الجمعة، 27 مايو 2022

طرد فولكر والعقوبات


تصاعدت حملة المناداة بطرد البعثة الأممية في السودان، وانصب جام غضب المنادين بذلك على رئيسها فولكر بيريتس، وتحالفت في ذلك اصوات عسكرية ومدنية واخوانية وانتهازية وداعشية، وجميعهم تحركهم غريزة تدمير الانتقال وإنجاح الانقلاب الذي شارك فيه كل منهم بمقداره.

وهؤلاء جميعهم يعلمون أن فولكر لا يعمل موظفا لدى مؤسسات الحكومة السودانية، بل هو مبعوث للأمم المتحدة، جيء به بموجب تفويض وقرار من مجلس الأمن، حال إلغاء قرار مجلس الأمن تنهى صلاحيات فولكر ويسحب تفويضه وتنهى مهمته في الخرطوم، ولكن مقابلة هذا بحملات صفراء وخطب سياسية وتهديد ووعيد ليس ذي جدوى، لأنه ببساطة سيظل مبعوثا خاصا ورئيسا للبعثة التي يمكن استضافتها في أي دولة جارة وتواصل مهامها، كما يحدث لسفارات غربية وبعثات أممية لليمن مستضافة في الرياض، وعلي ذلك يمكن القياس.

البعثة مضى على أيامها الكثير، وقد مدد لها مجلس الأمن لأن هنالك دعم لجهودها في إحلال السلام ودعم العملية السياسية لاستعادة الانتقال التي تيسر أعمالها الثلاثية التي تضم الايقاد والإتحاد الإفريقي.

فأي حديث عن الطرد سيعجل بالتدخل المتوقع بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي سيكون وبالا على السودان، ووارد جدا أن يحدث ذلك في ظل تأخر الوصول للحكم المدني وفي ظل تنامي اوار العنف في أطراف السودان المختلفة، ومطالبة بعض الكيانات السياسية والحقوقية والاجتماعية بضرورة التدخل خاصة بعد أحداث كرينك الدامية.

باختصار فولكر مسنود بإرادة أممية إن أعملت بصورة حقيقية ستسهم في إنهاء الإنقلاب ونجاح مباحثات الثلاثية، ولكن إن أهملت ستكون البعثة هدفا طيعا للمناهضين لها ولغلاة الإسلاميين، ووارد جدا استهدافه بصورة شخصية كما حدث لغرانفيلد، هنا تقع على الدولة مسؤولية تعزيز حماية المبعوثين والسفراء وكف أيادي الغلاة وإلا سنعود لقوائم الدول الراعية للإرهاب.

كما أن العقوبات التي أصدرتها الخزانة الأمريكية وتزامنها مع النداءات الداعية لطرد فولكر هي نموذج عقابي لشركات وأشخاص، فنموذج شركة الرواد للتطوير العقاري والتي تم استردادها من قبل لجنة التفكيك وتمت إعادتها بموجب قرارات لجنة أبو سبيحة قاضي المحكمة العليا، هو أحد نماذج ملاحقة الأموال العابرة للحدود ومطاردة الشركات الرمادية التي لها ارتباط بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، أما فيما يلي العقوبات الامريكية على قيادات النظام الإنقلابي وقادة المؤسسة العسكرية والدعم السريع وشركاتهم، ومؤسساتهم التجارية وأرصدتهم البنكية فقد تجلت منذ أن صرح بذلك السيناتور مننديز ومعه أعضاء وازنون في لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس كالسيناتور ج. ريش كبير أعضاء الحزب الجمهوري في اللجنة، والسيناتور كريس كوونز صاحب مسودة مشروع العقوبات الموجهة ضد معرقلي الانتقال الديمقراطي في السودان ومصالحهم الاقتصادية والمالية، وهو بالتحديد موجه "ضد الذين قاموا بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، ويواصلون تهديد الانتقال إلى الديمقراطية، وينتهكون حقوق الإنسان".

ونحن قاب قوسين أو أدنى من فرض تلك العقوبات الأمريكية، والتي تأخرت كثيرا مما أعطى إشارت سالبة للسوانيين بأن الإدارة الأمريكية غير آبهة بالانقلاب وقادته سيما وأن مبعوث أمريكا للسودان وجنوب السودان غادر البلاد قبل ساعات من الانقلاب، رغم التأخير هاهي العقوبات في الطريق وستطال قادة المؤسسة العسكرية والدعم السريع تباعاً، وشركاتهم ومؤسساتهم، وأرصدتهم، وربما ستتزامن معها عقوبات بريطانية على أشخاص وعسكريين في الجيش والدعم السريع وشركاتهم، وهناك التحرك الأخطر الذي سيقوده هؤلاء مجتمعون عبر مجلس الأمن الدولي والذي أودعت لديه المملكة المتحدة مشروع قرار وهو دون أدنى شك سيمهد لتدخل دولي في السودان بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي سيكون وبالا على البلاد لأنه سيزيد من تعنت الانقلابيين وسيفتح الباب للجماعات الإرهابية لتعمل العنف في الأراضي السودانية.


@orwaalsadig

الأحد، 15 مايو 2022

من وحي مؤتمر حزب الأمة القومي بأمريكا


• نكلت حكومة الإنقاذ الانقلابية في طورها الأول بالسودانيين والسودانييات فشكلت سودان الشتات بلاحدود، وفي عشريتها الثانية حرقت دارفور فملأت أرجاء المعمورة بأبناء وبنات السودان، وهو الأمر الذي حدا بحزب الأمة القومي وعدد من الكيانات السياسية إيلاء هذا الأمر أقصى درجات الاهتمام، ونظم لذلك مجاميع الولاء في كيانات قطاعية وفرعية في دول المهجر المختلفة وعواصم الدنيا جميعها، وشارك هؤلاء المنتسبون للحزب بفعالية فاقت في كثير من الأحيان رصفاءهم بالداخل، على الصعد الفكرية والسياسية والإعلامية والمادية ومثلوا رافعا قويا وفعالا من روافع التصدي للنظام الإنقلابي في أطواره المختلفة حتى إسقاطه في ١١ إبريل ٢٠١٩م، ولا زالوا يفعلون لإسقاط المتحور الإنقلابي الجديد في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م

• ما ميز أحزاب الأمة في (سودان بلا حدود) أن فيها كوادر عاملة ومجتهدة وقد صقلت ذاتها بالإستفادة من الرؤى والمعارف والامكانات والمهارات المكتسبة في الخارج وهو من المؤكد ما منحهم سلطة فعلية للمشاركة في اتخاذ القرار داخل الحزب إذ يمثل المهجر في مؤسسات الحزب بمساعد لرئيس الحزب ورئيس دائرة في الجهاز التنفيذي وكلية معتبرة من عضوية الهيئة المركزية والمؤتمر العام.

• دون أدنى شك أن دماء المهجر كانت دائما سباقة ومؤثرة في الضغط على الداخل لتقويم وتطوير المؤسسات وشحذ همة الفاعلين فيها وإسنادهم بالرأي والمشورة والمال، في تنفيذ برامجه والحملات وإقامة مؤتمراته وفعاليات التعبئة والتنظيم والبناء المؤسسي والتطوير الحزبي والتأهيل والتدريب، وكذلك نفرات الدعم الإنساني والعون المباشر في الكوارث والأزمات التي عمت البلاد، وذلك لما تأثر به بعضهم في دول بها مؤسسية ومؤسسات حديثة وديمقراطية راسخة وفضاءات حرة، ويرى كثيرون ويضغطون لجعل الحزب مؤسسة خدمية انتاجية تنتشر بانتشار جماهيره تقدم لهم كافة الإمكانات والأفكار التي تحقق لهم الكفاية والرفاه.
 
• وكذلك استفاد الحزب بصورة كبيرة من تسويق رؤاه وبرامجه وأفكاره وكوادره للآخر الحزبي أو الإقليمي أو القاري أو الدولي وهو ما ميزه عن غيره من الكيانات والأحزاب السياسية السودانية الأخرى التي ينحسر وينحصر نشاطها داخل أسوار دورها الضيقة وكثيرا لا يتعداه إلى شوارع وأزقة الخرطوم، فحاز الحزب وقادته احتراما في المحيط الإقليمي والدولي وتعاونا مع مؤسسات سياسية وإعلامية وإنسانية وكيانات مستقلة وجماعات شعبية، كان حزب الأمة القومي مدخلها للتعرف على الثراء الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني والنوعي في السودان، وذلك لأن تركيبة الحزب تجمع بين سوداني الظهر والنهر، سودان تقلي والمسبعات، سودان الفونح والفور، سودان النوبة والنوبيين، سودان البجا والعرب، وقبل الانفصال سودان القبائل النيلية مجتمعة.


• بهذا التعريف بالسودان فهم كثير من الفاعلين والشركاء الدوليين والمبعوثين الأمميين، احتياجات السودان وطبيعة إنسانه، وضروراته الحياتية والمعيشية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية، واستيقنت دول كثيرة من ضمنها المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وأستراليا، ودول الاتحاد الأوروبي، أن السودان الذي تتسلط عليه الشموليات ليس السودان الذي ينشده أهله وسكانه، وهو الأمر الذي يرجى أن يثمر أكله في دعم الاستقرار واستعادة الإنتقال الديمقراطي.

• تمثل المؤتمرات الدورية لحزبنا بمحطاته الخارجية وقطاعاته الإقليمية والقارية فرصة لتجديد الدماء والأفكار والقيادة وقد تجلى هذا الأمر في فعالية مؤتمرات قطاع الأمريكتين وكذلك المملكة المتحدة والنهج التوافقي الجديد الذي تم اتخاذه في المملكة العربية السعودية، وفي الغالب تكون هذه المؤتمرات أهم فرص التعارف والترابط بين أعضاء الحزب الذين يجدون فيها فرصة لتفرس الآخر الحزبي وتقديم أصحاب الهمة والكفاءة العالية في مراقي المواقع التنظيمية المختلفة 

• ومن نافلة القول أن هذه اللقاءات والمؤتمرات كان لها انعكاسها في التطور اللائحي والدستوري للحزب، فما يتم من مراجعة دورية للوائح والنظم القطاعية يخرج بتوصيات تجد اهتمامها من قيادة الحزب بأم درمان، وفي هذا الصدد تنعقد اللقاءات المباشرة للتفاكر أو الاجتماعات الافتراضية لتعزيز واقع أفضل وأمثل لحزب ينشد الحوز على رضا الجماهير بالانتخاب النزيه في أقرب سانحة.

• كما رفدت المؤتمرات المجهرية كابينة القيادة في الحزب بأروع وأرفع وأنفع القيادات النسوية واللائي وجد فيهن الحزب ضالته لملء الشغور النوعي والعزوف عن الممارسة السياسية الذي سببته تراكمات اجتماعية وثقافية وسياسية وسلطوية وحفل الحزب بتقدير هذه الكتلة النسائية واحتفى بآرائها، وجعل منهن منارات وصلن لرئاسة مؤسساتهن بالانتخاب ودعمهن ليجدن موقعهن في أوسع تمثيل ديمقراطي قادم بالنسبة اللاتي يوصين بها في المؤتمرات والتي لا تقل الآن عن ٤٠ بالمائة على أفضل تقدير.

• وقد حصحصت هذه المؤتمرات ومحصت الكثير من القادة والمواقف، وجعلت منهم قوائم ترشيح مستعدة للمنافسة على كافة مستويات الحكم والإدارة سواء كان في المناصب الحزبية أو الانتخابات الحكومية أو الوظائف، وأستطيع الجزم والقول بحزم أن قيادات حزب الأمة القومي في المهجر وحدهم مستعدون لتقديم قائمة بعشر مرشحين لرئاسة الحزب في مؤتمره الثامن ومثلهم من المرشحين لأي موقع قيادي، وضعفهم لأي ترشيح انتخابي جغرافي أو مهني أو نسبي أو نسوي.

• أدخلت الممارسة السياسية لمنتسبي حزب الأمة القومي بالمهجر نموذجا قيما لتعزيز قيمة الشفافية وهو الرقابة على الفعاليات وإشراك الجماهير والإعلام والقيادات الحزبية الأخرى دائرة الشاهد المشاهد، ويستطيع الحزب بذلك نمذجة مؤسساته للوصول بها إلى ممارسة سياسية سودانية راشدة نزيهة تقوم على النشاط والفعالية والتنافس الحر.

• في الختام: أشد على أيادي كل مهجريي بلادي من مغتربين ونازحين ولاجئيين، وأحيي كافة الأحباب والحبيبات في أركان المعمورة، الذين لم يكن السودان وطننا هم ساكنوه بل كان ولا زال الوطن الذي يسكن دواخلهم أين ما حلوا، وأهنيء أحباب وحبيبات الولايات المتحدة الأمريكية بانعقاد مؤتمرهم وتجديد دمائهم وقيادتهم وشعاراتهم وأطروحاتهم، وما دام الوطن نصب أعينكم فلن يخزيكم الله، جمع الله شملكم بوطن يستحقكم وتستحقونه، ورفع رايتكم، وجمع كلمتكم، ووحد سعيكم ووفق على طريق الخير خطاكم لنجدة الحق ونصرة الوطن.

عروة الصادق
الخرطوم
فجر ١٦ مايو ٢٠٢٣م

السبت، 14 مايو 2022

عم رضا في رحاب الله



|• انتقل إلى رحاب الله شيخ المصورين العم رضا، الذي وثق لمواقف وأحداث وفعاليات وأشخاص بصورة خلدتهم على صفحات الصحف والمواقع، وكانت الصورة التي يلتقطها مرجعا يستنسخ في كل مكان، حتى قبل أن يميز المصورون صورهم بالعلامات المائية أو خاصية الNFT، تجده يتحين الفرصة للاتقاط الصورة، ميزته همته بأن كان معروفا في كل أروقة البلاد السياسية والاجتماعية والثقافية ودواوينها الحكومية، فوجهه الباسم كان جاوز سفر وبطاقة مرور.

|• كان ضيفا راتبا على منزل الحبيب الإمام الصادق المهدي ودار الأمة بأمدرمان، يوثق للمناسبات والفعاليات، حاملا الكاميرا وممسكا بمسبحته التي لا تفارقه، وثق للعديد من الأحداث المهمة خصوصا منتديات الصحافة والسياسة، وأيام ذكرى الميلاد، وإفطارات الدبلوماسيين، وتصوير اللقاءات والاجتماعات التي يؤمها قادة البلاد، وثق للعديد من الوفود الأجنبية التي زارت الحقاني عليه رضوان الله، وفود أوروبية وأمريكية وبريطانية وغيرها من جامعة الدول العربية والاتحاد الافريقي، وقادة منظمات مهتمون بالشأن السوداني.

|• وثق أيضا لصلوات الجمعة والأعياد، فكان عين الصحافة الحرة وأرشيف المؤسسات العاملة، والرقيب على أداء الكيانات والأشخاص.

|• قضى حياته عاملا حتى بعد أن بلغت سنه مبلغاً كبيرا، لم يركن إلى الراحة، وتجده يعمل بهمة الشباب ويمازحك بروحه المرحة، وفي ذات الوقت يقدم وجهة نظره الفنية بصرامة ودقة.

|• انتقل إلى رحاب الله عم رضا حسن محمد يوسف وخلد سفرا بصريا خالدا وتوثيقا اجتماعياً وثقافيا وفنيا وسياسياً، يرجى أن تجمعه الصحف التي عمل بها والمؤسسات التي شاركها حياته، وذلك لتخليده في يوم مشهود يؤمه كافة أبناء السودان وخاصة ابناؤه المصورين الصحفيين السودانيين الذين حتما سيستفيدون من تجربته الثرة وارثه العظيم.

ختاماً: ندعو ونقول رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

إنا لله و إنا إليه راجعون.

عروة الصادق

الاثنين، 9 مايو 2022

موقف القوى السياسية السودانية من حوار الآلية الثلاثية


• ليس هناك تباين كبير بين القوى السياسية السودانية الحقيقية، من حيث الرغبة في إنهاء الصراع القائم في البلاد بإبطال إنقلاب 25 أكتوبر 2021م، فالجميع يؤكد على ضرورة إنهاء الإنقلاب وإبطال مفاعيله وقراراته وإجراءاته للوصول لتلك التسوية الشاملة، ولكن نقطة الخلاف الجوهرية أن هناك من يرى بضرورة أن يكون أي حوار مستصحبا لأصحاب المصلحة الحقيقين والمعترف بهم والمتعارف عليهم، لا الجماعات (المحشودة) التي تناسلت من اعتصام (القصر)  واستولت في (قاعة الصداقة)، وأن يكون أي حديث مع (الأصلاء) في الأزمة وليس مع (الوكلاء)، وذلك لأن "وكلاء" الإنقلاب حشدوا عدة واجهات للتحاور وكونوا عدد من الكيانات (الانشطارية) والمؤتمرات الشبابية ولجان المقاومة والتنسيقيات المصطنعة من فلول النظام السابق وسدنته، وحواضن الإنقلاب الدينية والإجتماعية والبيوتات الأهلية، وهو ما سيكون إهدارا  للوقت وتضييع للجهد وتضييق لفرص الوصول للحل، بينما يرى أخرين أن الحوار يجب أن يشمل الجميع عدا المؤتمر الوطني "المحلول"، وهؤلاء وجهة نظرهم نابعة من أن السبب في انتكاسة جميع الأنظمة الديمقراطية والتجارب الانتقالية هو إقصاء بعض المكونات الاجتماعية والسياسية ويبدون رغبتهم في تجنب انتكاس الصراع من خلال التسويات السياسية الشاملة وبناء الدولة بعد الصراعات وهي مدرسة سياسية لها تبريراتها.  

• من هذه المقدمة يتضح أن هذا الموقف له استحقاقات مهمة وكل ما وضع من اشتراطات ليس تعنتا وإنما هو تهيئة للمناخ لأن كافة المعنيين لا يستطيعون الإنخراط في ظل الآتي:
١.  إعمال آلة القتل البطش والقمع والدهس والتنكيل.
٢.  فعالية قانون الطواريء التي ترى المتظاهرين ولا ترى جماعات المتفلتين.
٣. اعتقال عدد كبير من لجان المقاومة وقادة العملية السياسية في البلاد.
٤.  التضييق على الحريات العامة.
٥. وغيرها.

• كل الإشتراطات التي تقدمت بها البعثة "ثلاثية الحوار" وأيدتها الحرية والتغيير هي اختبار لمدى جدية الانقلابيين في الاسراع لإنهاء جريمتهم النكراء التي كلفت البلاد دماء وأرواحا وأموالا ومكتسبات داخلية وخارجية.

• ومع أن البعض يشير إلى عدمية اللاءات الثلاثة، يقيني أن هذه اللاءات (الذهبية) ما كانت لتكون لولا ماكان، فمن الذي أوصل الناس إليها؟؟، أجيب: تعنت الإنقلابيين الذين ظنوا أنهم سيديرون دفة البلاد دون الرجوع لغيرهم، وأنهم سيشكلون حكومتهم ومجلس وزرائها ومجلسهم التشريعي ويكملون هياكل السلطة في  البلاد دون تأخير أو رجوع لأحد، ونحن اليوم لنا قرابة الستة أشهر بدون حكومة تنفيذية وبلا رئيس وزراء، والبلاد تتردى إلى درك سحيق ودامي، واللاءات الثلاث في الأساس معني بها قادة الإنقلاب وأي حديث في مقبل الأيام لا يقضي بإبعادهم من المشهد السياسي واه، ولا مجال لابتعاث المساومات الرخيصة، وكذلك المتفق عليه بإجماع أهل الثورة أن لا شرعية للنظام الإنقلابي القائم، وبإنهائه تكون حققت هذه اللاءات مقاصدها، والحديث عن أنها صفرية قال به فقط العسكر وخبارؤهم الاستراتيجيون والسدنة، وهم يعلمون علم اليقين أن الوضع القادم لن يكفل شرعنة للإنقلاب وقد جربوا ذلك بمحاولة استعادة حمدوك، ولن تكون فيه شراكة سياسية مع العسكر فالدور المنظور للمؤسسة العسكرية هو المنصوص عليه وفق الدستور والصلاحيات الممنوحة لها من السلطة المدنية، ولن يركن أي شخص أو كيان أو مجموعة سياسية مقاومة للمساومة، وكل من يقع في ذلك سيكون مصيره معلوم، فلا زالت الثورة ترمي بالأوراق الصفراء وتحتفظ بالخضرة والثمر.

• ولأن دعوات العسكر للحوار المباشر تظل مفخخة وملغومة ومسمومة، فلا يوجد عاقل يرفض الحوار أو يتمنع عنه، وبالمقابل لا يقبل دعوة العسكر الحالية للحوار إلا مجنون، ونحن لا نخشى الإنخراط في الحوار وإنما نتجنب تكرار تجارب هشة ومذلة ذلك للآتي: 
١. دعوة الحوار المكررة التي إطلقها العسكر كانت قائمة على الإرغام و الإكراه (إما القتل والسجن أو الحوار)؛
٢. أو الااستمالة بعوامل الترغيب والشراء السياسي؛
٣. أو الحرص الانقلابي الشديد للحفاظ على شرعية مؤسسات مؤسسات الإنقلاب والإبقاء على رموزه وقياداته وقراراته؛
٤. أواستخدام أدوات وأبواق الدعم الإقليمي الخارجي للإنقلاب بالضعط على المعارضين عبر الإعلام المضاد وأجهزة المخابرات.

• فهذه النقاط لا يمكن الحوار معها إلا أن يكون الحوار "حوار طرشان"، ولو أراد الإنقلابيون المضي فيه فليذهبوا فهناك كيانات بعدد نجوم السماء تريد أن تحاورهم وتتقاسم معهم (جيفة) الإنقلاب، وأي حوار لم تسبقه إجراءات إبطال الإنقلاب سيخلفه تمزق للسبيكة الوطنية واللحمة الإجتماعية وتردد في القرار السياسي وبالتالي تعميق للأزمة السياسية السودانية واستمرار التدهور الأمني والسياسي والاقتصادي وربما اشتعلت الحرب الأهلية في عواصم ومدن الأقاليم. 

• وللخروج الفوري والآني والعاجل تتدرج الحلول من الحديث بوضوح عن ضرورة الوصول إلى "التسوية السياسية الشاملة" وليس (المساومة) والتي تبدأ بإنهاء الحالة الإنقلابية وتنحي الانقلابيين فورا، والتي حتما ستحقق الآتي:
١. الإستقرار السياسي والأمني والإقتصادي.
٢. وتنصب موازين العدالة وتعجل بتسليم الجناة للمحكمة الجنائية الدولية.
٣. وتضع الاهتمام بالتنمية في أولوياتها، وتعيد مكتسبات الثورة الإقتصادية من عون ومنح وهبات.
٤. وتحقق التوافق والرضا الجماهيري الذي شرطه تنحي العسكر عن السلطة.
٥. وتحد من هيمنة النخبة العسكرية وكذلك السياسية على القرار الوطني وإِشراك أكبر قدر من قطاعات المجتمع وتكويناته المطلبية والمدنية والمقاومة على مستوى المركز والولايات).

• هذا ما سيكون مفتاح لاستعادة مكتسبات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وتنموية إن لم نتداركها ستضيع بحلول يوليو القادم وربما يستجلب شررها المستطير تدخلات أممية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي لاحت بوارقه بأزمة كرينك الأخيرة. 


• أما بخصوص عودة الفلول من النافذة بعد لفظهم بالباب فهذا سيمثل أكأد العقبات أمام الاستقرار السياسي، وهذا مرده لأن هناك ضباط في الأمن والمخابرات وآخرين في الاستخبارات وكوكبة الخبراء الاستراتيجيين نصحوا رئيس الانقلاب بإزاحة الحجارة من جحور الإخوان ليساندوه في إنجاح انقلابه وإدارة المؤسسات التي يزعمون امتلاك مفاتيحها ومعرفة كواليسها، ودون أدنى مراعاة لما يمكن أن يجلبه ملف استحضار الإخوان للسودان من مخاطر وحظر وحصار وتضييق، أقدم قائد الإنقلاب على استدعاء كافة العناصر الإخوانية في كافة المؤسسات الأمنية والشرطية والعسكرية ومؤسسات الدولة وواجهات الحزب المحلول، ليشكلوا له جماعات إسناد أو كتائب ظل ظنا منه بأنهم منجوه ومجنبوه للمزالق والمهالك، ولكن لأن هذه الخطوة يعتملها المكر والمكر المضاد أول ما تم الإعلان عنها تنصلت عنها تيارات إسلامية تريد أن تحجز لها مقعدا في المستقبل كالمؤتمر الشعبي وجماعة الإصلاح الآن وولد التيار المزعوم ميتا، وكان تجمعهم عبارة عن استفزاز للثورة والثوار فكثير من أولئك العناصر شاركوا في وأد الثورة وتصفية الثوار وتعذيبهم فقد رأينا ضباط جهاز الأمن وهيئة العمليات وعناصر الأمن الشعبي يسيئون للثورة ويسبونها في تضاد تام حتى مع ما يقول به رئيس الانقلاب من تمجيد وتعظيم للثورة والثوار.


@orwaalsadig

حوار الآلية الثلاثية

حوار الآلية الثلاثية

ينبغي التسليم بأنه لا يوجد صراع في العالم سياسي، كان أو ديني، أو ثقافي، أو اقتصادي، أو أمني، أو حرب، إلا وانتهى بتسوية أو حوار ما، والجميع الآن يجتهد لفتح باب الحوار وضع تسوية ساسية للأزمة الماثلة في البلاد، إلا أنه في عوالمنا هذه يقع "الحوار" تحت اتهامات (الهبوط الناعم), ومسمى "التسوية السياسية" في خانة (التخوين والترهيب)، لارتباطه بتجار الأزمات وجنرالات الحروب، وذلك لأن الحوارات السابقة و تلك التسويات، دوما ما تنهي الصراع بمحاصصة قاصرة لا بتسوية جذرية ومخاطبة للمظالم التاريخية

 الآن هنالك خطوات حثيثة تخطوها البعثة الأممية والاتحاد الإفريقي وإيقاد لبدء الحديث عن (تسوية شاملة) لإنهاء الصراع السياسي في السودان، وقد تم الإعداد لانطلاق في (١٠-١٢ مايو الجاري)، والذي يرجى في نهايته الوصول لتسوية نهائية، وهو في رأي - لن يحدث - في ظل تراخي الدول الراعية للحوار والضامنة للحلول والداعمة للانتقال، فالمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، يتركون حبل التسوية الشاملة على قارب الاتحاد الإفريقي والضامنين العرب، الذين تورط بعضهم في دعم إنقلابهم الفاشل هذا، لذا فإن أي حديث عن تسوية للصراع دون بذل ضمانات قوية لن يكون ذو قيمة ولن يحقق تسوية بل سيثمر شراكة هشة مشوهة تشرعن الإنقلاب القائم، وتفاقم أزمات وكوارث الوضع القادم.


التقت الآلية الثلاثية وبإشراف البعثة الأممية وبتسهيل دولي بمئات الأشخاص والكيانات والأجسام ومبدئيا هي مع إشراك الجميع، ولكن الحرية والتغيير ترى أن أي إشراك لوكلاء الإنقلاب والجماعات التي تم استنساخها بعد 25 أكتوبر، وتلك التي خرجت من رحم التنظيم المحلول، وجماعات مسيئة للثورة والثوار المتخلفة حديثا في قاعة الصداقة، فتلك جميعها لا مجال لاستصحابها في حوار مثمر ومسؤول، وهنالك من يقول بوضوح أن الحوار يجب أن يشمل فقط القوى التي تصدت للإنقلاب إلا إن فولكر وولد لبات يتشاورون في إلحاق بعض القوى الأخرى التي تم استثناءها في السابق كحركة الإصلاح الآن والمؤتمر الشعبي، وهذه المشاورات تجد تحفظا شديدا من بعض القوى باعتبار أن أي حوار لايعزل من شاركوا الإنقاذ وساندوا الإنقلاب الحالي، لا يقود للحل ولن يحقق تطلعات الشارع السوداني، وهنالك قوى متحفظة كالشيوعي وتجمع المهنيين (ب) وهؤلاء لهم رؤية ترفض الجلوس حتى مع الحرية والتغيير ككتلة واحدة وإنما يرون بضرورة الجلوس مع كل حزب على حدة، وهنالك قوى سياسية عزلت نفسها من الحوار وناصبت البعثة الأممية العداء ونددت بها ونادت بطردها يقف على رأسها مجاميع اسلاموية وأهلية وتكتل يضم عبد الله مسار.


قبل الجلوس للحوار في موعده المضروب، هنالك إجراءات يجب أن تستكمل منها: وقف السحل، والقتل، والتعذيب، والاعتداء على الحريات العامة، وإطلاق سراح المعتقلين، وإخلاء سبيل المحتجزين قسرا، وتفريغ حراسات الشمالي وزنازين سوبا والجزيرة أبا وبورتسودان ودبك من معتقلي لجان المقاومة والنشطاء السياسيين، ورفع حالة الطواريء، ووقف استنساخ جماعات ووكالات الانقلاب عبر أجهزة المخابرات والاستخبارات، ومن ثم يأتي الحديث عن الجلوس كيف؟؟ ولماذا؟؟ وأين؟؟ ومع من؟؟ وفي اعتقادي أنه في حالة إصرار "وكلاء الإنقلابيين" من جماعة القصر على استصحاب الجماعات السياسية الخديجة، والتكوينات الإجتماعية والواجهات الأهلية المختلقة بعد 25 أكتوبر في الحوار، سينفض سامر هذا الحوار قبل انعقاده، وفي هذا الجانب هناك محاولات كثيرة لشق قوى الثورة وتقسيمها ويعمل البعض ليكون الحوار بمن حضر، وإذا حدث ذلك سوف يتنامى السخط الجماهيري، وتتجدد حملات التخوين والابتزاز السياسي، وربما العودة للقبضة الأمنية بعد الانقلاب، وتنامي الانتهاكات، وعلى البعثة أن تنأى عن أي حلول معلبة أو املاءات واشتراطات لا تتواءم مع تطلعات الشارع السوداني وقواه الحية، وهو ما يجب أن يقابله السودانيون بجدية وعزم ووحدة رأي، وقرار سياسي وهو الأمر الذي لم يتوفر حتى الآن، وأخشى إن لم نتخذ من هذه الفرصة سبيلا للحل الشامل أن يكون هذا الحوار الأممي مدخلا للحرب الشاملة والتي يتحفز لها كثيرون، وتتداعى الكوارث في اطراف البلاد المختلفة والتي ربما جلبت التدخل الأجنبي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ختاما: الأكيد الذي لا مراء فيه أن رحيل البرهان وجماعته وإنهاء الإنقلاب، وإبطال قراراته، وإيقاف إجراءاته، وتفكيك جماعاته، سيفتح الباب واسعا للتسوية السياسية السودانية الشاملة، وبقاؤهم سيجهضها ويعطل الوصول لمدخل للحوار حتى، هذا إن تحلوا بالشجاعة والجرأة وإلا فستتواصل حلقات الخداع والتدليس لخلق حواضن جديدة على شاكلة جماعة "شيخ تف"، وستتصاعد وتيرة الشارع السوداني حتى الاقتراع وإسقاط الانقلاب باستخدام كافة الوسائل السلمية المجربة والمبتكرة والتي ستتطور بالاعلان عن ميثاق (سلطة الشعب). الذي سيدشن الاربعاء

_@orwaalsadig_

الثلاثاء، 3 مايو 2022

الحريات الصحفية في يومها العالمي- السودان*

*الحريات الصحفية في يومها العالمي- السودان*
في اليوم العالمي لحرية الصحافة أتقدم بجزيل الشكر لصحفيي وصحفيات بلادي أعين الحقيقة وأقلام الحق والصدق، والأصوات التي لم ترهبها فوهة بندقية، ولم يسل مدادها لنزوة مال، أو مداهنة سلطة أو مهادنة مستبد، وهم يعملون في ظروف قاهرة ومعينات شحيحة أو تكون معدومة، وفي بيئة طاردة غربت كثيرين، وسربت عنها أعداد ليست بالقليلة، وحورب في مضمارها صادقون وصادقات ودفعوا لذلك أثمانا جعلتهم طرداء للشموليات والمجرمين والإرهاب.

وأرجو أن تتقدم صحافتنا السودانية لتحل في مكانتها الرائدة مهنيا وأخلاقيا، وأن ينال صحفيو بلادي والصحفيات وكافة الإعلاميين حقوقهم الكاملة دون انتقاص، وكفالة حمايتهم وفق تشريعات رادعة لكل من يمس بهم، على أن ينال الوطن خيرهم ويتقدم بنقدهم البناء ورؤاهم الخلاقة.

وأدعو الله أن تطوي بلادنا ومنطقتنا العربية والإفريقية سجل الاعتداءات على الصحافة والصحفيين والحريات الصحفية إلا الأبد، وأن لا يدفعوا أثمان الكلمة حيواتهم قتلا أو سجنا أو تعذيبا، وان تتجاوز بلداننا صفحات السجل الاسود المليء بالانتهاكات والضحايا.

صحفيات وصحفيو السودان هيأوا أنفسهم للتصدي لبناء الوطن واستحقوا بذلك السند والعضد، وهو ما يوجب فتح جميع مؤسسات الدولة لهم لإعمال أقلامهم ومباضع تشريحهم تحقيقا وتدقيقا ورقابة واستقصاء، وهو ما يوجب على المؤسسات المدنية والإقتصادية والاجتماعية والكيانات الحزبية والسياسية أن تفتح أبوابها وأنشطتها وممارستها ودورها للصحافة الحرة، وهو الأمر الذي سيجعل من تلك المؤسسات والأحزاب تعمل بشفافية ويرفع درجة التنافسية بينهم ويسمو بالممارسة، وسيجعل من كثير من الجماعات مجاميع فاعلة لا عاطلة.

ارتبطت في بلادي بلفيف محترم من الزملاء يستحقون أن تنحني هاماتنا لتحيتهم، وأن تشرع صدورنا للتصدي لمصابهم وحمايتهم، أزجي لهم عاطر التحايا وصادق الأمنيات، كتاب ومحررين، ورؤساء تحرير، وناشرين، وفنيبن، ومحققين، ومصورين، ومدققين، ومعدين، وغيرهم، وأسأل الله أن يرينا يوم تكون فيه الصحافة السودانية رصيفة لمثيلاتها في العالم وتكون مرجعا للباحثين والدارسين والمستنبئين، والساسة والحكومات، فهي قرون الاستشعار التي تحذر من مغبة الكوارث والأزمات وهي مباضع التطبيب التي تعالج الخلل، لا دفوف التطبيل التي تواري العلل، وان يقدر لها أن تكون صحافة مستجلية مجادلة لا مهادنو وداجنة.

التحيات الطيبات والتهاني وصادق الدعوات للصحافة والإعلام السوداني الحر في يوم الحريات الصحفية.

@orwaalsadig
3 مايو 2022م

السبت، 16 أبريل 2022

فقاعة تشكيل حكومة الإنقلاب

ما لا شك فيه أن العسكر قدروا وقرروا وفكروا في الانفراد بتكوين الحكومة منذ أيام خلت وحاولوا أيجاد حواضن أشمل وأوسع وأرفع من مجموعة القصر الانقلابية "البائسة" و"الرخيصة"، وفي سبيل ذلك تنافسوا فيما بينهم واصطرعوا، فالجيش له تحالف يتخلق كحاضنة، والدعم السريع له نفس الشيء كذلك، وللأسف كلا التحالفين تحالف تخالف أضداد، لا انسجام فيه، ولا برنامج مشترك له، ولا ميثاق ملزم به، وسيكون التشكيل مدني "صوريا"، كما هو الحال في مجلس السيادة الانقلابي الحالي، ولكنه سيظل "داجنا" عسكريا يتلقى توجيهاته من العسكر أمرا ونهيا، وفي سبيل ذلك استمرت رحلات مكوكية بين مندوبي العسكر وقيادات الأحزاب للإيقاع بها في فخاخ الإنقلاب المعطوبة والمثقوبة وترويض بعضهم للمشاركة في هذه الخطوة ترغيبا وترهيبا.

 وهذا الأمر ظل الوصفة السحرية لمستشاري العسكر من الخبراء الاستراتيجيين الذين ظلوا يوحون بهذا الأمر لقائد الإنقلاب مرارا ويسدونه زخرف القول غرورا، وترددوا كثيرا في تنفيذه، وهم على علم أنهم إذا أقدموا على هذه الخطوة لن ينالوا تأييدا شعبيا، ولن يجدوا رضا إقليميا، ولا اعترافا دوليا، خاصة بعد خطواتهم المتعجلة في استحضار فلول النظام السابق من عناصره الإخوانية المتشددة وجماعات العمل الجهادوي والعمليات الخاصة والأمن الشعبي وغيره من المسميات والواجهات التنظيمية، وهو الأمر الذي أجمعت قوى الثورة على رفضه وتتصدى له كل يوم وتتزايد وتيرة الحراك الرافض له، إلا أن الأنقلابيين حاولوا شق قوى الثورة بالتواصل مع بعض الأحزاب السياسية ولجان المقاومة في محاولة لتقسيمها واصباغ شرعية على خطواتهم القادمة، وكل تلك المحاولات وجدت حوائط صد منيعة من مؤسسات القوى السياسية، ومن مناعة رفض قاطعة بالوعي المتعاظم والمقاوم في اللجان.

ومن المؤكد أن غياب الحكومة التي وعد قائد الانقلاب بتكوينها منذ الأسبوع الأول ونحن نناهز اليوم ١٧٠ يوم أي بالتمام دون حكومة تنفيذية وهو ما انعكس على استفحال الأزمات الداخلية، وإزهاق الأرواح، وانهيار الخدمات، وانفراط الأمن، وتردي مستوى المعيشة، وازدياد الكوارث وغياب سلطة الدولة، وكذا الخارجية؛ قد فقدنا مكاسب كبيرة جدا أهمها ما يرتبط بالاستقرار الاقتصادي وغيابنا عن مؤسسات تحل وتعقد في شؤوننا ونحن غياب، واستباحة أرضنا ومياهنا وأجواءنا وتهربب ثرواتنا، فضلا عن تراجع الثقة في حكومة السودان، وهو ما يمكن أن يعرقل جدولة وإعفاء الدين الخارجي، واستدعاء الجماعات التي أدخلتنا في قوائم الإرهاب حتما سيعيد السودان لجحر العقوبات والقوائم السوداء والدول الراعية للارهاب، وأمامنا حتى نهاية يونيو القادم إما أن نستعيد المسار الديمقراطي ومكتسباته، أو سينهار الوضع كليا وستزداد الأزمات تباعا، وسيجد الانقلابيون أنهم محاصرون ومؤسساتهم، وشركاتهم، وبنوكهم، وأسرهم، بعقوبات دولية ستجعلهم يلجأون لسياسات النظام السابق التي ستخنق البلاد وتنعكس على المواطن، وأخشى ما أخشاه هو انفراط عقد الأمن أكثر وأكثر، فالفاعل في الفوضى الآن أفراد وعصابات صغيرة ومحدودة ووارد جدا أن يتسع ليشمل جيوش ومليشيات وحينها سيشهد السودان حالات تصفيات كالتي حدثت في عهد المشير المخلوع.

 فالمنظومة التي تدير الأزمة هذا دأبها وما نشهده من تفلتات متقطعة هو بوادر لتلك الطامة التي يمكننا تلافيها بإجراء واحد وسهل وسلس يبدأ بعودة الانقلابيين عن انقلابهم (كما كنت) وذلك بالتنحي الفوري وإبطال قرارات ٢٥ أكتوبر وما ترتب عليها من إجراءات، واعتذار حاضنتهم (جماعة القصر)، من قوى مدنية وحركات كفاح عن سوء فعلتهم هذه، وأن تعلن قوى الثورة وحدتها وميثاقها وبرنامجها وحكومتها التوافقية الكفوءة المستقلة المحددة بآماد زمنية حتى انعقاد الإنتخابات العامة، وإلا؛ فسنجد أنفسنا في حالة اللادولة المستمرة, واللامسؤولية، واللااستقرار، واللاعطاء، واللاقرار، وحتما لن نجد وقتئذ وطنا نصطرع عليه.

أي دعوات أو ادعاءات أو خطوات أو تصريحات أو توجهات بتكوين حكومة "داجنة" تكون "حاضنة" للانقلاب من "السدنة" وتحالف الأضداد و"الخوالف" و(جناير) الفلول، ستكون محض أهواء هواة واهمة سترتد عليهم خطواتها عاجلاً غير آجل، كما حدث عند عودة د. حمدوك، وهو الأمر الذي سيجعل من الخروج من أزمات السودان أمرا مستحيلا.

وأكرر: لا سبيل سوى الرحيل