الأحد، 9 يناير 2022

التمكين اﻹنساني لذوي اﻹعاقةهو مطلبنا في يومهم العالمي

التمكين اﻹنساني لذوي اﻹعاقة

هو مطلبنا في يومهم العالمي


عروة الصادق


يظل اﻹنسان هو أعظم كائن في الكون بما حباه الخالق من تكريم وخلق في أحسن تقويم وإن كانت تنقصه إحدى الحواس أو الجوارح، فدون كل المخلوقات هو الكائن الوحيد الذي لم يقل الله له كن فيكون وإنما خصه بأن يصنع بيديه وأمر أهل السماء بالسجود له.

في بﻻدنا السودان شكل ذوو اﻹعاقة نسبة كبيرة من المكون المجتمعي منهم من خلقه الله معاقا ومنهم من أصابته اﻻعاقة جراء مرض أو حادثة أو حرب، فكثيرون فقدوا البصر إﻻ أن بصائرهم ظلت ترى ما ﻻ يراه المبصرون، وكثيرون فقدوا السمع والنطق إﻻ أنهم قدموا نموذج الذين يسمعون ويعقلون فيسمعون بصمتهم كل العالمين.

الحديث عن تكريم العالمين من خالقهم يجب أن يقابله ما يماثله من الخلق تجاه بعضهم البعض، فالكل يرى ما يعتري هذه الفئة من المجتمع من سوء معاملة وعظيم تجاهل بلغت أن يتم إبعاد من أهلوا نفسهم بعصامية لتولي بعض المناصب العليا في الدولة في أمقت صور التمييز التي تعد انتهاكا سافرا لحقوق هذه النخبة ونصوص الدستور اﻻنتقالي لسنة 2005م.

كثيرة هي اﻵﻻم التي تعتري فئة المعاقين إﻻ أن آمالهم أعظم من كل ألم فتجد اﻻطفال الصم والعمي في أكاديمياتهم الخاصة أشد حرصا واهتماما وأكثر نبوغا من رصفائهم سليمي العقل والبدن، بل إن كثيرا من ذوي اﻹعاقة الذهنية تفوقوا على ذوي العقل السليم 

والشكوى كبيرة جدا أمام الله قبل الناس لسوء طرق ﻻ يستطيع سليمو البدن من السيؤ فيها ناهيك عن المعاقين حركيا وبصريا ﻻ يمتلكون وسيلة نقل خاصة أو حتى تلك العصا البيضاء التي تنير الطريق.

حتى المجتمع صار بعضه متآمرا على هذع الفئات بدءا من المنزل الذي يقدم السليم على ذوي اﻹعاقة في التعليم والعناية واﻻهتمام والترفيه بل حتى نعمة التواصل الوجداني.

ولكن هذا اﻹهمال حفز هذه الفئة لﻹجتهاد فنبغ كثيرون في الفن والسياسة والصحافة والرياضة وغيره من أوجه الحياة بل هنالك عظماء من اﻷمة أهلتهم اﻻعاقة لتسنم أوجه الحياة.

الآن في يومنا هذا كل الإمكانات والعلوم والتكنلوجيا أنتجت برامج وأدوات وأنظمة تسهل لهذه الفئات سبل الحركة واﻻستيعاب والتواصل والوصف وكان للمعاقين نصيب اﻷسد في ابتكارها واختراعها نيﻻ لبراعات اﻻختراع وتسهيﻻ لصعوبات تعتري إخوتهم، إﻻ أن الميزانية المخصصة لذوي اﻹعاقة في مجال الخدمات والصحة والتعليم والرعاية صفرية من قبل الدولة إﻻ بعض الخيرين والمحسنين الذين شيدوا أكاديميات ومعاهد ومدارس وغيرها، أذكر نموذجا بسيطا لسيدة من بنات السودان المبرات بأهلها وذوي اﻹعاقة د. هنادي عيسى مهنا التي سخرت كل مرتبها الذي تتقاضاه من جامعة اﻹمام المهدي التي تعمل فيها كمحاضرة سخرته لانشاء أكاديمة خاصة بذوي اﻻعاقة واﻻحتياجات الخاصة فأمها لفيف مت أبناء المنطقة بالجزيرة أبا التي ﻻ بواكي لها لﻷصحاء ناهيك عن المعاقين.

مثل هذه النماذج المشرقة ﻻ خر له وﻻ عد إﻻ أنها ﻻ تعفي الدولة من اﻻضطﻻع بدورها بتأسيس مؤسسات صحية وتعليمية وتأهيلية وأكاديميات عليا وصاﻻت رياضية لهذه الفئات التي في جعبتها ما يمكن أن يجعل من بﻻدنا قبلة إنسانية لذوي اﻹعاقة في المنطقة واﻹقليم، فالقارة اﻹفريقية نالت حظا عظيما من اﻹعاقة ﻻستشراء الحروب فيها وفايروس شلل اﻻطفال ونقص فيتامين أ واﻻنيميا والمﻻريا المزمنة واﻻهمال الطبي الذي أورثها جيوشا من المعاقين الذين يحتاجون للدعم والعون والسند..

أتمنى أن أستيقظ ذات يوم وأجد روضة حكومية ومدرسة ومشفى وغيره من المرافق خاصة بذوي اﻹعاقة تخرج لنا جيﻻ ينافس في سوق العمل ونوابغا في الفكر والسياسة والصحافة واﻻقتصاد وكل أوجه الحياة.

نتطلع لدولة ﻻ تميز بين مواطنيها على أساس خلقي أو ديني أو إثني أو ثقافي دولة قوامها احترام التعددات الماثلة ينص دستورها بصراحة على كل الحقوق اﻹنسانية لذوي اﻹعاقة.

نرتجي أن يمكنوا ثقافيا بإنشاء مسارح خاصة ومعارض ودور ثقاقية يستطيعون نشر فنونهم ومسرحياتهم ورسوماتهم وعزف أنغامهم فيها، بل يتعدى ذلك لتحديد يوم خاص يشاركهم فيه كل أهل السودان ينص عليه في دستور البﻻد تحتفي به الدولة بصورة رسمية حتى وإن تزامن ذلك مع اليوم العالمي لذوي اﻹعاقة.

ونأمل أن يمكنوا اقتصاديا ﻷن لهم من اﻻنتاج الفكري والثقافي والفني والزراعي والصناعي واليدوي ما يمكن أن يشكل رصيدا للناتج القومي المحلي إذا وفرت لهم الدولة المشاغل واﻻﻻت والمعدات ومدخﻻت اﻻنتاج ودعمت اقتصاداتهم الصغير، يتعداه لخلق ماركة تجارية مسجلة خاصة بذوي اﻻعاقة تبين أن صانع هذا المنتج من ذوي اﻹعاقة، فكل اﻷعداد التي تصور ذوي اﻹعاقة أنهم متسولون في عﻻمات المرور كاذبة ﻷن كثيرا منهم ﻻ يأكل إﻻ بعرق جبينه بل لهم من التعفف ما يمكن أن يكون نموذجا أخﻻقيا يمكن تدريسه في المعاهد والمؤسسات التعليمية.

كما أنه في العصر الحديث وجدت رياضات خاصة بهم نرجو أن يمكنوا فيها تمكينا يجعل من منتخبنا القومي للمعاقين أول منتخب أفريقي وعربي وعالمي في كل أنواع الرياضات وينجزوا لنا ما لم ينجزه اﻷصحاء الذين يجرجرون أذيال الهزيمة كلما رحلوا.

كثيرة هي اﻻمال واﻷحﻻم التي نريدها في مجتمع العدل والحرية ولكن تبقى همة المؤمن هي مفتاح تحقيق تلك اﻷحﻻم وعلى كل شخص أخذ هذه القضية مأخذ الجد وﻻ يضير أحدنا إن مد يده لأعمى أو اشترى سواعة لضفل يعاني ضعف السمع أو وقف للحظة ليشتري وسيلة نقل خاصة ﻻحد المعاقين أو حتى مد له يد صناعية أو رجﻻ أو عكازا يتكيء عليه ليس من باب اﻹشفاق وإنما من باب الأخﻻق.

ولتنطلق مسيرة التمكين اﻹنساني للمعاقين لتصل مداها بالتمثيل الدستوري والقانوني في مؤسسات الدولة.

وهذا يتطلب تكوين نقابة مسؤولة تجمع كل المعاقين في السودان دون استثناء تحصرهم وتحدد احتياجاتهم لتودعها لدولة مسؤولة تؤسس خططها اﻻستراتيجية للمعاقين بناء على المعلومة التي تقدمها نقابة المعاقين أو أي مسمى يتفق عليه أهل الشأن وينتخبون له من يمثلهم.

مالم نطلع بهذه اﻷدوار سنبقى في ذيل اﻻمم التي ﻻ تولي كرامة اﻹنسان وحقوقه شيئا في بعد تام عن اﻷخﻻق واﻷعراف واﻷديان والمواثيق والمعاهدات الدولية.


2ديسمبر 2014


محاكمة المجرمين للأشراف

محاكمة المجرمين للأشراف

لئﻻ يوضع العنوان في غير موضعه كل بني آدم مكرمون عند الله وكل المؤمنون منهم أشراف فبنوة نوح عليه السﻻم تجعل من كل ذريته أشرافا بالنسب ولكن بنوة النسب ليست كافية لنيل ذلكم الشرف، فالكل يعلم أن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي اﻷمي كما جاء في كتاب الله، بل أن تلك البنوة لم تستحقها الذراري الخبيثة إذ أن الذرية الطيبة ﻻ تنبت إﻻ طيبا لذا قيل ذرية بعضها من بعض.

لم تهلك تلك الذراري الطيبة ولم تنقطع سلسلتها النسبية ولن تنقطع تلك الثلة ﻷنه في اﻻثر قد وجد ما يؤكد أنه لن يستكملها إﻻ المؤمنون ويشهدون بألوهية الله ويشهدون برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم حديث بن رويم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في تفسير سورة الواقعة.

ابتلي أهل السودان بمن تمطوا ظهور اﻷمة بطشا وعسفا وقهرا دون أن يعلموا لماذا يفعل بهم أولئك المستبدون ما فعلوا وكذلك يفعلون، ولكن اﻹجابة هي أن من أهل السودان من دعا الله أن ينزل عليه عذاب ويقيل عنه حكم الأحزاب إذ هتفوا (( العذاب وﻻ اﻷحزاب)) إبان الحكم الديمقراطي 1986-1989، ويقول قائل كيف يستجيب الله للناس بالعذاب وهو الرحمن الرحيم وإجابته موجودة في استجابته تعالى ﻻستبدال بني إسرائيل للذي هو خير بالذي هو أدنى والذين استمطروا حجارة من سجيل وغيرهم من المسترجزين، لذا عجل الله ﻷهل السودان بما سألوا ﻷن الله من رحمته على الناس يعجل لهم العذاب ويدخر لهم عظيم رحماته فمنها ما يطهرهم ومنها ما يرفعهم ومنها ما يصيبهم به من غضب والعياذ بالله وتكون المدخرات لقطع صراط هالك من هوى منه باتباع هواه.

والرئيس البشير هو سوط العذاب الذي سلط على أهل السودان الذين وجدهم أمة واحدة فجعلهم شيعا وطوائف يدق بعضهم أعناق بعض ومﻷ قلوبهم حقدا لبعضهم وبغضا.
وجدهم يجلسون في (الضرا) يأكلون في مائدة واحدة  تكون عنوانا لحال اﻷهل الذين يشد بعضهم يد البعض مروءة ونجدة فجعلهم ينامون (القوا) على لحوم بطونهم في قر الشتاء.
وجدهم ينعمون بصحة وعﻻج وتعليم مجاني في دولة رعاية وتكافل إجتماعي فسلب كل مدخراتهم وثرواتهم وأراضيهم بأثمان بخيسة لتعليم أبنائهم وعﻻج مرضاهم ويعرضها اليوم للمقتدرين والمغتربين منهم مخططات وهمية وأبراج سكنية.
وجدهم مستقلون أقوياء يرفض رئيس وزرائهم منح الوﻻيات المتحدة اﻷمريكية أرضا ومياها إقليمية لبناء قاعدة عسكرية حفتظا على سيادة السودان فأورثها عشرات القرارات والجيوش الدولية فضﻻ عن منح اﻷمريكان أكبر مقر استخبارتي في القرن اﻹفريقي بمنطقة سوبا جنوبي الخرطوم غرب النيل اﻷزرق.
وجدهم ينامون قريري العين ﻻ أحد منهم يؤرقه ما يأكله في الغد ولكنه جعل من حرائرهم يتمنين أن تنشق بهم اﻷرض وتبتلعهم على مرأى ومسمع العالمين في تقرير بثته إحدى فضائيات العالم.
وجدهم أنقياء النسب طاهرون جميعهم أشراف ﻻ يسرقون وﻻ يزنون وﻻ يكتمون الحق فسهل لهم كل ما يوصل إلى الفحش والرذيلة واختﻻط اﻻنساب بصورة ممنهجة وممؤسسة شيدت لها الوزارات والمقار وغيرها.
وجدهم أصحاء يفلحون أرضهم بعزم وجد يروونها بعرقهم ويدفنون فيها بذورا لم تختلط بمبيد أو تقنية إسرائيلية فدفنهم في أرضهم ودفن معهم مئات المبيدات والبذور الفاسدة والمواد المسرطنة.
وجدهم لهم قوة مسلحة تحمى البﻻد وأركانه اﻷربعة فشرد كل كفاءاتها وقرب إليه كل ماسحي اﻷحزية ومقبلي اﻷرجل.
وجدهم يحتكمون ﻷنزه منظومة عدلية في المنطقة واﻻقليم والعالم اسمها القضاء السوداني إﻻ أنه صفى جسد تلك المنظومة حسدا من عند نفسه، فأوصلنا لأكبر فضيحة عدلية وهي مطالبة رأس الدولة ومﻻحقته دوليا من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
وجدهم يقرأون القرآن بكرة وعشيا بتقوى واتضاع فأنشأ لهم منظومة خاصة بالذكر تشيع خﻻويها الفاحشة بين الصبيان.
وجدهم يطمئنون على أبنائهم في داخليات جامعية ملؤها المسؤولية واﻻنضباط؛ فأوصلهم لمجمعات تطرد منها الحرائر وتنتهك فيها حرماتهن وتسرق ممتلكاتهن بل حتى الطﻻب لم يأمنوا من يد الانتهاك والإساءة.
وجدهم يحكمهم من لهم أهل وشرف ونسب فحكم فيهم من ﻻ أهل لهم وﻻ تاريخ وﻻ نضال.
ترى هل يستطيع من لم تحدثه أمه عن جد له مات في كرري أن يحاكم من جرت في عروقه دماء الشهداء وامتﻷ قلبه بطهرها وجرت في شراينه عفتها ؟؟
ترى هل يستطيع من لم يتهم إﻻ بالفساد واﻻفساد بمحاكمة من يتهم بالعفة والطهر والنقاء؟؟
ترى هل بمقدوره النظر في عينه واﻻتيان بأدلته وأراجيفه التي قال بها وبرهنتها لﻷمة؟؟
هيهات هيهات، فالمجرمون قتلوا في السودان كثيرا من اﻻبرياء وساروا على جماجمهم وأرض السؤدد المضرجة بالدماء النقية ولكنها قذفتهم لمزبلة التاريخ، فقد قتل النظام المايوي وفتك باﻷنصار في أبا وقتل إمامهم في الكرمك ونفى قادتهم إلى المهاجر وقتل مفكرين كمحمود محمد طه مقدما إياها قرابين لفكر شيطاني أسس على اﻻرتواء من دماء اﻷبرياء.
وذات النهج يسيره الرئيس البشير وقع الحافر بالحافر فبعد مضاعفة اﻷعداد التي قتلها النميري في أبا وود نوباوي باستبدال الموقع بأراضي اﻷنصار في دارفور ها هو يتجه لتصفية إمامهم وقادتهم للوصول لنتيجة واحدة وهي استدامة الفكر اﻹخواني الذي أسس أيضا على جماجم اﻷبرياء وارتوى من دمائهم، والحديث عن محاكمات لقادة الفكر والرأي يصب في خانة اﻻهتداء واﻻقتداء بفكرة عراب النميري الذي أوعز له قتل محمود محمد طه إﻻ أن أحد الذين قالوا اضرب على الرجعية بيد من حديد هذه المرة بمنأى عن فكر الشيطان.
سيحاكم الرئيس البشير من زبانيته الذين يحاول تفضيل بعضهم على بعض في اﻷكل وسياحكمهم جميعا شعب خبر دروب الحياة وكسر القيود وامتﻻ قلبه بإيمان ﻻ يضاهيه إيمان بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وبهذه التصريحات البذيئة والمسيئة يعجل الرئيس البشير من محاكمته التي طال انتظارها ليصلب ومن شايعوه على بوابة التاريخ مثلهم مثل أي مستبد نازي أو فاشستي أو فرعوني.

عروة الصادق

السبت، 1 يناير 2022

كانت حياته محبة وسلام

الحبيب الإمام .. كانت حياته محبة وسلام
عروة الصادق
٢٦ أكتوبر ٢٠٢١م
لم نع الدنيا بتفاصيلها إلا معه، ولم نفهم معاني الوحي والتنزيل والفكر والثقافة والأدب والرياضة والحياة بحذافيرها إلا منه، ولم نسر في طريق الحق ونتحمل وعورته إلا على يديه.

كان يجرنا إليه بحنو والأب وحنان الأم، ويمد يده لينتشلنا من درك الغلو ومزالق الاستلاب، ويجرها منا لئلا نقبلها.

عرفنا بالسودان وتضاريسه وحدوده الموروثة وعلمنا الفرق بين "الجوغان والهجليج"، "البيض والحميض"، "علوق الشدة وبوخة المرقة"، "التوقيع والترقيع"، وعفرنا بالفلكلور السوداني، وذخرنا بالأمثال والقصص، ربطنا بحلقات انتمائنا العربية والافريقية، الإسلامية منها والدينية الاخرى، جعلنا نفتخر بكوننا منشأ الإنسانية ومنبع الحضارة وكان حريصه على أبراز تلك الحضارة النوبية، فكانت حياته ثورة ثقافية كاملة لم يعشها لذاته وإنما أوقفها لله وعباده، وكيفنا للتعاطي مع كل هذا مرددا: "الما بعرف ما تدوه يغرف، بكسر الكاس وبعطش الناس".

علمنا كيف نقرأ وأن نصغي للكافة، ونكتب وندون وأن نحترم الآدمية لكونها من بنووة آدم عليها السلام غض النظر عن لونها وجنسها ولسانها وعرقها.

جعل الاعتزاز بالنساء واجبا دينيا فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وإنسانيا لأن أكرمهم/ن ليس أرجلهم بل أتقاهم/ن، وأن الحياة لن تزهر وتزدهر إلا بهن.

كان عف اللسان عفيف اليد طاهر القلب، يهزم الطغاة ويهدم الباطل دون توان أو وجل، كان موقنا أن السايقة واصلة والمطرودة ملحوقة وأن الديمقراطية عائدة وراجحة.

دفع ثمنا لمبدئيته الانقلاب عليه في ١٩٨٩م ولأجل ذلك حوكم وسجن واعتقل ونفي من البلاد، وظل رأيه في التسلط الداخلي والاعتداء الخارجي ثابتا، حتى لقي الله وهو يرفض الاعتداء على سيادة الشعوب ضد التطبيع وتقطيع الدول وتركيعها.

رأيته يجالس مبعوثي الأمم وسفراءهم ووجهاء القوم ويستمع إليهم ويحاورهم وبذات القدر يجالس الأطفال ويصغي إليهم ويهاديهم ويكتب لهم ويحكي لهم عن وطنهم ودينهم.

أحببناه حتى خشينا عليه منا، وعلى أنفسنا من فقده جراء هذه المحبة، فمن فرط هذه المحبة وفي تدافع شديد أصابه أحدهم في تدافع الأنصار حتى سال دمه فرددنا أن من المحبة ما قتل، هذه المحبة كلفتنا أحبابا وأهلا وأصحابا ظلوا يخيرونا بين العيش مترفين في كنف اليزيد أو أن نصلي جائعين خلف سبط الحسين فاخترنا الإمام الصادق الأمين.

في هذا اليوم فجعت برحيل جسده عن الفانية، ويقيني أنه خلد ما يبقي أنفاسه بيننا في حلنا وترحالنا فكثير من الحبان تلتقيه ويذكرك به، في الخضرة ترى اهتمامه بالزرع، في البسطاء تتذكر وقوفه لهم.

نذكر وصاياه لنا بأن السودان أرض الأجداد ومنبت الرزق يستحق الفداء والتضحية، وأن هذا الدين متين وعلينا أن نوغل فيه برفق، دون غلو أو تطرف، وجعل الدعوة لله على بصيرة بنهج صحوي قائم على حقائق الوحي المسطور وكتابه المنشور، تسندها المزاوجة بين العقل والنقل وبين الأصل والعصر، لم تسعفه الأيام على إكمال التفسير، وقد حببنا الحبيب في سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وعرفنا بسيرته وكأننا لم نسمع أو نقرأ عنه من قبل وقد بدأ كتابة السيرة لنبي الرحمة نسأل الله أن ترى جميع مخطوطاته النور ليرى بها العالمين هذا الرجل.

اللهم أنر وجهه بنور وجهك الكريم وارزقنا وإياه صحبة رسولك الكريم.

دارفور- طائر العنقاء

على وقع حوافر الشر في دارفور أعيد نشر سلسلة مقالات عقب زيارتي للإقليم في ٢٠١٨

دارفور – طائر العنقاء (1)

عروة الصادق

زرت لأيام مضت ثلاثة من ولايات دارفور شمالا ووسطا وجنوبا، غير ما رأيته من مشاهد أخاذة، وطبيعة ساحرة نبتت من بين ركام البارود، رأيت ما يدهش ويبكي ويضحك ويستفز ويؤلم فيندى له الجبين، إنها بلاد غريبة فطوبى للغرباء.

دارفور بحالتها التي رأيتها هي السودان بكل تضاريسه وتفاصيله وانسانه، مررت بولاياتها الثلاث فسرني منظر الزراعة الممتد بمساحات شاسعة منذ أن دخلتها من الناحية الشمالية وخروجا من الفاشر حتى وادي أب زريقة، ومن بعدها تشابكت قناديل الذرة حتى دخلنا نيالا واصطفت كذلك وصولا إلى زالنجي. كان هذا المشهد وحده كافيا ليريك مدى إصرار أهل هذا الإقليم على الحياة، فقد علمت أن معظم النازحين في المعسكرات زرعوا أراضيهم وفي الغالب بصورة يدوية لأن أزمة الوقود حالت دون استخدامت الجرارات الزراعية وللأسف أتوقع أن تحول دون إكتمال عمليات الحصاد في موعدها.

قضيت زهاء العشرة أيام بين زالنجي ونيالا والفاشر متقلبا في طريق أخضر لا تشابهها إلا سجادة فرشت للصلاة عليها صلاة النصر والشكر والحمد لما أنعمه الله على أهلها من خير وفير، فالخريف هذا العام شمل كل الولايات التي رأتها عيني ولا زال أهل الجبل يستمتعون بزخات الغيث العميم التي تفسدها تارة أصوات الآليات العسكرية والطائرات وتارة أخرى أصوات الذخائر والقذائف رغم إدعاء رأس النظام وقف إطلاق النار. 

للحقيقة لم أزر دارفور يوما وندمت أيما ندم لأني لم أزرها منذ آماد بعيدة رغم ما يربطني بها من دم ورحم ونسب، وتمنيت لو لم تنقض أيام تلك الزيارة، فقد رأيت الأمل بأم عيني والبحث عن الحياة والجد  والاجتهاد والجهاد في سبيل كسب العيش  وبناء الديار،  رأيت كيف يحيي الله الأرض بعد موتها في فاشر السلطان ونيالا البحير غرب الجبيل وزالنجي، مررت بوديانها الجارية أزوم وأريبو وأب زريقة وأسواقها في منواشي ونيرتتي وناما وكاس وتذوقت برتقال الجبل وثمراته التي لم تخالطها أسمدة أو مبيدات.

استضافني أهلها المرحابين استضافة طائية ببشاشة ونقاء سيرة وسريرة، ففتحوا صدورهم قبل بيوتهم فأغدقوا عطاءهم وبذلوا سخاءهم مأكلا ومشربا ومأوى، لن يجازيهم القول أبدا اللهم إلا بالدعاء لهم والثناء.

إنها أرض قتلتها أيادي العبث وفتكت بها نيران النظام الإنقلابي وتصليها حمم اللهب منذ العام 2003م حتى يومنا هذا، نعم حتى اليوم؟ تلك الأرض مهما كانت دواعي اندلاع الحرب فيها لم يكن هنالك سبب لتجريف غطائها النباتي وقطع غاباتها الوريفة وبساتينها المثمرة، فما حدث في دارفور لم يكن عدوانا على الإنسان والحيوان فقط وإنما عدوان على الغطاء النباتي والحياة بمختلف أنواعها، هذا الاعتداء على الغطاء النباتي ترك أثرا مناخيا وخللا بيئا وللأسف قد يقود إلى تجدد الصراع حول الموارد.

رأيت إمرأة دارفورية في كل مدينة وقرية وفريق وزرع وشارع ووادي تحمل أداة زرع أو حصاد أو قطع، تعمل بجد فيبكي جبينها ولا تبكي عينها لأنها جفت من دمع ثخين سكب على فراق أخ أو أب أو زوج أو ابن حبيب، يبكي جبينها الطاهر فيقطر عرقها على الأرض فتنبت الأرض لهن ثمرا وخضرا وزهرا.

رأيتها تحمل طفلها في ظهرها وتجر دابة خلفها بعد أن حملتها بالمحصول أو بالفحم الذي لا شك أنها انتظرته أياما بعد أن قطعته شجرا وجمعت الروث وحرقته حتى يصيرا منتجا تبيعه بجنيهات يسددن رمقها ورمق طفلها الذي تحمله.

رأيتها إمرأة شماء أيما شمم لا تجلس خلف مفتاح لوحي وتطالب بحقوقها والمساواة مع الرجال، ولكنها تفوق الرجال قدرا وقدرة واقتدارا فتصعد أعالي المباني الشواهق تعمل في كل مراحل البناء (بناء- طلبة- عتالة... إلخ) دون أدنى إجراءات سلامة، فما عاد يعرف الخوف لقلوبهن سبيل من هول ما رأينه.

رأيتهن يتقاسمن الضحك رغم الآلام التي مرت بهن وهن يجلسن القرفصاء في أسواق المدن يبعن الثمار والخضار والقش، يستحوذ حضورهن على غالب الأسواق فتجدهن يثابرن من فجر الصباح إلى غسق الليل يكابدن شظف العيش.

تسمعهن في كل مكان حلا أو سفرا وفي الإذاعات المحلية يتحدثن حديث الخبيرات الدربات المتمكنات من مادتهن، صقلتهن التجربة والآلام فتجد سواد مؤسسات الدولة فيها من النساء في التعليم والصحة والعمران وغيرها، وأكاد أجزم أن نساء دارفور كطائر العنقاء كلما احترق انتفض من رماده أقوى مما كان عليه.

شبابها منقسمون بين حادبين على مصالحهم ومشفقين على الموطن ومثابرين على التعليم ومدججون بالعلم والعمل بجد، وما بين غارقين في غمرة التخدير والمخدرات والتعاطي، وما بين مدجيجين بالأسلحة المتوسطة والخفيفة والثقيلة يجوبون المدن.

وهنالك من يستعد منهم للهجرة إما مهاجرا أو متاجرا فالذين يهاجرون عبر الصحراء يتم تهريبهم بواسطة شباب في عمرهم يقودون عربات الدفع الرباعي ويشقون الفيافي بحثا عن عبير لم يجدوه في أوطانهم.

وهنالك من تحدى الأوضاع وكابد سوء الحال في المدن والقرى والفرقان والمعسكرات وشق الأرض هذا العام وزرعها رغم شح المدخلات الزراعية وانعدام الجازولين، فلم تخذله يد العناية وفاضت عليه حصادا وفيرا.

هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ الكريم.

      وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.

نواصل،،،،،

orwaumma@gmail.com

دارفور – طائر العنقاء (2)

عروة الصادق

مواصلة لمشاهداتي حول زيارتي لإقليم دارفور أتعمد أن أكتب الصورة مجردة أمام القاريء ليصله ما وصلني من قناعات سأبني عليها قراراتي وقراءاتي لكل آت من دارفور، فإلى مضابط المقالة الثانية من سلسلة دارفور طائر العنقاء.

هذا الإقليم حينما تدخله للوهلة الأولى ستشعر برهبة أيما رهبة فالطبيعة تخلب العقل وتطرب القلب ولعل فصل الخريف قد كان الوقت الأنسب لزيارتي، رغم أن الأمطار قد تكون عائقا وتعطلك عن السير ساعات أو ربما لأيام فهنالك أودية يضرب بها المثل (مسكو) في الوعورة وشدة الإندفاع والجريان، وديان عنيدة تضاهي النيل الأزرق في القوة وشدة التيار، وتجد/ي عزيزي/تي القارئ/ة أن كثيرمن البني التحتية سيما الكباري تتضرر أيما ضرر من فعل المياه التي تنخر الحجارة وتفتت الاسفلت، فتعيق مسيرة البشر والمركبات والدواب.

خريف هذا العام لا يستطيع أحد تقدير الانتاج والإنتاجية فيه إلا عبر مسوحات جوية تقديرية، ولكن تلك الربوع المزروعة تحتاج أن تصلها آليات وحاصدات ومعينات وجوالات وكل ما يلزم الحصاد، سيما الوقود. فدارفور إن استهلكت وحدها هذا العام نصف مخزون السودان من الوقود يمكن أن تورد ضعف ما استهلكته عملات صعبة كعائد صادر لأن أسواق البورصة في زالنجي ونيالا والفاشر ستزدهر أيما ازدهار هذا العام بإذن الله، والإجراء المنطقي والمعقول هو تمويل عمليات الحصات وحماية المساحات المزروعة من أي اعتداءات أو تعديات محتملة، والإسراع في شراء المحاصيل كلها من فول وذرة وسمسم وغيرها بأسعار مجزية وكافية للمزارعين وقطع الطريق أمام جشع التجار الذين يستغلون حوجة صغار المزارعين للأموال، هذا قد ينطبق على ولايات الانتاج جميعها (كردفان – سنار – القضارف- جنوب النيل الأبيض – النيل الأزرق – منطقة المناقل والجبال البيض بالوسط). 

كما أني لحظت أن القطيع الحيواني هذا العام ولله الحمد يسر الناظرين وقد تفوق الإبل والأغنام والأبقار في دارفور جمال بقرة بني إسرائيل لحسن مظهرها وخصوبة مرتعها وطيب ما طعمناه من لحمها (المنصاص) ولذة ما شربناه من ألبانها، لذلك على الجهات المختصة رعاية هذا القطيع وحمايته من أي عمليات سلب ونهب واعتداء بل وتوفير الجرعات البيطرية اللازمة للرعاة في أماكنهم، لأن في حماية هذا القطيع حماية للأمن الغذائي القومي وحراسة لثروات لا تقدر بثمن.

هنا على أن أذكر أمرا وهو القطعان الكبيرة من الحمير  نعم (الحمير) التي استوحشت وفي اعتقادي أنها كانت لمواطنين هجروا وحرقت قراهم وفقدوا مأواهم أو حتى قتلوا وقدر لها أن تعيش وتتكاثر في تلك الوديان والربوع وأعدادها كبيرة جدا يمكن أن يستفاد منها في أغراض طبية كما فعلت تركيا.

أما البنى التحتية في دارفور تردت أيما تردي على الصعيد العام بحسب ما يرويه مواطنو الإقليم، ولكن هناك مباني زخرفية شيدت لأغراض سياسية أو أمنية أو عقابية لا تفيد المواطن الدارفوري بشيء خصوصا وأن المستشفيات العمومية في المدن الثلاث التي زرتها أوضاعها لا تسر أحد ولا تلبي احتياجات الإنسان الذي كرمه الله، وكذلك المدارس الحكومية، ولكنك إذا تحدث عن القطاع الخاص فحدث ولا حرج، فالبني التحتية للقطاع الخاص تضيق بها المدن من متاجر ومدارس ومشاف . ..الخ.

الطريف المبكي في الأمر أن الحكومات الولائية تمتص دم المواطن وتقتطع من قوته وحليب أطفاله لتشييد مباني ومرافق لاستضافة الدورة المدرسية القومية وذلك في فترات ضيقة وقد تكون قاسية لا يتحمل المواطن تبعاتها ولكن الولاة يصرون على إثبات كفاءتهم وقدرتهم وإمكانياتهم، ففي جنوب دارفور مثلا هنالك مسرح واستاد قيد التشييد ومثله مرافق أخرى وصلت الوقاحة من حكومة الولاية استقطاع ما أسمته تبرعات من أطفال (الدرداقات) الذي يقتاتون من هامش السوق، بالله عليكم هل لهؤلاء ذرة إيمان أو ضمير؟؟؟

بل جعلت التقسيمات الجديدة للمحليات في الولاياة مدخل لاستنزاف موارد المحليات والتفنن في الجبايات فهنالك همس بين سكان الولاية أن المحلية التي ستورد أعلى نصيب للدورة المدرسية الحالية سيتم الابقاء عليها بل حتى الوحدات الإدارية التي تريد أن ترفع إلى محليات إذا نافست يمكن أن تصبح محليات وهنالك قادة في تلك الأماكن يصدقون مثل هذه الخرافات.

أما عن طرق دارفور التي نهبت أموالها وصدقت ميزانياتها من الحكومة المركزية مرارا وتكرار بعد ما حدث لها في أكبر عملية اعتداء على المال العام سميت بعملية (خلوها مستورة)، تعد تلك الطرق من أسوأ طرق السودان فطريق طوله 200 كلم تقطعه السيارة في ثمانية ساعات لرداءته وللأسف عدد نقاط الارتكاز والتحصيل خارج إطار وزارة المالية والإيصال (15) لا حصر لها ولا عد، وهي نوع من التحصيل غير القانوني المحمي ببندقية تارة نظامية تابعة للقوات المسلحة وتارة للشرطة وتارة لمليشيا الدعم السريع.

الشيء المضحك المبكي أن طرق تلك المدن مشيدة بطريقة تظهر لك مدى الفساد الذي تمارسه شركات الإنشاء والتشييد، فالناظر لكل طرق مدينة زالنجي يرى عدد المنحدرات (المزلقانات) التي تعترض مسار الطريق وهي في الأساس وديان أو مجاري مائية موسمية من المفترض أن تشيد عليها كباري تصغر أو تكبر بحجم الوادي ولكنها كلها راحت في خبر كان.

تعكف شركة الجنيد الهندسية (إحدى فروع إمبراطورية الجنيد المتعددة) المملوكة لقائد الدعم السريع على تشييد طرق جديدة وإعادة تأهيل طرق قديمة ولكن طريقة العمل وما يعتريها من سوء وبطء يبين لك حجم الفساد الذي يعيشه ذلك الإقليم وحجم فساد هذه الدولة التي تعطي عطاءات للطرق والجسور القومية لشركات ليس لها أي خبرات أو سبق أن شيدت غرفة ناهيك عن طريق إقليمي وقاري كطريق نيالا كاس زالنجي والذي يصل بطبيعة الحال إلى الجنينة التي بدورها ترتبط إرتباطا وطيدا بدولتى تشاد وإفريقيا الوسطى.

كما أن هنالك معتدون جدد على أراضي السكان الأصلاء وصاروا يشيدون المباني والمقار والمؤسسات والمنتجعات على أنقاض تلك المساحات التي هجر أهلها أو نزحوا أو هاجروا، فبعض المباني في دارفور نزعت أراضيها بقوة السلاح، والبعض الآخر تم التلاعب في أوراقها وانتزعت بوضع اليد والدلائل على ذلك كثيرة يمكن للقاريء الاتصال بأقرب مكتب محاماة في أين من مدن دارفور.

الحقيقة التي أود أن أذكرها أيضا هو اختفاء مظاهر التسلح المشاهدة بالعيان والبعض يعزي ذلك لحملة جمع السلاح التي أطلقتها حكومة الخرطوم، فالذي يمر على دارفور لا يرى من يحمل السلاح نهارا إلا في أيادي الشرطة والجيش وقوات الدعم السريع وقوات بعثة يوناميد، ولكن الذي أسرني به أحد الأصدقاء أن السلاح المجموع لا يساوي معشار ما هو محتفظ به في الفرقان النائية أو تمت مواراته وللأسف بمغيب الشمس تظهر بعض تلك الأسلحة، فعند وصولي لنيرتتي بعد مغيب الشمس وفي السوق وجدنا مجموعات مسلحة لولا لطف الله لاشتبكوا مع بعض جنود الدعم السريع الذين كانوا مارين بالمنطقة صوب زالنجي- هذه حادثة واحدة من حوادث وأحداث مروية ومرئية، فضلا عن أن مدينة نيالا شهدت عمليات اعتداء مسلح وقتل ونهب في ظل الحديث عن اختفاء هذه الأسلحة، ولي صديق مقرب قال لي بالحرف: "لا أخرج بعد المغيب إلا وسلاحي معي". انتهى

هذه المشاهد والقصص تنبيء بأن الظلم في الإقليم ماثل ولكن أهله تحدوا الصعاب ونهضوا من تحت الركام ورماد البارود كما تطير العنقاء من رمادها، وهذا يوجب الالتفات بصدق وحق إلى هذا الإقليم وأهله، الذي لا يحتاجون لشيء من حكومته المركزية فما يمكن أن يقدموه للسودان والمنطقة والإقليم قد يضاهي ميزانيات دول جارة وشقيقة ولكننا نصر أن نفسد أوطاننا بالحروب التي لا طائل منها وسفك الدماء التي تجري في شراييننا.

ختاما: أكرر أن هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ/ة الكريم/ة.

      وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.

نواصل،،،،،

orwaumma@gmail.com

دارفور – طائر العنقاء (3)

عروة الصادق

تتواصل رحلتنا صوب ذاك الجبل الشامخ (مرة) وما جاوره وجرى منه من وديان ومجاري مائية تندفع بقوة لتشق المدن والقرى والفرقان التي تلاشت ولم يبق منها إلا الأطلال نتيجة الحرب فالمرويات تقول أنا هذه الوديان كانت تحتضن بين جنباتها عشرات القرى والفرقان إلا أن الحرب شردت غالبية قاطنيها، ورغم كل النيران التي حرقت الأكباد وأبادت الشجر والبشر إلا أن أشجار الجبل تصر على الإثمار، فخيرات جبل مرة تملأ أسواق مدن دارفور من موالح وتفاح وخضروات.

سأواصل رحلتي مع القارئ/ة الكريم/ة لاستعراض الوجود الأجنبي الذي يملأ شوارع ومدن الإقليم التي زرتها فبعثة يوناميد تعد من أكبر بعثات حفظ السلام الدولية في القارة والإقليم، ومعلوم أنها جاءت بناء على قرارات دولية أصدرها مجلس السلم والأمن التابع للأمم المتحدة والتي أقسم حينها الرئيس البشير قسما مغلظا بأنه لن يسمح لقدم أجنبية أن تدخل السودان ولكن دخلت إلى جنوب السودان قبل الإنفصال وقتئذ بعثة يوناميس وإلى دارفور يوناميد بعثتان متوسط قوتهما 40 ألف شخص، بالإضافة للعدة والعتاد.

وبما أن الحديث عن دارفور فإن بعثة يوناميد تمارس عملها مظهرا بصورة مهنية وتباشر مهامها وتسير دورياتها التي تجوب المدن والقرى والطرقات ولكن الحقيقة أنها عاجزة عن أداء مهامها على الوجه الأكمل، تجلى ذلك إبان زيارتي في عجزها عن الوصول لمنطقة تربا التي حدثت بها إنزلاقات طينية أودت بحياة عدد لم يتم إحصاؤه إلى الآن من الضحايا.

فضلا عن أن البعثة لا تتخير الزمان والمكان وإنما تتعامل بردود الأفعال لو تذكرون ما حدث في قرية تابت سابقا. ونجد أن البعثة تقدم برامج في غير مواضعها فمثلا شهدت برمجة تثقيفية عن الألغام وخطورتها وما إلى ذلك في وسط دارفور تحديدا مدينة زالنجي وشارك في البرنامج حكومة الولاية وعدد من قادة المجتمع المدني وبعض المشاركات الثقافية من المدارس بالمدينة. كانت البرمجة من حيث العرض مقبولة شيئا ما ولكن الحقيقة التي يعلمها الجميع أن هنالك مناطق تتأثر يوميا بهذه الألغام والأجسام المتفجرة والغريبة أكثر حوجة من زالنجي والمدن المحيطة، وللأسف ذلك البرنامج تمت إقامته في ميدان بغرض إظهار سلاسة الوضع في المدينة إلا أن قوات البعثة وبعض الدوريات الشرطية والأمنية والقوات المسلحة كانت تحيط بالمحتفلين إحاطة السوار بالمعصم، في مشهد يحقق عكس مقاصد الإحتفال.

هذا الوجود الأجنبي يعيش في مرافق تم إعدادها بصورة جيدة وموائمة للحياة بكل صورها من حيث الإنشاء والتشييد والتأثيث والكهرباء والمياه النظيفة وأبراج الاتصالات ومحطات الصرف الصحي وغيرها من الخدمات، وقد تم استغلال مساحات كبيرة جدا اقتطعت من أراض لم يتم تعويض أهلها وفي الغالب قد يكونون من الذين سامتهم الحروب سوء العذاب، إلا أن كل هذه المباني والمعسكرات ذات الصورة الجميلة عرضة للتخريب والتجريف، فبعد خروج البعثة المتوقع في مقبل الأيام ستؤول تلك المرافق سيما الـ(Super Camps) ستؤول بحكم الواقع إلى الحكومة السودانية(حكومة  المخلوع) وقتئذ والتي بدورها كانت ستحيل تلك المرافق العالمية إلى معسكرات لتجنيد المليشيات وتدريب العسس وهذا سيكون وصمة في جبين الأسرة الدولية التي عليها أن تكمل عملية بناء السلام بعد أن عملت على حفظه صوريا وذلك بالتوصية والتشديد على الحكومة السودانية (حكومة الحرية والتغيير) بإحالة تلك المرافق إلى مرافق خدمية للصحة والتعليم والتدريب والتأهيل في شتى المجالات العلمية والمهنية كما أوصى بعض الخبراء من أهل الإقليم، وإلا فسيعتدي عليها جنود المليشيات كما فعلوا في بعضها ويبعوا أجهزة التكيف والإنارة والمولدات وغيرها في أسواق الولاية جهارا نهارا.

هذا تواجد رسمي سيخرج بتوقيتات محددة وهو مرئي ومحصور ومعلوم، وقد استنزف موارد الإقليم بصورة مزعجة ولفترات طالت دون تحقيق الدور المناط به والمهام الموكلة إليه بحسب تقديري المتواضع.

أما الخطر الذي أراه بعيني زرقاء اليمايمة أن هنالك تواجد أجنبي غير محصور وليس هنالك من يتابع تحركاته أو يعلم طريقة دخولهم للإقليم من دول جارة وشقيقة وبعضهم يعمل في مهن هامشية وآخرين في مهن خطرة على أمن وأمان الإقليم ومواطنيه كتهريب البشر والاتجار فيهم وتهريب السيارات والأسلحة والممنوعات والمخدرات، هذا الوجود إذا لم يتم ضبطه فستستمر أزمات الإقليم باستضافة أعداد كبيرة من الأجانب ستستنزف الموارد وتضيق على المواطن وستكون عبئا ثقيلا عليه، هذا يوجب مراجعة الوجود الأجنبي وإيقاف إخراج الأرقام الوطنية بالصورة الحالية والمزعجة في الإقليم فهناك من يصل إلى المدينة من دول الجوار ويقضي أياما ثم يتم استخراج الرقم الوطني ويتم تجنيسه والأعداد كبيرة وفوق التصور.

هنا يبدر إلى ذهني  تساؤل هل كان للأمر علاقة بانتخابات 2020م التى أزمع المخلوع قيامها؟؟

فضلا عن أن هذا الوجود ليس ذو طابع انتاجي أو زراعي أو استثماري ولكني أرجح أن يكون منهم استخباراتيون من دول جارة وشقيقة لها مآربها في الإقليم.

ولا أنسى التواجد الصيني في بعض شركات الطرق والجسور التي تعمل في العلن تحت هذا الغطاء ولكن إذا سؤلنا عن عائد رصف الطرق والجسور والمشاريع التنموية في الإقليم لتلك الشركات الصينية مع المهددات الأمنية هل العائد مجز ومحفز للبقاء، الإجابة لا!!!! لأن كبريات الشركات الصينية وغيرها خرجت من السودان منذ تدهور العملة السودانية مقابل الدولار ولكن بقيت الشركات العاملة في التعدين والنفط وبعض المستثمرين الأتراك الذين يعملون في مصانع الطوب والشوام في محلات بيع الطعام، لذلك أرجح أن تلك الشركات تعمل ظاهريا في مجال الطرق والجسور وباطنيا في مجال التعدين، لأن الثروات المعدنية في الإقليم لا تقدر بثمن والحدود المشتركة على طول الخط من العوينات شمالا مرورا بالطينة التشادية وصولا إلى إفريقيا الوسطى كلها مفتوحة لتهريب تلك الثروات سيما الذهب الذي لم يعد البنك المركزي السوداني قادرا على شرائه أو حتى توفير السيولة في مصارف الإقليم التي حالها حال مصارف العاصمة بل أشد سوءا وشحا. ولا أستبعد حدوث مشهد كالذي حدث في ولاية القضارف باختفاء عمال شركة وجبل بالكامل في مقبل الأيام.

أنا متأكد أني لست أول ولن أكون آخر من لاحظ ذلك الوجود الأجنبي ولكن التساهل في التعامل معه يمكن أن يجعل من غربنا الحبيب مستودعا لكل الممنوعات ومكبا للنفايات الالكترونية خصوصا أن أسواق دارفور مغرقة إغراق تام بأجهزة كثيرة ومن شركات مجهولة ومتعددة وكذلك المستحضرات التجميلية بل حتى المعلبات والأدوية والمواد الغذائية والتموينية متوفرة بصورة مزعجة ولا أعتقد أن السوق تخطع لرقابة، هذا لا يعني التخوف من كل ما هو وافد ولكن يجب أن تراعى صحة الإنسان والبيئة، فقد تستجلب لنا أجهزة مسرطنة وتهرب بكميات كثيرة وبعلم النظام القائم لأن آخر ما يهمه هو مصلحة إنسان درافور.

ختاما: أكرر أن هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ الكريم.

      وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.

نواصل،،،،،

orwaumma@gmail.com

دارفور: طائر العنقاء (4)

 عروة الصادق

 

المسيرة من وإلى الإقليم القارة بقدر ما لاقانا فيها من نصب وتعب إلا أنها كانت فاتحة للآفاق وموسعة للمدارك وملهمة للعقول وشاحذة للقلوب ومعلية للهمم، فالأقليم تجاذبته نزاعات في فترة من الفترات على الغذاء واعتمد بصورة كبيرة على المعونة الدولية ولكن هذا الموسم رغم التحدي الإقتصادي الذي تعيشه البلاد أستطيع أن أقول بكل صدق أن إنسان الإقليم لن يكلف مخازن (WFP) الشاهقة مثقال حبة من خردل من مخزونهم الغذائي، فالنهوض من الركام الذي حققه أهل دارفور سيسهم ملء الهوة الغذائية  في الإقليم، وذلك نسبة للآتي:

• اتساع الرقاع المزروعة في الإقليم مقارنة بالفترات السابقة والأعوام الماضية، ولعبت أيادي القدرة الإلهية دورا  مفصليا في نجاح فصل الخريف وتحفيز المواطنين على زراعة أراضيهم.

• انحسار نسبة التسلح وانتشار حامليه وانخفاض معدلات الاعتداءات على المزارعين سيما النساء اللائي كن يتعرضن لاعتداءات وحشية في الفترات السابقة وحوادث القتل في الزراعة هذا العام قليلة مقارنة بالسنوات الماضية.

• كسر أهل الإقليم خصوصا النازحين قيد العزلة المفروضة عليهم في المعسكرات وخرجوا نحو مواطنهم ومزارعهم الأصيلة مستخدمين الدواب وآليات النقل الخفيفة (التكاتك)، وفي رأيي هذه سهلت سبل الخروج من المعسكرات للزراعة والعودة إليها من جديد.

• لعب إدراك أهل الإقليم خطورة الإعتماد على الغوث الإنساني والمعونة الدولية دورا كبيرا في الخروج من المجتمع الذي قيد حركة المواطنين في المعسكرات، فها هي الأيام تخرج بعثة اليوناميد من الإقليم وسيتبع ذلك خروج للهيئات الإغاثية والبعثات الدولية.

• هنالك انفتاح تجاري كبير بين الإقليم ودول الجوار وأي انتاج في المحاصيل (الحبوب، السمسم، الذرة، الصمخ، الفول،... إلخ) سيشكل دخلا لهؤلاء المحرومين، لذلك إن لم تشتر الدولة المحصول هذا العام بأسعار مجزية سيتم تهريبه لدول جارة وشقيقة.

يشكل تحدي زيادة المواليد في الإقليم أكبر التحديات الماثلة أمام الحكومة والمجتمع المحلي والإقليمي والأسرة الدولية، سيما منظمة الصحة العالمية، والتي يقع على عاتقها توفير الأمصال الوقائية من أمراض الطفولة (الحصبة -  شلل الأطفال- ..الخ)، كما يعد الحديث عن صحة الأمهات الحوامل والصحة الإنجابية ترفا في ظل القصور الحكومي الذي يرى في هذا التنامي  السكاني عبئا كبيرا عليه، وهذه ليست من عندي ففي العاصمة والمدن الكبرى تم إلغاء قرارات مجانية العلاج لمن هم دون الخامسة.

هذه الكثافة في المواليد شهدتها في المعسكرات أكثر منها في المدن، رغم أن المسافات غير متباعدة إلا أنك تلحظ هذا الأمر في الصباح الباكر وأولئك الأطفال يتجهون نحو المدارس وتلحظه في تكدس الأعداد الكبيرة للأطفال في مدارس المعسكرات بصورة أكبر من مدارس المدن.

هذا يقودنا إلى التعليم في الولاية، والذي يغلب عليه الطابع الخاص فالمدارس الحكومية لا تضاهي إبرة في كومة قش التعليم الخاص، والذي يكلف الأسر أثمانا باهظة ويكلف المدارس ذاتها خسائر فادحة، فالعام 2018- 2019م الدراسي سماه بعض مدراء المدارس الخاصة (عام ملوص) بمعنى أن الرسوم المفروضة لم تغط تكاليف المنصرفات لرواتب المعلمين ومدخلات العملية التعليمية.

هذا أثر هذا العام في زيادة رسوم القبول للعام الدراسي الجديد بصورة تضاعفت وأزعجت الأسر، بل حتى أقعدت بكثير من التلاميذ ومنعتهم من الالتحاق بالمدارس، رغم العون الذي تقدمه بعض المنظمات الطوعية وعلى رأسها اليونيسيف من حقائب وكراسات وملابس.. الخ.

الفرق بين أطفال الإقليم واطفال العاصمة أنهم أكثر نشاطا وحيوية ورغبة في التعليم وحرص على قطع مسافات بالأرجل للوصول لمدرسة ما، على العكس تماما نجد أن هذا لا يحدث في العاصمة مع فارق الاحتجاج بالأوضاع الأمنية وخطورة ترك الأطفال يلاقون مصيرهم.

هذا الاطمئنان الذي يتمتع به أطفال الإقليم إلى زول خصوصا بعد حادثتي الاختطاف لطفلين في مدينة نيالا تمكن الأهل من استرجاع أطفالهم، ولكن هذه الحوادث تلقي بإشارات سالبة قد تقود إلى انفلات أمني متوقع.

نستطيع أن نقول أن وزارة التربية والتعليم عاجزة عن تقديم أدنى الخدمات للولايات التي زرتها ومنشغلة بأشياء زخرفية كتشييد المباني للدورة المدرسية، تاركة البذل لمنظمات وجمعيات خيرية وعبء أكبر يقع على كواهل الأسر التي ألحقت بنيها بالمدارس الخاصة.

هذا العجز في التعليم يقابله عجز في الصحة والخدمات والكهرباء والبيئة، فالصحة على سبيل المثال لم تشهد المستشفيات العمومية تطويرا أو تأهيلا في الكوادر الطبيبة وجلهم حديثي التخرج أو موظفي الخدمة الوطنية، وانتشرت أيضا المراكز الصحية والعيادات الخاصة والتي في الغالب يتم التصديق لها دون مراعاة لشروط الجودة ومعايير السلامة الصحية.

تعد الخدمات في الإقليم من أسوأ الخدمات فالطرق كما ذكرنا حدث ولا حرج، ومرافق الخدمة العامة شهدت تطورا في العمران ولكنها تحاكي "سماحة جمل الطين"، ففي نيالا وحدها توجد ثلاثة قصور للعدالة تضاهي التي نراها في مدن العاصمة، ولكن عند دخولها تجدها خاوية على عروشها، وأشد ما يؤلم تسيب الموظفين فيها وعجبت لأمرهم حينما يأت وقت الوجبة لا تجد من يرد عليك السلام.

أما عن البيئة فيكفيك أن تغطي أنفك  وأنت تدخل إلى إحدى المدن الثلاث، فتجد أكوام النفيات في مقدم المستقبلين وروائحهاالكريهة المنبعثة أو الأدخنة المتصاعدة من الحرق ترسم انطباعا سيئا لا يمكن نسيانه خصوصا مدخل مدينة نيالا التي بها كثافة سكانية كبيرة تضاهي كثافة إحدى مدن العاصمة.

هذا لا ينفي جمال الإطلالة الخضراء التي رسمها خريف هذا العام لنيالا البحير غرب الجبيل وفاشر السلطان، ولكن المياه الآسنة التي تتوسط تلك المدن تحتاج لقليل من المعالجات حتى تصبح مياه نظيفة صالحة لحياة الأحياء المائية والطيور التي تتخذ منها محطات لهجرتها، أم تركها مرتعا خصيبا للبعوض والحشرات فهذا سيؤدي إلى كارثة بيئية وصحية كالتي حلت بكسلا لا قدر الله.

أما دارفور الجديدة التي أو الإشارة إليها هي دارفور الحالية (الموطن والوطن والمواطنة) وهي الناتجة عن سلسلة عمليات شائهة هي:-

التجريف: وهو ما حدث لمواطن الإقليم وبث روح الفرقة بينه وبين أخيه فحدث ذلكم التجريف في كل جغرافيا الإقليم وطبغرافيته، وهدم وشيجة الإخاء الإنساني التي كانت مضرب مثل للشعوب والأمم، كما تم تجريف الحياة العامة وإغراق المجتمع بمنظمات وجمعيات مصطنعة بعيدة كل البعد عن سمت الإقليم وأهله وجلها ذو طابع أمني واستخباراتي، كما أن التجريف طال الحياة السياسية فقد عصفت الأيام بالقوى السياسية ذات الوزن التاريخي والنضالي في الإقليم وصارت في بعض المدن نسيا منسيا وحلت محلها انتماءات حديثة لصالح القبيلة أو الإثنية أو الجهة ونادرا ما يكون الانتماء لفكرة أو مشروع.

التحريف: وقد حدث في المعتقدات والقيم والمثل والأعراف والتقاليد، وأدخلت في قواميس أهل دارفور تحريفات كثيرة، مشوهة العبارة وعاجزة اللفظ ومغرضة القصد، فاستشرت عبارات العنصرية وقلت تلك التي تنادي للإخاء، لحظت هذا في تنادي بعض الإثنيات في نقاط التفتيش لبعضهم البعض، وغابت عبارات كنا نسمعها حتى عهد قريب بين أبناء الإقليم مثل: (يا إخي- يا أخيي – يا أخوي-.. الخ)، ودخلت في هذا القاموس عبارات غريبة نافية للدين والأخلاق وطاردة لكل ما له علاقة بالعقيدة أو المثل والقيم والأعراف، لمست هذا في كثير من أسماء من قابلتهم فتجده ينادى بلقب لا صلة له بالإسم حتى يكاد يكون نسي اسمه وعلمت أن بعض الشباب في غير اسمه ومعتقده مبررا ذلك لما رآه من هول الحروب.

التجفيف: وقد طال البشر والشجر والحجر فقد جففت كل منابع المودة والوئام الإنساني في دارفور، وصارت الجفوة تتسيد روح التعايش في الإقليم، بل وصل مداه بتجفيف أواصر الإخاء بين الأسر والقبائل وخلقت رموز قبلية وإثنية دبجت بالألقاب (ملك- شرتاي- عمدة – ناظر – دمنقاوي- أمير...إلخ) بعضهم منبتون من أصلهم ولا يربطهم بقبائلهم أو أسرهم إلى اسم العائلة، وجففت موارد دخل الإدارة الأهلية الحقيقية وأفقرت وتم الإستعاضة عنها ببعض البيادق وأمراء الحروب.

التطفيف: وهو الظلم البين الذي طال الوطن ككل، والإعتداء الذي تجاوز الإنسان والحيوان إلى الأرض والشجر  والحجر، فأرض الإقليم نزعت بعض مراحيلها ومساراتها ومزارعها من سكانها بقوة السلاح وملكت لآخرين ليس لهم ما يربطهم بالأرض..

أما الإعتداء على الأشجار والغطاء النباتي فقط عبرت عنه في مقدمة السلسلة ولكن أكثر ما أزعجني هو الاعتداء على شجر نادر ليس له بذور ولم تعرف له طريقة إكثار (شجر الرطرط) والذي يستخدمه صمغه لأغراض طبية وعلاجية، يتم هذه الأيام الاعتداء عليه بواسطة أناس لا صلة لهم بالإقليم بواسطة ما كينات شفط تستهلك كل مخزون الأشجار وتتركها تجابه مصير الجفاف والاحتراق، وهذه الظاهرة لا رقيب ولا حسيب عليها.

إذا المطلوب عمليا هو :

إعادة التعريف: لهذا الإقليم وإعادة وحدته الجغرافية والوجدانية والانطلاق نحو مشاريع بناء السلام بقوة وإنهاء آماد الحرب التي تتعاظم تكاليفها السياسية والاقتصادية وآثارها الإجتماعية يوما بعد يوم، فدارفور المحمل صارت الإقليم المهمل، ودارفور التعافي والتصاهر صارت محل للنزاع والتناحر، هذا يوجب إعادة التعريف على أسس جديدة للأقليم، ترد المظالم إلى أهلها وتخلخ وشيجة جديدة متماسك لمجتمع سواده الأعظم مكتو بنيران الحرب، وجلهم من الناهضين من ركام الحروب.

ختاما: هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ/ة الكريم/ة.

      وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.

هذا والسلام لدارفور وعلى أهلها السلام،،،،،


الهيئة المركزية محنة أم منحة؟؟!!

*الهيئة المركزية محنة أم منحة؟؟!!*
٧ أكتوبر ٢٠١٩م
بما أن مؤسسات الحزب المكتب السياسي ومجلس التنسيق قرروا انعقاد الهيئة المركزية، علينا في قطاعات الحزب المختلفة وعليهم تحمل تبعات هذا الانعقاد؛ وما سيبرزه من تغير وقرارات ومواقف وخطط وخطوات.

يجهز البعض كنانته لينتخب أمينا عاما جديدا، ويعد لذلك عدته بالاتصال المتواصل بالقواعد الذي لا يتجدد إلا في مثل هذه الفترات.

ويجتهد البعض في تسفيه انعقادها؛ ويثبط همم الراغبين في حضورها بعدم تكبد المشاق لأنها - أي الهيئة- لن تأت بجديد.

ويناور البعض من موقف لموقف ومن تيار لتيار ليحظى بتأييد يكفل له الفوز في حال حدثت انتخابات لاختيار أمين عام جديد.

ويستعد آخرين للهجوم على كل مخرجات الهيئة بأنها غير شرعية؛ وكل ما يتمخض عنها باطل.

هذه الصورة توضح أننا أمام محنة كبيرة قد تقود لتشظٍ، وانقسام، وفصام جديد بين مكونات الكيان وقيادته، فالكل يطمح ويطمع أن يكون الظافر في معركة ظل الخاسر فيها دوماً هو الحزب.

أرى أن هذه المحنة يمكننا تحويلها لمنحة؛ بإجراء الآتي:
١. أن تنعقد الهيئة المركزية بكامل عضويتها حتى تلك المجمدة والمقاطعة؛ فتكون بذلك مدخلا للمالشمل الحقيقي فعلا لا قولا؛ وهذا يتطلب حراك فوري نحو أولئك النفر من أعلى المستويات.
٢. التزام الهيئة بتقييم أداء جميع أجهزة الحزب (الرئاسة، السياسي، التنفيذي، الرقابة وضبط الأداء، التنسيق) ورفع توصيات بشأنها للمؤتمر العام الثامن.
٣. رفض استقالة الأمينة العامة والطلب منها إكمال الفترة حتى انعقاد المؤتمر العام الثامن أو أن يكلف نائبها بإكمال العهدة حتى انعقاد المؤتمر ولنا في ذلك سابقة.
٤. أن تحدد الهيئة المركزية موعد المؤتمر العام الثامن الذي أرجو أن يكون في الذكرى الماسية لتأسيس الحزب في يوم الإثنين الموافق ١٧ فبراير ٢٠٢٠م.
٥. ألا نجنح للدخول في انتخابات للأمانة العامة لأن الأمين العام الجديد  سيحتاج إلى تكوين أمانة جديدة وهياكل غير الموجودة قد يستغرق تكوينها ستة أشهر.
٧. استحداث أجهزة حزبية لمراقبة أداء الحكومة بكل مستوياتها (السيادة- التنفيذي- التشريعي- مؤسسات الدولة).
هذا والله ولي التوفيق،،

*عروة*

ألن يكف هذا الغبي عن غباوته لأن الشعب لن يكف عن معارضته؟؟  

ألن يكف هذا الغبي عن غباوته لأن الشعب لن يكف عن معارضته؟؟ 

 

 ....... 
١٩ فبراير ٢٠١١م
 

 

 عروة الصادق 

 

 ...... 

 

غبي هذا الشخص الذي يظن أنه بقبيح أفعاله وبذاءة أقواله يستطيع أن يوهم الأمة بأنه المكمل ذو الفعل المجمل، فهذا الغبي وفد إلى مدينتنا الآمنة ممتطيا صهوة دبابته خائنا مواثيق الولاء ومنتهكا شرائع الإنسانية وناكصا عن عهود الديمقراطية ومسيئا للأخلاق السودانية موهما نفسه بأنه مخلص السودان ومهدي آخر الزمان، وكذب حتى صدق كذبته لكثرة ما يسمعه من زبانيته بأنك الغبي الأوحد والأكثر غباءً في مملكة الأغبياء وأن هذا السودان هو بلد الأغبياء ولن يحكم الأغبياء إلا الأكثر غباءً، فانظر إلينا حولك فستجد أحدنا عن يمينك ينظر إليك تلك النظرة الغبية مدليا لسانه الطويل ناظرا إليك بعين الغباء في زمن غبي حينما تقول حديثا غبيا لا يسمعه ويصدقه إلا الذي يقف عن شمالك والذي أصابه سرطان الغباء غير المأمول برأه لأن غباءه جرى فيه مجرى الدم في العروق، مع أنهم يقولون عنه أنه الذكي الثعلب المكار و "الحوار الغلب شيخو"، يا أيها الأغبياء في الزمن الغبي لِمَ كل هذا التغابي والغباء في زمن ساد في المكر والدهاء والحصافة والذكاء، ألم يسمع هذا الغبي بالذكاء الاصطناعي فكل شيء تعدى أن تكون غبيا في هذه الدنيا فمن الممكن جدا أن يبلغ بك الغباء عزيزي القارئ ما يبلغه أي شخص مهما علا شأنه وعظم منصبه وترقت صفته ولكن ليس من الممكن أن تصل إلى الغباء الذي وصله صديق هذا الغبي الذي عندنا من تونس والآخر من مصر فقد قال الغبي التونسي بعد أن أدركه الغرق ءالآن قد فهمت ولكن الطوفان لم يتدارك أن الرجل غبي حتى هذه الدرجة فاجتاحه ورمى به في غرفة نائية عن بلده جعلت منه غبيا يغط في غيبوبة عميقة لا يرجى برؤها من ذا السقم الذي ألم به، والغبي الآخر اشتد غباؤه واستفحل حينما وردت إليه تقارير الأجهزة الغبية التي تفيد بأن الوضع تحت السيطرة وأن من خرجوا في الشوارع هم بعض الأغبياء الذين اجتمعوا خلف لوحة المفاتيح الرقمية والتقوا في ميدان التحرير، إذ لم يراعي الأغبياء أنهم بغبائهم سيدخلون التوتر في المنطقة العربية وعدم الإستقرار السياسي بل لن يتورع الأغبياء الذين يحمونهم من تصويب بنادقهم في صدور الأتقياء الأنقياء من بني شعبهم، ومن هنا وجب على الغبي لدينا أن يستدرك خطورة تماديه في الغباء وأنه من الغباء استحضار سيناريوهات مصرية تونسية في بلاده وأن لا يلقى السمع لحفنة الأغبياء الذين تحلقوا حوله، فالغبي فاغر الفاه كبير اللسان لن يقوى على حمايته من الغضب الجم، والغبي الذكي لن يستطيع التحايل على إرادة الشعوب بالتشكيك في مقدرة القوى السياسية على قيادة فعل سياسي قوى، والغبي المضر الذي دائما ما يستحدث برامج الغباء المركب بتشويه سمعة القادة والسياسيين في البلاد ودق إسفين الفرقة والشتات بين القوى السياسية، فصف الأغبياء يطول وليلهم إن طال فستنيره عبقرية هذا الشعب السوداني الذي علم الشعوب العربية وشعوب المنطقة درسا لم تدركه إلا بعد نيف وأبعين عاما وطبقته في بلدانها هذا ليس لأن هذه الشعوب غبية بل لأن الذين حكموها كانوا أغبياء ومتغابين حتى آخر لحظات كنسهم من السلطة، فمهما اشتد الغباء في شخص فإن عبقرية الأمم والشعوب ستلقنه درسا مختصر الكلمات قد يكون من كلمة واحدة "ارحل" أو أربعة كلملت "الشعب يريد إسقاط النظام" أو ستة كلمات " حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب" كل هذه الكلمات ذات دلائل واضحة ومعاني يدركها الأصم والأبكم والأعمى، ناهيك عن شخص يسمع ويرى ويتكلم إلا أنه غبي حتى أدرج في موسوعة الفساد والإستبداد والإرهاب التي لا يتصدرها إلا الأغبياء، وإذ يشتد الغباء به ويتعدى مراحله حتى لا يستطيع مجرم إخفاء جرائمه في حق الإنسانية وضد البشرية في إقليم دارفور حتى تفضحه الأمم من وراء البحار، وتتصيده مخالب المحكمة الجنائية الدولية لإحقاق الحق، وكوكبة الغباء هذه تصل مداها بوثائق ويكليكس التي هي بمثابة الشهادة الدولية المميزة للأغبياء في العالم الذين يسرقون ثروات شعوبهم ولا يستطيعون إجادة إخفاء المسروقات، ومع ذلك يستمر الغبي في التغابي فيجمع له بعض الأغبياء ويهللون ويكبرون له ويسمعوه أنك أنت الغبي الأوحد والأصلح لحكم مملكة الأغبياء، فيستمر في غيه وظلمه وبطشه واستبداده وإنفراده وعناده، لذا على هذا الغبي أن يتعامل مع شعبه تعامل العقلاء لأن هذا الشعب عبقري ومعلم ولن يقلد التقليد الأعمى لما حدث في تونس ومصر بل سيستحدث طرقا أخرى عبقرية تجعل من غباءه عبرة لمن لا يعتبر، فالغبي ليس الذي تقتله طلقات الأغبياء وإنما الغبي هو الذي يضغط على الزناد لقتل الأبرياء، والغبي ليس الذي يحكم في كثير من الشعوب العربية ولكن الغبي هو الذي يعي الدرس بعد فوات الأوان وإختلاط الحابل بالنابل، وليس الغبي الذي يموت جوعا وسط الحفر والمجاري وإنما الغبي الذي يحترك الخبر في برج عاجي لا يصله إلا الأغبياء من أهل الولاء والطاعة العمياء، فقد يكون التونسي غبي وكذلك المصرى ولكن الأغبى منهم جميعا ذو الغباء المركب هذا الذي يجثم على صدر شعب كل ومل وسئم الضنك والضيق والإساءة والإذلال والتقتيل والتشريد والتعذيب والبطش والتنكيل والإستعباد، فهل سيعلم هذا الغبي أن الوقت قد انتهى وقد بدأت العبقرية السودانية في تشغيل الساعة المؤقتة التقليدية والرقمية لإيقاف هذا العبث الغبي. فيا غبي افهم لأن الشعب لن يكف عن معارضتك..

في رحيل سيد بشير أبو جيب

الحبيب سيد بشير ابو جيب
٤ يناير ٢٠٢٠م
قال ربنا: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك هم عنها مبعدون).
وقال: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) .
أيها المحب
المهذب
السخي
العطاء
الكريم
المبذول
الأديب
القراء
البسام
المنظم
المجتهد
صاحب الهندام
نشهد الله على محبتك ونشهد الجميع انك من أبناء هذا الوطن البررة واقول للأحباب: 
إن حبيبك هذا انتقل بعد أن اطمأن على حال الوطن، لله دوه.
وهذا الكيان ما يفتا يفجعنا بعد كل ظفر بانتخاب نخبته للقاء الله. فقد أخذ منا مهدي الأنام عليه السلام بعد الفتح وسيدي الخليفة وصحبه الميامين عليهم الرضوان في امدبيكرات وظلت المنايا تتواتر فجائعها يوما بعد يوم إلى أن أخذت ابو التومة وعبد النبي وسارا وعديل وسيدنا وصلاحين اثنين، واعتماد ويعقوب وكثيرون، وهاهو ينتخب حبيبكم سيدا، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
كان سيد سيدا خدوما رغم علو مرتبته، متواضعا لا يتأفف ولا يتعفف إلا عند المغنم، تجده متسربلا بالمحبة والحنين إلى كردفان رغم ارتباطه العملي بأم درمان، يجيد الحديث في كل شيء شأنه شأن المثقف المطلع النهم الذي ينهل من معين الفصيح والعجم، ما ان تذكر كتابا حتى يسارع بتقليب صفحاته أمامك بوعي وإدراك.
تزاملنا رغم فارق العمر بينتا في زمكان واحد عند كياننا ودار حزبنا في وقت العسرة، فكان خير مواس، وأعظم مقيل للمعسرين المتعثرين.
كان يناكف بود لطيف بعض أحبابه في مجموعة المنبر العام الاسفيرية، يبز الجميع بمحبته للتاريخ الأنصاري والمجد التليد لكيانه وقادته، ممازحا ببره لأهله الختمية في كردفان، وولهه الفياض بإمامنا المنتقى حفظه الله.
ظل الحبيب يحبب إلينا أسرته وأبناءه ويحببنا إليهم سيما بشير الذي رافقه في كثير من المراحم والمزاحم والملامح، صبيا بضا ولكنه قوي، صغيرا شهما ولكنه فتي.
ألا رحم الله حبيبكم يا أحباب فنشهد الله أنه كان محسنا ونسأله تعالى أن يزيد في إحسانه، وأن يلهم اهله الصبر الجزيل ويجعل البركة في زوجه وذريته الطيبة.
وعهدنا أن نواصل مسيرته التنظيمية فقد أعدد شبابا مؤهلين لبناء هذا الكيان ولن يخذلوك يا حبيبي بإذن الله.

نسأل الله أن نلقاك على صفاء ويقين. 

حبيبك عروة الصادق