الأحد، 14 أبريل 2024

من ثمرات عام الحرب في السودان

من ثمرات عام الحرب في السودان
جاء في الأثر أن السيد المسيح عليه السلام قال: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟"، وهو سؤال نضعه أمام كل من ظن أن هذه الحرب ستثمر خيرا ورفاهية ونماء لهذه البلاد، وأنه سيكون بمقدوره التنعم بمكتسبات السلطة والجاه، فصار جميع داقي طبولها طرداء، وقادة ألويتها أفئدتهم هواء، وجنى من ورائهم الشعب ثمار الحصرم والعلقم ومن أوقدوها يتبادلون نخب كؤوسهم المليئة بالدماء، يقهقهون ملء أفواههم ويمدون ألسنتهم لأولئك الشباب الذين أطاحوا بهم وهم يصرخون (مدنياااا) فأحالوهم إلى مشردين أو لاجئين أو نازحين أو حملة للسلاح عوضا عن أقلامهم التي كانوا يحملونها وهم قادمون من الجامعات والمعاهد، وهم - أي أولئك- يرفل أبناؤهم في ثياب من سندس وحرير ويتنعمون بما تشتهيه أنفسهم من أرقى مراقي المدنية والحرية والرفاه.

ولم يمض عام إلا وصرنا مجرد أرقام في تحديثات وتقارير الأمم المتحدة وهيئاتها ووكالاتها، ومجرد عناوين ثانوية في نشرات الأخبار، وقد تبدى للقاصي والداني أن الأزمة السودانية هي مدخل للتكسب والتربح وليست مبعثا للشفقة والتدخل الإنساني العاجل، وها هم تجار السلاح والبشر والازمات والمخدرات وجماعات الغلو والتطرف، صاروا فاعلا رئيسيا في تغذية الصراع في السودان، ومن يدفع الثمن هم مواطنون ابراياء عزل تحولوا لمجرد أرقام يتم رصدها ورفعها في تقارير بواسطة موظفي تلك الهيئات الأممية.


عام واحد كان كفيلا ليبرز السودانيون أفضل ما فيهم وأسوأهم، وتبارى في ذلك المحسنون والمسيئون، وما بينهما مزيني الباطل وسدنة الطاغوت من جماعات وأبواق دعوية دينية وإعلامية وتجار المواقف والحرب، وكرر قادة الحرب الأخطاء التي ارتكبها نظام الإنقاذ في ثلاثة عقود، أتوا بها جميعا في هذا العام ليرتكبوا كافة موبقات نظام الإنقاذ التي ألبت الشعب عليه، وذلك لأن القائمين على أمر هذه الحرب هم ذات أمرائها ودعاتها ومموليها وكتابها وتجارها ونافخي كيرها ومهووسيها من جماعات التنظيم المحلول، ونراهم منقسمين إلى فساطيس على رأس الجماعات المتحاربة والموالية لها رغبة في الإجهاز على كل ما له صلة بثورة الشعب التي قضت على حكمهم.



وتفاقمت تبعا لذلك الأزمات والضوائق الإنسانية والسياسية والاقتصادية وتزايدت معدلات الانتهاكات والفظائع التي نبهنا لخطرها منذ اليوم الأول الذي قلنا فيه لا للحرب، وللأسف تعامل العالم مع الأزمة في السودان كجند ثانوي في أجندتهم الدولية، ورغم سعي كثير من الأشقاء والأصدقاء والدول العربية لإنهاء الحرب وعقد مؤتمر للاستجابة الإنسانية بالتعاون مع دول العالم الأول إلا أنه وبعد عام تقاعست الدول عن الايفاء بالتزاماتها إذ لم يتجاوز السداد المالي ٤٠% مما تم إعلانه، وكذلك تراجع المنظمات الدولية العاملة في الحقل الإنساني وهيئات الأمم المتحدة عن العمل في بعض المناطق الملتهبة واكتفوا فقط بالتنديد والشجب والإدانة ورصد الأرقام التي تتجاوزها الحقيقة بأضعاف مضاعفة، لأن الرصد لم يبن على وقائع وأرقام ميدانية، وهنالك مناطق في السودان وصلتها المجاعة لم يسمع بها العالم ولم تصلها منظماته أو وكالته، ولا زال المتحاربين يحشدون الأسلحة والعدة والعديد.


وقد مثلت الحرب ذرة أسباب انعدام الأمن الغذائي، سبقها في ذلك وهيأ له الانقلاب الذي تم في السودان في أكتوبر ٢٠٢١م، الذي عطل الموسم الزراعي واسهم في فشل إنجاح الجهود التي بذلتها الحكومة الانتقالية بالتوسع الزراعي، وبالانقلاب توقفت عمليات الدعم المالي المباشر للشرائح الضعيفة وهو برنامج نظته الحكومة بتمويل دولي، كذلك تسببت إجراءات الانقلاب في التضخم الاقتصادي الذي تضاعف في فترة الحرب ليتم الاجهاز على كافة القطاعات الإنتاجية والصناعية، وشردت الحرب ودمرت كل مواعين الانتاج الزراعي والصناعي والانتاجي وبذلك أصبح السودان وولاياته المختلفة أكبر تجمع للعاطلين عن العمل والمتكدسين نزوحا وفرارا من الحرب في ظل شح مقومات الحياة وانقطاع سلاسل الامداد الغذائي والدوائي بفعل الحرب، وقد أسهم تمدد الحرب من الخرطوم نحو الولايات في تبديد المخزون الإغاثي الأممي واتلافه أو نهبه.


مثلما منعت الحرب وصول قطاعات مهنية وفئوية وخدمية وطلابية إلى حيواتهم الطبيعية فإن الحرب في هذا العام دمرت غالبية المصانع والشركات المحلية التي تنتج تلك المواد الغذائية والتموينبة وعطلت عمل المذابح والمعاصر، ومصانح إنتاج السكر وغيره، وقيدت دخول منتجات محددة وسلع مهربة رديئة التصنيع من دول جارة، وصارت هناك ولايات تعتمد كليا على السلع المهربة باهظة التكاليف، وبعضها مجهول التصنيع وتاريخ الصلاحية، وانقطعت عن بعض الولايات سبل المواصلات والنقل الأمر الذي ضاعف تكاليف ترحيل السلع ما عذر حصول المواطنين عليها نسبة للغلاء وفي هذا تعاني معظم ولايات الوسط وولايات كردفان ودارفور، بالإضافة لانقطاع سلع رئيسية تأتي من اقاليم الإنتاج عن ولايات غير منتجة للغذاء ما أدى أيضا للأزمات الغذائية الخانقة، وينطبق هذا الأمر على الأغذية الضرورية والألبان وغذاء الأطفال ومزارع الإنتاج الحيواني والأسماك والدواجن، وهو الأمر الذي تسبب في سوء تغذية لعدد كبير من الأطفال وكبار السن الذين يحتاجون لنظام غذائي معين.



ختاما: إن هذا العام فتح للسودان بابا للجحيم يمكن إحالته لأعظم أبواب النعيم، وذلك بالاستقامة والحقيقة والصدق، والكف عن المناورة والمزايدة وبعيدا عن النوازع الذاتية والمحركات الشخصية من حظوظ النفس (الأمارة)، فالجميع بات يعلم أن أسوأ نموذج للحكم والحرب بات مسجلا في سفر التاريخ باسم أسوأ جماعة دينية مرت على السودان وحكمت باسم أحنف وأعظم الأديان إلا أنها قدمت النموذج الأفظع والأقبح في التاريخ، وهؤلاء الآن على شفير البقاء أو الفناء، الواجب هو إدراك خطرهم على البلاد وجيشها ومؤسساتها وكيانها الموحد، وأن استهزاءهم بالشعب وثورته والدم السوداني وحرمته لن يتوقف طالما هم في صفوف الفريقين المتقاتلين يتحكمون في زمام الأمر ويحاولون العودة عبر البندقية كما جاؤوا من خلالها للحكم في ١٩٨٩م.

واجب السودانيين نخبا وشعبا أن يمضوا في طريق رفضهم الواسع للحرب وألا يأكلوا من ثمارها المروية بالدماء ودموع الأبرياء، وواجب العالم دعم هذا الخيار الراجح واستشعار خطره على المنطقة والسلم الإقليمي والدولي، فباب الجحيم إن فتح في السودان فسيحرق أقصى نقطة في الكوكب، وإذا استحال إلى باب نعيم فسيجني ثمرته وزهر ربيعه كل من يريد عالما آمنا مستقرا خيرا، لأن هذه البلاد فيها ما يبحث عنه العالم من موارد ورجال ومقدرات تمكن من تحقيق الأمن والاستقرار والأمن الغذائي والمائي والاسهام البيئي والمناخي وكل ما يحتاجه المستقبل من معادن رقائق الذكاء الصناعي والخام النووي، فأمامنا الخيار الأفضل والأمثل قبل أن ييسرنا الله للعسرى ولا أعسر من استمرار الحرب وارتكاب موبقاتها التي توجب سخط الخلق وخالقهم القائل جل جلاله: (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى۝ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى۝ ) سورة الليل.


عروة الصادق
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
• الإثنين: ٦. شوال. ١٤٤٥ه.
• الموافق: ١٥. أبريل. ٢٠٢٤م 

الجمعة، 12 يناير 2024

عودة بلنكن للشرق الأوسط لتلافي الحرب العالمية الثالثة وتداعياتها

عودة بلنكن للشرق الأوسط لتلافي الحرب العالمية الثالثة وتداعياتها 
● يمكننا أن نستشف ما وراء الزيارة الخامسة لوزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلنكن للمنطقة منذ السابع من أكتوبر حتى تاريخه سبقه ولحقه بها عدد كبير من مسؤولي ومستشاري وقادة الإدارة الامريكية على رأسهم الرئيس جو بايدن ووزير الدفاع وغيره من سلك الأمن والدفاع، ويمكن الرؤية بجلاء للآثار الكارثية والعميقة لتصرفات الولايات المتحدة الأمريكية التي جرت خلفها الدول الغربية والمملكة المتحدة لدعم عدوان غاشم على مدنيين عزل، ويتبين من خلال ذلك تأثير كل تلك الأفعال على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط والعالم العربي والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ما يمهد لاندلاع الحرب العالمية الثالثة التي سيتردد صداها عبر التاريخ لقرون.

● إن الانتفاضة وعملية طوفان الأقصى التي شهدها قطاع غزة هذه المرة ليست كتلك التي أشعلتها مراسلات الملك الحسين ومكماهون وقادها "لورنس العرب"، وتسببت فيها اتفاقية سايكس بيكو، أو المذكرات مثل وعد بلفور، جميع تلك التراكمات ساهمت في تشكيل الغضب الفوضوي في فلسطين والمنطقة والشرق الأوسط والبحر الأحمر وساعرت في تحويله إلى أشكال لا يمكن أن يتعرف عليها دبلوماسيو القرن الحادي والعشرين أمثال أنطوني بلينكن لأنها تجاوزت كل المعلوم والمدروس في كتب الدبوماسية الدولية.


● إن ما حدث ويحدث وسيحدث منذ السابع من أكتوبر وما لحقه من تداعيات وأفعال وتحركات لم تكن جميع تلك الإجراءات التي تم تنفيذها خلال هذه الحرب التي ربما تكون "العالمية" الثالثة، جزءًا من استراتيجية أمريكية متسقة مع توجهات العالم نحو السلم والأمن الدولي، ولا مع دعمها للحركات والحقوق وسيادة الشعوب والكرامة الإنسانية، ولا حتى مع استراتيجية تلك الدول ومجالسها المختلفة (لوردات، شيوخ، كونجرس، كبنيت .. الخ)، ولكنها في الواقع كانت موجهة من قبل عدة إدارات متداخلة ومتنافسة وتستتبع تقارير إسرائيلية استخباراتية مضللة أدخلت الإدارة الأمريكية والغرب في وحل لن يكون الخروج منه سهلا في ظل ولاية بايدن وإدارة بلنكن الحالية للملف الدبلوماسي الإسرائيلي.

● كما أن عيون الإدارة الأمريكية في المنطقة ومبعوثيها مثلوا أوهن مظاهر الاستشعار للخطر الأمني والانهيار السياسي في المنطقة بدءا من فلتمان الذي عجز عن استكناه تقويض الديمقراطية والنحول المدني في السودان وسفارات الغرب والولايات المتحدة التي استهانت بكل تدابير ومعلومات التحضير للحرب في السودان، ومن لحقهم وسبقهم من مبعوثين في شرق وغرب أفريقيا والشرق الأوسط وتلك المكاتب التي يشار إلى بعضها بشكل كودي باسم "البيت العربي" أو "المكتب العربي" أو "الإدارة العربية".


● إن أمامنا نموذج شائه وخطير للدبلوماسية الأمريكية في إفريقيا والشرق الأوسط مصاب بعطب فريد من نوعه عاجز عن اضطلاعه بدوره في معالجة أزمات سببتها أيادي إسرائيل الأمريكية في المنطقة وعناصر تنافس دولي أيضا لهم صلات بالإدارة الامريكية وأجهزة استخباراتها، يتزامن مع ذلك مع تحويل الصراع المحدود في غزة إلى نذر لحرب عالمية شاملة نظرا لكيفية تصرف الجنرالات والدبلوماسيين الأمريكان و البريطانيين خصوصا بعد الضربات العسكرية التي استهدف الحوثي في اليمن.


● ختاما: إن الحل في المنطقة والإقليم لن يكون بالاستمرار في هذا النهج الدبلوماسي المعطوب والمصحوب بعصا العمليات العسكرية، فتجربة التحالف الدولي في العراق ماثلة وكذلك تجربة أفغانستان التي سُلمت في طبق من ذهب لطالبان، يل الواجب ابتداءً إنهاء واختلاف جهات النظر الداخلية والتباينات والسجلات الضخمة والمتناقضة والكاشفة لزيف صانعي السياسة في الحكوات الغربية والإدارة الأمريكة كنقطة انطلاق موحدة ومنسجمة ومتسقة نحو تلافي اندلاع الحرب العالميةالثالثة، مصحوبا ذلك بمقاربة تنموية شاملة تدعم الاستقرار والتنمية في تلك الدول وتحجم دور الأنظمة الدكتاتورية والاستيطانية والتوسعية والاستبدادية.

● وهذا كله لن يتأتى إلا بأن يتجاوز الفاعلين الحاليين والمهتمين بصنع السياسة الخارجية في تلك الدول "غفلتهم" عن تاريخ المنطقة وتعقيدات إفريقيا والعالم الإسلامي والعربي، لأن محاولات الاجتياح الكامل للتدخل في المنطقة وتحريك الأساطيل البحرية والحربية جربتها من قبل بريطانيا في الهند وإفريقيا وشبه الجزيرة العربية وكذلك الأوروبيين في شرق أفريقيا وأستراليا والجنوب اللاتيني، ورغم محاولات تغييرهم العالم إلا أنهم منيوا بالهزائم والطرد المذل الذي مثلت أجلى صوره صورة تحرير السودان في القرن التاسع عشر والخمسينيات، وطرد الفرنسيين مؤخرا شر طردة من الغرب الأفريقي عام ٢٠٢٣م، وأي توجه غير ذلك سيؤكد ضحالة وارتباك فهم أولئك الذين يحاولون إعادة تشكيل مستقبل القرن الأفريقي والشرق الأوسط وفق خطواتهم التقليدية في صيد الطرائد، وسيوردون بلدانهم وجنودهم ومصالحهم للمهالك.

𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
                
 orwaalsadig@gmail.com