الخميس، 8 يناير 2026

حرب الألف يوم

بعد مرور ألف يوم، المشهد السوداني  الماثل أقرب إلى دولة تتشقق على مستويات متوازية، تشققات جغرافية ومؤسسية واجتماعية وتشريعية في آن واحد، فالصراع انطلق بوصفه قطع طريق للسلطة المدنية وتحول إى معركة سلطة لاستعادة أذرع النظام المحلول مواردهم ووظائفهم التي اغتنموها بانقلاب 1989م، ثم استحال إلى نمط حياة قسري يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والسياسة، حينها بنية الحرب صارت تبتلع مؤسسات الدولة تدريجيًا، وتؤسس اقتصادًا يقوم على الإتاوات والتهريب والسلب المنظم، بينما يُدفع المواطنون إلى نزوح دائم يتجاوز فكرة الطوارئ إلى واقع معيش.

في الجغرافيا والمناطق انتقل مركز الثقل عبر مراحل، في البدايات كانت الخرطوم مسرح الصراع الأبرز، ثم تحوّل الميزان تدريجيًا غربًا مع تصاعد دارفور وكردفان، خلال عام 2025م أعلن الجيش تحقيق تقدم واسع في العاصمة والولايات الوسطى "سنار – النيل الأبيض- الجزيرة" وترافق ذلك مع حديث متكرر عن حسم معركة الخرطوم لصالحه، وعودة السيطرة إلى مساحات كبيرة من الولاية، في المقابل عمّقت قوات الدعم السريع حضورها المسلح في كل ولايات دارفور وأغلب ولايات كردفان، وتحول الحصار في الفاشر ومحيطها إلى عنوان أبرز ثابت حتى سيطرة الدعم السريع عليها، والصورة العامة تشير إلى مسرحين متوازيين للحرب: مسرح العاصمة والوسط حيث تتقدم قوات الجيش وفق معطيات 2025م، ومسرح الغرب حيث ترسخ قوات الدعم السريع نفوذها وبسط هياكل سلطة موازية لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان.

على مستوى وظائف الدولة تكشف الألف يوم عن انهيار متدرج للخدمات وتحول المؤسسات إلى هياكل تعمل بالحد الأدنى وتتحرك وفق مقتضيات المعركة أكثر من احتياجات المجتمع واستعاد النظام المباد بسط سيطرته على كل مفاصل الدولة، فالقطاع الصحي والتعليمي شهدا شللًا واسعًا، وشبكات الكهرباء والمياه تآكلت، ومسارات الإمداد الإنساني تحولت إلى أدوات تفاوض ومساومة ومصدر تكسب وغنى لعناصر الحزب المحلول والفاسدين الذين يحمونهم في هياكل السلطة، والأزمة الإنسانية صارت معيارًا أساسيًا لقراءة الحرب دوليًا، مع ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها، وأرقام أممية تضع السودان في صدارة أزمات النزوح عالميًا، وتؤكد أن التهجير القسري أصبح ظاهرة بنيوية مرتبطة باستمرار النزاع.

أما في ميدان الشرعية السياسية فقد أنتجت الحرب فراغًا عميقًا، لأن السياسة فقدت مركزها، والقوى المدنية تعاني تشتتًا واضحًا، والتحالفات التقليدية تآكلت، بينما تمدد نفوذ من يملكون السلاح والمال وشبكات التعبئة، وفي هذا الفراغ تشكل خطابان خطيران: خطاب “الضرورة العسكرية” الذي يمنح الحرب غطاءً مفتوحًا باسم إنقاذ الدولة، وخطاب “التفويض المناطقي أو القبلي” الذي يضفي على العنف طابع الحماية المحلية، وكلا الخطابين يعمّق الانقسام ويقوض أي أفق لعقد اجتماعي جامع.

داخل هذا المشهد يبرز دور الإسلامويين الموالين للجيش كعامل بنيوي في إدامة النزاع، وهذا التيار يعمل بوصفه محركًا دائمًا لتغذية الحرب، لأن أي نهاية تقود إلى انتقال مدني متوازن تفتح ملفات مساءلة، وتعيد تعريف الجيش كمؤسسة قومية مهنية خارج الهيمنة الحزبية، وتفكك شبكة الاقتصاد السياسي التي تشكلت عبر عقود وتنزع موارد أمراء الحرب من عناصر الحزب والحركة المحلولين،  منذ اندلاع الصراع قدّم هذا التيار نفسه وصيًا على الدولة، ثم دفع عمليًا نحو ترسيخ معادلة تجعل استمرار الحرب مرادفًا لاستمرار نفوذه داخل المؤسسة العسكرية والأمنية والاقتصادية، وربط “كرامة الجيش” باحتكار القرار داخله، وتحويل مفهوم الدولة إلى رهينة مشروع يقوم على احتكار الوطنية والدين وتعريف الخيانة، يمثل قراءة مصلحة سياسية صلبة، لا مجرد توصيف أخلاقي، والخشية من صناديق اقتراع حرة، ومن ترتيبات انتقالية تقيد الأجهزة، ومن مساءلة تاريخ التمكين، دفعت هذا التيار إلى اتخاذ الحرب ملاذًا استراتيجيًا.
على مستوى مسار الحرب نفسه، ظهرت تحولات مؤثرة خلال عام 2025م، وفي الميدان، انتقلت المواجهة من “حرب العاصمة” إلى “حرب الأطراف الحاسمة”، استعادة مواقع رمزية في الخرطوم، بينها القصر الرئاسي، منحت الجيش مكاسب معنوية، غير أن هذا التقدم لم يغلق الصراع، إذ ترافق مع تعمق جبهة الغرب، قوات الدعم السريع ركزت عملياتها على دارفور والفاشر وكردفان، وبرز نمط حصار يتبعه اقتحام ثم سيناريوهات معدة للانتهاكات، مع تقارير أممية وإعلامية عن مجازر واسعة وهو ما سيحدث حال استمرت الحرب، وهي بذلك تجاوزت اختبار رفع الأعلام في العاصمة وبورتسودان، ودخلت اختبار القدرة على تفكيك المجتمع والاقتصاد في الأطراف.

طبيعة العنف شهدت تصعيدًا نوعيًا، والمدنيون أصبحوا هدفًا مبرمجًا ضمن هندسة الحرب: حصار غذائي، استهداف مرافق علاج، اقتحام مخيمات نزوح، وانتقام جماعي وقصف تحت مسمى "إبادة الحواضن"، هذا النمط الموثق في تقارير دولية، يخلق دوائر ثأر طويلة الأمد، ويعقّد أي تسوية محتملة، لأن المجتمعات المتضررة ستطالب بضمانات عدالة وأمن قبل القبول بأي اتفاق سياسي.

في المسار السياسي التفاوضي، انتقل النقاش من ترتيبات وقف إطلاق النار إلى أسئلة أعمق تتعلق بشكل الدولة نفسها، ومن يدير الموارد، من يحتكر القوة في الأقاليم، من يعيد بناء المؤسسة العسكرية، ومن يوفر حماية حقيقية للمدنيين، وهذا التحول كشف مأزقًا واضحًا: أي تسوية سطحية توقف النار مؤقتًا تعيد إنتاج العنف، والمسار المطلوب يحتاج بنية ضامنة تشمل رقابة فعالة، عقوبات رادعة، مسار عدالة واضح، وترتيبات أمنية قابلة للتطبيق.

في ضوء الحراك الدبلوماسي الذي تقوده واشنطن والرياض مع مطلع عام 2026م، تظهر رغبة في كسر الجمود عبر هدنة إنسانية تمهّد لوقف نار أوسع، وهذا المسعى يمتلك نقاط قوة واضحة، أبرزها أدوات الضغط المالية والسياسية، حيث تمتلك واشنطن منظومة عقوبات فعالة، وتملك الرياض شبكة تأثير إقليمي وعلاقات مع أطراف متعددة، والتركيز على البعد الإنساني يفتح مدخلًا أقل حساسية من التسوية السياسية الشاملة، ويوفر خطوة أولى قابلة للقياس، كما يتيح توحيد رسائل الشركاء إذا أُدير التنسيق بعناية.

في المقابل توجد نقاط ضعف قد تقوض هذا المسار، فاقتصاد الحرب أصبح أقوى من خطاب السلام، وشبكات الربح من النزاع ستقاوم أي وقف ثابت، وداخل معسكر الجيش تتعدد مراكز القرار، ويبرز دور الإسلامويين الموالين بوصفهم عامل تعطيل مباشر، إذ يرون في أي مسار يقود إلى انتقال مدني تهديدًا وجوديًا، وأدواتهم في التعطيل تشمل ضخ خطاب تعبئة يصور التفاوض كاستسلام، استخدام واجهات اجتماعية وميليشياوية لتوسيع رقعة القتال باسم الدفاع عن الدولة، وإعاقة أي نقاش حول إعادة هيكلة الجيش أو العدالة، وارتكاب فظائع في مجتمعات محايدة لإقحامها في الصراع وتنظيم انتهاكات تنسب للدعم السريع، ووجودهم داخل المفاصل الاستخباراتية والأمنية يجعل أي اتفاق من دون قيود صارمة على نفوذهم معرضًا للنسف من الداخل عبر افتعال حوادث أمنية، أو حملات تخوين، أو مناورات ميدانية تعيد الاشتعال، إلى جانب ذلك، تبقى مسألة الضمانات حاسمة، فهدنة تخلو من آلية مراقبة وعقوبات فورية تتحول إلى إعلان نوايا بلا أثر.

خلال عام 2026م تبرز ثلاثة سيناريوهات مرجحة: الأول يتمثل في هدنة إنسانية قابلة للتمديد، تبدأ بتثبيت مسارات الإغاثة وترتيبات مراقبة ثم حوار سياسي أوسع، ويتطلب نجاحه ضغطًا صارمًا على خطوط التسليح والتمويل وعقوبات واضحة على المعرقلين، والثاني يقوم على تهدئة قصيرة يعقبها تصعيد أعنف، وهو سيناريو محتمل إذا جرى التعامل مع الإسلاميين الموالين للجيش كعامل ثانوي رغم كونهم محركًا رئيسيًا لإدامة الحرب، والثالث يقوم على تسويات مجزأة في بعض الجبهات مع استمرار نار منخفضة في أخرى، ما يطيل عمر التشظي ويحوّل السودان إلى خارطة نفوذ متقطعة ربما تفتح الباب على مصراعيه للتدخل الدولي بموجب الفصل السابع أو دخول دول بصورة منفصلة تحت دعاوي محاربة الإ رهاب.

لذلك فإن رفع فرص النجاح لأي مبادرة يقتضي تسمية المعرقلين علنًا، بما يشمل شبكات الإسلاميين الموالين للجيش، وربط ذلك بعقوبات شخصية وتجفيف موارد، كما يتطلب حماية مسار مدني حقيقي يضم القوى المدنية والمجتمعات المتضررة، وإنشاء آلية مراقبة دولية أو إقليمية للهدنة وفتح ممرات الإغاثة مع تقارير علنية منتظمة، إلى جانب خارطة طريق واضحة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أساس قومي مهني خارج قبضة الحزب وميليشياته المتطرفة والاقتصاد الموازي.

السبت، 3 يناير 2026

البرهان: هل يريد مصالحة الاصطفاف أم عقد الدولة؟!

البرهان: هل يريد مصالحة الاصطفاف أم عقد الدولة؟


عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


● فوق ركام القصر الجمهوري القديم "قصر الجلاء" وفي خطاب الأول من يناير 2026م، بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال، قدّم الفريق أول عبد الفتاح البرهان عبارة ذات وقع مريح في ظاهرها: “باب المصالحة الوطنية مفتوح” مع تأكيد أن “السودان يسع الجميع”، مترافقة مع نبرة حرب مهتزة وبصوت متهدج تصف ما يجري بوصفه معركة استقلال جديدة وتَعِد بحسم عسكري قريب. هذه الصيغة الخبيثة، في ميزان السياسة زمن النزاع، تُقرأ رسالة محسوبة السقف، تُدار بمنطق العبارة الجامعة التي تُبقي الاحتمالات متداولة، ثم تُنزَّل ميدانيًا وفق مقتضى القوة ومقتضى الشرعية معًا.


● المصالحة في هذا السياق المضطرب تكاد تنفصل عن معناها المجتمعي الذي يستدعي الاعتراف بالأذى، وترتيب جبر الضرر، وإصلاح بنية الدولة، وصيانة الحقوق بضمانات نافذة، والاعتراف بالحقيقة، لتقترب من معنى آخر يرمي إليه البرهان وهو: توسيع معسكر السلطة عبر الاستيعاب، وصناعة قبول سياسي قابل للتسويق داخليًا وخارجيًا، مع بقاء مركز القرار محروسًا بمنطق الضرورة الحربية، وهكذا تتحول المصالحة إلى عملية ضمّ سياسي أكثر من كونها عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمجتمع.


● في قاموس الخطاب البرهاني، تتكرر ثلاثية ثابتة رديئة الحبك: توصيف الحرب بوصفها معركة سيادة وكرامة، ثم مناداة القوى “الوطنية” للالتفاف حول الجيش والدولة، ثم فتح الباب لمن يلتحق بهذا الصف، وعند هذا المفصل تتشكل مصالحة الاصطفاف؛ مصالحة تُقاس بدرجة القرب من مركز السلطة زمن الحرب، لا بدرجة القرب من روح الوطن زمن السلم؛ ويصبح المعيار موقعك من الميدان، ثم تُمنح اللغة ما يلائمك من مفردات السعة والتسامح والبيت الجامع؛ ولكن كل ذلك ينهار أمام شحوب وجه البرهان وكلاحة وفداحة مشهده التصويري.


● في مدرسة الفكر الوطني الديمقراطي ظللنا نردد أن المصالحة عمران أخلاقي وسياسي: تتحول فيها الدولة من حَكَم طرفي إلى حَكَم عدلي، وتنتقل القوة من وظيفة غلبة إلى وظيفة حماية، وتنتظم الذاكرة الجريحة عبر مسار عدالة انتقالية يداوي ويُحاسب ويمنع التكرا، أمّا مصالحة الاصطفاف فتنقل المجتمع من انقسام إلى انقسام آخر، من انقسام السلاح إلى انقسام الشرعية، ومن انقسام الجبهات إلى انقسام المجال المدني ذاته، ومن انقسام الجغرافيا إلى انقسام الاثنيات.


● العبارة المعلنة واسعة للغابة؛ غير أن الحدود تُفهم من المرافقة الخطابية: وعد بالنصر العسكري وربط المصالحة بالسير في طريق المعركة، وعند هذه المرافقة يتخلق استثناء ضمني؛ المصالحة تُفتح أساسًا لمن يبدّل موقعه باتجاه معسكر الدولة أو لمن يُقبل ضمن ترتيبات داخل المعسكر المدني غير المسلح، بينما الطرف المسلح المقابل تُطرح معه شروط تُشبه تسوية من بوابة الانسحاب، فتغدو المصالحة معه صورة مؤجلة أكثر من كونها مسارًا تفاوضيًا متكافئًا.


● وبذلك تتوزع المصالحة على مسارين متداخلين: ترتيب الحاضنة المدنية حول القيادة العسكرية عبر استدعاء قوى إلى بورتسودان وإبعاد أخرى وتقسيم المجال العام إلى “وطني” و”مُعطِّل”، والتقاط الأفراد من الضفة الأخرى عبر منافذ عودة ووعود وظيفة وانتقال تُفكك الخصم من أطرافه مع إبقاء الرأس السياسي والعسكري خارج الاعتراف، وهذه هندسة مجال سياسي في سياق حرب طويلة أكثر من كونها إعادة تأسيس دولة على قواعد مشتركة.


● إن اختيار البرهان منصة الاستقلال السبعينية لإطلاق خطاب المصالحة يمنح العبارة أدوارًا ثلاثة في آن واحد:

  1. داخليًا، تُصنع شرعية الصبر؛ ففي حرب تطول يتضخم الإرهاق الشعبي ويحتاج مركز السلطة إلى خطاب يوازن بين التعبئة والتنـفيس، فتعمل المصالحة صمامًا اجتماعيًا يمنح جمهورًا متعبًا أفقًا سياسيًا من غير تغيير جوهر المعادلة الميدانية. 

  2. خارجيًا، تتشكل لغة قابلة للتسويق الدبلوماسي؛ فالعواصم والوسطاء يبحثون عن مفردات مرونة، وجملة “باب المصالحة مفتوح” تصلح للاقتباس وتغليف الموقف بوصفه قابلًا للحل السياسي. 

  3. تنافسيًا، تُسحب مركزية الحل نحو القيادة العسكرية بوصفها الممر الإجباري لأي تسوية، فتتحول المصالحة إلى مظلة تصنيف: شراكة لمن يدخل تحتها واعتراض معزول لمن يقف خارجها.


● لذلك أقول: أن المصالحة الجذرية تُقاس بأفعال قابلة للتحقق، فالمعيار برودة الإجراء المنضبط لا حرارة العبارة، وعلاماتها العملية تشمل القبول بهدنة ووقف إطلاق النار وحماية المدنيين بإجراءات معلنة قابلة للرصد، وفتح مسارات إنسانية موثقة، وجدول ترتيبات أمنية تدريجي واضح المعالم يضع السلاح في موضع وظيفي داخل الدولة، والتزامًا صريحًا بعدالة انتقالية تشمل الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، إضافة إلى تفكيك اقتصاد الحرب عبر شفافية الموارد وضبط الجبايات وتحييد التمويل المسلح وفتح ملفات التعاقدات العامة وتفكيك الدولة الخفية الاي أججت الحرب ويحتمي البرهان بظلالها. في المقابل تظهر المصالحة التكتيكية في لجان بلا ولاية، ومؤتمرات بلا ضمانات، وحوارات تُدار لتجميل صورة السلطة ثم تُترجم إلى حصص ومقاعد وواجهات، حيث يتحول الحق الجماعي إلى عرض سياسي، والعقد المُلزِم إلى حملة علاقات عامة، وتتجسد مناورة الشرعية.

● كما أن طرح الواجهات المدنية والشبابية والمهنية والنسوية يحمل قابلية عالية للاستعمال زمن الحرب ضمن مشروع مصالحة على مقاس السلطة: إنتاج مجتمع مُعترِف بدل بناء دولة مُنصِفة. هنا تتبلور مفردة تصلح للتداول: شبكات القبول؛ شبكات تُصاغ عبر التمويل والرعاية والإعلام، ثم تُقدَّم للعالم باعتبارها الصوت المدني، بينما المجتمع الحقيقي يتفكك تحت وطأة النزوح والجوع والخوف، وعندئذٍ تصير المصالحة إعادة هندسة للمجال المدني: من يمثل ومن يتحدث ومن يجلس قرب الطاولة ومن يُترك خارج الصورة.

● في ضوء بنية الخطاب البرهاني، تميل التطورات إلى ثلاثة اتجاهات كبرى: 

  1. مسار استيعاب سياسي يتوسع عبر لقاءات ولجان بعنوان المصالحة مع انتقاء مدروس للمدعوين وتدوير خطاب السعة بوصفه تفويضًا لتجميع الحاضنة كما حدث في حوار الوثبة البشيري، 

  2. ومسار تصلب عسكري مع بقاء العبارة متداولة بينما يظل الميدان الحكم الفعلي، 

  3. ومسار ضغط خارجي يفرض إجراءات جزئية مثل هدن إنسانية محدودة وخطوات إجرائية تحت ضغط الوساطة مع احتفاظ مركز السلطة بسقف سياسي مرتفع. هذه الاتجاهات تُظهر كيف تعمل الكلمة السياسية زمن النزاع: تُفتح الأبواب لغويًا وتُقفل الممرات بنيويًا.

● ختاما: أؤكد أن المصالحة التي تليق بالسودان تقوم على قاعدة واحدة: الدولة تتسع للجميع عبر القانون والحقوق، لا عبر الاصطفاف. فإذا بقيت المصالحة رهينة الالتحاق بالصف تحولت إلى مشروع لإعادة ترتيب الولاءات، وصار الاستقلال شعار تعبئة، وتحول الوطن إلى مساحة امتحان للانتماءات. الميزان الحاسم يظل ميزان التحقق: حماية المدنيين، خارطة ترتيبات أمنية، أساس عدالة انتقالية، وتجفيف اقتصاد الحرب. عند تحقق هذه العلامات يدخل السودان بوابة مصالحة تعيد بناء الدولة، وعند بقائها في حدود العبارة يلوح فصل جديد من مناورات الشرعية في زمن حرب ممتدة.