حالة المؤتمر الوطني المنحل وما تشهده حركته الإسلاموية، بما فيها الواجهات الفكرية والأيدولوجية والاقتصادية، صراعات داخلية مشابهة للصراعات التي شهدتها دول (الخلافات)، حيث تتنافس الفصائل على الزعامة والنفوذ والسلطة والمال.
وقد أصيب الحزب المنحل المؤتمر الوطني، بكل الأدواء التي بث خبثها وسط الكيانات المناوئة له بأجهزته الأمنية وأذرعه القبلية في الحركة والتنظيم، فأصبح حالة متفردة من التشظي والانقسام والتشاكس، كما في أي حركة إسلاموية متحمسة ومتمسحة بالدين سابقة وربما لاحقة، تجاذبته تيارات براغماتية وآراء فكرية مختلفة حول تفسير الإسلام وتطبيقه والحكم والشريعة نظرية وتطبيق، وهو ما قاد إلى ما نشهده اليوم من تنازع في الرؤى والأهداف، واصطفافات إثنية وقبلية تحتدم يوما بعد يوم ولا تحترم التأسي بالدين الحنيف بل تؤطر لذلك الخلاف بانتقاء ما يتساير مع هوى قادة الحزب والحركة.
كذبوا يوم أن قالوا وتبنوا مقولة (الإسلام هو الحل) حتى تخلوا عنه، وضللوا يوم أن رفعوا شعار السيفين والشمس ليستعيضوا عن السيف بالكتاب، واستعاضوا عن العبارات البائدة بأخرى زائلة، فقد رفعوه شعارا كما رفعت من قبل المصاحف على أسنة الرماح، ومارسوا نموذجا سلطويا قاهرا ظالما كهنوتيا أمنجيا دمويا مستبدا وفاسدا، خارج عن الدين ومُبدِّل لنصوصه المنزلة، ومُعدِّل لسنته المؤصلة، فانتقوا الآيات والفتاوى والأحاديث وضلوا وأضلوا عن سواء السبيل ولا زالوا في غيهم يعمهون، ظانين بالله ظن السوء أنهم يحسنون صنعا، حتى بلغ برئيسهم المخلوع البشير أن يصرح للجميعابي بأنه سيتقرب إلى الله بقتل شيخه الترابي، وكذلك يفعلون، مثلما فعلوا بكثيرين من زملائهم في القوات المسلحة كالزبير وإبراهيم شمس الدين وفي الحزب كمجذوب الخليفة وغيرهم في الحركة كثير، وحتما ستدور عليهم الدائرة: ﴿وَجَزَ ٰۤؤُا۟ سَیِّئَةࣲ سَیِّئَةࣱ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ [الشورى ٤٠]، ولن نقمط من أحسن منهم حقه لأن الله قال: ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَـٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَـٰنُ﴾ [الرحمن ٦٠]، وقوله: ﴿وَسَیُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى﴾ [الليل ١٧]
واجبنا أن ندمج السياسة والدين دمجا مقاصديا يجمع ولا يفرق، ييسر الحياة ولا يعسر، يبشر الناس ولا ينفر، يرتق الشقاق ولا يفتق، يغني الضعفاء ولا يفقر، يقدم الأمم ولا يؤخر، يكرم الإنسان ولا يجرم، هذا ما ينبغي أن يطلع به العلماء والفقهاء والأئمة والدعاة وأن يلعبوا دورًا هامًا في توجيه الرأي نحو هذه المقاصد فيكون (الدين المعاملة)، و الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم، وتفعيل مؤسسات معرفية ومراجع دينية تهدي إلى الحق وتضطلع بتفسير النصوص الدينية بما يتوافق مع مقاصد الشريعة وليس مع أهداف الحركة أو المذهب أو الحزب أو الطائفة.
علينا جميعا أن نستأصل هذا النهج المتناسل من الاستبداد ونؤصل صحيح المعتقدات والمعاملات والتفسيرات التاريخية بعمق في نفوس المؤمنين، ونزرع في نفوس أبنائنا جذور الدين لا قشوره بما يجعل من الصعب تغييرها أو تجريفها بالرياح العواصف من ملهيات العصر، وذلك بالاستناد إلى النماذج التاريخية السليمة القويمة التي لم تعبث بها أيادي التنقيح والتجريح، والتي تستند على قطعيات الورد والدلالة، وتهتدي بنماذج تاريخية معينة، مثل الخلافة الراشدة، حينئذ سنشكل إطارًا مرجعيًا لأفكارنا وأفعالنا يوحد أهل القبلة ويفتح الحوار مع أهل الإيمان ويسهل التعايش والتسامح مع الحضارات والملل والنحل الأخرى.
وعلينا عدم الركون لانتصار أصحاب الحناجر العالية والعقول الخاوية، وألا نجزع من غياب بدائل هدائية واضحة، لأنه في ظل غياب بدائل قيادية واضحة، تبقى وتستمر النماذج التاريخية هي المرجع الأساسي والملهم للاعتبار والاجتهاد وهي الطريق للانتصار فمثلما اغترف بعض المتأسلمين من آسن التجارب، هناك من يستطيع أن يغرف غرفة من بحر علوم الأولين لا يظمأ ولا يضل بعدها أبدا.
ختاما: أؤكد أننا قادمون من الماضي ذاهبون إلى غد آتي في دورة حياة تتكرر فصولها بأشخاص غيرنا ولكن تبقى الحقائق هي الراسخة والنصوص القطعية هي الباقية والتجارب الصحيحة هي الموثوقة، لذاك فإن فهم التاريخ الإسلامي يمنحنا أدوات لفهم واقعنا المعاصر بشكل أفضل، فالتاريخ ليس مجرد سلسلة من الأحداث، بل هو سياق يساعدنا على فهم أسباب الصراعات، وتنوع الأفكار، وتطور الأشياء خاصة هذه الحركات الإسلاموية، مع يقيني التام أن التاريخ ليس حتمية وأنه لا يحدد المستقبل، ولكن فهمه يساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل، وأن التنوع هو أصل الأشياء وأن ما انطبق على نموذجنا الإسلاموي الإخواني الشائه لا يمثل كل التجارب فالحركات الإسلامية المعاصرة متنوعة ومتفردة، ولا يمكن حصرها في نموذج واحد، وكذلك التغيير والتطور سمة كونية غالية، بموجبها يتغير التاريخ الإسلامي باستمرار، ويتطور مع تغير الظروف والأزمنة، فقد قال الامام المهدي عليه السلام: (لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال).