الخميس، 5 مارس 2026

انعكاسات الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران على حرب السودان

انعكاسات الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران على حرب السودان

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
تُظهر المعطيات المتاحة حتى 4 مارس 2026 أن الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية ودولة إسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، بدأت تُنتج “صدمة إقليمية مركّبة” ذات مسارين متوازيين ينعكسان على مسرح السودان، مسار لوجستي–اقتصادي–أمني يرتبط باضطراب ممرات النقل البحري والجوي وارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتزايد مخاطر الملاحة، ومسار سياسي–دبلوماسي يرتبط بانشغال القوى الأكثر نفوذاً في ملف السودان بأولويات الحرب وتداعياتها الأمنية المباشرة بما يضغط على وقت وموارد الوساطة ويعيد ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية.

على البعد العسكري واللوجستي داخل السودان، تؤكد تقارير فريق خبراء مجلس الأمن أن الحرب السودانية قائمة أصلاً على منظومات إمداد خارجية وشبكات تهريب واقتصادات حرب ممتدة خارج الحدود، تشمل خطوط تجهيز وإمداداً بالوقود والسلاح عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان، مع مؤشرات على استخدام مطارات داخل دارفور كبدائل إمداد في بعض الفترات.

وبالتوازي رُصد تقاطع بين مسار الحرب في السودان ومسار النفوذ الإيراني عبر توريد أو تسهيل طائرات مسيّرة وفق إفادات متعددة ومتابعات طيران وصور أقمار صناعية، مع نفي رسمي سوداني وتفاوت في درجة التحقق حسب الواقعة، وهو عنصر يظل شديد الحساسية من زاوية الدقة واليقين التفصيلي.

وعلى البعد السياسي–الدبلوماسي، فإن بنية جهود الوساطة، من جدة إلى جنيف إلى مسارات الاتحاد الإفريقي وإيغاد إلى مسار “الرباعية”، كانت تواجه أصلاً تشتت المسارات وتباين أجندات الوسطاء وتشدد الأطراف السودانية وتنامي قناعتها بإمكان الحسم العسكري مع دعم خارجي، وهو ما يجعل أثر الصدمة الإقليمية الجديدة أكثر ترجيحاً باتجاه تقليص الحيز الدبلوماسي المتاح في المدى القريب.

لذلك فإن الحرب ضد إيران تُرجّح في المدى القصير انكماش “الحيّز الدبلوماسي” المتاح للسودان، مع قابلية ظهور نافذة ضغط في المدى المتوسط تستهدف تقليص موطئ قدم إيران، وربما روسيا، على ساحل البحر الأحمر، بما قد يرفع كلفة استمرار الحرب السودانية على داعمي الأطراف ويعيد ترتيب الحوافز باتجاه هدنة إنسانية مشروطة وآليات امتثال أكثر صرامة.

الإطار المرجعي وحدود اليقين تبدأ من واقع أن الحرب ضد إيران، وفق تقارير متعددة بتاريخ 3–4 مارس 2026، ترافقت مع اضطراب حاد في النقل البحري عبر مضيق هرمز وارتفاع كبير في كلفة ناقلات النفط وإجراءات إخلاء مرتبطة بأمن بعثات أميركية في الخليج واضطراب في مراكز الطيران الإقليمية.

كما حذّر برنامج الأغذية العالمي من ضغط متزايد على خطوط الإمداد الإنساني بسبب مخاطر هرمز وتزايد التهديد في البحر الأحمر وإغلاقات المجال الجوي، بما يرفع الكلفة ويزيد التأخيرات ويضاعف العبء على عمليات الإغاثة المرتبطة بالسودان عبر بورتسودان وممرات الإسناد الإقليمية.
وفي ملفنا السوداني تجتهد “الرباعية” الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، لرسم إطار يدعو إلى هدنة إنسانية أولية لثلاثة أشهر تليها صيغة وقف نار ومسار انتقالي، مع تباين ملحوظ في التفاعل السوداني مع هذه المبادرة.¹⁷
ويظل الجزء الأكثر حساسية هو تفاصيل الإمداد العسكري من حيث الأحجام والأنواع ومسارات الدفع، إذ إن كثيراً من ذلك غير مُعلن أو متنازع عليه، لذلك تُذكر الاتجاهات العامة المدعومة بمصادر موثوقة، وتُترك التفاصيل غير المحسومة بوصفها غير محددة في المصادر العلنية.

في التأثيرات العسكرية واللوجستية، آلية انتقال الأثر الأساسية تتمثل في أن الحرب ضد إيران لا تنقل قوات مباشرة إلى السودان بقدر ما تغيّر بيئة الإمداد من حيث الكلفة والمخاطر والسرعة، وتعيد ترتيب أولويات الداعمين الإقليميين، وتفتح شهية لاعبين آخرين لملء الفراغ أو لإعادة رسم قواعد لعبة البحر الأحمر.
تقارير فريق الخبراء وثّقت أن شبكة إمداد قوات الدعم السريع اعتمدت على خطوط دعم جديدة تمر عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان، مع رصد مسارات تنقل معدات عسكرية ووقوداً إلى داخل دارفور ثم إلى العمق السوداني.

كما وردت تفاصيل حول نمط جسر جوي أو قوافل مرتبط بمطار أم جرس في شرق تشاد، مع مزاعم نقل شحنات تُفرغ عدة مرات أسبوعياً وتُنقل براً إلى داخل دارفور ثم إلى اتجاهات أخرى، مع نفي إماراتي وتقييم فريق الخبراء بأن المزاعم ذات مصداقية بناء على مصادره.

وبالمقابل، وثّقت تحقيقات صحفية موثوقة أن القوات المسلحة السودانية عززت قدراتها على الضربات الدقيقة والاستطلاع عبر طائرات مسيّرة إيرانية الصنع، مع بيانات تتبع رحلات إلى بورتسودان وصور أقمار صناعية، مع نفي رسمي سوداني لشراء أسلحة من إيران في ذلك الوقت، ومع تعذر حسم تفاصيل كل شحنة بصورة مستقلة عبر المصدر الصحفي ذاته.

في هذا السياق، اضطراب البحر والمجال الجوي يرفع كلفة أي إمداد سريع أو سري ويزيد مخاطر الانكشاف، لأن تقارير الحرب ضد إيران تشير إلى تضييق شديد على حركة الشحن في مضيق هرمز وارتفاع كلفة استئجار ناقلة إلى مستويات قياسية خلال أيام، مع ارتباك أوسع في النقل الجوي وإغلاق أو تعطيل مراكز طيران تربط آسيا وأوروبا وإفريقيا.

هذا الاضطراب يؤثر على السودان عبر تعقيد المسارات الجوية الإقليمية ورفع كلفة الشحن البحري والتأمين وتوفر الحاويات، كما ينعكس على الشبكات التي تعمل في مناطق رمادية عبر تشديد الامتثال المالي وتوسيع نطاق الرقابة على الوسطاء والكيانات التي تُشتبه صلاتها بإيران أو بشركات خاضعة لعقوبات.

على مستوى الطرفين داخل السودان، فإن اعتماد الجيش على دعم الطائرات المسيّرة يجعل الحرب ضد إيران قادرة على الضغط على الحلقة الخلفية لأي توريد مباشر من إيران، سواء بتعطيل الطيران أو بتصعيد الضغط السياسي لمنع تسليح طرف يوصف بالتقارب مع طهران، وهو ما قد يدفع القيادة إلى تعميق الاعتماد على موردين بديلين أو التصنيع والتجميع المحلي، أو إلى مقايضة سياسية تقلل الانكشاف على إيران مقابل مكاسب دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من الرباعية أو أوروبا، خاصة إذا ارتفعت كلفة الوصم كساحة نفوذ إيرانية على البحر الأحمر.

أما قوات الدعم السريع، فشبكة الإمداد التي وثقها فريق الخبراء توصف بالمرونة وتعدد القنوات عبر قوافل صحراوية وتهريب ومسارات عبر ليبيا وتشاد، مع مؤشرات حول استخدام مطار نيالا كبديل لتسريع الإمداد مقارنة بالطرق البرية الطويلة، ما قد يجعل أثر صدمة الخليج أقل حدّة على المدى القصير، مع بقاء نقاط ضعف مرتبطة بارتفاع تكاليف التشغيل واعتماد اقتصاد الحرب على سلاسل خدمات متعددة.

وتشير تحليلات متخصصة إلى أن شبكات المرتزقة باتت تدير جانباً من اللوجستيات عملياً، عبر تنسيق القوافل والتفاوض على المرور وتوفير الحماية، بما يحول شبكات التهريب إلى دوائر ذات زخم ذاتي، ويخلق منتفعين من استمرار الحرب.

هنا تظهر مفارقة مزدوجة، فالتصعيد الإقليمي قد يدفع إلى تشديد رقابة وحدود يرفع كلفة العبور ويبطئ بعض العمليات، وفي المقابل قد يخفف انشغال القوى الكبرى الضغط الدولي على شبكات التهريب العابرة للحدود ويزيد ربحيتها بما يشجع على توسع السوق بدلاً من تضييقه.

زمنياً، في الأفق القصير، خلال أسابيع إلى ثلاثة أشهر، يرجح ارتفاع مخاطر التصعيد التكتيكي داخل السودان نتيجة انشغال الوسطاء أمنياً واندفاع الأطراف لتحقيق مكاسب ميدانية قبل تشكل موجة ضغط جديدة أو قبل تغيّر خطوط الإمداد، مع بقاء احتمال التهدئة المستدامة متوسطاً إلى منخفض دون ترتيبات تحقق ومراقبة وإلزام.

وفي الأفق المتوسط، من ثلاثة إلى اثني عشر شهراً، يتحدد الاتجاه وفق مسار الحرب ضد إيران نحو احتواء أو امتداد، ووفق قدرة الرباعية والمجتمع الدولي على دفع مقايضة إقليمية تمنع التموضع الإيراني أو الروسي على البحر الأحمر مقابل حوافز وضغوط على أطراف السودان، بما قد يفتح نافذة لهدنة إنسانية أو وقف نار هش إذا ارتفعت كلفة الإمداد وأُرفقت بضغوط سياسية متماسكة.
وفي الأفق الطويل، إذا ترسخت بيئة بحر أحمر شديد العسكرة وتزايدت ترتيبات القواعد على الساحل، فقد يتحول السودان إلى عقدة تنافس مزمنة بدل صراع داخلي بامتدادات خارجية، مع صعود مخاطر حروب الوكلاء وتفتت الدولة واقتصاد الحرب، مع ارتباط ذلك بملف القاعدة البحرية الروسية قيد التفعيل أو التحريك وفق تغطيات موثوقة.

في مسار الحلول السلمية، انشغال الوسطاء وإزاحة الأولويات ينعكسان مباشرة على الرباعية بوصفها صاحبة القدرة الأعلى على تجميع النفوذ المالي والأمني على أطراف السودان، وهي في الوقت ذاته الأطراف الأكثر تأثراً أمنياً بحرب إيران من حيث أمن الخليج والملاحة والطيران.

الأثر المرجّح في المدى القصير يتمثل في تراجع وقت القيادات السياسية والأمنية المتاح لهندسة تسوية معقدة في السودان لصالح إدارة الحرب الإقليمية وإدارة أسواق الطاقة والملاحة، مع ارتفاع احتمال دبلوماسية الحد الأدنى عبر ضغط إنساني وهدن قصيرة وقنوات خلفية، على حساب مفاوضات شاملة تتطلب رعاية متواصلة.

وتوضح خبرة المسارات السابقة أن التفاوض تعثر بسبب ضعف الالتزام واختلاف تعريف الطرف الشرعي وتنازع أدوار المراقبين، إذ وثّق فريق الخبراء مثال محادثات جنيف أغسطس 2024 التي نظمتها السعودية والولايات المتحدة واستضافتها سويسرا بدعم أطراف منها مصر والإمارات والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وإيغاد، ثم تراجع حضور الجيش بسبب اعتراضات متعلقة بصيغة التفاوض ودور الإمارات، ما حصر المحادثات في قضايا إنسانية وخفّض فرص تسوية أوسع.

هذه الديناميكية مرشحة للتفاقم مع الحرب ضد إيران بسبب ارتفاع حساسية التموضع الإيراني، واحتمال ربط بعض الوسطاء المسار السياسي السوداني بملف احتواء إيران في البحر الأحمر، بما يضيف طبقة جديدة من الشروط على مسار التسوية.

إنسانياً، توجد مخاطرة إضافية تتمثل في “منافسة الأزمات” وتراجع التمويل وارتفاع التكلفة، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى تفاقم الأزمة الصحية–الإنسانية في 2026 مع تقدير 33.7 مليون بحاجة لمساعدة عاجلة، مع تخفيضات تمويل كبيرة خفضت القدرة التشغيلية بصورة واسعة.

ومع تحذير برنامج الأغذية العالمي من ضغط لوجستي بسبب مخاطر هرمز والبحر الأحمر وإغلاقات المجال الجوي، فإن تكلفة الإغاثة قد ترتفع وتزداد التأخيرات، ما يعمق الفوضى المحلية والابتزاز عند نقاط التفتيش، من دون أن يقود ذلك تلقائياً إلى ضغط سياسي فعال نحو السلام.

وعليه فإن أبرز الجوانب السلبية المحتملة على حرب السودان تتمثل في انكماش الاهتمام الدبلوماسي قصير الأمد وضعف متابعة آليات الوساطة والامتثال وارتفاع كلفة الإمداد التجاري والإنساني واحتمال اندفاع الأطراف إلى تصعيد تكتيكي بهدف تحقيق مكاسب قبل تشكل موجة ضغط جديدة، مع قابلية توسع اقتصاد الحرب وشبكات التهريب نتيجة تشتت التركيز الدولي.

وفي المقابل فإن أبرز الجوانب الإيجابية المحتملة تتمثل في احتمال تشكل نافذة ضغط إقليمي–دولي أوسع للحد من التموضع الإيراني والروسي على البحر الأحمر، بما يرفع كلفة الاستمرار في الحرب على أي طرف يُنظر إليه بوصفه قناة نفوذ، ويخلق حوافز جديدة لهدنة إنسانية مشروطة وآليات امتثال أقوى، إذا استطاعت الرباعية تحويل دورها من إطلاق المبادرات إلى هندسة التنفيذ والرقابة.
وفي التوصيات العملية، فإن التحول الأكثر تأثيراً للرباعية يتمثل في الانتقال من إعلان المبادرات إلى هندسة الامتثال عبر فريق امتثال مشترك صغير، وقائمة إجراءات تلقائية على عرقلة الإغاثة وانتهاكات الهدنة، وحزمة حوافز إنسانية–اقتصادية تُصرف على مراحل وفق مؤشرات تحقق قابلة للقياس، لأن خبرة جدة وجنيف تشير إلى أن غياب الإلزام يفرغ التعهدات من مضمونها.

وعلى القوى المدنية السودانية، فإن توحيد منصة مدنية موجزة بحد أدنى من التوافق يصبح ضرورة تشغيلية في لحظة انشغال الوسطاء، عبر تصور لوقف نار تدريجي وتصور للانتقال المدني ومطالب إنسانية قابلة للقياس تتعلق بالممرات وحماية المرافق، بما يضمن وجود طرف مدني قادر على التقاط نافذة الضغط عندما تعود الأولويات الدولية إلى السودان.

#السودان #إيران #أمريكا #إسرائيل #عروة_الصادق

الخميس، 12 فبراير 2026

إعادة إعمار الخرطوم- هل يستقيل الفريق جابر كما استقالت سلمى؟!

إعادة إعمار الخرطوم- هل يستقيل الفريق جابر كما استقالت سلمى؟!


عروة الصادق 

orwaalsadig@gmail.com


● المدينة التي خرجت من تحت الركام يخضبها الدم والدموع ويكسوها الفقر والجوع، تتقدم مشاريع الصيانة وإعادة التأهيل تحت إشراف سلطة أمر واقع يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان وأركان "قسمته" الضيزى، وفي قلب هذا المشهد يبرز اسم إبراهيم جابر كأحد أكثر الشخصيات حضوراً في ملف إعادة إعمار العاصمة.

أضحت الخرطوم اليوم ورشة مفتوحة، جسور، طرق، محطات مياه، شبكات كهرباء، مرافق حكومية، عقود تتداول بالملايين من الدولارات في بيئة تعاني شح النقد الأجنبي وانهيار العملة المحلية، هذا التناقض وحده يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الأرقام إلى بنية القرار ومنظومة التنفيذ.

بعد تناسل جماعات "اقتصاد الحرب" برزت جماعات اقتصاد الإعمار في ظل سلطة انتقالية لانقلاب أكتوبر ٢٠٢١م وحرب إبريل ٢٠٢٣م، سلطة بلا مؤسسات رقابية فاعلة، ولا مسؤولية محددة، انخرطت تلك الجماعات في اقتصاد إعادة الإعمار وهي عملية عادة تمر عبر ثلاث طبقات، قرار سياسي، عطاءات تنافسية، رقابة مالية مستقلة، في حالتنا السودانية يبدو المشهد مختلفاً، اللجنة العليا لإعادة تأهيل العاصمة أصبحت مركز ثقل مالي وتنفيذي في آن واحد، تركيز الصلاحيات داخل دائرة ضيقة يخلق بيئة مثالية لتغول شبكات المصالح، في ظل غياب برلمان معين أو منتخب أو جهاز رقابي مستقل بقدرة حقيقية على المراجعة تتحول ملفات الإعمار إلى ملفات مغلقة أمام الرأي العام، حجم التمويل المعلن محدود مقارنة بحجم الحركة المالية الفعلية في السوق الموازي.


و استشرت وانتشرت بالمقابل شبكة الوسطاء و"الجوكية" والمتنافسين في: "من يحرس بوابة المشروع؟"، وذلك في ظل اقتصاد يعاني تعدد أسعار الصرف ويتحول الدولار إلى سلعة بحد ذاته، كل عقد صيانة مسعّر بالدولار مثل صيدا ثمينا لهؤلاء عبر سلسلة تحويلات، تسويات، مقايضات، إعادة تقييم بالعملة المحلية، وقد ظهرت هنا فئة من الوسطاء يطلق عليهم بالسوداني "جوكية" وفي الأدبيات الاقتصادية "Gatekeepers"، أشخاص يتحكمون في الوصول إلى القرار، في منح التراخيص، في اعتماد المستخلصات المالية، في تسريع الدفعات، وجودهم مرتبط بالبرهان وشقيقه وأصدقائه وهو داء دائما ما يصيب الأنظمة ذات المركزية العالية، هذه الشبكات تنشط عبر شركات مسجلة حديثاً طُبخت أوامرها التأسيسية وسجلت في أضابير المسجل التجاري العام للجمهورية ، ونشطت في تأسيسها مكاتب استشارات هندسية مرتبطة بالنخبة السياسية التي تدير الحرب ظاهرا وباطنا، ويخدمهم سماسرة عملة في السوق الموازي، قنوات تحويل عبر تطبيقات مصرفية مثل "بنكك" التابع لـ بنك الخرطوم، تسييل المخصصات الدولارية  وبيع الذهب داخل اقتصاد محلي منهك ولّدوا برمشة عين أرباحاً استثنائية لكل من يتحكم في التوقيت والسعر وقنوات التحويل، وبأمره شخصيات.


نحن نستصغر حجم الأموال التي يتحدثزن عنها "١١- ١٢" مليون دولار مقارنة بحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في العاصمة الخرطوم تجاوز 60–80٪ من القدرة التشغيلية في قطاعات المياه والكهرباء والخدمات الحضرية، والتقدير الأولي لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية في المدينة يضع الرقم في حدود 300–350 مليون دولار كمرحلة إسعافية، بينما ارتفعت الكلفة الكلية لإعادة إعمار الخرطوم إلى نطاق يتراوح بين 100 و300 مليار دولار وفق تقديرات متباينة تشمل الطرق والجسور والمباني الحكومية وشبكات الصرف الصحي والاتصالات والمطار، وفي قطاع المياه وحده، تعرّضت محطات استراتيجية مثل محطة سوبا إلى أضرار واسعة، وتطلبت عمليات إعادة الضخ إدخال مضخات صناعية جديدة، تأهيل خطوط ناقلة بطول مئات الكيلومترات، استيراد محولات كهربائية، وأنظمة طاقة شمسية لتشغيل الآبار، ضمن تقديرات جزئية تشير إلى عشرات الملايين من الدولارات جميعها نفذها شخص واحد وليس شركة واحدة يشرف عليه إبراهيم جابر مباشرة.


وقطاع الكهرباء تكبد خسائر أولية قُدّرت بأكثر من مليار دولار تشمل محطات تحويل، كابلات ضغط عالٍ، شبكات توزيع داخل الأحياء، ومولدات احتياطية للمستشفيات. الطرق والجسور تحتاج إلى إعادة سفلتة مئات الكيلومترات وصيانة هياكل خرسانية متضررة، بعقود فردية تتراوح بين عدة ملايين إلى عشرات الملايين للدولار للمشروع الواحد، ما يعكس الفجوة بين التمويل المتاح وحجم الاحتياج الفعلي. في ظل تعدد أسعار الصرف وتذبذب قيمة الجنيه السوداني، فإن أي عقد مسعّر بالدولار يخضع عملياً لفارق تقييم قد يتجاوز 20–40٪ بين السعر الرسمي والسوق الموازي يذهب هذا الفارق والهدر إلى جيوب حفنة البرهان وجابر، وهو ما يضخم الكلفة الفعلية عند تسييل المبالغ داخل السوق المحلي. هذه الأرقام تعكس فجوة ضخمة بين الحاجة التمويلية والقدرة المؤسسية، وتبرز أهمية الشفافية في إدارة عقود الإعمار، ونشر تفاصيل المدخلات من معدات، مواد بناء، خدمات استشارية، أجور تشغيل، وكلف تحويلات مالية، لضمان حماية المال العام في مرحلة إعادة البناء.


هذا الأمر ليس عرضا طارئا ولا داء آني وإنها هو الإرث الثقيل من الحركة الإسلامية وتنظيمها المحلول وواجهاتها التي مكنها البرهان وعصابته من التحول إلى شبكات النفوذ الجديدة، وذلك لأن تفكيك دولة النظام السابق لم يكتمل، المؤتمر الوطني ترك خلفه شبكة اقتصادية ممتدة داخل القطاع المصرفي، الأراضي، المقاولات، شركات الخدمات، تجربة ثلاثة عقود من حكم المخلوع عمر البشير أنتجت طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة يجيدون العمل داخل اقتصاد الامتيازات والاحتكار، اليوم توفر إعادة الإعمار بيئة مشابهة، أموال عامة، عقود طارئة، شفافية محدودة، سوق عملة مضطرب، حاجة ملحّة للخدمات، وهو المناخ الذي مهد لتجدد الأدوار بأسماء مختلفة وأدوات حديثة علنية وخفية هذه المرة.


ولأن ملف العملة هو الحلقة الأكثر ريعية في هذه المعادلة والأكثر حساسية، لأن كل مشروع مسعّر بالدولار يعني سؤالاً بسيطاً، من يوفر الدولار، بأي سعر، وأين يُصرف الفارق، تعدد أسعار الصرف يخلق هامش ربح خفي بين السعر الرسمي والسوق الموازي، أي جهة تملك القدرة على الوصول المباشر إلى النقد الأجنبي تملك ميزة استثنائية في بيئة تضخمية، ورغم تضخم الكتلة النقدية بالعملة المحلية مقابل انكماش حاد في الاحتياطي الأجنبي، كل أعمال الصيانة تم تقديرها بالدولار وليس العملة الأجنبية، هذا الاختلال يفتح الباب أمام اقتصاد ظل موازٍ يتغذى على فروق الأسعار.


هذا يجعل ملف إعادة الإعمار في محك بين الضرورة والمساءلة، لأن لخرطوم تحتاج إلى المياه والمشافي والمدارس والكهرباء والطرق، ولكن السؤال الجوهري يتعلق بكيفية إدارة المال العام في ظرف سياسي استثنائي، لأن غياب الإفصاح التفصيلي عن أسماء الشركات المتعاقدة، هيكل الملكية، قيمة العقود الكاملة، آلية الطرح، تقارير المراجعة، يجعل الرأي العام يعتمد على التسريبات والانطباعات، في الدول التي لم تخرج من الحـ.ــرب بعد، ومعلوم أنه ترتبط أخطر مراحل الفساد بفترة ما بعد الحرب، تدفق الأموال يقابل مؤسسات ضعيفة، التاريخ الحديث في عدة دول أفريقية يقدم نماذج واضحة لذلك، يستلهم منها جابر وزمرته نماذجهم في التحويلات والتلاعب الشكلي والجوهري يشرف عليه وعلى عمليات الحماية التغطية والتعمية رأس مجلس السيادة شخصيا، يخمه في ذلك والي الخرطوم وبعض موظفيه ومدراء الشركات الذين ليس لديهم حسابات بنكية حتى ولكنهم يديرون عمليات استبدال العملة المحلية والدولار عبر حسابات أشقائهم وشقيقاتهم بأرقام فلكية خدمة للفريق إبراهيم جابر الذي يحاول منافسوه من صغار سماسرة حكومة الأمر الواقع تعريته.

● ختاما: إن إعادة إعمار الخرطوم تمثل اختباراً حقيقياً للسلطة الحالية، ولأنها عملية مستعجلة سبقت وقف الحرب وبرامج هدنة حقيقية سـ تستنزف خزينة الدولة وتثقل الحياة على كاهل المواطن، ومع ذلك طالما أصرت سلطة الأمر الواقع على المضي في هذه العملية الشائهة عليها إما أن تحول عملية إعادة الإعمار إلى مشروع وطني شفاف يخضع للرقابة والمساءلة، أو أن تصبح فرصة لإعادة تدوير شبكات النفوذ التي عرفها السودانيون طوال عقود، المعركة حول الخرطوم ليست فقط معركة خرسانة وحديد، إنها معركة إدارة المال العام في ظل سلطة انتقالية تواجه امتحان الثقة.


ولي عودة...