*عنف السودان: مسؤولية الساسة لجم الأيدولوجيا وحماية المدنيين*
● تعصف بالسودان وستستمر صراعات لا تنتهي حال استمرت حالة العته والسفه التي تعتري قادته، وتُضاف إلى مآسيه جرائم جديدة تُرتكب بحق المدنيين الأبرياء، ففي ظلّ الاشتباكات المستمرة، تُصبح الأسواق والمناطق الآمنة هدفًا للطيران، مُحولةً مُدنًا سلمية إلى مُجازر تُزهق الأرواح وتُدمّر الممتلكات، وفي ظل الحرب المستمرة التي تعصف بالسودان، تتجلى وحشية الاقتتال والصراعات من خلال استهداف الأسواق والمناطق الآمنة بالطيران، مما يعد واحدة من أخطر الجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين الأبرياء. هذه الهجمات لا تقتصر على الأضرار المادية فحسب، بل تترك آثارًا بشرية مدمرة تستمر لسنوات عديدة، وتعتبر هذه الهجمات جرائم حرب بامتياز، حيث تستهدف بشكل مباشر المدنيين العزل والبنية التحتية الحيوية مثل الأسواق والمستشفيات والمدارس، ورغم أن الهجمات الجوية تُبرر عادة بأنها تستهدف المسلحين، إلا أن الواقع يكشف عن استهداف جماعات أيدولوجية لمدنيين بريئين بشكل مباشر، مما يجعلها جرائم تتطلب محاسبة دولية، ووراء الأهداف الحقيقية لهذه الهجمات، يتضح أنها تحمل أهدافًا سياسية تهدف إلى زعزعة الاستقرار وخلق الفوضى في المنطقة، وربما تحقيق مكاسب سياسية على حساب أرواح وممتلكات المواطنين.
- وهذه التكلفة الإنسانية الباهظة لهذه الهجمات لا يمكن تجاهلها، فهي تتسبب يوميا في خسائر فادحة في الأرواح وتدمير للبنية التحتية الحيوية، وتقع المسؤولية على النخب السياسية لوقف هذه الجرائم وحماية المدنيين، بدلاً من استخدامهم كأدوات في صراعاتها السياسية وهو ما يوجب على القادة السياسيين الراشدين التحرك الفوري لوقف هذا الجنون بالإقدام بشجاعة ويتخذوا إجراءات فورية لحماية المدنيين والعمل على تحقيق السلام والاستقرار في البلاد بالتواجد معهم في خندق واحد، كما أن مستقبل السودان بعد انتهاء الصراع يعتمد بشكل كبير على قدرة هؤلاء على بناء مجتمع موحد ومزدهر يقوم على قيم العدالة والسلام، وعلى جميع المتورطين في الصراع أن يتوجهوا نحو حلول سياسية تضمن حقوق الجميع وتحقق الوحدة الوطنية، وعلينا أن نتذكر دائمًا أن السلام والعدالة هما الأساس الذي يمكن أن يبنى عليه مستقبل مشرق للسودان، فلا سلام بلا عدالة، والسلام وحده الذي سيطبب الجراح لكل المجتمعات المنكوبة بالصراعات، كما أن عدم وقوعنا في فخ الانتقام والعنف هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم والاستقرار المستدام.
- إن هذه الهجمات ليست مجرد عمليات عسكرية، بل تُخفي في طياتها أهدافًا سياسية تُحركها أطماع النخب الأيديولوجية الحاكمة التي تُقدم مصالحها على حياة الشعب، وظلت تُستخدم هذه الهجمات إدعاء وشكلا لإضعاف الدعم السريع عسكريًا واقتصاديًا من خلال تدمير مصادر الدخل وإعاقة الحركة الاقتصادية، إلا أنها حادت كليا عن غايتها لإرهاب السكان وتخويفهم من التعبير عن آرائهم أو مقاومة السلطة، ظنًا من القائمين عليها بالقدرة على التحكم في المناطق الاستراتيجية وإخضاع السكان للسيطرة العسكرية، ولكنها لم تقد إلا لإزهاق أرواح المدنيين الأبرياء وإصابة العديد منهم بجروح بليغة، وإجبار العديد من السكان على النزوح من مناطقهم والتشرد في مخيمات اللاجئين، وانهيار البنية التحتية الأساسية مثل المستشفيات والمدارس والمؤسسات الحكومية والأسواق آخرها قصف سوق حلة كوكو ونيالا والضعين والدالي ومليط في ١٢ سبتمر الجاري.
- ولا تقع المسؤولية الأخلاقية هنا على العسكريين وحدهم لأن هناك مواعين أيدولوجية عطنة تمثل العقل السياسي لمعسكر "الحربجية" تُحرض تلك النخب على استمرار العنف والتحريض على القتل من خلال خطابها السياسي ووسائل الإعلام التي تُسيطر عليها، وتعمل عبر أدوات الحكومة الدبلوماسية والحقوقية للتستر على الجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين وإخفاء الحقيقة عن العالم، ويعملون جاهدين بهذه الهجمات على إعاقة كافة جهود الحل السلمي وقطع الطريق أمام المباحثات والتفاوض تشبثًا بالسلطة وإصرارًا على الحل العسكري طمعا في استعادة حوزتهم المفقودة.
- ظل هذا العقل الإخواني العطن يقف وراء كافة الهجمات التي تستهدف المدنيين وحرق الأسواق والمرافق المدنية، تحركه أيديولوجية كراهية متجذرة تهدف إلى ترويع وتدمير المجتمع المدني (فلترق كل الدماء).
- هذه الأعمال العنيفة لا تقتصر على الأضرار المادية فقط، بل تهدف أيضًا إلى تمزيق ما تبقى من النسيج الاجتماعي السوداني وتحطيم أي أمل في التعايش السلمي بين أفراد المجتمع، وتوصل الجميع إلى حافة الانفصال مثلما أوصلوا جنوبنا الحبيب، وتستند هذه الأيديولوجية إلى ركيزة التطرف والتعصب والأحادية التي ترى غيرها، وتسعى إلى زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى من خلال استهداف المدنيين الأبرياء والبنية التحتية الحيوية، وترى أن تدمير الأسواق والمرافق المدنية يحقق رغبتهم في ترويع الناس لتحقيق أهدافهم السياسية على حساب حياة وسلامة المدنيين، وواجبنا ليس المناداة بوقف الحرب فقط بل التنادي الفوري لمكافحة هذه الأيديولوجيات الهدامة وهزيمة خطابات الكراهية ونسفها من جذورها، وعلينا أن نواصل فضح المشروع الذي هزمته الثورة السودانية وتوضيح فظاعة أجندته للإقليم والمجتمع الدولي، لاتخاذ جهود حثيثة لمحاربة التطرف وترسيخ دعائم الوحدة الوطنية وقيم التسامح والتعايش بين الجميع ورفع الوعي والتثقيف للحد من انتشار هذه الأفكار المسمومة والموسومة باسم الاسلام، وهذا لن يأت إلا بإشاعة قيم الاحترام المتبادل والتعاون بيننا كسودانيين.
- إن حملات التعصب الديني والقومي والتعالي الاثني التي تتصاعد اليوم غايتها التحريض على بعضنا من بعضنا، وصولا لتدمير النسيج الاجتماعي السوداني وتقويض أي أمل في التعايش السلمي، واستغلال الجهل والفقر لتدمير النسيج الاجتماعي السوداني وتقويض أي أمل في حياة كريمة، والاستقواء بالتأثيرات الخارجية لتحقيق أجندة الخارج التي سقفها تمزيق السودان إلى دويلات، فيعمد بعضنا للعمل تحت جنح الخارج لتحقيق تلك الأجندة التمزيقية.
- إننا سنُواجه مُهمة صعبة منع هذه الفظائع التي تقودها جهالة أيدولوجية وغبائن إثنية وتطلعات سلطوية، والصعوبة تكمن في أن آلة الحرب أعتى إعلاميا وماديا من كل جهة تنادي لنبذ العنف وخطابات الكراهية وترفض الحرب، وتطلب السلام والاستقرار لإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع وإصلاح البنية التحتية والمُؤسسات الحكومي، ومحاكمة الجناة وتحقيق مُهمة قادمة أكثر صعوبة وهي المصالحة الوطنية صعبة التي تحتاج جهودًا كبيرة من الجميع لإعادة الثقة بيننا ككيان وطني ممزق، والأصعب من كل هذا هو تحقيق مُهمة العدالة الجنائة والانتقالية والترميمية الضرورية لإحقاق حقوق ضحايا الصراع والمتضررين وإعادة الثقة في النظام القضائي، وعدم تمكين أي طرف من الإفلات من العقاب.
● ختاما: إنني أكتب بوصفي أحد الذين يرون سوءة الحرب عن قرب، وأرى آثارها في الحواري والأحياء والأسواق والمدن، فقد أنهكت فظاعات الحرب السودانيات والسودانيين، وأفزعت انتهاكات أطرافها قلوبهم وروعت أطفالهم وشتت شملهم، لذلك يظل رأيي منذ اليوم الأول إلى اليوم هو وقف الحرب والعودة إلى منضدة التفاوض حبًا لله، وإعمالًا للمسؤولية وتجاوز الراديكاليين الدمويين الذين يريدون البقاء في السلطة ولو بفناء الشعب، وعلى جميع أطراف الحرب كف أكفهم عن استهداف المدنيين والالتزام بالقوانين الإنسانية الدولية والتحلي بأخلاق السودانيين والوقوف عند حدود الله بلا تجاوز، هذا القول بحت أصواتنا ونحن نردده ودفعنا ثمنه ولا زلنا على استعداد لدفع ثمنه، وما لم تتم الاستجابة له فإن التحرك الإقليمي والدولي لوقف هذه الجرائم مهما تأخر لن يقف في محطة التنديد والاستنكار وإدانة المرتكبين بل سيمضي لفرض عقوبات نراها رأي العين وإحالة القضية إلى محكمة الجنايات الدولية ليصير قادة الحرب طرداء العدالة الجنائية، إلى ذلك الحين علينا التكاتف والتضامن لتجاوز أوجاع الحرب وحالات العوز والفقر والموت والمرض إلى أن نحقق حلمنا في إحلال السلام وإعادة بناء بلدنا، لأن الدمار الذي تسببه هذه العنجهية لا يمكن إصلاحه بسهولة، وإن الضحايا لا يمكن تعويضهم بالحديث والكلام، بل برسم أوجه التعويض الشامل والتحقيق الكامل للعدالة والتنمية والإيفاء بكل استحقاقات السلام المستدام، وتحقيق شراكة عادلة مع المجتمع الدولي والإقليمي وتجاوز حالة الترويض التي تمارسها دول الإقليم على أطراف الصراع استغلالًا لهم في نهب ثروات البلاد.