الجمعة، 30 ديسمبر 2022

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان- بعد استثماري

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد استثماري


• في أوقات المساغب تعز اللقمة، وفي أوقات الفقر يعظم الدرهم والدينار، وفي أوقات المحن تنتهز الفرص، ولا أحد يستطيع إنكار الدور الكبير الذي قامت به مؤسسات استثمارية تعليمية خاصة، وصروح شامخة يشار إليها بالبنان منحت نوابغ ومتميزين التفوق والريادة، وعظمت دور معلمات ومعلمين أفقرتهم الوظيفة الحكومية وزادتهم حوجة وعوزا.




• فانتشرت في البلاد المدارس الخاصة والاستثمار في مجال التعليم الأساس استشراء النار في الهشيم، حتى استحوذ بعض المستثمرين على أراضي مسجلة كمدارس حكومية وأقاموا عليها أنشطة تعليمية تجارية، قضت على فرصة تطور تلك المدارس الحكومية واستغلت حكر حكومي.



• ووصل الأمر لاستغلال المطابع الحكومية وتخريد بعضها (بيعها خردة)، لأصحاب الاستثمارات الخاصة، فصارت تلك المطابع تهيمن على طباعة الكتاب وتبيعه للحكومة في صورة لا يمكن أن تجد لها مثيل في أكثر الأنظمة فسادا في العالم.



• ومنحت الحكومة أصحاب تلك المؤسسات مزايا تفضيلية وإعفاءات جمركية وضريبية لم تنعكس بأي حال من الأحوال على العملية التعليمة وتكاليفها الباهظة على الأسر والتلاميذ، وصار التعليم الخاص محصورا على ذوي الدخول العالية، وتم تصميم نماذج متواضعة تتواءم ومقدرات ذوي الدخول المتوسطة، أما الفقراء والمعدمين فلا سبيل لهم إلا التعليم الحكومي والذي انتكس بعد الإنقلاب في 25 أكتوبر من المجانية إلى رسوم حكومية تحت مسميات وأوجه صرف مختلفة (كهرباء – نفايات – مجلس تربوي.. الخ)، وهذه الرسوم جعلت العشرات من الأطفال يتسربون من فصول الدراسة.



• في هذه الفترة التي تخلت فيها الحكومة عن دورها الأساسي ورعايتها المباشرة لمجانية التعليم الأساس، اغتنت بيوتات ومؤسسات وكارتيلات اقتصادية ووجوه وواجهات مالية، استثمرت في الطبشور والكراس والقلم والإجلاس والكتاب المدرسي والتشييد والمباني والترحيل وجميع عناصر العملية التعليمية وساهم إطلاق اليد الحكومية في دخول، تجار وسماسرة ووسطاء لا علاقة لهم بالتربية ولا التعليم ولا رؤية البلاد التعليمية، هدفهم الأوحد الإثراء والاغتناء الفاحش، ووجدوا أن سياسات الدولة في الفترة الانتقالية نحو المؤسسات التعليمية وإقرار مجانية التعليم يهدم عروشهم ويهدد استقرارهم المالي.



• ساهم هؤلاء مجتمعون إلا من أبى في تنظيم حملات مدفوعة الثمن وشراء عدد من الأقلام والأبواق ومنصات الإعلام، لشن هجوم ممنهج ومنظم ضد الحكومة الانتقالية وسياساتها التعلمية وأعاقوا سبل الوصول لمدارس حكومية تراصف أو تنافس مدارسهم، والتي كانت أولى خطوات الحكومة بزيادة أجور المعلمين ليتوجه جيش عرمرم من المعلمات والمعلمين نحو المدارس الحكومية ويكتفوا بالراتب الحكومي، وهو الأمر الذي لم يجد الرضا من أصحاب المؤسسات التجارية الاستثمارية.



• وفي الوقت الذي كان بعض هؤلاء المستثمرون يجدون الجد في طباعة الكتاب المدرسي في إحدى الدول والتي تعبث بخرائطنا الجغرافية والطبغرافية، كانت الحكومة تجتهد في توطين طباعة الكتاب المدرسي، فأعاقوا عبر عناصرهم الخفية في وزارة المالية والمؤسسات ذات الصلة ومجلس الوزراء طباعة الكتاب المدرسي الأمر الذي رفع درجة السخط على الوزير حينئذ ووزارته، والجميع يعلم أن هناك مخازن كبرى في العاصمة والولايات رتبت نفسها لتوزيع مخزونها التجاري للمدارس والأسر والأسواق المختلفة.




• صار التعليم والأساس على وجه الخصوص في عقود الإنقاذ الثلاثة، مدخل للثراء، فقد مكن التنظيم عناصره من خطط التعليم والمناهج، والزي، ومنحوهم توكيلات الاستيراد والتوريد، وتراخيص البناء والتشييد، واحتكروا لهم المزادات وفصلوها على مقاساتهم، وتجاوزا لهم شروط الشراء والتعاقد والمواصفات والمقاييس، ومنحوهم المساحات الحكومية والساحات العامة والمدارس التاريخية، وعكفت المنظومة الفاسدة برمتها لخدمة هؤلاء المستثمرين ومكنتهم رقاب أطفالنا وتلابيب الأسر ماليا واستنزفت الموارد الحكومية للتعليم في غير مواضعها حتى صار الصرف على التعليم في الموازنة العامة آخر أولويات الحكومة التنفيذية ومعدي الموازنة في وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي.



• وحينها صارت تلك المؤسسات الخاصة الاستثمارية قبلة النافذين وأبناءهم، والأغنياء والطبقات الميسورة، وحشر بقية التلاميذ في المدارس المقبورة، وفتحت منافذ الإعلام والإعلان لمن يستطيع إليها سبيلا بماله وسلطه، وتمايز المجتمع وأبناؤه في منافاة ومجافاة للتاريخ الذي مكن أبناء الشعب السوداني الدراسة مع بعضهم البعض في خور طقت ووادي سيدنا وسنار الثانوية وحنتوب وكوستي والدويم، دون تمييز على أساس العرق أو اللون أو النفوذ الاجتماعي.




• ختاما: إن أي توجه قادم لمجانية التعليم سيصطدم بأطماع ومصالح هذه الشبكات المتداخلة والمتدخلة في عمق العملية التعليمية، والتي تمثل بالنسبة لهم تجارة رابحة، لا خسارة فيها ولا انتهاء صلاحية لمنتجاتها، فالسوق اكتظت بتجار الطلاء للمدارس، ومصنعي الطباشير ومستوردي الإجلاس، وطابعي المنهج، ومحتكري توريد الأقمشة للزي المدرسي، وغيرهم من أوجه الهيمنة الاستثمارية والاحتكار لموارد العملية التعليمية، وهو ما يقف تجاهه بقوة معلمي ومعلمات بلادي ويطالبون بتنفيذ تلك السياسية وإيقاف تحصيل الرسوم من التلاميذ والتحايل على القرار الحكومي بافتعال ممارسات تدر أموالا وتشغل مطابع ومرافق ومكاتب وعمال لا صلة للحكومة بهم.

• وما لم يتم وقف الصرف البذخي على المؤسسات والمرافق السيادية والأمنية وتقليص أوجه صرف القصر الرئاسي والحكومات الولائية، وتوجيهها بصدق وقوة للتعليم سيتراجع الحال بصورة أسوأ وستشهد تقارير الأمم المتحدة أرقاما أضعاف التي تم تسجيلها هذا العام، بل وسنشهد جيوش عمالة الأطفال، واستغلالهم ماديا وجنسيا، وسنرى بأم أعيننا تنامي الجريمة وتزايد حالات التردي الإجتماعي والتراجع القيمي والأخلاق، وحينها ستزداد هيمنة القطاعات الاستثمارية على قطاعات التعليم وتتحكم وحدها في رسوم الاستيعات وثمن الكتاب، وستفقد الدولة سيطرتها على أجيال كاملة ينبغي ربطها منذ الميلاد في المستشفيات والدراسة في الرياض والمدارس الأساسية بالوطن ومجانية الخدمات لمن في سن الطفولة، حتى لا يلعن هؤلاء وطنهم والجيل الذي باعهم الكراس والكتاب وقلم الرصاص، وهو ذات الجيل الذي ملأ أقلامه من المحابر ودرس مجانا وصرف له الكساء والغذاء والدواء، وتم تعليمه على أيدي أميز الأساتذة الذين لم يتحملوا هذه الأمانة إلا بعد تدريبهم لسنوات في معاهد التدريب التربوية.


عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين - بعد سياسي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد سياسي

• تعلقت الأنظمة الدكتاتورية والشمولية والأتوقراطية على مر التاريخ بحبال الاستبداد وتأطير المعارف والعلوم والمرافق والمؤسسات التعليمية وفق التصورات السلطوية، وتسطير الأسفار والكتب حتى الديني منها وفق ما يتفق وهوى السلطان، حتى جلدت ظهور العلماء وحبست أفكارهم وحرقت مسوداتهم أو قتلوا جراء اجتهاداتهم الدينية والفكرية والعلمية، وتلك السياسات القاهرة كانت في الغالب تتخذ طابعا آحاديا مهيمنا إملائيا لا مجال فيه للتفكير "خارج الصندوق"، ويتم التعامل فيه مع عناصر العملية التعلمية كجنود تجسس أو ضباط تجنيد أو جنرالات في جيوش السلطة، ومع المناهج والخطب كفرمانات رسمية لا ينبغي التحريف فيها أو التفكير أو قراءة ما وراء سطورها، جميعهم يأتمرون بأمرها وينفذون سياساتها.


• وجعلت هذه المؤسسات حواضن لتفريخ شتى أنواع الممارسات السياسية الفاسدة التي أضرت بالبلاد، وبهذه المؤسسات ذات نفسها، فتم تقديم الكفاءة على الولاء، حتى صارت عدد من المدارس الصناعية والتجارية والأكاديمة جراء تلك السياسات عبارة عن بيوت خربة ينعق بومها، وتم تشريد طواقم التدريس والتدريب فيها والاستعاضة عنهم بأبناء التنظيم والحزب الواحد.




• فخرجت تلك الأنظمة السلطوية أجيالا تفكيرها قاصر لا يجاوز شراك النعال، وسهل تجييشهم للحروب الأهلية واقتيادهم للنزاعات على أساس الهوية، وهيمنت على عقولهم العصبيات، لصالح تنفيذ سياسات السلطة القابضة، وتم التمهيد لذلك للأسف من منظرين ومفكرين تم تأهيلهم في أرقى المنارات، وتذخيرهم بأنفع العلوم إلا أن طغيان الأيدلوجيا والانتماء أقوى من مراقي العلم والمعرفة.



• فيما أطلقت الأنظمة الديمقراطية العنان للتلاميذ والمعلمات والمعلمين والخبراء والمختصين ليضعوا مناهج مستقلة ديمقراطية، شحذت الهمم، وفتحت الباب للإبداع في مجالات معرفية مختلفة، فانتشرت الأنشطة اللاصفية والجمعيات الأدبية ونمت الجماعات المتنافسة في العلوم التطبيقية والفنون والرياضة، للدرجة التي بزغ فيها نجم أطفال صاروا لاحقا علامات وقامات فكرية وأدبية وفنية ورياضية وسياسية يشار لهم بالبنان.



• هذا المسعى الحر الديمقراطي لم ولن يعجب المتسلطين، لذلك سيظل الحاكم المستبد يحاول تدجين هذه المؤسسات وملأها بعناصر التخابر والجوسسة وحشوها بالمنتسبين لقواه الأمنية ومليشياته الأيدولوجية، وهو الأمر الذي تصدى له بصلابة وجلد وهمة معلمو ومعلمات بلادي الشرفاء، الذين انتظموا في سلك مناهضة الاستبداد بوسائل سلمية وراقية لتحرير مؤسساتهم من الهيمنة والتدمير والعسكرة.




• إن التعليم ومؤسساته ملف سياسي سيادي ينبغي التعامل معه بأرفع المستويات السياسية والسيادية، وأن يتم مراقبة الفاعلين فيه وأدواتهم ووسائلهم ومدخلات عمليتهم التعليمية بدقة شديدة، ورقابة متناهية عبر السلطة السيادية والسلطة التشريعية وتنفيذ محكم من السلطات التنفيذية الاتحادية والولائية، لتجنب الأخطاء الكارثية والتدخلات الخارجية التي تحاول طمس الخرائط وملامح التاريخ والسيادة الوطنية، فالجميع يرى ويسمع كيف سمح لبعض الدول شراء الأطلس الذي كان يوزع على المدارس ومحو أثره لطمس جغرافيا وطبغرافيا وجيوسياسا السودان، وكثيرة هي أوجه التدخلات السياسية التي لا مجال للتساهل فيها، أو الصفح عن مرتكبيها لأنها جرائم متراكمة في حق أجيال كاملة.



• لذلك على القوى السياسية السعي الحثيث والدؤوب لدعم أنشطة المعلمات والمعلمين، وتأهيل القطاعات الفئوية وعلى رأسها دوائر المعلمين، بالصورة التي توحد ترفع قدرات المعلمين وتعزز وعيهم سياسيا بمواثيق الأمم المتحدة وصكوكها ومعاهداتها وبروتوكولاتها ذات الصلة بالتعليم على رأسها الحق في التعليم، وأن تجعل من تصوراتهم للمستقبل قائمة على توجه قومي قوي ديمقراطي يحترم الإنسان لكونه إنسان بعيدا عن جنسه ونوعه ولونه وسنه، وأن تلزمهم بسياسات نبذ العنف والتطرف وخطابات الكراهية والعنصرية، وأن تقدم عناصر قادرة على الإدارة والتخطيط السليم لوضع استراتيجية قومية شاملة للتعليم تراعي هذا التعدد الثقافي والديني والإثني وتحقق التطور واللحاق بركب الأمم المتقدمة.




• ختاما: قوة التعليم ومؤسساته وحرية البحث العلمي وأنظمة التدريس المتطورة لا تتحقق إلا في نظام حر ديمقراطي، وساسة أحرار يملكون قرارهم الوطني، ولا يخضعون لوصاية أو ابتزاز سياسي، وكذلك لا يجعلون من كرت التعليم مدخلا للمناورة والضغط والإبتزاز، فالسياسي الحقيقي والتنفيذي النظيف هو الذي يراعي مصلحة البلاد والعباد وإن كان الأمر ضد توجهه السياسي أو الحزبي أو مصلحته الشخصية، لذلك نجد أنه في الفترة التي توحدت فيها إرادة المعلمين والمعلمات وتجردوا لصالح قضيتهم المهنية بصدق، دفعوا بعجلة التحول الشامل في البلاد، وكانوا من أوائل المؤسسات التي أحدثت التصدع الأكبر في النظام الاستبدادي ودفعوا لذلك أثمانا باهظة تعذيبا وتشريدا واعتقالا على أيدي تلاميذ درسوهم في ظل الأنظمة الاستبدادية، إلا أن بذرة الوعي التي نشرها هؤلاء المعلمون الأحرار أثمرت أجيالا استنكرت الدكتاتورية وتنكرت للشمولية وآمنت بالحرية واستشهدت في سبيلها، وتقدمهم الآساتذة في صفوف الشهادة كالأستاذ المربي الراحل الشهيد أحمد الخير.

• كما أن التعليم صار من مصادر القوة الناعمة التي تؤسس عليها استراتيجيات الدول، ونرى كيف تنظم منافسات دولية تعليمية سنوية وموسمية في شتى ضروب المعرفة، وتستحوذ على اهتمام كثير من الدول والمؤسسات والمعاهد البحثية، وتتخذ كبريات الدول من تلك المنافسات سبيلا لإظهار التفوق المعرفي وزيادة معدلات الذكاء في الأجيال الناشئة ما يعني هيمنة على المستقبل المعرفي والتكنولوجي، فصارت تلك المؤتمرات الأكاديمية ترسل رسائل سياسية أقوى من الطوربيدات النووية، وهو الأمر الذي يحتاجه السودان لردع أيادي التدخل الخبيث في مؤسساته التعليمية وكف التلاعب بالسيادة الوطنية وطمس الهوية ومحو التاريخ.



عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM