الأربعاء، 4 ديسمبر 2024

حرب السودان والمناخ تضيع فرصًا في قلب الكوكب

*`حرب السودان والمناخ تضيع فرصًا في قلب الكوكب`*


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`


● تواجه دول العالم أجمع تحديات جمة تتعلق بتغير المناخ في الكوكب الذي استحال بفعل الغازات الدفيئة إلى موقد تتزايد درجات حرارته عامًا بعد عام، وتأثيرات ذلك التغير المتزايدة على مختلف مناحي الحياة البشرية والبرية والبيئية وعلى سائر المخلوقات، وفي قلب هذه المعضلة الكونية، يبرز السودان كواحد من أكثر الدول تأثرًا وتأثيراً بتغير المناخ، وذلك نظرًا لموقعه الجغرافي واعتماده الكبير على الزراعة والموارد الطبيعية.

* تعاني بلادنا السودان من مشكلة التصحر بشكل حاد وزحف صحراوي تسبب في انحسار مساحات الأحزمة الغنية والخصبة، مما أدى إلى تدهور الأراضي الزراعية وزيادة الفقر، وحريق تلك الأحزمة بالحروب والنزاعات على الموارد.
* شهدت البلاد في السنوات الأخيرة زيادة في حدة الفيضانات، مما تسبب في خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والبنية التحتية. تأثرت منها غالبية مناطق ولايات لم تكن تعرف عنفوان الطبيعة في ولايات الشمالية والبحر الأحمر مع تأثر ولايات الوسط وكردفان ودارفور.
* ارتفعت درجة الحرارة في السنوات الأخيرة لمستويات فوق المعدلات المعتادة، الأمر الذي تسبب في زيادة التبخر وتناقص المياه المتاحة، مما هدد الأمن الغذائي والمائي، وقلل مساحات الزراعة المطرية في السنوات العشر الأخيرة بصورة كبيرة فاقمتها الحرب الحالية.

● وفي قمة كقمة كوب ١٦ التي تستضيفها المملكة العربية السعودية ديسمبر الجاري، تبرز أهمية حضور السودان كبلد مساهم في المحافل المناخية التي تهتم بمسؤوليات الدول تجاه الكوكب، وذلك لضرورة تولي السودان بالأصالة لا الوكالة رفع صوته في هذه المحافل ليضطلع بالآتي:
* الدفاع عن مصالحه ومنافعه المادية والبيئية والمناخية. ويعتبر حضور السودان في المحافل المناخية أمرًا حيويًا للدفاع عما يريد والمرافعة والمدافعة في هذا الشأن، وحشد الدعم الدولي للتكيف مع آثار تغير المناخ والتخفيف من حدتها.
* المشاركة في صنع القرار الدولي ضمن ما يزيد عن ١٩٠ دولة، إذ يمكن للسودان من خلال مشاركته الفعالة في هذه المحافل أن يساهم في صياغة السياسات المناخية العالمية، وأن يؤكد على أهمية دعم الدول النامية في إدارة شؤون الكوكب.
* يستطيع السودان بحضوره القوي الفعال والمؤثر في المحافل المناخية أن يجتذب الاستثمارات الأجنبية الموجهة نحو المشاريع المستدامة في مجال الطاقة المتجددة والزراعة الذكية مناخيًا، وهذا لن يتأتى في ظل غياب القطاع الحكومي المهني والقطاع الخاص المسؤول. ورأينا كيف حصدت الجارة كينيا ثمار الاستثمار فيها.
* يمكن للسودان من خلال هذه المحافل أن يبني شراكات مع الدول والمؤسسات الدولية، مما يساهم في تحقيق وتوثيق التعاون الدولي في مجال مكافحة تغير المناخ، إلا أن هذا الأمر تذروه رياح الحرب.

● ليس تعظيمًا وتزيدًا وانحيازًا لبلادي، ولكن الجميع يعلم أن دور السودان المحتمل مناخيًا دور متعاظم لا يمكن لأي قرار أو توصية أممية تجاوزه، فهو صاحب الفرص الحصرية التالية التي لا يشاركه فيها أحد:
* للسودان الواحد الموحد المستقل الآمن المستقر أن يضطلع بلعب دور قيادي في المنطقة في مجال مكافحة تغير المناخ، وأن يكون مثالًا يحتذى به للدول الأخرى، بل مفتاحًا لدرء مفاسد التغير المناخي في كل الكوكب.
* السودان له ما يؤهله ليساهم في تطوير حلول مبتكرة للتحديات المناخية التي تواجهه، مثل الزراعة الذكية مناخيًا وإدارة المياه بشكل مستدام، وإنتاج الطاقة النظيفة بمختلف أنواعها (رياح، هيدروجين، شمس، حيوية، توربينية، حرارية، سدود .. إلخ).
* السودان الدولة الأكثر حظًا للنجاة من كل الكوارث المحتملة، بل من الممكن أن يكون منطقة أمان بيئي ومناخي حال اندلعت حرب عالمية ثالثة (WWIII) ذات تأثير نووي أو تدميري يفوق تصورات الحواسيب الذكية واحتمالات خوارزمياتها.
* في فترة وجيزة جدًا استطاع السودان أن يساهم في رفع الوعي بأهمية مكافحة تغير المناخ على المستوى الوطني والإقليمي، وقادت بعض القيادات السودانية دورًا أمميًا للحفاظ على الكوكب نظيفًا آمنًا، على رأسهم الراحل الحقاني الإمام الصادق المهدي الذي خلد موروثًا ثقافيًا وتوعويًا يؤهل السودان لريادة الوعي بالقضايا المتعلقة بالأمن والسلام المناخي وسلامة الكوكب.

● ختامًا: يعد حضور السودان الرسمي المسؤول والمساءل في المحافل المناخية أمرًا بالغ الأهمية، ليس فقط لحماية مصالحه الوطنية، بل أيضًا للمساهمة في الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، لذلك الواجب على السودان الرسمي (المتحارب) والشعبي (المغيب الغائب) أن يستغل هذه الفرصة لرفع صوته على الساحة الدولية عبر مؤسساته ومنظماته البيئية، وأن يسعى إلى بناء شراكات قوية مع الدول والمؤسسات الدولية لدعم جهوده في هذا المجال، وألا يترك كرسي السودان خاليًا أو في ذيل قائمة الدول المهتمة بالشأن المناخي، وألا ينزوي من يمثلون السودان في المقاعد الخلفية ويشاركون على استحياء.
جدير بالذكر أن السودان شأنه شأن العديد من الدول النامية، وقع على اتفاقيات ريو الشهيرة التي خرجت عن قمة الأرض عام 1992م هذه الاتفاقيات، والتي تشمل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاقية التنوع البيولوجي واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، تشكل إطاراً عالمياً للتعاون في مجال البيئة، من خلال المشاركة الفعالة في هذه الاتفاقيات، يمكن للسودان أن يحصل على الدعم التقني المتطور، والتمويل المالي والكبير اللازم لتنفيذ مشاريعه المناخية.
وأرجو من زملائي في الكيانات المدنية السودانية تعظيم دور الشباب السوداني في مكافحة تغير المناخ، ورفع صوت النساء في مجال التحديات التي تواجه المرأة السودانية في هذا السياق، وأن يستعرضوا المشاريع الناجحة في مجال الطاقة المتجددة أو الزراعة المستدامة في السودان التي شهدناها بجهود ذاتية وبأيادي أبناء بعض المناطق في دول المهجر ممن دعموا أهلهم ومناطقهم بمشاريع تنمية مستدامة ذات تأثير مناخي.



الأحد، 24 نوفمبر 2024

أم دبيكرات .. حينما تحدى الإيمان المدفع

`أم دبيكرات.. حينما تحدى الإيمان المدفع`

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● مهدّت أحداث مهمة وكبيرة الطريق أمام الثورة المهدية في عام 1881م، وقادت أحداث أيضا إلى زوال الدولة وبناء الدعوة باستشهاد سيدي الخليفة عبد الله بن السيد محمد خليفة المهدي عليهما السلام، والذي لم يكتف قاتلوه بتصفيته الجسدية بالسلاح الفتاك، وإنما لجأوا لاغتياله معنةيا عبر أقلام المخابرات الحربية الاستعمارية، إلى جانب توفير رودلف سلاطين المعلومات الاستخباراتية الحيوية حول دولاب الدةلة المهدية، إلا أن هناك من الرجال من كتبوا روايات مفصلة ومنصفة عن شهاداتهم في السودان تفصيلا.

● من أعماق التاريخ السوداني تتألق معركة أم دبيكرات كنجمة ساطعة تشع نور البطولة والتضحية والفداء لتلتقي مع واقع مر ومريع معطون في الدم والدمع، وتبزغ بسالة الشجعان وقتذاك، واتحد أبناء السودان، وتحدوا آلة البطش، واستقبل القائد العام للجيش وأركان حربه مصيرهم المحتوم مقبلين غير مدبرين طالبين لقاء الله العلي الأعلى.

● هذه المعركة الخالدة التي وقعت في 24 نوفمبر 1899م، ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي ملحمة كبرى تجسدت فيها أسمى معاني الصمود والمقاومة في وجه الغزو الاستعماري، وخلدت انطباعا رهيبا تهابه جحافل الغزاة بأن السودان أرض الرجال الذين لا يقهرون، ووضعتنا في صدارة أعظم الذابين عن حياض وطنهم حتى كان في (الفروة) مسك الختام.

● لم تكن معركة أم دبيكرات مجرد مواجهة عسكرية عادية، بل كانت تعبيرًا عن إيمان راسخ بقضية عادلة، وعن إصرار على الحفاظ على الدين والهوية والكرامة، فبعد هزيمة كرري، لم يستسلم الخليفة وصحبه الميامين ، بل قرر ترتيب صفوفه والعودة إلى أم درمان لمواجهة الغزاة، هذا القرار الجريء، الذي أثار دهشة القائد الغازي كتشنر، وأيقن أيما إيقان أن إرادة هذا الشعب فوق تصوره فهو يتحلى برباطة جأش صلبة وعزيمة لا تلين.

● لقد كانت معركة أم دبيكرات معركة أشبه بالأسطورة، حيث تصدى فيها حماة الدين والوطن من جميع كيانات السودانيون بسلاح الإيمان والعزيمة لجيش مجهز بأحدث الأسلحة في القرن العشرين، ورغم تفوق العدو عدديًا وعسكريًا، إلا أن آباءنل المجاهدين قابلوه ببسالة وشراسة وشموخ دفاعًا عن أرضهم ودينهم.

● نعم! انتهت المعركة بانتصار ساحق لقوات الجيش الغازي، واستشهاد سيدي خليفة المهدي وصحبه الميامين وعدد كبير من الأنصار، ولكن رغم الهزيمة العسكرية، فإن معركة أم دبيكرات حققت انتصارًا معنويًا كبيرًا، حيث أثبتت للعالم أجمع أن الشعب السوداني شعب عظيم، وأن روح المقاومة وجذوتها لا تموت.

● تترك لنا تلك المعركة الخالدة على سهل منطقة أم دبيكرات غربي النيل الأبيض العديد من الدروس والعبر زمانا ومكانا وعرفانا، منها:

* إن الإيمان بالقضية - أي قضية حقيقية- والتصميم على تحقيق الأهداف هما أقوى السلاح في مواجهة أي تحد، وأكبر دليل على ذلك بعد 141 عام هناك من يسير على تلكم الطريق متلمسا الحرية والانعتاق.
* إن التضحية بالنفس من أجل الوطن والدين هي أعلى مراتب الشرف والكرامة، وأن الوطن يستحق كل غالٍ، وأنه أمانة في الأعناق التنازل عنها خيانة للآباء.
* إن الوحدة والتكاتف هما سر القوة والانتصار والاستمرار، فما صنعته الهزيمة في أم دبيكرات من آلام كانت محفزة لترابط الأنصار والتفافهم حول الإمام عبد الرحمن ليحققوا الاستقلال والتحرير الثاني على أيدي المهدوويين.
* إن الخيانة تجري مجرى الدم في عروق أهلها، ومهما تبدل الزمان وتغير المكان، فهناك من يتحسس ويتجسس ويسترخص دماء الآباء ليبيعها بثمن بخس دراهم معدودات، بل منهم من يفتح للمعتدي ليغتصب الكيان والأرض ويسيء للدين.

● ختاما: في ذكرى هذه المعركة الخالدة (أم دبيكرات)، نستذكر آبائنا وأبطالنا الذين ضحوا بأرواحهم من أجل هذا الوطن، وإنهم قدوة لنا جميعًا، وهم مصدر إلهام للأجيال القادمة في البسالة والشجاعة والإقدام والحرص على سيادة ووحدة تراب هذا الوطن، لذلك علينا أن نحافظ على تراثنا العريق، وأن نستلهم من بطولات أجدادنا العزيمة والإصرار لبناء مستقبل مشرق لسوداننا الحبيب.