الأحد، 4 سبتمبر 2022

القول الفصل في موقف الأمة القومي من الحرية والتغيير والاتحادي الأصل

القول الفصل في موقف الأمة القومي من الحرية والتغيير والاتحادي الأصل

● تزايدت تصريحات قيادات التوافق الوطني المضطربة والمتضاربة فمع تصريحهم بالانتهاء من صياغة الإعلان الدستوري، إلا أنهم يطالبون بتعديل الوثيقة الدستورية، وفي نفس الوقت الذي يشيدون فيه بجهود نقابة المحامين لوضع الإطار الدستوري،  تجدهم ينتظرون مخرجات مبادرة الطيب الجد التي أعلنت مرجعيتها الدستورية وهي أن تكون استنادا على دستور العام ٢٠٠٥م.

● وهو أمر يوضح مدى اضطراب القرار لدى جماعة التوافق الوطني وحدة الخلاف في الرؤية الدستورية بينهم كتحالف ومع غيرهم، وأخطر ما في الأمر أن أي أمر يجي أن يحل ويعقد فيه ويتم الجرح والتعديل في كافة الأطر الدستورية والمشاركين في وضع الدستور دون المساس باتفاق سلام جوبا من قريب أو بعيد،  وهو الأمر الذي يحفز الموقعين على اتفاقات سلام سابقة مع النظام البائد للتمسك بتلك الاتفاقات كاتفاق الدوحة وأخواتها.

● المطلوب من جماعة الميثاق التخلص من تحالفهم مع الانقلابيين والاعتذار عما بدر منهم وما لحق ذلك من جرائم وانتهاكات وفظاعات والانخراط في صفوف مناهضة الانقلاب والكف عن المراوغة لشرعنة الوضع الإنقلابي وإيقاف فتح الباب لفلول النظام البائد للعودة عبر انتمائهم لبعض الحركات والاحزاب بغرض التحصين والحماية من المساءلة والملاحقة الجنائية.

● يزامن ذلك مع سعي حثيث لإحداث اختراق سياسي خصوصا بعد وصول السفير الأمريكي السيد جون جودفري الذي فعل التواصل بالأمس عبر لقاء الرباعية بأطراف الصراع الذي حال دون اكتماله إصرار جماعة الميثاق على الدخول كطرف في الصراع فيما رأى المجلس المركزي اقتصار اللقاء بين العسكر وأطراف السلام والحرية والتغيير، ولكي يسهل على القاريء/و الكريم/ة فهم واستيعاب موقف وقرارات حزب الأمة القومي، أرجو أن أؤكد الآتي :

• أولا: حزب الأمة القومي من القوى المؤسسة لتحالف الحرية والتغيير، وهو الحزب الذي اجتهد لبلوغ الحرية والتغيير وضعها المتقدم بصورته الحالية.
• ثانيا: اختلف الحزب في فترة من الفترات بصورة كبيرة مع قوى الحرية والتغيير إلا أنه لم ينشق عنها، وإنما جمد عضويته، وقدم رؤيته الإصلاحية لمؤسسات وهياكل الحرية والتغيير ورفدها بتصور متكامل.
• ثالثا: الآن موقف الحرية والتغيير يتسق تماما مع ما  يقوله الحزب ويسعى جاهدا لتنفيذه عبر الحرية والتغيير، ويشترك الحزب بفعالية في كافة هياكل الحرية والتغيير وينشط بهمة في أنشطتها التنظيمية والتنسيقية وفعالياتها الإعلامية.
• رابعا: قدم الحزب رؤيته كاملة للحرية والتغيير (خارطة الطريق) فقبلت ما نسبته ٩٥% منها وضمنته ضمن تصوراتها وأدبياتها، ولم يتوقف التعاطي حول التباينات في الرؤى والأطروحات.
• خامسا: كما أن الدخول أو الخروج من التحالفات ليس أمرا مزاجيا يقول به شخص أو قيادي من الحزب، وإنما يجب أن يصدر من مؤسسات الحزب التي أقرت الوضع التحالفي وسعت إلى توسعته وتطويره حتى بلوغه صورته الحالية.
• سادسا: إن اي حديث عن الخروج من الحرية والتغيير ما لم يصدر من مؤسسات وأجهزة حزب الأمة القومي هو محض تخرصات وأماني لإضعاف حزب الأمة قبل إضعاف الحرية والتغيير.
• سابعا: لا أحد يستطيع إنكار أن هناك نزغ للسلطة ونزعات شمولية لدى بعض الساسة وهؤلاء توجهاتهم معلومة استطاعت مؤسسات الأحزاب والكيانات السياسية تحجيمها وكشف تخطيطها المتخبط تارة نحو العسكر وأخرى مع التوافق وأخيرا مع مبادرة الجد.

● أما فيما يلي العلاقة بين الأمة والاتحادي الأصل فهي علاقة طبيعية في ظروف استثنائية وهي ليست تحالفية بقدر ما أنها تنسيقية لاستبانة المواقف فكما هو معلوم أن هناك تباين المواقف السياسية للحزبين ففي الوقت الذي كان ينادي فيه الأمة بضرورة رحيل البشير انخرط الاتحادي شريكا له في الحكومة، والآن ينسق الحزب مع قوى الثورة جاهدا لاستعادة الوضع الانتقالي وإنهاء الانقلاب ولا زال قادة الاتحادي يتحرجون من تسمية الوضع بعد ٢٥ أكتوبر انقلابا وترددوا كثيرا في المطالبة بإعباد المؤسسة العسكرية عن السياسة، ما يتم من لقاءات هو تنسيق فقط لاستجلاء المواقف وأي حديث عن تحالف في الوقت الحالي أمر سابق لأوانه ولم تقره مؤسسات الحزب ولا الأجهزة على كافة المستويات، وهي التي كلفت لجنة اتصال للتواصل مع الاتحادي لم توصي حتى اللجنة بإعلان تحالف مع الاتحادي، ومنطق الأشياء يقول أن حزب الأمة القومي جمد نشاطه في الحرية والتغيير لإصلاحها وتوسعتها فكيف به حينما يحصل على ذلك يمزقها ويخرج عنها؟؟؟!!

● ختاما: 
• أستطيع القول بدون تزيد لمن يتهمون الحزب بتشويش موقفه ومراوغته بالقضية الوطنية، أؤكد أن حزب الأمة من أكثر الكيانات السياسية السودانية وضوحا من حيث الرؤية والخطط والبرامج، نعم؛ هناك تباينات قيادية في وجهات النظر لكنها تظل ملتزمة بقرارات المؤسسات التنظيمية، وفي رأيي أن الموقف المعلن واضح للجميع تؤكده قرارات الحزب وبياناته الرسمية وهو يعمل ضمن تحالف الحرية والتغيير ويعمل على تنفيذ الرؤية التحالفية المتفق عليها بتوحيد منصة قوى الثورة وإسقاط النظام وإقامة البديل المنشود.

• وأشكر جميع من دافع عن موقف الحزب من نشطاء وإعلاميين لا علاقة لهم بالحزب أو مؤسساته وأولئك المتفهمين لطبيعة التركيب السياسي الداخلي للحزب، ويرون ضرورة تمسك حزب الأمة بتحالفه الحالي والسعي لتطوير وتوسعته وصولا لتحقيق مرامي الشعب السوداني بإسقاط الانقلاب ومن ثم الانصراف لترتيب الحزب لصفوفه الانتخابية، حينها سيقرر إما أن يخوض الانتخابات منفردا أو عبر تحالف انتخابي عريض، إلى ذلك الحين سيظل تحالف الحرية والتغيير هو تحالف الخطة الآنية المصمم لمواجهة الشمولية وإسقاطها ومن السابق لأوانه إعلانه تحالفا انتخابيا ويمكن عندئذ استخدامه لتحقيق أهداف انتخابية ولكن هذا الأمر لم يناقش في أضابير الحزب ولن يطرح في اجتماعات التحالف.

إهانة دولية لجماعة (الكوماج)

إهانة دولية لجماعة (الكوماج)

مدخل:
■ للمعدنين التقليديين مصطلحات عديدة، منها (الكوماج) وهو ما يقوم به متطفلون ليس لهم (كلات) أي ورديات، وليسوا (دهابة) عمال مناجم، ولا آبار لهم، ولا يملكون أجهزة تنقيب، فهم جماعة تقتات من فتات حجارة الآبار (المنسبة ) أي المنتجة وبها نسبة مئوية من الذهب، وفي كثير من الأحيان يجني هؤلاء (الكوماجيين) أكثر مما يجنيه العمال الذين يسهرون الليل متصلا بالنهار كي يجنوا ما يسد الرمق.

■ لم يكتف قادة الإنقلاب وسدنتهم وخبرائهم الاستراتيجيين، ومماسح أحذية الأنقلابين من الإهانة التي يتعرضون لها في السودان، فبعد الملاحقة بالدعوات بين الصفا والمروة وصحن المطاف هاهم تلاحقهم لعنات القتل والتنكيل والسحل والتعذيب والاعتقال في شوارع وأروقة الدول.

■ نعم؛ يمكن إهانة الشخص وتعريض موقفه السياسي للشكوك، وأن يتم تشويه سمعته بالصورة التي رأيناها في فترات سابقة كان ينتهجها النظام المباد ضدنا وضد خصومه، وأضحت بعض الجماعات الربيبة له تمارس نهج الاغتيال وسياسة التصفية والإهانة وطرائقها عبر مغفلي الإنقلاب العسكري وسدنته، ومارس (الأخ) مبارك أردول ذات النهج باتهامه لي قبيل سفره لاستراليا بتزوير خطابات النقابات وتصعيد أشخاص على سدة مكاتبها ممن لهم صداقة وصلة شخصية بي، حاولت بوصفي الشخص المطعون في ذمته والمتهم في حقه أن أدافع عن نفسي بغية إثبات بطلان ما قاله (الأخ) أردول ودحض صحة الإدعاءات المزعومة منه ضدي، ولكن علمت بسفره فالرجل يغلق حسابه ولا يجيب على هاتفه ولا يمكن الوصول إليه حاليا، وهو أمر سأتتبعه في مقام آخر.

■ وفي رأيي أن ممارسة الإرهاب السياسي التي مارسها (الأخ) أردول والانقلابيين من شيعته وأجهزتهم الأمنية ومحاولات التشويه المتعمد بدأت ترتد عليهم لأنهم لم يرفضوها أو يستنكروها (بضاعتهم ردت إليهم)، فقد اتخذوا هذا السلوك قبيل الإنقلاب وإبان اعتصام القصر كوسيلة للإكراه والترهيب والابتزاز النفسي والاقتصادي والسياسي ولا زالوا يفعلون، ولم يروا في ذلك إهانة لزملائهم، إلى أن باتوا يشربون من ذات الكأس على ذات الصعد، وما حدث لوفد المعادن)(الكوماجيين) غير أنه إهانة "مستحقة" لرجال الدولة الإنقلابيين، فهو أمر سيحدث إهتزازات كبيرة للتعاون المستقبلي مع مؤسسات هذه الدولة وستتعرِّض هويتها الاقتصادية والسياسية للخطر وعدم الصدقية، فبكبسة زر سيعلم منظموا المؤتمر مدى صدق الهتافات التي تقول بأن هؤلاء لصوص يسرقون ثروات بلادهم، فضلا عن احتمالية ورود أسمائهم في تقارير تتعلق بالحرب الروسية الاوكرانية وتهريب ذهب السودان لروسيا.

■ أزعم أني من الذين يتمتعون بروح عالية تكظم الغيظ وتعفو عمن أساء، ولا أقبل الإهانة لأي شخص كونه من بنوة آدم عليه السلام، إلا أنني أجدني ممتن جدا لما قام به الثوار من سودانيو وسودانيات المهجر المكتوون بنيران الغربة بمدينة بيرث غربي أستراليا لتتفيههم وتسفيههم حفنة (المعادن) الذين بددوا ثروات البلاد وخرجوا ليبحثوا عنها في الخارج ويتسولوا الاستثمارات التي قدم عرق الضعفاء من أهل (الكلات) عشرة أضعافها.

■ قد يكون من الصعب فهم مدى عظم الإهانة النفسية والسياسية التي لحقت بأولئك الرهط (لو كانوا يشعرون)، ولكنها تسببت قبلهم في اختفاء وانزواء محمد عطا المولى عباس مدير جهاز الأمن والمخابرات، فقد ذاقها قبلهم وجعلته عظة وعبرة لكل سدنة الحزب المباد، وما يؤسف له حقيقة أن هؤلاء (الكوماجيين) يسيرون بعته وسفه وبلا هدى ولا سراج منير، وليس لهم من يقدم لهم المشورة الفنية والدبلوماسية والأمنية، والأمر في اعتقادي لا يعدو كونه (سمسرة) للتكسب، ومؤكد أن هناك من تكسب وراءها، ولو أن الأمر بيدي وأني من تعرضت لهذه الهتافات من سودانيين أحرار بهذه الصورة المسيئة لتقدمت باستقالتي فور وصولي طائرتي للخرطوم.

■ وبهذا يندرج هؤلاء المعدنيون الذهبيون ضمن قائمة المغضوب عليهم من الشعب السوداني وسيتصدرون تقارير تشهد بإهانتهم على رؤوس الأشهاد، إهانة سار بهديها الركبان، وهذا جزاء كل من سد أذنيه من سماع هتافات شعبه الداوية في الخرطوم سيجدها حاضرة عالية تشق عنان سماوات ألسكا وسدني وأوكيناو وجوهانسبرج.

■ المؤسف حقا هو استجارة (الكوماجيين) ببوليس دولة أجنبية كذبا وبهتانا للاستقواء به على أبناء جلدتهم بأنهم منعوهم من النزول من الفندق ومغادرته، وهو ما يوضح الحطة و الدرك السحيق الذي وصله هؤلاء، فرأينا كيف خرج أحدهم عن طوره وعن سياق شعارات الثورة (حرية ، سلام، عدالة) وهو يتوعد إحدى الشريفات بالويل والثبور وعظائم الأمور.

■ ختاما: وعي الشعب السوداني وحضوره ووفاءه ماثل وسيظل كذلك إلى قيام الساعة، فالسودانيون لهم من الأمثال الذاخرة والحاضرة في الذاكرة الشعبية التي تقول: (العود الفيهو بخور بتشم)، و (الخيل الأصيلة تبين في اللفة)، وقد صارت أنوفهم قبل أعينهم تميز بين "الصندل" و"اللعوت"، وسيأتي اليوم الذي تتبين فيه حقيقة من جبلوا على محبة وطنهم وذادوا عن حياضه ودفعوا الثمن وبين الذين باعوا قوت أبنائه وسربوا وهربوا ثرواته بأبخس ثمن.

■ توقع أخير قبل التوقيع:
أتوقع أن يكون رد أحد (الكوماجيبن) على سؤال إحدى المذيعات بعد عودته الميمونة هل شعرت بالإهانة سيد (كوماج)؟؟ فيرد؛ كلا كلا كلا على الإطلاق، لم أشعر بالإهانة، إنها السياسة، إنهم قحاتة متآمرون، تعقبها ضحكة بلهاء.


________
@orwaalsadig

سفير واشنطن بالخرطوم

سفير واشنطن بالخرطوم 
◇ قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تقوم بقطع قناة التواصل الدبلوماسي مع السودان، وهذا القرار الذي اتخذ منذ الديمقراطية الثالثة في حينما رأى السفير الأمريكي وقتئذ أن الخرطوم ليست آمنة وقرر تحويل سفارته إلى كمبالا الأمر الذي استغربه رئيس الوزراء وقتذاك السيد الصادق المهدي والذي أخبر السفير بأن الخرطوم بأي حال من الأحوال أكثر أمانا واطمئنانا من كمبالا.

◇ وظل التمثيل الدبلوماسي الأمريكي في السودان كذلك حتى العام 1996م، بالتزامن مع حادثة محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك، ما حدا بالأمريكان لتقليص التمثيل ليكون بمكتب قنصلي وقائم بالأعمال، فيما عززت السفارة تواجدها الأمني في الخرطوم لتصبح اليوم أكبر سفارات العالم تواجدا عسكريا وأمنيا في الخرطوم بتواجد أشبه بقاعدة عسكرية في منطقة سوبا جنوبي الخرطوم.

◇ بعد الثورة وفي حكومة الفترة الانتقالية صار السودان دولة مرغوبا التعامل معها وزالت عنها الوصمات وعوامل الزعزعة والإضطراب وعناصر التنظيم الإرهابية التي أدخلتنا قوائم الحظر والعقوبات، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية وكندا لرفع تمثيلهما الدبلوماسي من قائم بالأعمال إلى سفير معتمد، وقد سبقت كندا أمريكا في التنفيذ بإرسال سفير معتمد للخرطوم.

◇ وهو ما يؤكد أن الإدارة الأمريكية لها محمولات أمنية وسياسية كانت تحول دون تسمية السفير، فلا زال الأمريكان يتذكرون أصداء اغتيال السيد غرانفيلد في شوارع الخرطوم ومحاولة تصفية رئيس الوزراء السابق د. حمودك، فضلا عن الاضطراب السياسي الذي تشهده البلاد منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021م.

◇ وتضع أمريكا أيضا تصاعد الأصوات التي تنادي برفض أي دور لها في الشأن السوداني عين الإعتبار، وكذلك المطالبة المستمرة من جماعات إخوانية بطرد البعثة الأممية وتلويح رئيس مجلس السيادة بإمكانية طرد السيد فولكر بيريتس رئيس البعثة ويخشون أن يفعل البرهان ذلك ويلوح للسفير الأمريكي جون جودفري كما لوح الرئيس أوردغان بطرد فرانسس رتشاردوني، السفير الأمريكي وقتها في تركيا.

◇ لقد قوبل وصول السفير جون جودفري  للخرطوم بحملة احتفائية كبيرة من فلول النظام البائد وسدنة الإنقلاب العسكري باعتباره إقرار بحكومة الأمر الواقع واعترافا بالعسكر ممثلين لحكومة السودان، وهو الأمر الذي سيزول بمرور الأيام لأن تحرك السفير في الخرطوم وجدول أعماله المزدحم باللقاءات والتصريحات التي تصدر عنه وعن الإدارة والخارجية الأمريكيتين ستعكس كل تلك التصورات، فالسفير يتحرك بقرار مؤسساتي رفض الإنقلاب وأدانه وموقف موحد من الإدارة والكونجريس بضرورة تكوين حكومة مدنية تحظى بالصدقية، وليس بالأمزجة والأهواء ولن تنطل عليهم خدع العسكر التي ظلوا يمارسوها مع المبعوثين الدوليين ففي اليوم الذي التقوا فيه المبعوث الأمريكي فلتمان في 24 أكتوبر 2021م كانوا يخططون لانقلابهم المشؤوم في اليوم الذي تلاه.

◇ إن ملف الموقف السياسي للسودان في اعتقادي ليس على سقف أولويات الإدارة الأمريكية وذلك لأنها تهتم بشكل كبير أولا: بتحجيم الدور الروسي والصيني في السودان والمنطقة، وثانيا: يظل ملف مكافحة الإرهاب والجماعات الإرهابية ثاني أهم الملفات التي تشغل الإدارة الأمريكية ويأتي الشأن السياسي السوداني ودعم الانتقال في المرتبة الثالثة، تلي كل ذلك ملفات التعاون الاقتصادي والتنموي والأستراتيجي.

◇ لذلك ستكون اللقاءات السياسية المضروبة روتينية ومجدولة ومعلنة وفق ترتيب طاقم السفارة بالخرطوم، ولكن ستكون هنالك لقاءات حثيثة وغير معلنة مع القادة العسكريين  تحديدا (البرهان) و (دقلو) كل على حدة بصورة مستمرة، ولقاءات تنسيقية مع الحلفاء في ألترويكا، ولقاءات للضغط عبر الرباعية تضم السفير الأمريكي وسفراء كل من المملكة المتحدة والإمارات والسعودية.

◇ المعلوم أن السفارة الأمريكية لها مخزون معرفي ومعلوماتي كبير عن السودان وبها طاقم محلي من أميز الموظفين والكوادر المهنية اللصيقة بالشأن السوداني، لذلك لن يحتاج السفير لكثير أيام لاستيعاب طريقة التعاطي مع الشأن السوداني فكل من مروا على السفارة وغادروها كانوا سودانيين بالمقدار الذي جعلهم يميزون بين البيض والحميض، وأشهرهم السفير الأسبق البرتو فرناندير الذي يضرب به السلك الدبلوماسي سودانيته. 

◇ والسفير الأمريكي هو واحد من أخطر ثلاثة دبلوماسيين عملوا في محطات خارجية في ملفات حساسة وخطيرة وفي دول معقدة أهمها مكافحة الإرهاب، شأنه شأن السفير جون روس الذي عمل في اليابان وجون كينيث جالبرايث الذي عمل سفيرا في الهند، ولا أنسى أيضا رابعهم الراحل السفير كريس ستيفنز الذي تمت تصفيته في مدينة بني غازي الليبية مع ثلاثة آخرين، وهو كذلك لا يقل خبرة عن زميله في  محطة كابول بأفغانستان السفير أدولف دوبس.

◇ بهذا الرصيد المهني الحافل لا يرجو السودانيين أن تكون هذه الحقبة من حياة السفير الدبلوماسية مجرد أيام ستمر وتدون في مذكرات السفير، أو فترة للاستكشاف الاستخباري في المنطقة، فالسودان ينظر لقدوم السفير السوداني فرصة للضغط نحو إحداث التحول الديمقراطي واستكمال السلام وتحسين سياسات حقوق الإنسان وتأمين الحريات، وكف آثار الدمار الممنهج الذي تمارس ضد الاقتصاد السوداني من دول صديقة وحليفة للولايات المتحدة الأمريكية.

◇ ويرنو الشعب السوداني لأن تدعم الولايات المتحدة الأمريكية عبر جون جودفري تحقيق العدالة الجنائية والدولية والانتقالية والترميمية، وألا تجنح إلى ضغط الضحايا للقبول بتسويات كما فعلت في كرواتيا، وما أعلن في مضابط شهادة السفير الأمريكي خلال محاكمة سلوبودان ميلوسفيتش، حينما رفضت السلطات الصربية المحلية إبرام  تسوية سياسية من خلال المفاوضات، لتتجاوز بها المحاكمات الجنائية ومطالبات الضحايا وذويهم.

◇ كما ينبغي علينا تأكيد أمور مهمة وجدية ووضعها نصب عيني السفير، وهي أن السودانيين شعب مرحاب ومضياف ومفضال وودود إلا أنه (غشيم) في ما يمس بسيادته وكرامته، فللسودان سمت موروث وعزة مغروسة في جيناته، ولهم هياكل ثقافية وسياسية واجتماعية ودينية ورياضية وفنية تعد واحدة من أهم ممسكات الوحدة الوطنية، المطلوب العمل على تعزيزها وتطويرها لا تفكيكها، بما في ذلك المؤسسة العسكرية السودانية التي يتطلع السودانيين لأن تكون جيشا مهنيا واحدا يضبطه قانون بموجب نصوص دستورية محكمة، ومهما احتدت درجات الخلاف بين السودانيين وهذه الهياكل والمؤسسات فلن يستعيضوا عنها بأخرى صنيعة خارجية أو بديلة.


◇ ختاما: إلى ذلك لن يكون لابتعاث سفير أمريكي في السودان أثر يذكر ما لم تتعزز علاقات الخرطوم بالولايات المتحدة بصورة فعلية تتجاوز الصورية، ويتم إبرام اتفاقيات تعاون تنعكس على حياة المواطن السوداني وتعوضه فترات الحظر والعقوبات الإقتصادية والإدراج ضمن القوائم السوداء، والشروع في فتح مجالات اقتصادية وتنموية تطور العلاقة بين وزراء التعليم العالي والصحة والتكنولوجيا والاتصالات والسياحة والتجارة والصناعة والتنمية الاجتماعية والشباب والرياضة وتطوير البرلمان السوداني ومجلس الوزراء والوحدات التابعة له والتعاون الإعلامي وتطوير الصحافة والإعلام ومواصلة التعاون الدفاعي ورفع قدرات الشباب والمرأة، ويقيني التام أن هذا كله لن يحدث أو سيكون ذي جدوى ما لم يتم إسقاط الإنقلاب وإبطال إجراءاته وقراراته.
 
______
@orwaalsadig

السبت، 3 سبتمبر 2022

مسيحيو السودان

مسيحيو السودان
الآية: 
(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) ) الممتحنة.

• تعرض مسيحيو السودان لإضطهادات وإجحاف وتنكيل في ظل الأنظمة العسكرية المختلفة، ما جعل عددا من منظمات حقوق الإنسان ومنظمة التضامن المسيحي العالمي تلاحق حكومة السودان وتحضها لوضع الأطر القانونية التي تكفل الحريات الدينية، كما تم تكوين عدد من الأجسام المسيحية والبعثات داخل وخارج السودان وفي جنوب السودان قبيل الإنفصال، وذلك لإسماع صوت الجماعات المسيحية المضطهدة، الأمر الذي قوبل بتضامن واسع محليا وإقليميا ودوليا.

• تصاعدت وتيرة الاحتجاج المسيحي بعد ما تعرض له الاخوة المسيحيين طوال فترة النظام المباد الأمر الذي كان غاية في الإيلام وما يؤسف له أنه تم باسم الإسلام، وجميع حملات التضييق الممنهجة وصولا لما وصف بالحرب الجهادوية، جعلت من الانتهاك يتخذ بعدا دينيا إنسانيا دوليا، وصارت الحكومات السابقة في عهد المخلوع تتعامل معه ككرت للابتزاز السياسي، تضييقا واستمالة وتسهيلا، استمر ذلك حتى عام 1994م الذي ألغي فيه البشير قانون الارساليات التبشيرية لعام 1962م، وهو قانون كان المسيحيون في السودان يعتبرونه تمييزياً، مما بعث أملا في حدوث تطورات ايجابية في ملف حقوق المسيحيين، وحاول النظام الإخواني المناورة بالملف  للدرجة التي استوعب فيها المؤتمر الوطني المحلول بعض من رعايا الكنيسة بالبلاد كقيادات بالحزب متخذا منهم ترميزا صوريا تضليليا، إلا أن ذلك كان اما لأغراض الانتخابات أو لتخفيف حدة التضييق الدولي وخفض أصوات الفاتيكان وإيقاف تقارير مجلس الكنائس العالمي.

• في المقابل تعاملت حكومة د. عبد الله حمدوك بواقعية مع الأمر وأقرت الاعتراف بالتعددات الثقافية والدينية والإثنية وفي ذلك وضعت الحكومة التنفيذية برنامجا متكاملا مع وزارة العدل والأوقاف والشؤون الدينية ووزارات أخرى لصون مصالح الإخوة المسيحيين وضمان حقوقهم في الحريات العامة والدينية والحقوق المعنوية والمادية، وكانت مبادرة حكومة السودان القاضية بإنشاء مجلس استشاري للمسيحيين والتزامها بتعيين مسيحيين في مناصب تنفيذية عليا في وزارة الشؤون الدينية وبتعزيز الحوار بين الأديان، وكذلك فتحت الوزارة تحقيقا مع لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في ملف الكنائس والمرافق المسيحية المعتدى عليها، وقد فوضت الوازارة أحد الاخوة المسيحيين لمتابعة الملف مع اللجنة، ولكن مع حدوث الإنقلاب نشهد اليوم استمرار التجاهل والتعدي على الحريات الدينية وحتى انتهاكها في بعض الأماكن، وشاهدت بأم عيني الطريقة السيئة التي كانت تخلى بها المدرسة الانجيلية في أم درمان في عهد المخلوع وبعيد إنقالاب 25 أكتوبر 2021م، هذه الإنتكاسة حدثت بعد أن صار المسيحيون في السودان يحظون بحرية كاملة في ممارسة كافة شعائر عقيدتهم، بما فيها احتفالاتهم بأعيادهم الدينية وهم يشاركون أيضا في أجهزة الدولة على الصعيدين السيادي والتنفيذي.

• وما يؤسف له ان هذه الامر خطر للدرجة التي يمكن أن تجيش البلاد من جديد على أسس دينية والتهيئة لصراع ديني هذه المرة قد يكون أطرافه جماعات تكفيرية من التي أنشاتها الحركة والتنظيم المحلولين في السودان،  وهناك مراقبة دولية للأمر ونرى رصد وترصد لجنة الحريات الدينية لانتهاكات الحرية الدينية في المنطقة والعالم والسودان وترد على تلك الانتهاكات من خلال حث الحكومات إلى الوفاء بالتزاماتها الدولية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان.

• كما أن هناك تحركات دولية وتحالفات عالمية وإقليمية تنشط للدفاع عن حقوق منتسبيها ولن تظل مكتوفة الأيدي، ومعلوم أن التحالف الإنجيلي شكل لجنة الحريات الدينية في عام 1994 لتعزيز الحريات الدينية على مستوى العالم بوصفها حقا أساسيا من حقوق الإنسان وفقا للمادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واستمر الأمر كذلك حتى يومنا هذا ومن أهم اللوبيات المتحكمة في القرار الدولي وبخاصة الأمريكي اللوبيات المسيحية بمختلف طوائفها، وهناك جماعات مسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية ومن أقوى الكيانات الاجتماعية تدعم وتضغط في سبيل تحقيق السلام واستقرار السودان وتحقيق الديمقراطية وتبذل ما في وسعها لدعم الإنسان السوداني بمشاريع ومرافق ومؤسسات اكاديمية وصحية وإنسانية توقفت مع الانقلاب كالشراكة التي تمت مع جماعة المورمون بيوتاه الأمريكية.

• ختاما: في رأيي أن التمادي الذي يحدث من السلطة الانقلابية ومحالات إهدار حقوق الإخوة المسيحيين يجب أن يتوقف بسرعة وأرى بضرورة اسقاط الانقلاب لمواصلة الإصلاحات القانونية والتشريعات الدستورية التي تلتزم بالمعاهدات الدولية وفق العهود والمواثيق التي تكفل حماية الحريات الدينية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، أو سنشهد ما لا يخطر ببال بشر من شرر مستطير سيعمق شرخ العلاقة بين السودانيات والسودانيين على أساس التمايز  الديني.

الجمعة، 2 سبتمبر 2022

روح الثورة نقيض لسطوة السلطة الإنقلابية

روح الثورة نقيض لسطوة السلطة الانقلابية
• إن لكل ثورة روح تتمثل في مبادئ وقيم وأخلاقيات ومثل عليا تحمل المؤمنين بها إلى ذرى علية وقمم لا يمكن بلوغها إلا بضمير خال من الشوائب والغرض، فالقيم الأخلاقية التي غرستها الثورة قد هزمت غطرسة وجبروت الكهنوت السياسي الإخواني الذي حكما السودان لثلاثة عقود بأخلاق إدعى أنها إسلامية ولكنها كانت أبعد ما تكون عن سماحة الإسلام، وقد تجاوزت تلك المبادئ والقيم شعب السودان لتؤثر في محيطه العربي والإفريقي وصارت مثار فخر في المحافل الدولية كالذي شهدته أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومؤتمر أصدقاء السودان بباريس، وميزة هذه المنظومة الأخلاقية الثورية أنها ليست محتكرة لشخص أو جهة أو حزب فهي لقاح لسمو وجدان الشعب السوداني.

• وحوجة السودانيين الآن تتمثل في التمسك بهذا الإنجاز الثوري (روح الثورة) والمواصلة فيه للصعود به إلى إحداث ثورة أخلاقية قادرة على تجريم ومحاسبة الجناة، وتحريم الظلم رد المظالم لا تضييعها، وذلك لأن قمة الإنحطاط الأخلاقي يتجلى في تضييع الحقوق وتغييب العدالة والمساومة بدماء الضحايا وإهدار كرامة المجني عليهم، وواجب السودانيون هو المحافظة على شعارات الثورة الأخلاقية في معانيها ومضامينها (الحرية – السلام – العدالة).

• في المقابل وعلى النقيض تماما اتسمت المنظومة الدكتاتورية بالتجرد عن الأخلاق وصاحبها التآمر الفاضح والتقصير المتعمد والكبت السياسي العنيف وقادت البلاد إلى الانحطاط والتراجع عن الشعوب المتحضرة وصار الفساد السمة الغالبة للمماراسات الحكومية، والعدائية والعنف هما سمة النهج المتبع تجاه الشعب، واتخذ الانحدار الأخلاقي للنظام الدكتاتوري عدة أوجه استهدفت التأثير على سلوك وأخلاق الإنسان السوداني مستغلة سطوة السلطة عبر أجهزة أمنية واستخبارية وإدارات تنشط على الأرض مع المجتمعات، وعلى الأسافير للدرجة التي نجد فيها تورط الحكومة الرسمية في الإتجار بالمخدرات والبشر والسلاح حتى صارت بعض الجماعات الخارجة على القانون يرعاها نظاميون من قوات السلطة الحاكمة.

• فعززت السلطة الإنقلابية بتلك الممارسات اللاأخلاقية روح الفصل والتمييز العنصري وهيأت السودان لانقسامات دينية وسياسية واجتماعية وجهوية وإثنية، وهو الأمر الذي أنتج صراعات عنيفة ومسلحة اتسمت بالوحشية وهي التي تقود البلاد إلى الإنهيار ومسار الهلاك الإنساني، واستحقت بذلك أن تمثل سطوة الإنظمة الديكتاتورية رمز البؤس والخراب في السودان وفي القارة الإفريقية وربما كل الدول التي تحكمها ديكتاتوريات.

• هذا التمايز الأخلاقي يتضح بجلاء عند قراءة المواقف بتجرد، ففي اللحظة التي يتقاسم فيها أبناء الشعب السوداني اللقمة بروح الثورة في حرم القيادة العامة مع أنفسهم ومع منسوبي القوات المسلحة، كان الجنرالات يستأثرون باللقمة لذواتهم ولا يحضون على طعام المسكين، وهو ذات الأمرالذي مارسه المخلوع  في آخر أيامه، ففي الوقت الذي كانت تشكو فيه البلاد ضائقة اقتصادية ومالية أثرت في تدفق المحروقات والدقيق والسلع الاستراتيجية كان "المخلوع" يحتفظ بمبالغ طائلة في مقر إقامته ببيت الضيافة وتنوء حسابات أهله وخاصته ووزراء سلطته بحمل الأرصدة بكافة العملات الأجنبية والمقتنيات والودائع.

• وهو ذات الأمر الذي مارسه عسكر السودان بعد سقوط البشير فقد استحوذوا على شركات التنظيم المحلول والحركة وورثوا المنظومة الإخوانية وتحكموا فيما قيمته ثمانية مليار دولار من أصول ثابتة ومنقولة وأرصدة تملكها شركات رمادية لم يوافق العسكر أيلولتها لحكومة السودان لتكون تحت ولاية وزارة المالية وهو الأمرالذي أنهك الإقتصاد السوداني وكلف المواطن لقمته وجرعة علاجه وأورده المتاعب والمساغب، وانخرط العسكر دون حياء في تهريب وتسريب المعادن الثمينة والمحاصيل النقدية والموارد والمواد الخام من البلاد تحت رعايتهم وإشرافهم ليتم تصديرها من دول أخرى حتى صارت الإمارات العربية المتحدة من أكبر الدول تصديرا للذهب والصمغ العربي وصارت مصر مصدرا للتبلدي والكركدي وزيت السمسم واللحوم، الأمر الذي يجعلك تستيقن أن هؤلاء الجنرالات بلا أخلاق ولا وزاع وطني أو ديني.

• لم تكتف الأنظمة الدكتاتورية بالعبث في قوت الشعب فقط بل عمدت إلى التحكم في العقول لتهيئتها لقبول القناعات والأفكار الدكتاتورية وأول ما حاولوه هو طمس أعلى نداءات الثورة من (مدنياااااا) وتحويلة بقدرة البوت إلى (عسكريا) وهذا الخط بدأ منذ اللحظات الأولى لفض الإعتصام ومجزرة القيادة العامة، وصولا لاستخدام بعض الإدارات الأهلية والزعامات الدينية والنخب السياسية لدعم مشروعهم العسكري ومحاصرة السلطة المدنية وخنقها بالأزمات حتى السقوط، لتحظى المنظومة العسكرية بالتأييد المطلق والتفويض الشعبي كما ظل بعض قادة السلطة يطالبون ويلوحون بذلك أسوة بطلب المشير السيسي من مواطني جمهورية مصر تفويضه.


• ولجهلهم الشديد أن هذه التحولات الفكرية وتبدل القناعات لا يمكن أن تحدث بين فينية وأخرى أو في ظل فترة وجيزة فهي دوما تأتي بعد عمل طويل وجد ومثابرة من مفكرين ومؤسسات فكرية وفلاسفة ومنظرين وجماعات تقوم الفكر وتقفزبه إلى الخارج لتهيمن الفكرة على العقول وجماعات تطبيقية كلجان المقاومة التي تنزل تلك الأفكار والأشعار والرؤى إلى الميادين.
• ولذلك حقق سعيهم الجهول عكس مقاصده فقد كثرت القلاقل والاعتصابات القبلية والإثنية وزادت حدة الإنقسامات الأولية التي مزقت فكرة الوطن الواحد وعصفت بالوجدان الموحد وكثرت الإختلالات التي قادت لاحتجاجات مناطقية وجهوية ونوعية وعشائرية.

• إن حوادث التاريخ العظيمة هي وحدها التي تستطيع تغيير المنظومة الأخلاقية والفكرية والمعرفية في البلاد، فقد رأينا الأطنان المترية من المكتبات والسنين الضوئية من حياة المفكرين وومضاتهم الباهرة، وسيل مداد كتب الفلاسفة والمنظرين، ورؤى الأدباء والشعراء وحتى وحي الأنبياء، جميعها لم تستطع الهيمنة على العقول والسيطرة على الفكر الجمعي للشعوب ما لم يصحب ذلك حدثا تاريخيا عظيما كالثورة السودانية.

• يقف حائلا دون اكتمال حلقات الوعي عسف السلطة التي سخرت جميع موارد البلاد والإمكانات المادية والبشرية لهدم هذه الوحدة الوجدانية وقتل روح الثورة وإحداث شروخ فيها وجروح لا يرجى برؤها، مستغلين انتهازية بعض الساسة ودناءة بعض أئمة المنابر وبذاءة من سموهم خبراء عسكريين واستراتيجيين، فتحولت خطب الخطباء في  منابر الجمعة والجماعة من معارضة السلطة الباطشة والمستبدة إلى أبواق تسبح بحمد العسكر وحدهم وتغض الطرف عن عوارهم.

• إلا أن يقيني الراسخ بأن الشعب هو الفيصل في كل هذا العبث وأنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة وله القول الفصل وحده دون سواه، وله الأثر الاكبر في اختراق جدر العنصرية البغيضة بشعاراته المبتكرة وهتافاته الداوية، وهو القمين على حفظ منظومته القيمية والأخلاقية واستعادة عناصر مدنيته المضيعة وبث روح الثورة، ووحدهم السودانيون من سيتحكمون في التغيير والتحول والأحوال والحوادث، فمعينهم لم ينضب وحواؤهم لم تعجز ومخزونهم الدافق سلسلة المؤثرات الوراثية، فتاريخيا هم من توحدوا لينتصرا ضد المستعمر، وهم من هزموا الطغاة في 1964م، وأعادوا الكرة في 1985م، وهاهم اليوم يجددون ثورتهم المستمرة منذ العام 2018م.

• وحتمية التاريخ هي التي تؤكد سؤدد الشعب على نفسه وسيادته على غيره، فهذا الأمر بمعايير الثقافة المحلية ثورته ضد التكتاتوريات تندرج ضمن مقولته (عادات وتقاليد)، وماضي هذه الأمة وأفكارها ومشاريعها وأخلاقها هي التي تتحكم في الحاضر، وهناك مقدار كبير  لتأثير الماضي في المستقبل، فمع وجود متلازمة العجز السياسي وأن هناك عدد كبير من أقطاب السياسة حبيسي القرن الماضي ، وثبت قياداة رصيفة لأولئك المتكلسين الراديكاليين، وجارت عنفوان روح ثورة الشباب ووضعت لهم خلاصة التجارب التاريخية للاعتبار من الأخطاء الإقتداء بما صح من ممارسات.

• إن الأمة السودانية جسم أخلاقي واجتماعي وسياسي واقتصادي وديني وثقافي منظم أوجده التاريخ بفردانية عززت الروح القومية وتجاوزت شنشنة العصبيات العمياء والتقاليد المهزوزة، وفي ذات الوقت احتفظ ذك الجسم بموروث قيمي ضم المباني والمعاني التي تحض على المدنية وكانت الوصفة العبقرية لذلك هي المزاوجة بين الأصل والعصر وقد خلصوا جميعا إلى أنه لا مدنية إلا باحترام التقاليد ولا معاصرة إلا بالعودة إلى الأصل، فصار الفلكلور السوداني حاضرا بعنفوانه في شعارات الثورة المعاصرة واستنهضت السودانيات اسم الملكات اللاتي عشن قبل آلاف السنين قبل الميلاد ليصبح منادى (كنداكة) هو المراصف والمرادف لمعنى (ثائرة).

• ما يحدث الآن من محاولات حثيثة لإحداث ثغرات في جسد الثورة السودانية وهزيمة أخلاقها بالطريقة المضادة التي نشهدها، هو أمر مدمر لأنه سيولد العنف ويؤدي إلى الثورات العنيفة التي تنضم وتلتحم ببعضها وستقود يقينا إلى الدمار أو الفوضى والبعثرة للوجدان والإنسان والوطن السودان وتعصف بروح الثورة.
• لذلك علينا المواصلة في منهجنا السلمي والوعي بهذا المشروع التمييزي التمزيقي، ومناهضته بروية وعلى مهل وبلا اهتزاز، فهم يمارسون التشكيك والتشتيت، وواجبنا اليقظة والتشبيك لتسبيك الهوية الوطنية الجامعة وروح الثورة القومية التي تحفظ وحدة وسيادة السودان أرضا وشعبا.

• فمن ينظر إلى الغرب يجد أن الرومان والإنجليز هم من حقوقوا انتقالا ناعمه رسخ ديمقراطية تعد النموذج الأفضل الآن، وبالمقابل نجد أن الثورات العنيفة التي انتظمت الاتحاد السوفيتي انتهت إلى تمزيق وفرقة وشتات، وكذلك المراقب لمحاولات الغرب الحثيثة لتغيير المنظومة القمية والدينية والأخلاقية والمتتبع لسحلهم السلطة الدينية وتدمير الأديرة والكنائس في الغرب، يجد أن هذا السلوك مهزوم، بل قد تمت لاحقا استعادة السلطة الدينية بالديمقراطية وبالتأسيس الجديد وأرجعت الواقع الديني برمته ورممت كنائسهم التي هدمتها السلطة، فالشاهد أن محاولات السلطة الدكتاتورية هزيمة أخلاق وقناعات وأفكار وروح الثورة غير ممكنة وأن تلك القيم عائدة وراجحة وهي التي ستسود لعقود.

• هذا لا ينفي حقيقة أنه ليس بالإمكان إيجاد نسق أخلاقي موحد أو ديني واحد، فالبشرية مختلفة وستظل كذلك حول وحدانية الله وربوبيته، والخلاف سيظل قائما حول الرسالات والرسل ولكن هناك جوامع قيمية واجبنا الحفاظ عليها وعدم التفريط فيها لصالح المفرقات الأولية فسلطان التقاليد أعظم من سلطة الدولة، ومتى ما انحاز الناس لموروثهم الضيق اهتزت الوحدة والممسكات القومية.

• وهذا التوازن لن يتحقق بقهر السلطان أو بقوانين السلطة بل هو أمر سيحدثه الزمان، فتأثير الزمان على الآراء والقناعات والمعتقدات كبير جدا للدرجة التي يمكن أن يبليها كما يبلي المستندات ويمزق المسطورات ويمح المداد ويخفي حفريات الأجداد ويهيء لتحول الآراء، ففوق سيادة الشعب يظل الزمان هو صاحب السيادة الحقيقية على الجميع فهو الذي يعظ المخطئين ويعلم الجهلاء ويكشف مقاصد الجماعات المدمرة، والزمان هو الكفيل بالتوصيف الحقيقي للمقصر والخائن والبطل والعميل والدخيل والأصيل وهو من يعيد التوازن بين الشعوب لأنه وحده من يحمل في طياته حقيقة وصحة النظرية  والتطبيق أو خطئهما، وهو الذي ينبهنا باستحالة إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء ويهمس على الدوام في آذاننا قائلا: "تعلموا من ماضيكم".

• ومثلما يطلع الشباب الثائر ولجان المقاومة في شحذ الهمم ورفع درجة الوعي وإذكاء روح الثورة، يقع الإصلاح والتنوير الأخلاقي والتطوير القيمي على عاتق الكيانات والمؤسسات والمنظومات السياسية والاجتماعية التي تقف عجر عثرة أمام الانقلابات السياسية والاجتماعية، والتي إما أن تحدث عبر العنف والقوة وسطوة السلاح أو عبر الأوامر والقوانين والفرمانات التي يصوغها (دواجن) السلطة الاستبدادية التي لا تعدو كونها واحدة من ألاعيب ومتاعب الفلاسفة والمؤرخين التي ترهق الأجيال القادمة بمحمول ثقافي مشوه كالذي نقرأه لكثير من سدنة الدكتاتوريات الذين حاولوا فيما بعد أن يكونوا عرابي الثورات، فالأفكار والمشاعر والأخلاق لا تغيرها القوانين فهي قائدة الأمم وحاديها، وبما  أن الكيانات السياسية والاجتماعية والحكومات هي ثمرة الشعوب واجبها أن تكون مخلصة وحارسة لتلك القيم وهي  من يصونها وتبذل قصارى جهدها للتصدي لأي محاولات للانقضاض عليها.

• وعلى السلطة التي تحاول اللعب على حبل التناضات وحمية التنافس والعصبيات وقتل روح الثورة، عليها أن تعلم أنه من العبث خلق نظام جديد يخضع الشعوب أو يحدث التغيير عنوة وقسرا، وأن السعي لترسيخ رفض المدنية ومحاولات إبطال النظام الديمقراطي سيولد حربا أهلية، سيكون المنتصر فيها مهزوما.

• كما أن محاولات تجزئة السلطة للولاءات ستعمق الخلاف وتوري نيران الاختلاف، ولكن الأصح تجميع المجتمعات المحلية في أقاليم أكبر من الولايات الحالية مع منحها سلطات فدرالية مطلقة وهو ما سيخلق التوازن السلطوي وسيحقق توزيعا متوازنا للثورة. وهنا يأتي تأثير الأحزاب السياسية ويبرز ضرورة دورها في الربط القومي لتلك الأقاليم، على أن تنشط تنسيقيات لجان المقاومة في بث روح الثورة حفاظا على القومية. 

• ختاما: إن أقصر طريق لتوحيد وجدان الشعوب وتعزيز الشعور القومي هو التعليم، فالتعليم هو الذي سيغير الإنسان،  وسيعزز قيمة المساواة البشيرية، لكن حصر التعليم في المدارس والمؤسسات التعليمية أمر كارثي فالتعليم الحكومي بصورته الحالية لا يرفع درجة التهذيب ولا ينمي درجات الاخلاق، لكون المؤسسات الحكومية تعج بمتناقضات وإهمال متعمد فخريجو تلك المدارس والجامعات أكثرهم سخطا على الحكومة التي لم ترع مدارسهم أو توفر لهم أساسيات التدريب والتدريس. فالواجب هو تجاوز أنماط الحفظ  والمحاكاة والتقليد، فهي التي تورث الملل والسأم وهو الأمر الذي يولد التمرد على التعليم بصورته الحالية الأمر الذي سيورث البلاد جيوش المتعطلين الممتعضين الغاضبين بلا حدود، لذلك يظل التعليم مسؤولية الجميع كيانات ومجتمعات، مؤسسات وأفراد، حكومات ومعارضين.

• فسياسة التنشئة المشوهة الحالية هذه وطريقة التعليم وجمهرة حملة الشهادات وجيوش العطالة التي تحاصر دولاب الدولة شحيح الوظائف حتما ستكون عبئا على الدولة ومؤسساتها،  وهو ما سيستغله تيار سياسي ما للتحريض الاجتماعي والسياسي مستقبلا، والذي حتما سيولد ثورة وتمرد متكرر على النظام مهما كان نوعه، وهو الأمر الذي تستغله الآن عدة جهات لتجييش الشباب وتحويلهم إلى مجرد حملة بنادق أو بيادق في معارك عبثية، واجب تلك الكيانات السياسية والإجتماعية والثقافية التوجه بقوة لرعاية التعليم المهني والتقني والتكنولوجي والصناعي والزراعي وهو الذي سيحكم المستقبل ويتحكم في قراراته، كما أنه سيظل المحفز الأول لوحدة الوجدان السوداني والداعم لصون كرامة مواطنيه ورفعة منظومته الأخلاقية والقيمية.

عروة الصادق
2 سبتمر 2022م

الخميس، 1 سبتمبر 2022

غذاء أطفال السودان

غذاء أطفال السودان
• ظل نقص الغذاء السمة الغالبة في الأعوام العشر الأخيرة تتجلى في أشكال متعددة من نقص الغذاء في العديد من البلدان في أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا وأمريكا الجنوبية، وفيه تواجه العديد من البلدان "عبئًا مزدوجًا" وثنائية غريبة الحدوث تتأرجح بيت الغنى المطلق والفقر المدقع الذي يسبب (كل من نقص التغذية والإفراط في التغذية) ، حيث ينشأ ثلث أطفال تلك الدول دون المغذيات لتمكينهم من تحقيق نموهم الكامل وتغذيتهم الكاملة.

• وتتحمل المسؤولية تبعا لذلك حكومات الدول وإداراتها التنفيذية الخاصة بالغذاء والاحتياطي القومي ووكالات استشعار الكوارث والأزمات، ومثل السودان واحدة من أوجه التناقض الدولي، فرغم غزارة انتاج محصول القمح وبعض الحبوب الغذائية في ولايات السودان المختلفة الموسم السابق ٢٠٢١م، إلا أنه مصنف ضمن أكثر البلاد تهديدا بنقص الغذاء، وفاقم من الأزمة الكوارث الطبيعية التي حلت بالبلاد فأغرقت بعض المدن الزراعية كالمناقل جنوب ولاية الجزيرة.

• وقد فاقم الأزمة انقلاب ٢٥ أكتوبر الذي أوقف برامج حكومية رعائية تدعم الأسر الفقيرة ماديا وتوفر لها حقائب غذائية بالتعاون مع الأمم المتحدة وبعض الوكالات الدولية، أسهم الانقلاب في إيقاف كافة برامج الإسناد التي تخفض الفقر وتخفف المعاناة، وجمد دعم مادي يصل لآلاف الحوامل في ولايات شرق السودان، وعطل كل ما من شأنه الاسهام في سد الفجوة الغذائية، كما أن التفريط في دعم مناطق الانتاج وإعادة توزيع الانتاج ضاعف من حدة الأزمة وما يؤسف له حتى أن العون الذي تقدمه الحكومة الآن لبعض الشرائح على قلته لا يعتبر غذاء صحيا.

• ومعلوم ان ضعف الوصول إلى الغذاء - وخاصة الغذاء الصحي - يساهم في كل من نقص التغذية والإفراط في التغذية ويزيد من مخاطر انخفاض الوزن عند الولادة وتقزم الأطفال وزيادة الوزن أو السمنة، وهو ما نشهده بجلاء في المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية وفي عام 2020م و2021م و2022 متوسط من تأثر أكثر من نقص الغذاء حوالي 149 مليون طفل دون سن الخامسة بالتقزم.

•وقد تضرر 45 مليونًا من الهزال - مما حرمهم من فرصة تحقيق نموهم الكامل قبل أن يصلوا إلى سن المدرسة، وليس أطفال السودان بمعزل عن هذه التقارير المزعجة، كما أن أعظم البالغين في الأسر توقفوا عن تناول الغذاء الكافي أو الصحي لعدم مقدرتهم الحصول عليه، ما اضطر بعض الأسر للحصول على بدائل غذائية ضارة بالصحة ومغشوشة ومسرطنة.

• أغرب ما في الحالة السودانية هو أن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة تعاقد مع حكومة الفترة الانتقالية لشراء الحبوب وتقديمها كغوث إنساني للمتضررين بنقص الغذاء في دولة جنوب السودان، وفي سبيل ذلك تشتري الأمم المتحدة حصتها من الذرة السودانية بالعملات الأجنبية وتقدم ذات المبالغ وتزيد عليها لتصبح دعما مباشرا للفقراء في برنامج عرف بثمرات، كل هذا قطع طريقه الإنقلاب.

• وهو ما يعني أن السودان كان مكتفيا لدرجة تصدير فائض حبوبه، وكان هذا ينعكس إيجابا على أسعار الحبوب لأن الشراء يتم عن طريق مناقصات بمعايير دولية، فيربح المزارع والحكومة التي كانت تجني من الترحيل مبالغ طائلة وخفض الفقر للمواطنين بدعم مباشر.

• ختاما: ان التنبيه المستمر لخطورة الوضع الغذائي في السودان توجب علينا العمل بجد لتوفير احتياجات تلك القطاعات المتاثرة والتحضير من وقت مبكر لدعم الأسر المتضررة كل منا بحسب جهده واستطاعته، وإلا فسنشهد ضيقا معيشيا أكثر مما هو ماثل وتتسلل تبعا لذلك أمراض معدية إلى بيوتنا، وتستشرى ظواهر اجتماعية كارثية وتهديدات أمنية لن تقو الدولة على الحد منها.

الأحد، 28 أغسطس 2022

كرري .. يا أعظم ذكرى

كرري يا أعظم ذكرى

٢ سبتمبر ١٨٩٨م

● يحتفي المحيط الإقليمي والعربي والإفريقي والدولي بحروب تحرره ورموزهم الذين استبسلوا في مواجهة العدوان والطغيان وتنظم المهرجانات والاحتفالات اعتزازا بالآباء والأجدا، وتصل درجات الاحتفاء لمراحل أشبه بالتقديس فلا أحد يستطيع التنكر للسنوسي في ليبيا أو تجاوز عمر المختار، وتتردد في وسائل الإعلام المصرية وانتاجها الفني العديد من الأعمال التي تمجد الزعيم عرابي، ولا تستطيع أن تذكر معارك التحرر الجزائرية دون الإشارة لكونها بلد المليون شهيد على رأسهم السيد عبد القادر الجزائري، ولا زال غاندي أيقونة التحرر السلمي في العالم والهند، ومثل الجيش الجمهوري الايرلندي أهم جيوش التحرر في الغرب، وبفضل المقاومة سلمت فرنسا فيتنام لهوشي منهو، وفر الهولنديون من جزر الهند الشرقية الهولندية، وخرجت البرتغال مرغمة من انغولا وموزمبيق، وغيرهم ممن قاوموا المحتل والمستعمر في أوطانهم.


● وفي بلادي هذه هناك من أرغم الأنوف المستكبرة وحطم أحد أهم أركان المنظومة الاستعمارية في المنطقة، وأخضع الجبابرة، وأسس دولة مستقلة ذات سيادة بعلمها ودواوينها وجيشها وعملتها وعمالها على الأمصار المختلفة، للدرجة التي حفزت الكثير من الشعوب وقادة التحرر الإشارة لهم والاقتداء بهم لمجابهة صلف المستعمر، وأنهت على أرضها حياة أعتى الجنرالات العثمانيين والبريطانيين، ما حفز بريطانيا العظمى لتجديد قيادتها وتحديث أسطولها البحري الذي كان يعد الأعظم في العالم، وبذلت قصارى جهدها لتطوير أسلحتها النارية وترسانتها الحربية إلى مستويات آلية ونصف أوتوماتيكية ومدافع رشاشة، وأخرى حارقة.

● وقد قاد ذلك التطور العسكري والاستراتيجي إلى حدوث أكبر تمدد للقوة البريطانية بعد هزيمتهم النكراء في القرن التاسع عشر في أفريقيا، إذ كانت بريطانيا القوة الحاكمة المعترف بها في مصر من عام 1882م، والتي مهدت عبرها وسهلت اجتياح السودان جنوبا للانتقام والاقتصاص لقتل الجنرال غوردون في 1885م، وحققت انتصارها في السودان في أم دبيكرات عام 1899م. واستمر الأمر كذلك حتى النصف الثاني من القرن لينال السودان استقلاله مجددا في 1955م، وقد اتخذ البريطانيون أساليبا عديدة للتوسع في القارة السمراء بدأت بشركة النيجر الملكية التي بسطت النفوذ البريطاني في نيجيريا ، كما أصبحت جولد كوست (غانا حاليًا) وغامبيا أيضًا توابع استعمارية للمملكة البريطانية. وعملت شركة إمبريال بريتيش إيست أفريكا في ما يعرف الآن بكينيا وأوغندا، وعملت شركة جنوب إفريقيا في ما يُعرف الآن بزيمبابوي (روديسيا الجنوبية سابقًا) وزامبيا (روديسيا الشمالية سابقًا) وملاوي . وقد مكّن انتصار بريطانيا في حرب جنوب إفريقيا (1899-1902) من ضم ترانسفال في عام 1902 وإنشاء اتحاد جنوب إفريقيا، وأنا أقرأ هذه القراءة لنعلم مداخل الاستعمار القديمة المتجددة في ثوب جديد، وهناك شركات شبيهة حاليا روسية وفرنسية وعربية وأوروبية وغيرها تحاول استمالة القارة واخضاعها مجددا واستغلال مواردها.

● وقد أسست الحكومة البريطانية بتلك الشركات مجتمعة جماعات التصفية السياسية والاغتيال المعنوي والدعاية السوداء والبروبوغندا الحربية، ودعمت كتاباتهم لتنشر في أصقاع المعمورة محاولات بائسة لكنس آثار تلك الهزيمة في الخرطوم، فاستكتبت أقلاما استخبارية كونجد باشا ورودلف سلاطين و ريتشارد أ. بيرمان الذي كتب "مهدي الله - قصة الدرويش محمد أحمد" ، وصاغ مقدمته ونستون تشرشل بنفسه، وغيرهم كثير من حاملي العبء الغبائني والضغينة التاريخية، كل ذلك لإلحاق الهزيمة النفسية بذراري الشعب الثائر وما يسميه السودانيون (عقاب الكتلة)، حتى رسخوا في أذهان كثيرين من أبناء شهداء الثورة والدعوة إساءات بالغة لآبائهم وحتى للمهدي وخلفائه عليهم السلام، وما كان ينبغي لعاقل تصديقها ولكن كان قلم المخابرات أمضى وأقوى، للدرجة التي استمال فيها مستقبلا عقولا شابة وواعدة ومستنيرة، محققا بذلك الاستلاب التاريخي والتوريث المتتابع للتأزيم النفسي وتقزيم الذات السودانية، للدرجة التي جعلت ممن يظن أنهم نخب رائدة يتنصلون عن التاريخ وينشطون لشيطنته وحذفه على قلته من المناهج التعليمية، وهذا لا ينفي بعض المحاولات الأكاديمية والعلمية لبعض المؤرخين السودانيين كبروفيسور محمد سعيد القدال الذي خط كتابه " لوحة لثائر سوداني"، وإسماعيل عبد القادر الكردوفاني الذي كتب كتاب "سعادة المستهدى بسيرة الامام المهدي"، والذي حفز بدوره الكاتب حاييم شكيد ، ليكتب عن حياة المهدي السوداني: دراسة تاريخية لكتاب سعادة المستهدى بسيرة الإمام المهدي لإسماعيل عبد القادر الكردفاني (نيو برونزويك ، نيوجيرسي: كتب المعاملات ، 1978)، وحديثا تناول عصمت زولفو لمعارك المهدية.

● أمام تلك الحملات العنيفة للاستهانة والاستخفاف بالمهدي والمهدية ومحاولات التصفية المعنوية برزت إرادة وعزيمة قوية جعلت من ذلك الغرس المقبور تحت الرماد يصبح لاحقا القوة الدينية والاجتماعية والسياسية الأولى في السودان بعد ما يزيد عن 124 عام ورائد المقاومة والاستقلال ومناهضة الدكتاتوريات، بعد ما حدث له من فجيعة سماها الصحفي ديفيد شنفيلد محرر هيستوري توداي بالمذبحة وقال: "استخدمت بريطانيا تقنية عسكرية جديدة في مذبحة جيش الدراويش السودانيين بالقرب من أم درمان في 2 سبتمبر 1898م"، موضحا أن ذروة التقنية العسكرية والتطور التكنولوجي القتالي في بريطانيا تم تجريبها واستخدامها ضد السودانيين في معركة كرري، ومن وسط هذه المجذرة والإبادة والدماء والجماجم المحطمة والأوصال المقطعة نهض جيل وثاب وتواق للحرية والانعتاق.

● إن أعظم ما يبز ويدفع للفخر أنه كان في مقدمة هؤلاء الأشاوس الشيوخ وحفظة كتاب الله والفرسان البواسل من الشباب في المرتبة الأمامية، لم يتوانوا أو يترددوا، وقد جاء في وصفهم أنهم رقدوا مطمئنين يتوسد أحدهم نعاله وينزف مبتسما حتى تفيض روحه إلى بارئها، كما أن جميع من لقوا حتفهم لم يترددوا أو يبتعدوا عن المدافع الرشاشة (المكسيم)، وكان أبعدهم مسافة لا يتجاوز الخمسين متر أي أنهم جميعا كانوا في المدى الفعال والمؤثر لنيران العدو، وكذلك فتكت بهم نيران بنادق (لي- ميدفورد) التي يصل مداها  أبعد من 800 ياردة.

● ليس مؤلما أن تجد وصف اجدادك مقطعي الأوصال متفجري الأجساد ومهشمي الرؤوس ومبذولي الأحشاء تتناوشهم الجوارح والضواري، فهم قد قدروا وقرروا مسيرهم وحددوا مصيرهم، واجهوا جيشا أنجلو مصريا لا يحمل لهم إلا الضغينة والموت فقابلوه برباطة جأش،وقوة عزيمة، ولكن الأشد إيلاما أن من ضمن الألوية التي سحقت بسالة السودانيين في كرري، لواءً حربيا ضم سودانيين قتلوا اخوتهم وفتحوا عليهم وابل النيران وتلذذوا بقتلهم، وذات الأمر يتكرر في كل الحقب والعصور والدهور، ويؤكد أن الهزائم لا تأتي من شجاعة الأعداء وإنما من خيانة الأقرباء.

● إن الجنرال هربرت هوراشيو كتشنر، والضابط ونستون تشرشل، والمهندس الملكي إدوارد جيروار، واللواء ويليام جاتاكري، الكولونيل هيكتور ماكدونالد،  واللواء السير أرشيبالد هانتر، مثلوا مملكتهم البريطانية ومستعمرتهم المصرية وقاتلوا بالإنابة عنها، وارتكبوا في سبيلها ما يرقى بمعايير اليوم أن يصنف ضمن جرائم الحرب والعدوان والجرائم ضد الإنسانية، فقد أجهزوا على ما يقارب الخمسة آلاف جريح غير الشهداء الذين لكثرتهم كان يظنهم كتشنر غابة او "زريبة" لكثرتهم، وتركوا مثلهم يلاقوا مصيرهم المحتوم وأسروا عددا مماثلا، وقد قابلهم رجال آمنوا بربهم ووطنهم وقاتلوا حتى قابلوه على صهوات جيادهم، فقد قضى الأمير إبراهيم الخليل نحبه وهو يحث جنوده على القتال متقدما إياهم ولم يترنح أو يتراجع حتى شوهد رأس جواده مقطوعا وجسده هو ممزقا ورأسه مهشما يكبر الله ويحمده، غلله درهم الخليفة شريف والأمراء عثمان شيخ الدين وعثمان أزرق والأمير علي ود حلو، كانوا يمثلون وطنهم المحتل ويذودون عن حياضه لا يبتغون إلا وجه الله، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه حتى رافقوا خليفة المهدي عليهما السلام إلى لقاء ربهم في منطقة أم دبيكرات بعد شهور قليلة من كرري.


● ختاما: إن معركة كرري في سبتمبر 1898م هي أعظم ذكرى وقد كانت وستظل عبرة للسودانيين، واعتبارا للغربيين، ودرس للإنسانية في الوطنية والشموخ والإباء والبسالة والتضحية والفداء، كما أنها أضحت أوضح عنوان سافر لأسوأ أنواع الغدر والخيانة الوطنية، فمن عملوا في تشييد السكك الحديدية وشحن الذهب وتهريب موارد السودان لتسهيل دخول الآلات الحربية والجيش من مصر إلى السودان، وساسوا خيول المستعمر وعلفوها لم يكونوا سوى أبناء جلدتنا ممن كان ينتهرهم جنرالات المملكة العظمى ويضربونهم بالسياط، و لكل زمان عملاؤه وأجراؤه، ولكل مستعمر ومستبد عبيده، و( لكل وقت حال ولكل زمان وأوان رجال) أو كما قال المهدي عليه السلام، وواجبنا أن نتصدى لأيادي الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي وأن نكشف زيف مطاياهم من أبناء جلدتنا وممن يعلنون محبتهم ويضمرون بغضهم لنا وللوطن، حينها لن نهزم ولن نقهر