الاثنين، 18 نوفمبر 2024

حرب السودان و"مصرنة" الشرطة السودانية

*`حرب السودان ومصرنة الشرطة السودانية`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● أقتبس: "اعلنت رئاسة قوات الشرطة السودانية عن فتح با التقديم بالمنحة السودانية المقدمة من مصر للدراسة بكلية الشرطة السودانية، وقالت رئاسة الشرطة في تعميم صجفي أن كلية علوم الشرطة والقاون أعلنت لطلاب الدفعة (71) ثانويين الترشيح للالتحاق بكلية الشرطة المصرية وفق شروط محددة، ودعت الشرطة الراغبين في الالتحاق الحضور إلى مقر كلية علوم الشرطة والقانون بمدينة بورتسودان وفققا للمكتب الصحفي للشرطة" انتهى الاقتباس.

- هل هناك حوجة لهذه الخطوة؟ بداهة لا يوجد ما يستدعي هذه الخطوة في ظل وجود جامعات وكليات جامعية ومقار للشرطة بالولايات وميادين تدريب ومعاهد استراتيجية حتى في الولايات التي لم تصلها الحرب، خاصة مع قدرة الحكومة على تأهيل مطارات، وكذلك وجود عدد كبير من قادة وخبراء الشرطة السودانية في الإذن والراحة، ويمكن الاستعانة بمن تراه، وما الحوجة لتدريب دفعة بالمنهج المصري في هذا التوقيت؟؟

- هناك تجربة ماثلة أمامنا عام 1986م كانت الدفعة (55) تم قبولهم حوالي اقل من (60) طالب ، وهي الدفعة التي سبقتها الدفعة (54) دفعة مدير عام الشرطة الحالي الفريق خالد حسان، والتي استوفت خطوات الترشيح والقبول واستيفاء مطلوبات طالب كلية الشرطة السودانية، ولكن جل منسوبي الدفعة (55) التي درست بمصر عندما تخرجت رفضت مصر استيعابهم في سلك الشرطة المصرية، وعند عودتهم للسودان تم رفض تنسيبهم أيضا للشرطة السودانية، ولكن تمت لهم معالجة بعد تدخلات السياسة فتم قبولهم كطلبة جدد بكلية الشرطة السودانية لأن من بينهم ابن وزير داخلية النظام المايوي وقتئذ عباس مدني، وعندما تفجرت هذه الأزمة تم إنشاء دفعة جديدة لاستيعابهم سميت بـالدفعة (55)، دخلت الكلية بعد مضي شهرين تقريبا من دخول الدفعة (54) ووفق ما هو متعارف لا يتم استيعاب دفعة إلا بعد عام على أقل تقدير من تاريخ قبول الدفعة الأخيرة وهي (54) أي بموجب الشهادة السودانية الجديدة.

- هذه الفوضى بإنشاء دفعة جديدة في مصر، هي استسهال للتلاعب بالسيادة السودانية، واستصعاب لتحمل المسئوليات، في ظل حكومة أمر واقع لديها المقدرة على تدريب واستيعاب عشرات الآلاف من المليشيات والكتائب وجماعات الظل وتنظيمات جهوية وجبهوية مسلحة، وصارت ميزانيتها ونوازنتها العامة ميزانية حرب بامتياز.

- تخيل عزيزي القاريء كان هناك 4500 مرشح (ضابط تأهيلي) كانوا يتبعون للدعم السريع في معسكرات التدريب كانوا على وشك التخرج تم سحبهم من معسكراتهم يوم الخميس الثالثة عصرا بعد ورود إشارة للحوجة لهم : (1500 دارس بمعسكر الاحتياطي المركزي، ومثلهم بمعسكر قري، ومثلهم بمعسكر جبيت)، يعكف على تدريبهم ضباط من القوات المسلحة من الذين تمت إحالتهم للتقاعد بكشوفات البرهان الأخيرة، تم سحبهم يوم الخميس قبل الحرب بيومين، هذا يعني أن البلاد بها مواعين تدريبية قادرة على استيعاب ما يفوق حوجة البلاد من دفعة ضباط شرطة.

- ولكن محاولة (مصرنة) مؤسسات الدولة السودانية التي بدأت منذ محاولات انقلاب بكراوي وما سبقها، واستمرار الأمر حتى بعد الانقلاب، بانتداب المئات من منسوبي دولاب الحكومة السودانية خاصة في مجلس الوزراء والوحدات التابعة له، ومجموعة من ضباط القوات المسلحة وعدد كبير من الوزراء وأخيرا تعيين وزير لوزارة سيادية بتعميد من السيسي وأجهزته الرسمية، لذلك عندما طالعت الإعلان عاليه، لم يساورني أدنى شك أننا نتجه لمستويات جديدة في تفكيك بنية مؤسسات الدولة لصالح الشقيقة مصر.

- لست ضد تطوير الكوادر الشرطية والقوات النظامية لأن مثل هذه الفرص قطعا تساهم في تطوير كوادر شرطية سودانية مؤهلة، مما يرفع كفاءة الأجهزة الأمنية في السودان، وتتيح للسودانيين الاطلاع على الخبرات المصرية في مجال العمل الشرطي، وتعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين البلدين، ويمكن أن تكون فرصة لتعميق العلاقات الثنائية بين السودان ومصر، والمساهمة في التعاون في المجالات الأمنية.

- ولكن من منا يكترث اليوم بشأن تأثير هذه المنحة على ولاء الخريجين للوطن الأم، خاصة إذا تلقوا تدريباً مكثفاً في دولة أخرى تنظر إلينا كعمق أمني استراتيجي وليس دولة ند لها، وما الضامن ألا يستغل البعض هذه المنحة كأداة للتدخل في الشؤون الداخلية السودانية، أو لتجنيد بعض الخريجين لأهداف سياسية ومخابراتية معينة؟ وهل سنبقى هكذا جل اعتمادنا على الخبرات المصرية في مجال التدريب الشرطي والنظامي؟ الأمر الذي يعني تسفيه الخبراء والمحترفين والمهنيين السودانيين، وتقليل قدرة السودان على تطوير كوادر شرطية مستقلة ذاتية الاعتماد.

- ومن المعلوم بالضرورة أن هناك استحداث لأقسام جديدة في كليات الشرطة حكر لفئة معينة حتى للمصريين أنفسهم كأمن المعلومات والسيبرانية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة والبنية التحتية، وأمن الحدود، والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في العمل الشرطي، وأمن الطيران والموانئ، وأمن المنشآت الحيوية، وأمن الفعاليات، وتحقيق الجرائم الاقتصادية، والأمن البيئي: يهتم بحماية البيئة من التلوث والجرائم، والأمن النووي والإشعاعي، وغيره، هذه لن تكون في متناول مصريين من البلد ناهيك عن أجانب سودانيين!! وستكتفي الشرطة المصرية بتدريسهم علم النفس الجنائي، والعلوم الجنائية، ومكافحة الشغب، ولا أتوقع أن يجد أحد الراغبين في دراسة القانون الدولي الإنساني ضالته من أبنائنا الذين يريدون دراسة هذا المجال الذي تحتاج البلاد لخبراء فيه.

- للأسف بالتجربة والأنظمة المتوارثة تغيب الضوابط الصارمة في عملية اختيار الطلاب المرشحين للمنحة، والتأكد من ولائهم للوطن، ويقتصر الأمر على الولاء للحزب والمحسوبية وبنووة أبناء السلك، ومثل هذه التدريبات لا تحظى بتدريب وطني موازٍ للي يتلقاه الطلاب في مصر أو أي دولة بتدريب وطني مكثف يركز على القيم الوطنية والولاء للوطن.

- واجب الساعة هو تطوير الكوادر التدريبية السودانية والاستثمار في تأهيلهم لكي يتمكنوا من تقديم برامج تدريبية متخصصة في مجال العمل الشرطي، والأجدر هو متابعة الخريجين الذين تخرجوا خديثا، وتقييم مدى استفادتهم من التدريب الذي تلقوه، والتأكد من ولائهم للوطن، ووضع برامج محفزة لاستقدام كوادر الشرطة والكفاءات التي فرت بأسرها من جحيم الحرب.

- وعلى السودان عدم الركون لدولة واحدة في ظل حالات الاستقطاب الإقليمي والدولي الحالية، بل مخاطبة كل الدول في المنطقة لتقديم منح دراسية متبادلة في كليات الشرطة والأكاديميات العسكرية، بهدف تبادل الخبرات وتقوية العلاقات الثنائية، ليس لأغراض التخابر والجوسسة وتغيير هيكل الدولة لصالح جهة أو نظام، والسودان القدح المعلى في هذل الأمر فله برامج تدريب مشترك للضباط والجنود آخرها تدريبات قوات إيساف التي تمت استضافتها في جبيت، وتخربج طلاب الدراسات العليا من أكاديمة نميري العسكرية وغيرها من المشاريع المشتركة التي تساهم في توحيد المفاهيم والتكتيكات العسكرية، كما أن للبعثات العسكرية أثر كبير للمساعدة في تدريب قواتها الأمنية، وكان مقترحا أن تنظم تدريبات عسكرية سودانية أمريكية قطع الطريق أمامها إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م.


● ختاما: حالة الانهيار الحالية التي تشهدها مؤسسات الدولة السودانية توجب الانفتاح نحو العالم والاستفادة من كل الفرص المتاحة، بل وطلب المنح قبل أن تتفضل علينا بها الدول، ولكن أن يتم الأمر بندية وشفافية ووفق ضوابط لا تنتهك السيادة الوطنية، ولا تعبث بالثوابت السودانية، ولا تخل بدرجة انضباط هذه المؤسسات الحساسة، كما أن الحرب الحالية في السودان أكدت أن هناك طبيعة جديدة للتهديدات الأمنية التي تغيرت وتتغير باستمرار، مما يستدعي إنشاء أقسام جديدة لمواجهتها، كما أن التطورات التكنولوجية أدت إلى ظهور جرائم جديدة تتطلب مهارات وتخصصات جديدة، لا مجال لتغافلها أو نسيانها، والواجب هو التوجه نحو منابعها، فأحدث أجهزة الشرطة تقنيا وتكنولوجيا ليست مصر، وإنما اليابان وكندا وأمريكا والنرويج وهولندا وكوريا الجنوبية وأستراليا، وكثير من الدول الأروبية، وإفريقيا مصر تصنف من ضمن أسوأ قوات الشرطة في المنطقة وتتربع بوتسوانا والجزائر ورواندا على أفضلية التميز الشرطي لذلك علينا أن ننظر إلى الثريا لا الثرى، وينبغي على السودان البدء في رحلة البناء من حيث انتهت البشرية تطورا وليس تكرار تجربة اكتشاف (العجلة) لأن الحالة التي نحن فيها تحتاج نظرة مستقبل واستقلال لا نظرة عمالة واستغلال، وعلى شرفاء قوات الشرطة ومعاشييها تتبع خيوط هذه الصفقات المشبوهة التي تبرم يوميا بين سلطة الأمر الواقع وأجهزة المخابرات الجارة والشقيقة.

الجمعة، 15 نوفمبر 2024

تصحيح لما قاله الشفيع خضر حول عملية شريان الحياة الثانية

*`تصحيح لما قاله الشفيع خضر حول عملية شريان الحياة الثانية`*

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● في ظل الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها السودان اليوم، تبرز الحاجة الملحة لإنشاء عملية شريان حياة جديدة لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المتضررين من النزاع. ومع ذلك، من المهم تصحيح بعض المعلومات الخاطئة التي وردت عن غير قصد أو تعمد في ما صاغه الكاتب الشفيع خضر حول هذه العملية.

- عملية شريان الحياة الأولى التي انطلقت في مطلع عام 1989 كانت تجربة فريدة وناجحة في تاريخ السودان، تمت هذه العملية في ظل حكومة ديمقراطية بقيادة الإمام الصادق المهدي، بعد مشاورات عديدة بين الحكومة والأمم المتحدة والحركة الشعبية لتحرير السودان، وقتها كان الفريق عبد الماجد حامد خليل، وقام بتيسير وتنسيق العنلية اللواء وقتئذ فضل الله برمة ناصر، هذه التجربة أثبتت أن التعاون بين الأطراف المتحاربة يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية لحماية المدنيين وتوفير المساعدات الضرورية لهم.

- فكان المهدي صاحب فكرة شريان الحياة التي سجلت في الأمم المتحدة باسم (الصيغة السودانية) وذلك لمصلحة احتياجات النازحين والمتضررين من الحرب، ولتوصيل الإغاثة لهم داخل خطوط النار، وقد اقترح تلك الفكرة علي الأمين العام للأمم المتحدة فوافق عليها وبموجبه نظمت أكبر عملية إغاثة من نوعها داخل خطوط النار بين جهات متحاربة. وهي بالفعل الصيغة التي تشبه السودان لا ما حدث في 2009م من طرد منظمات الإغاثة التي تعيل النازحين في دارفور بسبب الغضب من النظام الدولي لأن المحكمة الجنائية الدولية وجهت اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لرئيس النظام، وكان من آثار ذلك حرمان المتضررين من الحرب من الإغاثة التي كانت تقدمها تلك المنظمات منذ 2009م وحتى الآن. ومن ثم حرمان المدنيين المتضررين من الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق في 2011م من الإغاثة الدولية. وكذلك طرد المنظمات في الشرق عام 2012م.

- من المهم البداية الصحيحة للوصول لنهايات صحيحة، وهذا لا يعني سوى التأكيد على أن المبادئ الإنسانية والقانون الدولي الإنساني يجب أن تكون فوق أي اعتبارات سياسية، فالحكومة الديمقراطية في ذلك الوقت أظهرت احتراماً كبيراً لهذه المبادئ من خلال السماح بمرور المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية، مما يعكس التزامها بحماية المدنيين وتقديم المساعدات الضرورية لهم. هذا يختلف تماماً عن النظام الذي جاء بعد انقلاب 1989م، والذي كان مبنياً على صناعة الموت وليس إنقاذ الحياة.

- بالنظر إلى الوضع الكارثي الحالي في السودان، من الضروري إنشاء عملية شريان حياة جديدة لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المتضررين من النزاع. وينبغي أن تكون هذه العملية مبنية على نفس المبادئ التي قامت عليها عملية شريان الحياة الأولى، مع التأكيد على ضرورة التعاون بين الأطراف المتحاربة والمجتمع الدولي لضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين دون عوائق، وحجب هذه العملية من أي عمليات تكسب سياسي أو تجارة واستنفاع من المستغلين.

- والنموذج السوداني المودع والمجرب لدى الأمم المتحدة يمكن أن يطبق مع الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية الناجحة في تقديم المساعدات الإنسانية في مناطق النزاع، مثل عملية شريان الحياة الأولى، لتطوير آليات فعالة تضمن وصول المساعدات إلى المدنيين في السودان. على أن تكون هناك آليات رقابية صارمة لضمان عدم نهب المساعدات وحماية العاملين في المجال الإنساني من الهجمات.

- يمكن الاستفادة من شهادات الشهود الأحياء الذين شاركوا في عملية شريان الحياة الأولى لتسليط الضوء على أهمية هذه العملية ونجاحها في توفير المساعدات الإنسانية للمحتاجين. هذه الشهادات يمكن أن تكون دليلاً قوياً على ضرورة إنشاء عملية شريان حياة جديدة في السودان.

● ختاما: إن عملية شريان الحياة الأولى كانت نموذجاً حياً لتعاون الأطراف المتحاربة واستجابتها للاحتياجات الإنسانية بتقديم تنازلات سياسية لحماية المدنيين. من خلال التركيز على المبادئ الإنسانية والتجارب التاريخية الناجحة، يمكننا تقديم مقاربة موضوعية تدعم ضرورة إنشاء عملية شريان حياة جديدة في السودان، مستندة إلى التجارب التاريخية الناجحة والمبادئ الإنسانية الأساسية.
______
*ملحوظة: تم إرسال المقال قبل مدة لصحيفة القدس العربي عبر أحد صحفييها ولم تنشره .. ورأيت أن أنشره للعامة*