الجمعة، 15 أبريل 2022

عن حديث (البرهان) في شهر رمضان

عن حديث (البرهان) في شهر رمضان

لعل البرهان استدرك أنه ظالم الناس ولنفسه مبين، فمن قبله استيقن البشير ذلك في لحظة تجلي وفي شهر رمضان المبارك أيضا فصرخ وصرح أنه آبق ولا توبة له لقتله الآلاف في دارفور، وحينها سأل عن طريق للاستطهار، وها هو الزمان يستدير وفي الشهر الفضيل ذاته ليردد البرهان ذات المقولة بعبارات وكلمات أخرى، ولن أقول له كما قال سيدنا موسى عليه السلام للظالمين من قومه واقتبس من كتاب الله قوله جل جلاله: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) (54)، وأقول له لا تقتل نفسك وأزيد أن عليك تحريرها من عوالق تعلمها، والله يعلمها، وسأذكره بقول خالد لسيد الخلق الذي هو أشرف مني ومنه صلى الله عليه وسلم إذ قال: أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي حُقُوقٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا، فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَلَا يَقُلْ رَجُلٌ إِنِّي أَخْشَى الشَّحْنَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ -[49]- لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَتِي))  انتهي الاقتباس.

وأمضي مفندا حديث البرهان بالآتي: 
أولا: لن يقول لك أحد من القوى السياسية مستجديا (أقعد بعيد)، فالحديث قيل بحناجر الملايين وبصوت واحد وشنف أذنيك، وزلزل أركانك، وخلخل ميزانك، أن "ارحل" كلمة واحدة لا ثاني لها تمثل قوة الأرادة وقوة العزم والاصرار، وقوة المنطق، وقد سمعتها ولكنك قابلتها بمنطق القوة، وقد قتل وأنت رئيس الانقلاب زهاء المائة من بواسل الأمة ويوانع المستقبل، قتلوا وأنت تحل وتعقد في أمر البلاد (وحدك لا شريك لك)، وبذلك دماؤهم المراقة، وأوصالهم المقطعة، وأعينهم المفقوءة، وذواتهم المفقودة، هذه كلها جميعا معلقة في عنقك إلى أن تلقى بها الله الحكم العدل، لذلك لا تستجدي القوى السياسية السودانية التي تعتقل قادتها ولا لجان المقاومة الذين قتلت زملاؤهم، وحبست المئات منهم وسحلت الآلاف منهم أن يستنقذوك، (ضعف الطالب والمطلوب)، فقط (تنح) استسلاما واعمل (كما كنت)، من الانقلاب واستعد للاستطهار والاستغفار والمساءلة هنا وعند الحكم العدل، أو يتنحى إرغاما شأنك شأن المخلوع.


ثانيا: إذا كان حديثك عن إطلاق سراح البواسل والشرفاء في المعتقلات والسجون هو رشوة للتخدير والتغبير، فالمنطق يقول بأن النيابة العامة وحدها من تقرر في أمرهم وتدخلك اعتراف بتدجينها والإملاء عليها بما تفعل أو لا تفعل، وبقاؤهم في (زنازين الشمالي، أو سوبا، أو دبك، أو شندي، أو بورتسودان، أو غيره) أشرف لهم من أن يطلق سراحهم ليتم اقتيادهم لاتفاق إذعان كالذي لطختم به صحائف رئيس الوزراء السابق د. حمدوك، فالسجون والمعتقلات تخبرهم ويخبرونها وهي أكرم لهم من حياة مذلة يخالطون فيها القتلة والسفاحين وجماعات الارعاب ومافيا الفساد والاستبداد من سدنة الانقلاب، والوطن برمته قد صار زنزانة معتمة، بلا ضوء أو دواء، بلا ماء أو غذاء، بلا نخوة أو إباء، الجميع يعذب، ويقتل، ويسحل، ويسرق، ويصيبه الغثيان من سوء صنيعكم بإطلاق سراح المتأسلمين وجماعات التطرف، والفاسدين، ومن بددوا ثروات البلاد ومزقوا أوصالها.


ثالثا: أما الحديث عن رفع حالة الطوارئ، فهي (حالة) بلا قيمة ولا معنى لها وقد كسر الشعب طوقها من الساعات الأولى قبل وبعد إعلانها، والطواريء مثلت حماية للقتلة من القوات النظامية، بإزالتها أو إلغائها لن تعيد لنا من فقدنا، ولن تعيد أي ثقة للشعب في قواته النظامية التي تتقاعس عن حمايته، بل مثلت انتهاكات وسرقات منسوبيها أجلى صور البؤس والهوان والامتهان، وفاقت بذلك ونافست حرب عصابات (٩ طويلة).


رابعا: المخرج "واحد"، "وحيد"، "أوحد" أمامك:
١. بيان "واحد" أعلن فيه تنحيك الفوري عن السلطة أنت وسدنة الانقلاب فور التنحي سيتنفتح طاقة القدر بقدر وقدرة هذا الشعب ومقدار لطف الله العظيم؛
٢. مرسوم "وحيد" ألغ به جميع قرارات انقلابكم المشؤوم في ٢٥ أكتوبر وما ترتب عليه من إجراءات، وهو ما سيسرع التعافي من ازمات البلاد التي استفحلت عقب الانقلاب، وسيفتح الباب لاستعادة مكتسبات الثورة الداخلية والخارجية والدولية؛
٣. توجيه "أوحد" أوقف به أجهزتك عن استدعاء أشباح القوى السياسية من القبور، واستنساخ مسخ لجان مقاومة، والكف عن تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في السودان، حينها تتم استعادة ضبط الأجواء وتهيئة المناخ واستعادة الثقة للتواصل بين مكونات الشعب السوداني دون قطيعة.

ختاما: هذا والله أعلى وأعلم مدخل الحل والإصلاح، أو سننعم بالصبر على أيام كوالح، موالح، رمداء، غبراء كغوابر أيام النظام المباد، بل أشد بؤسا وبطشا وتنكيلا، حينها ستأكلكم جميعا نار (المردة) المستحضرين من المنافي والسجون، وسيتواصل مسلسل تمزيق البلاد وتستعر حروب الأطراف وربما اندلع أوارها في قلب العاصمة، ولن تجدوا حينها حتى تراب وطن تجلسون عليه القرفصاء.


أخيرا: تذكير للتاريخ: 
في مثل هذه الأيام من العام الماضي وفي منزل السيد الفريق ياسر، إنك استنكرت حديثي عن ذهابك لكوبر حال تماهيك مع الفلول ومهادنتهم والسير عكس اتجاه موجة التاريخ الثورية، وأكرر اليوم مجددا ما قلته لك يومئذ، كوبر لمثلك ستكون "نزهة" حال عاد الإسلامويين إلى السلطة وكما أشرت لك بالوسطى والسبابة في جبهتك أن مصيرك سيكون "الدروة" وطلقة في الرأس لأنهم (وكذلك يفعلون) وتذكر ضباط رمضان ونحن في شهر رمضان وذكراهم بعد أيام، وقال ياسر حينها أن النظام المباد لن يأتي (صاد)، وها هو قد آب إلى البلاد (صاداً) بكل قبحه وقيحه وصديده في كافة مرافق ومؤسسات الدولة، وأعاد البلاد إلى سودان ما قبل المفاصلة في ١٩٩٩م، وهو ما سيجلب لنا الحظر، والحصار، والدمار، واستحضار جماعات التكفير والإرهاب والإرعاب، وستعود عمليات الاغتيال على شاكلة ما حدث للراحل د. جون قرن، والزبير وشمس الدين ومجذوب الخليفة ومن معهم.

اللهم بلغت فاشهد
هذا والله غالب على أمره
         ____انتهي___
عروة الصادق اسماعيل حمدون
المحطة: 
أم درمان - البقعة المباركة
التاريخ: 
١٤ رمضان ١٤٤٣ه الموافق
١٥ إبريل ٢٠٢٢م
___@orwaalsadig___

الخميس، 31 مارس 2022

رحيل القدير قدور


بقلم: عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
رحل "سر" الكلمة المرتبة المترابطة الصاعدة الرصينة والعبارة المنظومة المقفاة، والجملة الجميلة الحكيمة المحكمة المنتقاة، والألحان الرقيقة الدافئة الدافقة العذبة الشجية، والنفس الرحبة المرحابة السمحة الأبية.

رحل قدور الذي ضحك وأضحك خلقا كثيرا، وها نحن ننعاه ونبكيه دمعا غزيرا، تودد إلى شعبه باللطف والغناء، وعمل بجد وتفان للارتقاء والسمو بالوجدان السوداني، كتب وألف ولحن وأنشد وقدم فتقدم على أقرانه بعطائه، وسيحزن عليه إذاعيون وإذاعات وإعلاميون وصحفيون وقنوات وسيظل مكانه يملأه الشغور المؤلم في الصحف والمجلات والقنوات والإذاعات وقاعات المحاضرات، رحل "المريخابي العجوز"، والذي سيفتقده أهل العرضة جنوب.

رحل وما بعد أن أحيا ما اندرس من أشعار وأغاني ومدائح وأناشيد، مجددا ممجدا للوطن الأبي وشعرائه، وفيا لشموخ فنانيه وشعرائه وملهما لإنسانه، واضعا أساسا متينا وإطارا مرجعيا فنيا للتواصل الثقافي والترابط الوجداني بين أبناء وبنات الوطن الذاخر بالتنوع، فسيظل برنامجه (أغاني وأغاني)، هو المرجع والمكتبة والإرشيف لذخائر الفن والفنانيين السودانيين. وستظل أعماله المسرحية مشاعل وعي متقدم في الاهتمام بالمسرح والآداب وقضايا المجتمع والزراعة والبيئة والجمال.

رحل بعد أن خلد وطنه بالشعر وصار السودان «أرض الخير» التي تغنى بها الكاشف، ومجد جمال فتاته «ست البنات» بصوت صلاح ابن البادية واشتكى الشجن وكتب «حنيني إليك» لمحمد ميرغني، وأصر أن يقر بحبه وهواه للمحبوب قائلا: «أنا بهواك» والتي صدح بها صلاح محمد عيسى وأهدى العاقب محمد الحسن أجمل لقاء حينما كتب «إتلاقينا مرة». وغنى له القلع عبد الحفيظ «لاموني فيك الناس» وأيمن دقلة «فرح الليالي». كما غنت له الفنانة وردة الجزائرية قصيدته «أسألوا الورد». وقامت المطربة السورية زينة افطيموس بتجديد أداء قصيدتة «أسمر جميل» التي غناها إبراهيم الكاشف.

ويظل الموت حقيقة الحقائق التي قال عنها الحميد المجيد: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، والذي يتقيه الجميع وفي ذات الوقت يرتجيه، حقيقة نعرفها جيدا إلا أنها تفاجئنا في كل حين، إن لم نتفهم أسراره؛ فسنرث الحزن الذي يلازمه؛ الهم، والكدر، والعجز، والجبن، والبخل، والكسل، الذي يقود لغلبة الدين وقهر الرجال والعياذ بالله. وعلينا الإيقان بالفناء لجميع الأغيار (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)، فكل ما سواه غير هالك إلا وجهه، والبقاء لعظمة الجبار وحده (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ).

اللهم ارحم عمنا السر قدور رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وألهم أهله الشاعديناب بنهر النيل وبناته بجمهورية مصر الصبر الجزيل، واجعل البركة في عقبه وأحبابه وحياته وكيانه وسودانه الذي تغنى لأجله، و أحسن آخرتنا ومن صحينا ومن أحبنا على حب نبيك صلى الله عليه وسلم.

@orwaalsadig

الأربعاء، 23 مارس 2022

الحوجة لإطار دستوري جديد لصناعة وصياغة الدستور الدائم

الحوجة لإطار دستوري جديد لصناعة وصياغة الدستور الدائم

لنجب بادئ ذي بدء عن الحوجة لإطار دستوري وما الذي زجنا في هذا الوضع اللادستوري، الإجابة القاطعة هي الإنقلاب المشؤوم في 25 أكتوبر 2021م والذي مزق الوثيقة الدستورية وهو الأمر الذي جعل من الرجوع إليها أمرا مستحيلا، لذلك بادرت العديد من الجهات والمؤسسات بتقديم رؤى انتقائية بإرجاع الوثيقة الدستورية واستكمال مسار الانقال على هدي التعديلات التي أدخلها الإنقلاب، وهناك رؤية استبدالها بدستور 2005م مع إجراء بعض التعديلات، وهناك رؤية تقول باستحداث وثيقة دستورية جديدة، وجميع الرؤى المطروحة تكاد تجمع على ثوابت وطنية لا خلاف حولها، إلا أن المعضلة الرئيسية هي محاولة المؤسسة العسكرية إقحام نفسها شريكا سياسيا "مدسترا" بنصوص دستورية، وهو الأمر الذي ترفضه رؤى غالبية القوى السياسية ولجان المقاومة المناهضين للإنقلاب والذين يرون أن أي دور مستقبلي للمؤسسة العسكرية يجب أن يقتصر على المهام المنصوص بها في قانون القوات المسلحة والمتعارف عليه في كل الدساتير بحماية الأرض والدستور ونظام الحكم، وأن تنأى المؤسسة بنفسها عن دولاب الحكومة التنفيذية.
أي دستور مقترح أو مسودة لوثيقة دستورية ينبغي تتضمن الآتي: 
١. أن تكون إطار للتطوير الدستوري المستمر لتحقيق التوافق السياسي ومجاراة الحوادث السياسية المتجددة تمهيدا لترسيخ القناعات الدستورية وصناعة وصياغة الدستور الدائم.
٢. أن تضع المسودة الدستورية ترتيب القيم السودانية في سقف أولوياتها الدستورية وتضعها ضمن أطر دستورية لا يتجاوزها أي كان مدنيا أو عسكريا.
٣. وأن يكون الدستور هو مرجعية الإطار الإداري المتطور باستمرار وأن يحكم سيطرته على التشريعات اللائحية والتنظيمية لكافة مؤسسات الدولة وعدم إغفال أي دور من الأدوار أو كيان من كيانات الدولة.
٤. لابد أن تمثل ملامح الدستور الإطار الجامع لسواد أهل السودان، وأن يسلط الضوء على الدور التشريعي والرقابي المرجو ويحدد ماهيته.
٥. لابد أن يكسب الدستور المؤسسات العدلية والحقوقية والقانونية والقضائية استقلاليتها وأن يكون له بعدا أخلاقيا يعزز دور المؤسسة القضائية كوصي أوحد على القيم الدستورية وحارس لها تلتزم بكلمته كافة مؤسسات الدولة.
على أن تكون أهم مهام الدستور القادم هي:
١. أن يهيء نصوص حاكمة لمفهوم نظام الحكم  الذي يقوم على النزاهة والكفاءة ويحدد الأدوار الأساسية والرئيسية للسلطة التنفيذية  أو الحكومة.
٢. أن يمنع تجاوز الأجندة الأحكومية أو التغول على سلطاتها من أي سلطة من السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية).
٣. أن يكفل هذا الدستور حرية الإعلام ودوره الرقابي ويحمي ويحرس حقوق الإنسان ويجرم الانقلابات والاستعلاءات الثقافية والدينية والإثنية والعرقية. 
ولا بد من الاعتراف بالأخطاء السابقة التي وقعنا فيها في تشريع وكتابة الدستور ومن الأخطاء الكارثية التي وقعنا فيها سابقا الآتي:
١. أن الوثيقة الدستورية كتب وصيغت صياغة ولم تصنع صناعة دستورية، فاكتسب سمت كاتبيها الذي لم يلبي أشواق صناع الدستور الذين كان يمكن أن تتم مشاورات دستورية معهم في حرم القيادة العامة إبان الاعتصام والتواصل معهم عبر لقاءات كانت ممكنة ومتاحة بالمركز والولايات والمهجر في ذلك الوقت قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية، وهو الأمر الذي جعل منها وثيقة قاصرة تشوبها الكثير من النواقص.
٢. وقعت في أكبر خطأ وهو إقحام العسكر في السلطة بمحاصصة أعاقت عمل الفترة الانتقالية، كما أنها لم تراع التغيرات الهيكلية في نظام الحكم التي طرأت جراء التحول من نظام جمهوري رئاسي إلى نظام لم تتحدد ملامحه إلى انقلاب 25 أكتوبر فلم يكن النظام رئاسيا ولا برلمانيا ولا مختلطا وهو أمر اصطدم كثيرا بدولاب الحكومة الموروث من النظام الرئاسي البشيري المباد.
٣. كما أن تجربتنا الدستورية السابقة تؤسس هيكلًا واضحًا للسلطة بشكل كافٍ يراع التنوع الذي تحظى به البلاد، فقد أسهم عجز التنفيذ في تشويه التجربة الدستورية من خلال عدم تحديد الاختصاصات للمؤسسات وإهمال الفتاوى المرجعية المحددة لتلك الاختصاصات وإهدار الكثير من الحقوق الدستورية.
٤.  كما أنها لم تحد من السلطات العسكرية ولم تحمي الحريات التي بطشت بها تلك المؤسسة حتى عند الفترة الانتقالية وسقط جراء ذلك ضحايا ببنادق تلك القوات.
٥. قد كانت الوثيقة غالبًا منحازة للمركز ومتجاوزة للولايات في كثير من الأشياء إذ أنها حلت وعقدت في كثير من الأمور في الخرطوم ولم يتم تضمين استشارات الولايات والأقاليم وهو ما انعكس لاحقا في تكييف أوضاع الحكم الاتحادي هل هو نظام إقلمي أم ولائي أم إتحادي بنظام المحافظين.
٦. أن كثير من القوى والمجموعات همشت عند صياغة الوثيقة وهو ما حفز كثير من تلك القوى أن تجد في الانقلاب وسيلة لسماع صوتها ونجح الانقلابيون في استقلال تلك الأصوات لصالحهم. 
ختاما: أرى أن أي مسعى لكتابة الدساتير وليس صناعتها سيعقد الأزمة ولن يحلها وسيوقعنا في ذات الأخطاء التي ارتكبتها العديد من الأنظمة السياسية المتعاقبة على البلاد، وهنالك فرصة لـ(الصناعة) ويمكننا تصميم دستور مرن قابل للتحديث والتطوير وذلك بتجميع كافة النصوص الدستورية المقترحة والتي تتجاوز الخمسين مسودة، ومشاريع الدساتير الدائمة المقترحة من بعض الكليات والأكاديميين والقانونيين والمختصين وتضمينها ضمن إطار دستوري موحد يفتح للنقاش وتجمع الآراء حولة للوصول لخلاصة موحدة تستهدي بها البلاد، وإلا فإن حالة اللادستور الحالية ستضييع مكتسبات البلاد داخليا وتربك دولاب الدولة وتهدد العلاقة بين المؤسسات وتبدد سبل التواصل الإقليمي والدولي، وحينها ستتناحر مؤسسات الحكومة فيما بينها وتضيع حقوق المواطن الدستورية كما نرى في شوارع ومدن البلاد، وأيضا سيفتح هذا الأمر كثير من دول العالم منح صفات تمثيل السودان لشخصيات ومؤسسات وأجهزة لا صلة دستورية لها بالبلاد وربما نشهد فوضى تمثيل خارجي واعتراف واعتراف مضاد في ظل الاستقطاب الدولي الحاد. 


عروة الصادق

الاثنين، 21 مارس 2022

الإنهيار السريع المدمر لقطاع المقاولات والسودان

*الإنهيار السريع المدمر لقطاع المقاولات والسودان*

كتبه: عروة الصادق
في: ٢١ مارس ٢٠٢٢م

□ أي دولة تنشد التطور والنمو تحافظ على قطاعاتها الاستراتيجية والحيوية والخدمية والمهنية، سواء كان ذلك في القطاع العام أو الخاص، وقطاع المقاولات يعتقد البعض أنه غير مرتبط بحياة الناس بصورة مباشرة وأنه من القطاعات المرتبطة بالبرجوازيين وأبناء المدن، والحديث عنه مجرد رفاهية في ظل الحديث عن فعاليات الثورة. 

□ منذ أن حدث الانقلاب ٢٠٢١م، تناقشنا كثيرا وبعض الزملاء المهندسين في شتى المجالات المساحة والمدنية والمكانيكا والزراعة فرادى وجماعات، وتساءلنا عن تأثير الانقلاب على حيواتهم ومن يعمل معهم أو يعملون معه،  وطفق الجميع يعدد ما خسرناه من مكاسب على الصعيد الدولي والمحلي وعلى المستوى الشخصي والأسري، وما نجم عنه من كوارث وأزمات وانتهاكات انسانية وتراجع في ملف الحريات، وهي أمور من البديهي جدا تزامنها مع أنماط الحكم الاستبدادي الآحادي. 

□ وانهار تبعا لذلك، قطاع التعليم الأساس والعام والعالي، وقطاع الصحة، والقطاعات الخدمية والمهنية والفئوية الأخرى تباعا، ولكن قطاع المقاولات اتضح أنه القطاع الأسرع إنهيارا والأكثر تأثرا بتبعات الإنقلاب، والأكثر تأثيرا على قطاعات المجتمع الهندسية والمهنية والحرفية ورجال الأعمال والبنوك وحتى المؤسسات الحكومية. 

□ جراء الانقلاب تبددت كل الخطط العامة والخاصة وبرامج العمل الانشائية والمدنية والزراعية والصناعية، حتى تلك الخطط الحكومية لتهيئة البنى التحتية وصيانة مرافق ومؤسسات الدولة، وعلى سبيل المثال وقف أعمال التشييد في عدد من المرافق كالطرق والجسور، وتشييد المشافي والمراكز الصحية والمدارس، وتعطيل أعمال إكمال بعض الكباري التي كتن مقررا إكمالها خواتيم هذا العام، حتى مشاريع التوطين المرتبطة بمساهمات دولية وإقليمية جميعها اصطدمت بحاجز التردي الاقتصادي والاجراءات المضطربة لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. 

□ منذ الانقلاب توقفت العطاءات الحكومية التي تمثل أكبر مشغل لقطاع المقاولين، وذلك لتعطيل جميع خطط الحكومة الانتقالية قصيرة وطويلة المدى، وتم تبديد الأموال المرصودة لذلك بصورة لم يشهدها السودان من قبل، فضلا عن إيقاف كافة التدفقات المالية الخارجية من منح وهبات ومعونات وودائع واختلال النظام المصرفي السوداني بعد خروجه من نظام التحويلات العالمية. 

□ كما أن أولويات الانفاق الحكومي اختلت واختلفت، فالصرف الحكومية تبدلت أجندته منذ صباح الانقلاب في ٢٥ أكتوبر، وصارت أولوياته الاستعداد الأمني، والصرف على الاحتياجات والمهمات العسكرية، بصورة تضاعفت باضطراد إلى أن أرهقت كاهل الاحتياطي النقدي للبلاد، وأضعفت أوجه الانفاق الحكومي على الصحة والتعليم والخدمات، وجعلت هذا القطاع يفقد فرصا حكومية تنعشه وتطوره وتكفل تشغيله دون توقف. 

□ أدى ذلك لتوقف أعمال الانشاءات والبناء والتشييد التي تشغل قطاعا لا يستهان به من المهندسين، والفنيين، والتقنيين، والعمال، والحرفيين، بل حتى الخفراء، جميع هؤلاء، مهددون بالعطالة والتسريح، لعدم مقدرة قطاع كبير من المقاولين على دفع استحقاقاتهم المالية التي تسد رمقهم وتسهل لهم سبيل الوصول إلى مقر العمل "السايد" بلغتهم. 

□ ومعلوم أن كل ذلك ينجم عنه تعطل المشروعات وبذلك تتوقف عملية بيع وشراء المشروعات، التي يتأثر بها بصورة مباشرة تجار العقارات وأصحاب الملك الحر والمغتربين والسماسرة والمهندسين والمساحين والمحامين، بل حتى الشهود الذي يحضرون للتوقيع على عقد ما، وبالتأكيد تتوقف عمليات الشراء أو الاستئجار من الأجانب الذين ينتون الاستثمار في السودان، بالتالي يفقد السودان سيلا من العملات الصعبة وتقفد كثير من الشركات فرص العمل، وهذا سيؤدي إلى إغلاقها وتسريح الآلاف المؤلفة من موظفيها وعمالها، وبالتالي قطع أبواب الرزق للكثير من الأسر في المركز والولايات. 

□ كما سيؤثر هذا القطاع ويتأثر بارتفاع أسعار مواد البناء، ومدخلات العملية الانتاجية، وهو الأمر المرتبط بقطاع الصناعة والانتاج والتعدين والتسليح والمناجم والمحاجر وصغار المنتجين بل حتى أصحاب الكمائن على ضفاف النيل وخيران السودان الجارية سيتأثرون بذلك الأمر، بالتالي ارتدادات الانقلاب ستسرع من انهيار هذا القطاع وتؤثر على عمل إمرأة لديها كمينة طوب في أقاصى شنقلي طوباي. 

□ وهذا سيجعل قطاعا آخر يسارع باللحاق في الانهيار، وهو قطاع المستوردين، لأن الامدادات المستوردة لقطاع المقاولين ستتوقف، تبعا لاستحالة القدرة الشرائية على الإيفاء بأسعار تلك المستلزمات بدءًا من حديد التسليح وصولا للمبات الإضاءة وأسلاك التوصيل وأنابيب الPPR ومتعهدي الزجاج والدهانات والأصباغ والمفارش والأثاث، وغيرهم، وهذا الارتداد سيوسع دائرة الكساد في المصانع وأماكن البيع بالتجزئة من دكاكين ومستودعات ومغالق، وهو ما سينعكس على محمد أحمد سيد الكارو الذي يقف أمام المغلق، لنقل الاسمنت والطوب والرمل. 

□ وستعاني القطاعات السكنية تبعا لذلك لعدة شهور ولربما عدة أعوام فإيقاف العمل في هذا القطاع سيقلل تشييد المساكن والمجمعات السكنية الخاصة والعامة، وسيزج بكثيرين لاستئجار المنازل وربما الغرف التي بدورها ستتضاعف أثمانها بصورة جنونية وتقل فرص الحصول على سكن، وحينها سنشهد الكثير من الاختلالات الاجتماعية والاضرابات النفسية وعمليات العدوان والطلاق، سيسأل سائل الطلاق علاقته شنو بالمقاولات؟!.

□ على الصعيد العام ستخرج الكثير من البنوك وشركات التأمين والمحافظ التمويلية من هذا القطاع، وستتراجع الأرباح وستحل الخسائر محلها، وسيقتات القطاع من رأسماله بصورة تآكل مريع وسريع، وربما سيعلن بعضها إفلاسه، أو سيضطر العملاء لبيع أصولهم العقارية والمنقولة والثابتة المرهونة لدى البنوك، وفي حالة العجز سنشهد اكتظاظا في سجون السودان لكثير من المقاولين ورجال المال والأعمال والمهندسين والمواطنين الذين بدأوا مشروعات لها ارتباط بالمقاولات. 

□ وبلا أدنى شك سترتفع الشكاوى في وزارة ومكتب العمل وستكتظ المحاكم بالمتظلمين، وهو ما سيوقف فرص التعيين والتوظيف والعمالة في أدنى المشروعات، أو أننا سنجد المهندسين والعمال والفنيين يعملون في ظروف مجحفة وهو ما سيحفز على السرقات والجريمة،  وحينها سيصطدم الجميع وسيفر كثير من المشكو ضدهم، وستفر رؤوس الأموال أو تغلق الشركات والمصانع والمزارع والمؤسسات ونشهد تضاعف مضطرد في عدد الفارين من البلاد عبر إحصاءات إدارة السجل المدني والسيطرة الهجرية. 

□ أما خارجيا فللأسف الشديد تعطلت جميع الشراكات التي كان يرجى تفعيلها في مجالات الكهرباء النظيفة والمياه والطاقة والتعدين والزراعة والطرق والانشاءات لتراجع مواقف مجالس الأعمال المشتركة، السودانية الخليجية، السودانية الأوروبية، السودانية الأسيوية،.. الخ، وهذا لابد من قراءته مع ارتفاع أسعار النفط عالميا الذي المضاعف سعره محليا وهو ما سيؤثر حتى على حصة المهندس الذي يمر على المواقع بصورة يومية، وما سيخلفه تأثير هذا الانقلاب على قطاع المقاولين أكثر بكثير مما فعلته جائحة كورونا في أطوارها المتلاحقة، وسيكون التعافي المادي والصحي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي منه باهظ الثمن. 

□ لذلك فلا مجال لبقاء الانقلابيين ولا لمن قدم لهم الاستشارة الفنية أو الإسناد السياسي، لا مجال ولا مبرر لبقائهم يوما واحدا في السلطة، وإلا فسنشهد أزمات ونحصد صراعات ستبدأ بالكلام ولكنها ستنتهي باللطام لا قدر الله، وعلى المقاولين الذين يجالسون أؤلئك المخربين أن يناصحوهم لأن نار الإنقلاب أكلت مصالحهم وانتقلت إلى عقر دارهم، لأن هذا الإنهيار الذي يحدث بسرعة الضوء في قطاع المقاولات سيدمر معه قطاعات أخرى حية وستتدمر البلاد.

□ أمام البرهان ودقلو ومن شايعهم من السدنة عليهم أن يؤوبوا عن فعلتهم ويبتعدوا عن السلطة وتسليمها اليوم قبل الغد لهذا الشعب الذي لم يكل ولن يمل في التصدي لهذا الانقلاب ودفع لأجل ذلك أثمانا يسترخصها الإنقلابيون ويحسبونها هينة، ولكنها عند الله عظيمة، ولم تتوقف الدماء عن الاستباحة إلى هذه اللحظة فقد ارتقى شهيد آخر في كوكبة التضحية والفداء مستبشرا بعمة وفضل من الله، وليبشر قتلته بدمدمة ذنبهم عليهم وما فعلوه سيجازيهم به الله.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله

السبت، 19 مارس 2022

العدوان الهمجي على ندوة الحزب الشيوعي

العدوان الهمجي على ندوة الشيوعي

● في فترات خلت كان أمنجية المؤتمر المحلول يعتدون على أنشطتنا السياسية والطلابية، بل حتى مناسباتنا الاجتماعية، بغرض إفساد الحياة كنهج وسياسة تنظيمية وإجراءات أمنية، ووصل الأمر لدرجة شراء الذمم واستئجار ضعاف النفوس لفض المناسبات والفعاليات والاجتماعات، ووصل الأمر للعداون بالسلاح الأبيض على المواكب.

● دفع حزب الأمة القومي أبهظ الأثمان جراء الاعتداء عليه وعلى قادته، وعكف كثير من الرفاق شامتين، يصفقون للمعتدين ويشيرون إليهم بأنهم أحسنو صنعا في محاربة الطائفية والكهنوت الحزبي، مدفوعين بغبائن تاريخية لا مجال للانتصار فيها عبر العنف ومنطق القوة، وإنما محلها وحلها حيث قوة المنطق.

● وقد ظل الرفاق في الحزب الشيوعي السوداني يغضون الطرف عن الاعتداءات على أنشطة زملائهم في القوى السياسية سيما حزب الأمة القومي، بل حتى أن بعضهم اجتهد لوضع فيتو سياسي على الحزب ومحاولة الاعتداء عليه عبر بعض واجهاتهم، ورددنا حينها أن هذه الزراعة سيحصدها الرفاق، وقد كان.

● لذلك علينا أن نعي أن السودان في حوجة لرشد سياسي بعيد عن الغبائنية وأن ما حدث للشيوعي في ندوته مرفوض، وغير مقبول ومدان، وإذا لم يوقف نهائيا سيجعل من حياتنا السياسية جحيما لا يطاق.

● كنا في الحركة الطلابية نتواثق على مواثيق الشرف ومواثيق نبذ العنف ونلتزم بها جميعا، اللهم إلا التنظيمات والواجهات ربيبة الحزب المحلول والحركة الاسلاموية، واستطعنا بذلك اجتياز العنف، وانجاز ساحات تضج بالحوار الهادف والبنا إلى أن وصلنا ذروتنا بالتنافس الديمقراطي ورسخنا دعائم أكثر من ٣٠ اتحاد طلابي منتخب بصورة أثبتت أن قوة المنطق راجحة على منطق القوة.

● إذا القوى السياسية ولجان المقاومة ومكونات الحراك المدني السوداني هي أحوج ما تكون لميثاق شرف يضبط العلاقة بينها ويكيف الممارسة السياسية الراشدة ويحكم الخطاب الموضوعي والمنطقي المعاير لأخلاق وسمت الشعب السوداني، والذي يعزل كل ممارس للعنف اللفظي او المادي، ويحرم ويجرم خطابات الاستعلاء والكراهية والعنصرية، ويمنع الاستغلال للدين والجهوية والأطفال في الممارسة السياسية.

● ما لم نصل لذلك فنحن موعودون بتنامي ظواهر العنف المصممة في أقبية جهاز الأمن والمستلهمة من تجارب عنيفة في المنطقة والمحيط العربي والإقليمي الذي فرخ الإرهاب ويريد أن يجعل من السودان حاضنة له.

● أرجو من كافة قيادة العمل السياسي في البلاد ولجان المقاومة الاسراع في اجتراح هذا الميثاق ولدينا رؤية اقترحها الحقاني رضوان الله عليه قابلة للجرح والتعديل فقد كان رحمه الله مهموما بتعافي الممارسة السياسية في البلاد، وظل يردد دائما أن الممارسة السياسية الحزبية يجب أن تقوم على الأخلاق، وأن السياسة ليست لعبة قذرة، وإنما هي فن الممكن، وفي ذلك تحمل كافة الإساءات والنقد والاعتداء والتجريح مردا مقولة إيمانويل كانت: (إن أفضل وسيلة عرفتها الإنسانية للبناء هي النقد)؛ والذي لا يتأتى إلا بالتدافع وقبول الآخر وإلجامه بالحجة.

دقلو في الشرق

دقلو في الشرق

◇ شرق السودان أحد أهم أعمدة الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والترفيه السياحي، هذا على الصعيد الوطني والإقليمي، وكذلك الإهتمام العالمي لأهميته الاستراتيجية وتموضعه الجيوسياسي الفريد.

◇ كاذب من قال بأن شرق السودان فقير، وأن أهلنا في القضارف وكسلا وأروما وجبيت وهيا وسنكات وسواجن وصمد وحلايب وبورتسودان وشلاتين وغيرها يستحقون تلك العيشة الضنكى.

◇ لشرق السودان موارد أستغلها العالم مرتين لتلافي أكبر الكوارث الاقتصادية، وأولاها: عند الأزمة المالية العالمية أسهم ذهب أرياب المستخرج عبر الشركات الفرنسية في وضع فرنسا ضمن أكثر الدول تصديا للأزمة الاقتصادية وأسرعها في التعافي والانتعاش الاقتصادي وكانت كلمت السر ذهب السودان، وإلى يومنا هذا لم يعرف السودانييون كم الذهب الذي استخرج من أرياب وما حصة السودان منه، وكيف آل امتياز أرياب إلى شركات تتبع للقوات النظامية وبأي وجه حق؟؟!!، وثانيها: توفير أكبر احتياطي من الذهب لتلافي خطر أكبر حظر عالمي مضروب على أكبر أقطاب العالم، فتم استغلال المنافذ في بورتسودان وشرق السودان لتهريب الآلاف المؤلفة من كيلوجرامات الذهب، تحت مرأى ومسمع السلطات.

◇ وما لا يعلمه كثيرون أن هنالك دولة جارة مشاطئة تريد أن تتقاسم معنا ثروات البحر الأحمر في موقع (اتلانتس ٢) والتي تقدر بحوالي ٢٠ مليار دولار، وقد بدأت عمليات استكشافها منذ التوقيع على اتفاقية تعاون مشترك بين البلدين في العام ١٩٧٤م، وقد عبث فيها النظام السابق عبر رأس الحركة الاسلامية الراحل وقتها وزيرا للمالية وبعض المتنفذين، ولكن السودان الآن لا يملك كافة تقاريرها الفنية، وحتى الذين كلفهم من موظفين لمتابعة الملف أحدهم تم منحه التابعية وانتقل للاستقرار بمصر ومات هناك، والآن الملف يدار بصورة لا يعلمها حتى أهل الاختصاص.

◇ وسيظل ملف أراضي الفشقة أحد أهم بواعث التنافس الداخلي والطمع الخارجي، وسيكون المدخل له عبر بوابة الاستثمار أو زعزعة الأمن وتمنيات الاستقرار التي ستجعل المزارع يضخي بأرضه مقابل الاستقرار، وهو أمر تنخرط فيه أحلاف سياسية وأمنية وتحركات دولية وكارتيلات اقتصادية وعسكرية.

◇ لكل هذا تزيد مطامع نافذي الداخل للتنافس والسيطرة على شرق السودان أرضا وشعبا وسلطات، وهذا التنافس نراه الآن بين ممسكي الملف، الجيش بقيادة الكباشي، والدعم السريع بقيادة دقلو، وهذا الأخير له إلتزام خارجي روسي إماراتي لضمان مصالحهم في ساحل البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فالإمارات لا تخفي رغبتها في الهيمنة على كل المواني المشاطئة لهذا الساحل من باب المندب وزنجبار والحديدة وممبسا ومصوع وصولا لسواكن ودقنة وبورتسودان، والروس ظل حلمهم حتى قبل انهيار الاتحاد السوفيتي باستباق الأمريكان لوضع قاعدة عسكرية في البحر الأحمر.

◇ هذا إذا أخذنا في الحسبان  ما فعله المخلوع بفتح الباب في أواخر أيامه للأتراك لوصع أرجلهم الأمنية والاستخباراتية في شرق السودان، ومن قبلهم جميعا سماحهم للحرس الثوري الإيراني باستغلال مياهنا وأراضي شرق السودان لتسليح قطاع غزة.

◇ ومثل شرق السودان أهم عوامل المساومة والابتزاز الدولي في ملفات كتجارة وتهريب السلاح والاتجار بالبشر، وتشوين المخدرات العابرة للقارات، وكانت "عملية الخرطوم" مبنية على التعاون بين حكومة السودان والاتحاد الأوروبي والتي أوكل البشير ملفها لدقلو، الذي دوما ما يذكر العالم بأنه أوقف تدفق عمليات الهجرة ومعلوم في كل الدول أن هذا الأمر تتولاه وزارة الداخلية عبر إدارات الهجرة والسيطرة وأجهزة الشرطة، ولكن هذا الملف حاضر في اتخاذ شرق السودان مسمار جحا في المناسبات الدولية.

◇ واليوم يسارع دقلو لضمان تلك المصالح والتي تتعارض مع مصالح منافس داخلي وطامع خارجي، وصار بذلك شرق السودان مكانا للأجندة التنافسية والأطماع الدولية، ولا يخفى على شخص أن هنالك مخطط كبير أفصح عنه خافي ديختر مسؤول مخابراتي إسرائيلي في ٢٠٠٨م أنهم عازمون على تقسيم السودان ومن ضمن التقسيم دولة في شرق السودان، وأسهمت في ذلك الإجراءات الأمنية التي اتبعها المخلوع بالتضييق على أهل الشرق حتى دفعهم لحمل السلاح، ومن ثم التفاوض مع من حملوا السلاح وإدخال الشرق في صراع إثني وقبلي مرير دفعت الفترة الانتقالية كلفة باهظة جراءه، واليوم دقلو يسير في ذات الخطوات ويزور ذات الزيارات التي قام بها المخلوع، وهو أمر يندرج في زبادة الاستقطاب والاستقطاب المضاد، وأن الشرق ما أزمت أوضاعه إلا تلك التحشيدات التي تقابل بضدها، وهو ما اندلع عقب توقيع مسار الشرق ولم يتوقف إلى يومنا هذا.

◇ دخل دقلو للشرق من هذا الباب، باب الاصطراع، فكانت قواته في طليعة القوات المتقدمة لمحاصرة اضطرابات كسلا وبورتسودان، وتمركزت بصورة كبيرة في ذلك القطاع، ومن بعدها تولى رئاسة ملف أزمة الشرق والتي بدأها بانحياز لا ينبغي أن يكون عليه من يريد حلا ولكنه صور نفسه بمن يريد أن يكون حلفا، وبذلك صار يملك عصا القوات، وجزيرة تحشيد الجماعات القبلية.

◇ كل هذا يبين لنا أننا في أمس الحوجة العاجلة لإبعاد دقلو الجنرال، ودقلو الامبراطورية، ودقلو القوات من الشأن السياسي السوداني، ومن يقف حوله من عملاء لدول أخرى يحركونه كالدمية لروسيا والإمارات ويمررون به أجندة تقحم السودان في صراع دولي لا ناقة له فيها ولا جمل، ويبددون موارده الثمينة مقابل حفنة من الرشا والمنح والهبات، ونعلم أن هذا الراي يجبن عن قوله كثيرون رهبة من البطش أو رغبة في ذهب دقلو وقربه ورضاه، ولكن ما عند الله خير وأبقى، وواجب الدين والوطن يوجب رفض هذا البيع للبلاد وثراوتها وجعلها منصة لإدخال جماعات الإرهاب وعصابات الدول ومافيا التخريب والانقلابات في دول الجوار الافريقي.

◇ أختم بالقول أن شرق السودان هو باب للاسقرار في السودان والقارة الافريقية ومنطقة القرن وكذلك ما يقابلنا من دول الخليج، ومتى ما تم احكام السيطرة عليه أمنيا استقرت البلاد، وهو الهدف الرئيس من زيارة دقلو لأنه يعلم أن انقلابهم لم يكن ليرى النور لولا إغلاق الشرق الذي تولى أمره الناظر ترك الذي هتف بالأمس جوار الجنرال دقلو "عسكرية بس حكم عسكري".

◇ إلا أن واقع الشرق وإنسانه لن يقبل أن يكون رهينة للخارج وأطماعه وقد رأينا تمسك أهل الشرق وقادته و"كلات" الموانيء بحقوقهم وأصالتها السودانية لا وكالتها الخارجية، وهو ما سيكون حجر عثرة أمام كل من يريد بيع أرض ومياه السودان في شرقه.

◇ إذا علينا أن نتمسك بشرقنا الحبيب ونجعل ملفه حاضرا في سقف أجندتنا الوطنية صنوه صنو ترس الشمال ومشروع الجزيرة، واهتمامنا كوارث دارفور، وأزمات النيل الأزرق، وفظائع جنوب كردفان، وإلا فسنحتاج إلى تأشيرة دخول لعبور معابر الخياري وهيا للدخول للأراضي الشرقسودانية، فقد فرط النظام البائد في حلايب وشلاتين، فلا تفرطوا في كل شرق السودان.

الأحد، 9 يناير 2022

إذا كان الشهيد (صالح) فلنكن (طيبون)

إذا كان الشهيد (صالح) فلنكن (طيبون)

_________
عروة الصادق

زف السودانيون مواكبا من الشهداء بالدمع الثخين، فبكوهم وناحوا على فراقهم، واستمسكوا بوثيق عراهم، معتبرين بعظيم سيرهم، مخضبين مواثيقهم بطاهر دمائهم، فمنذ أن وطأت أقدام المستعمرين أرض أجدادنا واقتاتت من منابت رزقنا تصدى لها المتصدون وهب شاب لم يكمل اﻷربعين وأعلنها مهدية تتصدى لشأن الدين والوطن متقلدا بقﻻئد الدين ومالت إليه قلوب المؤمنين وخاض غمار الحروب ضد أعتى الدول، فكسر شوكتها، وقصم ظهرها، وأذل كبرياءها، وهد شأوها، ورقد على جنبات طريقه إلى التحرير في يناير 1885 آﻻف الشهداء، تتحدث سيرهم، ومئات منهم جروحهم تتكلم، ومن لم ينل فضل الشهادة في الطريق إلى الخرطوم رقد بعد ثﻻثة عشر عاما فوق ربى كرري وفي السفح وبجب النيل، واصطف مع خليفة المهدي عليه السﻻم في تصد ثان بأم دبيكرات غربي النيل اﻷبيض وافترشوا بجواره اﻷرض وفراهم للقاء الله في يوم عصيب قال عنه قاتليهم أنهم أشجع من مشى على اﻷرض، وتتابعت رحلة اﻻجتثاث اﻻستعماري لتلك الدعوة بجريمة ضد اﻹنسانية قتل ضحاياها في منطقة الشكابة على النيل اﻷزرق ورموا فيه بعد أن أوثقوهم بالحجارة، ونهض. من وسط هذا الركام طفل مصاب مرهق مثخن بالجراح حاملا لتلك الجذوة صار فيما بعد إمام دعوة وقائد دولة.
وظلت جذوة تلك الدعوة متقدة في عقل وقلب إنسان السودان يصطلي بها، ويزكي أوارها، تارة اﻷمير على الميراوي والسلطان عجبنا في جبال النوبة، والشيخ المجاهد عبد القادر إمام ودحبوبة في الوسط، وكسار القلم اﻻستعماري عبد الله ود جاد الله، وضباط آخرين في الخرطوم منهم عبد الفضيل الماظ وعلي عبد اللطيف، وتواصلت الثورات حتى تعددت وجهاتها، وتنوعت سحناتها، إﻻ أن مقصدها ظل واحدا وهو التصدي لﻻستبداد واﻻستعمار، إلى أن جاءت أحداث مارس التي سطرتها كتب التاريخ وهنا أشير باقتضاب لخريف الفرح لكاتبه عبد الرحمن مختار أو مذكرات ومواقف للراحل أمين التوم أو غيرهم ممن شهدوا وشاهدوا كيف كانت ملحمة الاستقﻻل والتحرير الثاني ستجدون في صفحاتهم كيف سالت دماء بريئة ليس في يدها سﻻح وليس لها إﻻ مطلب واحد السودان للسودانيين، السوداني للسوداني ﻻ مصري ﻻ بريطاني، كانوا يريدون فقط أن يسمعوا صوتهم لنجيب وهاو.
ورفع العلم عاليا و"جابر" كان ذاك الطفل المثخن بالجراح اﻹمام وقتها عبد الرحمن الصادق المهدي الذي يرنو إلي الراية وتفيض مدامعه فرحا، وتهتز فرائصه انتصارا، ويشهد على ذلك الشجر والمدر والحجر والخرطوم البكر، والله فوقهم كان خير الشاهدين.
بعدها انسل الطغاة من جلباب آدمي، فانقلبوا على النظام الدستوري، وقتلوا بعد أيام عديدة اثني عشر شهيدا في ساحة المولد، لحقهم بذبحة قلبية إمامهم الصديق المهدي، وتحرك الموكب مجددا وكأنه يقول أن هذه اﻷرض النوبية الزنجية ﻻ يستقيم حالها إﻻ بالقرابين والدماء فانسال الدم مرة أخرى في جامعة الخرطوم وكان القرشي شهيدا أوﻻ في قائمة طويلة من شهداء ثورة أكتوبر 1964 ضمت كل أبناء السودان، وكان اﻻنتصار ممزوجا بعبق طيب دماء الشهداء.
لم تمض أيام إﻻ واجترح الطغاة إثما أعظم باﻻنقﻻب على ذات النظام الدستوري في مايو وشيدوا المقاصل وحفروا المقابر الجماعية وعسفوا باﻷبرياء وعصفوا باستقرار البﻻد وسفكوا ذات الدماء الذكية في الجزيرة أبا وود نوباوي والكرمك وقتلوا الشهيد اﻹمام الهادي المهدي، وثار الثائرون في موكب ليس من بينهم أجنبي واحد زاحفين إلى الخرطوم في 1976 سموهم استكبارا بالمرتزقة، وكانت وقتها حكومة النظام اﻹنقﻻبي ترتزق من كل دول العالم وتتدرب على أيدي مخابراتها اﻷحنبية وترسم أرفع لوحات الوﻻء للكيان الصهيوني بصفقة ترحيل الحبش المعروفة اصطﻻحا بصفقة الفﻻشا.
ولم تجف تلك الدماء إﻻ واهتزت اﻷرض تحت الطاغية، مزلزلة إياه، هادمة عرشه ومبناه، وهنا تواصلت دماء الطﻻب والشباب تسيل فكان عباس برشم شهيد الثورة، وكان الانتصار المجيد في إبريل 1985.
وتنادت قوى الظﻻم في ليلة الجمعة المشؤومة وانقلبت للمرة الثالثة على النظام الدستوري المنتخب، متوشحة بالعباءات، وممسكة بالمسابح، ومطلقة للحى، بيمناها المصاحف وفي اﻷخرى البندقية، تمتطي دبابة الغدر، تتحدث الكذب على لسان من قال لصاحبة اذهب إلى القصر رئيسا وسأذهب إلى السجن حبيسا، ودارت رحا القتل في أرجاء الوطن، فأهلكت ما يزيد عن المليوني قتيل من خيرة الطﻻب والشباب والرجال والنساء والحجة كانت كذبة بزفة إلى حور الجنان نكص عن تلك الفرية قائلها ولحقه في ذلك ربائبه في يناير 2005 بتوقيع اتفاقية السﻻم الذي سمي شامﻻ وقسم البﻻد في 2010.
في هذه الفترة لم ينج الطﻻب من فوه بنادق النظام الدكتاتوري، فقتلت الأستاذة طالبة التربية التاية أبو عاقلة بجامعة الخرطوم، وكذلك محمد عبد السﻻم، وميرغني محمود عبد السﻻم (سوميت) في جامعة سنار، ومعتصم أبو العاص ومعتصم الطيب في جامعة الجزيرة، و غيرهم في كردفان بزالنجي والدلنج وصوﻻ لغربنا الحبيب دارفور التي ﻻ يمثل عدد القتلى في الجامعات فيها مثقال ذرة أمام تلك النصفيات الممؤسسة والممنهجة، على أساس العرق والدم واللون، فكانت اﻹبادة الجماعية ﻷكثر من 200 ألف بدم بارد حرقا وخنقا وإبادة، وصوﻻ إلى أحد أبنائها محمد موسى الذي كان من أميز طﻻب الرياضيات بكلية التربية جامعة الخرطوم، وليس غريبا أن يغتال النظام النوابغ فقد طالت يده الغادرة د. على فضل وأعقبتها بتصفية مجدي وجرجس، وكان للشمال نصيب من هذه الدماء التي سالت غربا في دارفور وجنوبا في النيل اﻷزرق وكردفان ووسطا في اﻷعوج فكان نصبب المناصير سحﻻ وقتﻻ وكذلك الحماداب فكان الشهيد تاج السر.
هذه السيرة الدامية يظن البعض أنها ستنتهي إلى انتقال أخير هاديء وسلس، إﻻ أن إقدام نظام الخرطوم وسدنته على التنكيل والتعذيب والقتل والتمثيل والتصعيد العسكري مفادها أن التاريخ يغيد نفسه والتركية التي استولدت اﻹنجلزية فرخت (متوركين) في ثوب بشر وأخﻻق شياطين، تجلى ذلك واضحا في حادثة اغتيال شاب وطالب علم بكلية شرق النيل بعد اﻻعتداء عليه بحوالي الشهر من أشخاص معلومي الهوية والجهة واﻻنتماء دون أن يرف لهم جفن لما تمنحهم له العصابة الحاكمة من حصانات، فكان الشهيد الطيب صالح أحد الذين لحقوا بالرفيق اﻷعلى ضمن موكب مغبوط، ولﻷسف بما يتراءى للعين لن يكون اﻷخير.
وهذا الذي تتناوله صحف الخرطوم وصحائف التاريخ ما هو إﻻ بعض قطرات دماء زكية في بحر لجي من تلك التي أريقت بغير وجه حق، وكان الشهيد هذه المرة (الطيب صالح)، ولنسر في طريقه علينا أن نكون صالحين مصلحين لهذا الوطن بالتنادي والتداعي لﻻقتصاص واﻻنتصار له ولركب الشهداء، ولنكن طيبون ﻷبعد الدرجات بأن ننفث الخبث من هذه البﻻد ونستأصل حفنة الدم المخثر في جسد السودان، فلن نكون طيبين وبيننا خبث هؤﻻء الشرذمة الذين ﻻ خﻻق لهم وﻻ دين وﻻ انتماء، وأي حديث عن أمل في ترميم وجوههم الدميمة أو إصﻻح أخﻻقهم الذميمة يعد ضربا من ضروب المستحيل، وهذه الطيبة استحقاقاتها معلومة وباتت الطريق إليها سالكة إﻻ من بعض زخات الرصاص وجحافل الجبناء الذين احتموا بالسلطة.
إذا آن اﻷوان ﻷن يصلي (إمامنا) على الشهيد كما صلى من قبله على القرشي، وأرجو أن ينزل قائد الأمة هذه المرة بساحتهم، فنأتم بإمامته شبابا وطﻻبا، نمسك بأكف بعضنا من كل مكونات شعبنا استجابة لنداء السودان، ونزحف من كل حدب وصوب كما زحف أبو قرجة على الخرطوم، ونحرر السودان للمرة الثالثة واﻷخيرة من قبضة اﻻستبداد وزمرة الفساد.

عروة