الثلاثاء، 19 نوفمبر 2024

"تقدم" جسر التقدم نحو السلام

"تقدم" جسر التقدم نحو السلام


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● الجماعة السياسية السودانية تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية "تقدم" شكل حراكها وجهودها للتوسط في الصراع الدائر في السودان، مدخلا لإزعاج حكومة الأمر الواقع ومناصريها من دعاة الحرب ومعسكر التكسب من السدنة والحلفاء، وهنا نجد أنها اتُهمت ظلماً بالخيانة بسبب سعيها إلى التدخل الدولي لحماية المدنيين وهي ذات الفرية والطريقة التي تم تصميم بها ادعاء أن تقدم هي من أشعلت الحرب، يشارك في ذلك كل حلفاء الانقلاب ضد الثورة السودانية، لأنهم يعلمون أن الضرر الذي تسببوا فيه بقطع طريق الانتقال المدني الديمقراطي في السودان هو الذي قاد لحرب إبريل ٢٠٢٣م، وستظل الاتهامات مستمرة لتصرف نظر العالم والتشويش على السودانيين وصرف الأنظار عن تسليط الضوء على معاناة الشعب السوداني وفشل كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في حماية المدنيين.

● باشرت قيادة الحرية والتغيير وبعض قوى الكفاح المسلح قبل أن تستحيل لتقدم مؤخرا، باشرت دورها في التواصل الفوري مع قيادة الجيش والدعم السريع في الساعات الأولى لاندلاع الصراع رغم الحرب ونيرانها، وبعضهم كادت الرصاصات أن تخترق جسده أمام القيادة العامة فترديه صبيحة يوم الحرب، ومنهم من بقي في البلاد وظل يتواصل مع أطرافها لوقف الحرب، فتم استهداف سكنه بالطيران لقطع أي طريق للوساطة ونجاهم الله من ذلكم الحريق، ومع ذلك رفضوا الانتصار لأنفسهم واستثارة عواطف جماهيرهم وتأليبهم للانحراف نحو خيارهم الأوحد الرافض للحرب وعبثيتها التي قال بها عرابوها، وهنا أفند بعض الأحابيل التي استمرأت أبواق الحرب بثها واستمرت في ترديدها حتى صارت وكأنها حقائق:

- أولا: أكبر الادعاءات والانتقادات التي تتعرض لها تقدم أنها قاصرة الفكر وناضبة المبادرة السياسية، وهو ما ترفضه قرائن الحال الموضوعية، فجميع من يهاجمها بسبب افتقارها إلى رؤية لإنهاء الحرب، عليه أن يراجع كل أدبيات تقدم منذ نشوب أو صدام بين البرهان وحميدتي، وتوسط قيادات الحرية والتغيير وقتئذ لاحتواء الخلاف بتدخل د. حمدوك وقتها ونزع فتيل الانفجار لضمان سلامة الوطن، ولكن ما أن لبث الأمر قليلا إلا وانقض الدعم السريع والجيش على قوى الحرية والتغيير التي أصلحت بينهما، ليعود الطرفان ويجددان الاشتباك بعد إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، ومع ذلك وفي الوقت الذي فيه بعض قيادات الحرية والتغيير في السجون، تواصلت الحرية والتغيير لنزع فتيل الخلاف بينهما، ووضع تصور راجح لنزع فتيل الخلاف واستعادة الانتقال المدني الديمقراطي، ووقع عليه البرهان ومن بعده حميدتي الذي قطع زيارته لدارفور التي اعتزل العاصمة إليها مغاضبا، ولا زال الطرح الذي تقدمه (تقدم) هو الأكثر تقدما وموضوعية في كل ما يطرح اليوم.

- ثانيا: ظلت حفنة اللصوص والقتلة والسفاحين وطباليهم من سدنة النظام البائد والحزب المحلول وجماعات اعتصام القصر تصم قيادة (تقدم) بالعمالة ووجهت لهم اتهامات بالخيانة وأنها اليوم تسعى إلى التدخل الدولي، في الوقت الذي كان فيه السودانيين يديرون أمرهم بأيديهم عبر حكومة انتقالية أثمرتها ثورتهم، نجد أنه قد ملكت سلطة الأمر الواقع (روسيا) من ذهب السودان ومياهه وأجوائه، ومكنت (مصر) كذلك من موارد البلاد وحدودها وسيادتها ودولاب الدولة وموظفيه ومؤسساتها، وانتقل الصراع ليستعين كل طرف بمن يراه حتى صار السودان اليوم أكبر سوق للسلاح والتسليح بعد أوكرانيا، وفي ذلك تنشط شركات محلية وإقليمية ودولية لتجارة السلاح والوقود وموارد ولوجستيات الحرب حتى طعام الجنود ومهماتهم ومستلزماتهم الشخصية.

- ثالثا: إن جميع الجهود التي تبذلها (تقدم) تهدف إلى أمر واحد أوحد ووحيد وهو أن تكون جسرا للعبور نحو السلام والتقدم نحو الاستقرار لحماية المدنيين السودانيين الذين تجاذبتهم أيادي طرفي الحرب انتهاكا وترويعا وإذلالا وبطشا وتنكيلا، دون الاكتراث لأي وازع ديني أو أخلاقي أو حتى أعراف الحرب أو حقوق الإنسان، ومضوا لتجريم كل من ينادي بوقف الحرب، وحشدوا أبواقهم لبث خطابات الكراهية والتحريض التي صممت (تقدم) حملات لمحاربتها، ونشطت الآن في كل دول اللجوء والنزوح في التدريب على كيفية الحد من تلك الدعاية الحربية لتشبيك وتسبيك الهوية الوطنية، ومنع البلاد للانزلاق في وحل البغض والعنف الذي يهدد حياة وسلامة المدنيين ويدفعهم نحو دائرة الحرب دفعا جراء الانتهاكات والممارسات السيئة التي تتدرج من الاعتقال إلى الذبح وقطع الرؤوس والحرق والاغتصاب والاغتيال.


- رابعا: في الوقت الذي رصدت فيه تقدم الانتهاكات والضحايا في كل مناطق السودان ودعم قيادتها بعض التكايا وغرف طواريء الحرب وشكلوا منصة لطيف سياسي مدني شايع وواسع قابل للانفتاح نحو الآخر، ولهث قيادتها خلف أي بصيص أمل لرتق الفتق وإيقاف الحرب وغوث المتضررين وانتشال السودان وحشد الدعم الإنساني والتسهيل الاجرائي لللاجئين في دول الجوار، في تلكم الأثناء وقف دعاة الحرب يسخرون الأموال والموارد على قلتها لشراء النبال في الوقت الذي تفتقر فيه بيوت أهلهم للقمة والدواء وحليب الأطفال، وجعلوا من البلاد أكبر مكب لنفايات التسليح التقليدي في عالم صار يتجه نحو حروب الجيل الخامس وأدواتها وتقنياتها، ويشتري أطراف الحرب بأموال طائلة من موارد البلاد ومدخراتها وثرواتها ببلايين الدولارات أسلحة وذخائر مخزنة منذ الحرب العالمية الثانية عجزت دول وشركات عن التخلص منها، ووجدت ضالتها في ضلال قادة الحرب في السودان وسماسرتهم الذين لا يميزون بين شراء الحياة وبيع الموت، وفي ذلك لم تكلف (تقدم) خزينة الدولة فلسا واحدا.

- خامسا: أُقر أني تقدمي انتسابا وقناعة وأدعو مع ذلك لفتح كل باب يوصلنا للتحقيق النزيه الشفاف والمستقل الذي يحاكمنا وقيادة (تقدم)، وتوضع في صحيفتها كل لائحة الاتهام التي لفقها النائب العام ونزيد عليها كل ما يتهمنا به أبواق الحرب، ونقف أمام شعبنا مجردين من كل منصب وحصانة، ونقدم دفعنا وحججنا وليأت وقتئذ كل فريق بأدلته وبراهينه، ومتى ما تمت إدانتنا حينها نقبل العقاب شنقا أو صلبا أو حتى حرقا تذرو رمادنا الرياح إلى وادٍ غير ذي زرع، لأن هذه البلاد أطهر وأشرف من أن تدنسها جثث نجسة اقتاتت من أرواح ودماء وأموال الشعب السوداني.

- سادسا: موقفي من تقدم ليس من باب حرق الجوخ وتقبيل ولعق الأحذية وإنما موقف مبدئي فيه حتى المناصخة والانتقات لتقدم وقصور أدائها، وضعف دورها الإعلامي، وبطء خطواتها، وانعدام آلياتها، وتنافس غير مرضٍ لقياداتها، وتمثيل ضعيف للنساء بإمكانات محدودة، واحتشاد للأفكار التي تصل حد التضاد في طريقة إدارة العمل والممارسة التنظيمية، وفي هذا كتبت تقييم (متواضع) وقمت بقديم تحليل محايد للموقف (التقدمي) منذ أن أتم تكوينها حتى تمامها المائة يوم، وهي كيان الواجب علينا تقويمه لا تقزيمه، وتقويته وتوسعته، لا إضعافه ونسفه.

- سابعا: تختلف رؤتي لمعالجة تعقيدات الصراع في السودان وتحديات الوساطة المطلوبة عن كل ما هو ماثل الآن ولكني أدعم الخيارات التي تتوافق عليها قيادة تقدم، ومثلما كانوا هم السبب في ابتدار منبر جدة في أول أيام الحرب، وتسببوا أيضا في فتح مجال للتواصل بين قيادة الجيش والدعم السريع بعد خروج كباشي ومن بعده البرهان من حصار القيادة العامة، يقيني أنهم إذا ضاعفوا جهدهم وحركتهم وتخلصوا مما ذكرته آنفا سيوقفوا هذه الحرب بأعجل وقت ويمنعوا انزلاقها نحو الحرب الأهلية الشاملة ويحصنوها من التمزيق والانقسام، ويصدوا أيادي التدخل الدولي.

- أخيرا: أقولها وبصدق وتجرد ما كتبته وصاغته قيادة (تقدم) ليست ناموساً مقدساً وإنما جهد بشري قابل للتطبيق والتحقيق ويستوعب كل جرح وتعديل، وجميع (التقدميين) لديهم بعد النظر وإمكانية تطوير توجهاتهم نحو وجهات نظر بديلة وحلول محتملة قد تكون أفضل من تصوراتهم المنشورة.

● ختاما: أستطيع القول أن (تقدم) أجابت على أهم تساؤلات وشواغل المواطن السوداني المنكوب في الداخل والفيافي والمنافي، عن ماهية الحرب ومفتعليها وتجارها وأبواقها وداعميها وكارتيلاتها، وما هي المطالب المحددة للشعب السوداني لاقتصاص والعدالة وجبر الضرر، وكيف يمكن مخاطبة مظالمه ومعالجتها؟ وما هو الدور الذي تقوم به (تقدم) وما يمكن أن تلعبه المنظمات الإقليمية والدولية في حل الصراع وحماية المدنيين وغوثهم ومنع تدفق أدوات الحرب للبلاد من الأفراد والشركات والدول والتحالفات؟ وقدطرحت (تقدم) خارطة تدخل إنساني شاكلة وتفصياية لإمكانية إسهام المجتمع الدولي وتقديم مساعدات إنسانية فعالة دون تقويض سيادة السودان وأدوات ضغط دولي مناسبة والحالة السودانية، وجميعنا قرأ مؤخرا وسمع وشاهد تقارير رصد وتوقعات للآثار الحالية للانتهاكات والفظائع وتابعنا التنبؤات الطويلة الأجل لأثر الصراع على السودان والمنطقة والإقليم والعالم، والتي صاغها خبراء (تقدم) وقادتها وجميعها تأتي كفلق الصبح، وهؤلاء بعضهم يقود جهود صناعة السلام والاستقرار والتنمية الاقتصادية في مستوى العالم، وهؤلاء يمثلون حُداة التطلع نحو المستقبل والتغيير وبُناة جسر العبور نحو الاستقرار، وهم حبل التواصل بين سودان الداخل والشتات، وهم عرى التوثيق للأواصر التي مزقتها خطابات الكراهية، واجبنا عونهم وتقويمهم وتقديم يد العون لهم ولو بالرأي والنصيحة.

الاثنين، 18 نوفمبر 2024

حرب السودان و"مصرنة" الشرطة السودانية

*`حرب السودان ومصرنة الشرطة السودانية`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● أقتبس: "اعلنت رئاسة قوات الشرطة السودانية عن فتح با التقديم بالمنحة السودانية المقدمة من مصر للدراسة بكلية الشرطة السودانية، وقالت رئاسة الشرطة في تعميم صجفي أن كلية علوم الشرطة والقاون أعلنت لطلاب الدفعة (71) ثانويين الترشيح للالتحاق بكلية الشرطة المصرية وفق شروط محددة، ودعت الشرطة الراغبين في الالتحاق الحضور إلى مقر كلية علوم الشرطة والقانون بمدينة بورتسودان وفققا للمكتب الصحفي للشرطة" انتهى الاقتباس.

- هل هناك حوجة لهذه الخطوة؟ بداهة لا يوجد ما يستدعي هذه الخطوة في ظل وجود جامعات وكليات جامعية ومقار للشرطة بالولايات وميادين تدريب ومعاهد استراتيجية حتى في الولايات التي لم تصلها الحرب، خاصة مع قدرة الحكومة على تأهيل مطارات، وكذلك وجود عدد كبير من قادة وخبراء الشرطة السودانية في الإذن والراحة، ويمكن الاستعانة بمن تراه، وما الحوجة لتدريب دفعة بالمنهج المصري في هذا التوقيت؟؟

- هناك تجربة ماثلة أمامنا عام 1986م كانت الدفعة (55) تم قبولهم حوالي اقل من (60) طالب ، وهي الدفعة التي سبقتها الدفعة (54) دفعة مدير عام الشرطة الحالي الفريق خالد حسان، والتي استوفت خطوات الترشيح والقبول واستيفاء مطلوبات طالب كلية الشرطة السودانية، ولكن جل منسوبي الدفعة (55) التي درست بمصر عندما تخرجت رفضت مصر استيعابهم في سلك الشرطة المصرية، وعند عودتهم للسودان تم رفض تنسيبهم أيضا للشرطة السودانية، ولكن تمت لهم معالجة بعد تدخلات السياسة فتم قبولهم كطلبة جدد بكلية الشرطة السودانية لأن من بينهم ابن وزير داخلية النظام المايوي وقتئذ عباس مدني، وعندما تفجرت هذه الأزمة تم إنشاء دفعة جديدة لاستيعابهم سميت بـالدفعة (55)، دخلت الكلية بعد مضي شهرين تقريبا من دخول الدفعة (54) ووفق ما هو متعارف لا يتم استيعاب دفعة إلا بعد عام على أقل تقدير من تاريخ قبول الدفعة الأخيرة وهي (54) أي بموجب الشهادة السودانية الجديدة.

- هذه الفوضى بإنشاء دفعة جديدة في مصر، هي استسهال للتلاعب بالسيادة السودانية، واستصعاب لتحمل المسئوليات، في ظل حكومة أمر واقع لديها المقدرة على تدريب واستيعاب عشرات الآلاف من المليشيات والكتائب وجماعات الظل وتنظيمات جهوية وجبهوية مسلحة، وصارت ميزانيتها ونوازنتها العامة ميزانية حرب بامتياز.

- تخيل عزيزي القاريء كان هناك 4500 مرشح (ضابط تأهيلي) كانوا يتبعون للدعم السريع في معسكرات التدريب كانوا على وشك التخرج تم سحبهم من معسكراتهم يوم الخميس الثالثة عصرا بعد ورود إشارة للحوجة لهم : (1500 دارس بمعسكر الاحتياطي المركزي، ومثلهم بمعسكر قري، ومثلهم بمعسكر جبيت)، يعكف على تدريبهم ضباط من القوات المسلحة من الذين تمت إحالتهم للتقاعد بكشوفات البرهان الأخيرة، تم سحبهم يوم الخميس قبل الحرب بيومين، هذا يعني أن البلاد بها مواعين تدريبية قادرة على استيعاب ما يفوق حوجة البلاد من دفعة ضباط شرطة.

- ولكن محاولة (مصرنة) مؤسسات الدولة السودانية التي بدأت منذ محاولات انقلاب بكراوي وما سبقها، واستمرار الأمر حتى بعد الانقلاب، بانتداب المئات من منسوبي دولاب الحكومة السودانية خاصة في مجلس الوزراء والوحدات التابعة له، ومجموعة من ضباط القوات المسلحة وعدد كبير من الوزراء وأخيرا تعيين وزير لوزارة سيادية بتعميد من السيسي وأجهزته الرسمية، لذلك عندما طالعت الإعلان عاليه، لم يساورني أدنى شك أننا نتجه لمستويات جديدة في تفكيك بنية مؤسسات الدولة لصالح الشقيقة مصر.

- لست ضد تطوير الكوادر الشرطية والقوات النظامية لأن مثل هذه الفرص قطعا تساهم في تطوير كوادر شرطية سودانية مؤهلة، مما يرفع كفاءة الأجهزة الأمنية في السودان، وتتيح للسودانيين الاطلاع على الخبرات المصرية في مجال العمل الشرطي، وتعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين البلدين، ويمكن أن تكون فرصة لتعميق العلاقات الثنائية بين السودان ومصر، والمساهمة في التعاون في المجالات الأمنية.

- ولكن من منا يكترث اليوم بشأن تأثير هذه المنحة على ولاء الخريجين للوطن الأم، خاصة إذا تلقوا تدريباً مكثفاً في دولة أخرى تنظر إلينا كعمق أمني استراتيجي وليس دولة ند لها، وما الضامن ألا يستغل البعض هذه المنحة كأداة للتدخل في الشؤون الداخلية السودانية، أو لتجنيد بعض الخريجين لأهداف سياسية ومخابراتية معينة؟ وهل سنبقى هكذا جل اعتمادنا على الخبرات المصرية في مجال التدريب الشرطي والنظامي؟ الأمر الذي يعني تسفيه الخبراء والمحترفين والمهنيين السودانيين، وتقليل قدرة السودان على تطوير كوادر شرطية مستقلة ذاتية الاعتماد.

- ومن المعلوم بالضرورة أن هناك استحداث لأقسام جديدة في كليات الشرطة حكر لفئة معينة حتى للمصريين أنفسهم كأمن المعلومات والسيبرانية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة والبنية التحتية، وأمن الحدود، والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في العمل الشرطي، وأمن الطيران والموانئ، وأمن المنشآت الحيوية، وأمن الفعاليات، وتحقيق الجرائم الاقتصادية، والأمن البيئي: يهتم بحماية البيئة من التلوث والجرائم، والأمن النووي والإشعاعي، وغيره، هذه لن تكون في متناول مصريين من البلد ناهيك عن أجانب سودانيين!! وستكتفي الشرطة المصرية بتدريسهم علم النفس الجنائي، والعلوم الجنائية، ومكافحة الشغب، ولا أتوقع أن يجد أحد الراغبين في دراسة القانون الدولي الإنساني ضالته من أبنائنا الذين يريدون دراسة هذا المجال الذي تحتاج البلاد لخبراء فيه.

- للأسف بالتجربة والأنظمة المتوارثة تغيب الضوابط الصارمة في عملية اختيار الطلاب المرشحين للمنحة، والتأكد من ولائهم للوطن، ويقتصر الأمر على الولاء للحزب والمحسوبية وبنووة أبناء السلك، ومثل هذه التدريبات لا تحظى بتدريب وطني موازٍ للي يتلقاه الطلاب في مصر أو أي دولة بتدريب وطني مكثف يركز على القيم الوطنية والولاء للوطن.

- واجب الساعة هو تطوير الكوادر التدريبية السودانية والاستثمار في تأهيلهم لكي يتمكنوا من تقديم برامج تدريبية متخصصة في مجال العمل الشرطي، والأجدر هو متابعة الخريجين الذين تخرجوا خديثا، وتقييم مدى استفادتهم من التدريب الذي تلقوه، والتأكد من ولائهم للوطن، ووضع برامج محفزة لاستقدام كوادر الشرطة والكفاءات التي فرت بأسرها من جحيم الحرب.

- وعلى السودان عدم الركون لدولة واحدة في ظل حالات الاستقطاب الإقليمي والدولي الحالية، بل مخاطبة كل الدول في المنطقة لتقديم منح دراسية متبادلة في كليات الشرطة والأكاديميات العسكرية، بهدف تبادل الخبرات وتقوية العلاقات الثنائية، ليس لأغراض التخابر والجوسسة وتغيير هيكل الدولة لصالح جهة أو نظام، والسودان القدح المعلى في هذل الأمر فله برامج تدريب مشترك للضباط والجنود آخرها تدريبات قوات إيساف التي تمت استضافتها في جبيت، وتخربج طلاب الدراسات العليا من أكاديمة نميري العسكرية وغيرها من المشاريع المشتركة التي تساهم في توحيد المفاهيم والتكتيكات العسكرية، كما أن للبعثات العسكرية أثر كبير للمساعدة في تدريب قواتها الأمنية، وكان مقترحا أن تنظم تدريبات عسكرية سودانية أمريكية قطع الطريق أمامها إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م.


● ختاما: حالة الانهيار الحالية التي تشهدها مؤسسات الدولة السودانية توجب الانفتاح نحو العالم والاستفادة من كل الفرص المتاحة، بل وطلب المنح قبل أن تتفضل علينا بها الدول، ولكن أن يتم الأمر بندية وشفافية ووفق ضوابط لا تنتهك السيادة الوطنية، ولا تعبث بالثوابت السودانية، ولا تخل بدرجة انضباط هذه المؤسسات الحساسة، كما أن الحرب الحالية في السودان أكدت أن هناك طبيعة جديدة للتهديدات الأمنية التي تغيرت وتتغير باستمرار، مما يستدعي إنشاء أقسام جديدة لمواجهتها، كما أن التطورات التكنولوجية أدت إلى ظهور جرائم جديدة تتطلب مهارات وتخصصات جديدة، لا مجال لتغافلها أو نسيانها، والواجب هو التوجه نحو منابعها، فأحدث أجهزة الشرطة تقنيا وتكنولوجيا ليست مصر، وإنما اليابان وكندا وأمريكا والنرويج وهولندا وكوريا الجنوبية وأستراليا، وكثير من الدول الأروبية، وإفريقيا مصر تصنف من ضمن أسوأ قوات الشرطة في المنطقة وتتربع بوتسوانا والجزائر ورواندا على أفضلية التميز الشرطي لذلك علينا أن ننظر إلى الثريا لا الثرى، وينبغي على السودان البدء في رحلة البناء من حيث انتهت البشرية تطورا وليس تكرار تجربة اكتشاف (العجلة) لأن الحالة التي نحن فيها تحتاج نظرة مستقبل واستقلال لا نظرة عمالة واستغلال، وعلى شرفاء قوات الشرطة ومعاشييها تتبع خيوط هذه الصفقات المشبوهة التي تبرم يوميا بين سلطة الأمر الواقع وأجهزة المخابرات الجارة والشقيقة.