الخميس، 22 سبتمبر 2022

*قراءة في ثنايا خطاب البرهان ما قاله وما لم يقله أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

قراءة في ثنايا خطاب البرهان ما قاله وما لم يقله أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة:




بعد عام من الانقلاب:

١. يشير البرهان لاتفاقات ومعاهدات عطل بانقلابه الإيفاء بها وجمد عضوية السودان في مؤسساتها كما فعل الاتحاد الإفريقي.

٢. يشتكي البرهان الديون الخارجية التي عطل جدولتها وقطع الطريق أمام إعفائها بانقلابه المشؤوم، بل وأوقف حتى تعديلات التشريع وهيكلة الاقتصاد وأوكلها لجماعات التخريب الإخوانية في وزارة المالية والبنك المركزي والشركات الرمادية التي تقع تحت حمايته.

٣. بعد عام كامل يقر البرهان بعجزه عن نزع السلاح وإدماج الجيوش، وتسرب كميات كبيرة منه في أيادي مليشيات قبلية أسهم هو شخصيا في تسليحها إبان عمله في دارفور، ولم يذكر البرهان أن ضحايا هذه الأسلحة المنتشرة وصلوا لما يزيد عن الألف قتيل وعشرات الآلاف من النازحين.

٤. تجنب الحديث عن القضايا الإقليمية وتحاشى الحديث في تحديد موقف السودان من أهم شواغل الأمم المتحدة كسد النهضة، والإرهاب في القارة والإنقلابات التي أعادت الجنرالات لقطع الطريق أمام الديمقراطية.

٥. تحاشى التعرض للقضايا العربية كالقضية الفلسطينية ولم يشر حتى لموقفه من التطبيع، وقضية الانتهاكات المتكررة على القطاع والضفة، ولم يمر من قريب أو بعيد نواحي قضية الانتهاكات المتكررة على المسجد الأقصى.

٦. لم يقو على إيراد سطر واحد عن أهم القضايا الدولية التي تشغل العالم وموقف السودان من انتهاكات حقوق الإنسان المترتبة عليها والحرب الروسية على أوكرانيا، ولم يبدي حتى أسفه أو يعرب عن قلقه إزاء التهديدات الأممية للسلم والأمن الدوليين.

٧. حسنا فعل بتكراره الحديث عن الانتخابات الحرة والشفافة وضرورتها لنقل السلطة وتأكيده على النأي بالجيش عن الحوار والعملية السياسية وأن الجميع سيشتركون في الحل عدا حزب المؤتمر الوطني، إلا أنه عمليا مكن دهاقنة التنظيم وعتاة الإخوان من مفاصل السلطة في البلاد وسمح لقادة جماعات متطرفة بالعمل والنشاط في مؤسسات الدولة، بل أعاد تنظيم الإخوان في القوات المسلحة.

● ختاما: لم يفتح الله عليه يذكر كلمة واحدة عن الثورة السودانية وشهدائها، ولم يروى القصة كاملة كما قال أبو هاجة، لأنه يعلم بأن الله يسمع ويرى، وأن جميع ما ارتكب من فظائع وانتهاكات وقتل وتعذيب وتشريد واغتصاب وسحل وترويع جميعه مسطور، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.

• وقد دمدم الله على هذا الجنرال بذنبه ويسره للعسرى وهي آخر غمراته وسكراته وفي ذلك يسر له البطانة المشؤومة التي لا تريه إلا ما يرى، ولا تهديه سبيل الرشاد، فكلهم ضالون مضلون، ستلاحقهم لعنات الشعب والناس أجمعين.

خالد مقلد

الاثنين، 19 سبتمبر 2022

خلافات العسكر ومناورة تسليم السلطة

خلافات العسكر ومناورة تسليم السلطة


● باتت خلافات العسكر حقيقة ماثلة تتصاعد وتهبط وكذلك خلافاتهم مع المدنيين، وقد حدثت الشقة فعلا وتزايدت الخلافات بين الثنائيات المدنية والثنائيات العسكرية والثنائية المزدوجة بينهما، وأولى الأسباب التي قادت لذلك هو تحفيز جهات مدنية للمؤسسة العسكرية بعدم الإيفاء بالتزاماتها في انتقال السلطة المدنية في نوفمبر ٢٠٢١م، وحثهم على الانقلاب في أكتوبر ٢٠٢١م، وصوروا لها بأنهم بمقدورهم عزل من سموهم مدنيين متسلطين مسيطرين على السلطة وإقامة نظام أوسع بصورة تكفل مشاركة الجميع لم يقووا على تكوينه بعد سنة تامة.


● انتهى بهم الأمر بدكتاتورية آحادية قابضة لا شريك لها سوى موظفي السلطة الانقلابية، الأمر الذي قاد لما نحن فيه من خراب وتردي معيشي وانهيار في منظومة الدولة والاقتصاد والأخلاق والقيم والمثل.


● الأمر الثاني هو التضليل الذي مارسه مدنيو وعسكر النظام البائد بحملات منظمة اكتشفتها الحكومة الانتقالية وخاطبت بها منصات دولية كفيسبوك لإغلاقها، الأمر الذي قاد لفتن بين العسكر فيما بينهم، والمدنيين فيما بينهم، وقسم الولاءات القومية لتتجزأ وتصبح ولاءات أولية إثنية قبلية ضيقة محتربة.


● هنا لم يدخر أصحاب الأموال والفساد جهدا بمحاولاتهم صناعة واقع جديد فيه اصطفافات داخل هذه المؤسسات المدنية والعسكرية واستغلال حمية القبلية والاثنية لتوسيع شقة الخلاف، الأمر الذي وصل لدرجات التصريح العنصري، والتحشيد القبلي المسلح.


● الحالة الآن فوضوية وعلى شفير اندفاع الجميع نحو مواجهات عدمية واندلاع مواجهات خاسرة بين أطراف عسكرية تمدنت وأخرى مدنية تعسكرت، سيضيع بين ججري رحاها مواطنون عزل وأبرياء.


● الحديث عن تسليم السلطة في السودان أضحى واحدة من كروت المناورة السياسية التي يتم بها خلط الأوراق السياسية كلما ضاق الخناق على العسكر، وهنالك من المدنيين من يوعزون للعسكر بعدم تسليم السلطة لأن هذا الإجراء مسألة حياة أو موت، وأن الأقدام على هذه الخطوة بمثابة انتحار وتقديم رؤوس العسكر للمشانق.


● ولذلك رأينا مناورات بدأت منذ سبتمبر ٢٠٢١م، بأن التسليم لن يكون إلا لجهة منتخبة ومن ثم أتى الانقلاب، وتدرج الأمر وصولا إلى عدم التسليم إلى لحكومة متوافق عليها، وها نحن نشهد اليوم تكرار ذات العبارات بنبرات تتفاوت حدتها.


● لقد صرح رئيس مجلس السيادة في ٤ يوليو بأنه سينأى بالمؤسسة العسكرية عن الحوار، ولكنه أوغل في العملية السياسية والتنفيذية في الحكومة باتخاذ إجراءات وقرارات ليست من اختصاص العسكر، وصرح مباشرة لرئيس حزب الأمة القومي المكلف بأنه لن يسلم السلطة إلا لجهة منتخبة.


● إلا أن نائبه ظل يؤكد على الدوام بضرورة التسليم للسلطة والانسحاب كليا من العملية السياسية برمتها، وهو ما زاد من حدة التوتر والخلاف بينهما، وهو الأمر الذي يؤكد أن تسليم السلطة للمدنيين تقاومه عدة جهات منها: قيادة الجيش، وسدنة الانقلاب من قوى اعتصام القصر، وفلول النظام السابق، وبعض أجهزة مخابرات الدول والشركات التي يحتفظ قادة الانقلاب لهم بمصالحهم في السودان.


● ختاما: ما ينبغي العمل عليه بمهة والسير نحوه بجد هو خروج العسكر بالتمام والكمال والعدة والعتاد والمهام والمهمات من العملية السياسية، وكذلك وجوب إخراج كوادر سياسية أقحمها التنظيم المباد في المؤسسة العسكرية تهدد الآن وتتوعد الشعب، ووجوب كف أيادي الساسة ومخابرات الدول الذين يحاولون تقديم العسكر للعب دور سياسي واستغلالهم بصورة انتهازية نشهد فيها إصرارهم على ضرورة شراكة العسكر في السياسة.

السبت، 17 سبتمبر 2022

بيع أصول النقل النهري قتل لقطاع النقل وتدمير للبلاد

بيع أصول النقل النهري قتل لقطاع النقل وتدمير للبلاد


● تسبب نظام ٣٠ يونيو ١٩٨٩م في تبديد أصول البلاد الاقتصادية وتدمير بناها التحتية ما ألحق ضررا بالغا في قطاعات عدة، أكثرها تأثيرا قطاع النقل الذي تأثر ببيع الخطوط الجوية وخط هيثرو وتدمير أطول خط سكك حديد في القارة، وخصخصة الخطوط البحرية السودانية والعبث بالنقل النهري للدولة الذي يربط شمالها بجنوبها في أطول المجاري والمحطات المائية الأفريقية ما تسبب في ضيق مواعين النقل النهري والسكة الحديدية وانعدام الطائرات والسفن الوطنية.


● عكفت حكومة الفترة الانتقالية على ملاحقة تلك الأصول الثابتة والمنقولة وتتبع إجراءات تمليكها للغير، الأمر الذي قاد إلى العثور على عمليات فساد تقف عليها مؤسسات وشركات وأفراد بعضهم من السودان وآخرين أجانب، وفور استرداد تلك الأصول واستخلاصها من جماعات تدمير الإقتصاد الوطني شرعت الحكومة في وضع مشروع لتجديد السكك الحديدية والخطوط البحرية والنقل الجوي والنقل النهري، كل ذلك كان غاية منتهاه تطوير قطاع النقل.


● فيما يخص النقل النهري وجدت لجنة التفكيك أن أصوله قد تم الاستحواذ عليها لصالح شركة لا سجل وطني لها ولا أجنبي، امتلكت جميع أصوله بموجب عقود مجحفة وصفقات فاسدة، وقد أودع النائب العام لجمهورية السودان وقتئذ توصية بضرورة اتخاذ قرار باسترداد أصول هذا القطاع المنقولة والثابت والأرصدة، الأمر الذي عنى للبلاد والعاملين في النقل النهري استعادة شريان من شرايين الحياة ورحبوا به غاية الترحيب وأكدوا على الفوائد التشغيلية والاقتصادية التي تحققت من خلال استخدام النقل النهري، واستعادة أصوله وتشغيله.


● تدفقت عمليات الترحيل لدولة جنوب السودان بعقود تدر على البلاد ملايين الدولارات جراء نقل الأدوية والأغذية والوقود، الأمر الذي شمل التأثير على إمدادات الزراعة والصناعة في البلدين ونقل المواد الخام والتقاوى والمحاصيل والأسماك والمواد السمية لمكافحة الآفات من وإلى البلدين.


● كما أدى تشغيل هذا القطاع واسترداد أصوله إلى الانتعاش تجاريا وبصورة رسمية الأمر الذي أدى لتقليل عمليات التهربب للسلع الاستراتيجية ونشاط التجارة الحدودية  الرسمية بين البلدين ما انعكس على تجديد وتوطيد الصلات مع جوبا وملكال، ناهيك عن الآثار الاقتصادية التي كانت مترتبة على هذا العزل، فقد كانت هائلة ومدمرة لنمو القطاع، وأعاقت التطور في البلدين.


● وقد وفرت عمليات النقل النهري الكثير من الوقود والتكاليف وقطع الغيار، والمحروقات لأنها أرخص كثيرا من العمليات الجوية والبرية، وتعتبر وسيلة أكثر فعالية فيما يتعلق بالنقل، في ضوء انعدام البنى التحتية للطرق البرية المناسبة بين السودان وجنوب السودان.


● وقد مثلت عودة النقل النهري فرصة للاستفادة من الأسطول الموجود في نقل الإغاثة التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي لدولة جنوب السودان، إذ تعاقدت الحكومة السودانية مع الأمم المتحدة لنقل المواد الغذائية والإغاثية التي توفرها الأمم المتحدة لدولة الجنوب ما يحقق مكاسب مادية للبلدين، ويكفل تيسير وصول الطواقم الأممية والعاملين في مجال تقديم المساعدات الإنسانية وإيصال الإمدادات الجديدة بصورة مستمرة ومتواصلة لا تتأثر بأي ظرف من الظروف الطبيعية أو المناخية.


● كما أن عددا من المشروعات الاستراتيجية في الجنوب وخصوصا شركات النفط تعتمد في ترحيل المعدات والأدوات والمواد الخام على أسطول السودان النهري، الأمر الذي يحقق أحد أهم الموارد المالية بالنقد الأجنبي للاقتصاد السوداني، ويسهم في تسريع عمليات التطور ونقل معينات تشييد المشاريع الاستراتيجية في دولة الجنوب.


● وقد ساهم تشغيل النقل النهري في تطوير المجاري المائية الداخلية وتوفير أعلى درجات الأمان للناقلين، بحيث ازدادت المحطات التشغيلية على طول المجرى المائي الأمر الذي أدخل قطاعات عمالية جديدة في كافة عمليات النقل من تقنيين، وميكنة، وتشغيل، وعمال، وكلات شحن وتفريغ، ومرافق خدمية تشغل الآلاف على طول مجرى النيل الأبيض من البلدين.


● ختاما: إن محاولات إرجاع تلك الأصول لعامل اللحام المصري يسري فاضل ليبيعها بدوره كخرده لصهرها، ما هي إلا محاولة لتصفير جهود الحكومة الانتقالية في تطوير قطاع النقل والتي عكف عليها الوزيرين السيدين هاشم ابن عوف وميرغي موسى، ما يعني تدمير البلاد وبنيته التحتية، وإرجاعه إلى عهود العزلة الإقليمية والارتهان للخارج، وهو محاولات لتمكيل أسطول النقل البري المصري للوصول من أقصى شمال البلاد إلى جنوبها للتحكم استراتيجيا في مدخلات انتاج البلدين، لأن هذا سيقطع الطريق أمام اتفاقات تعاون إقليمي ودولي في مجال الأمن المائي والعلوم والتكنولوجيا والطاقة والنقل النهري وصيد الأسماك عكف الوزيران على تطويرها، وهو ما سيوقف تسريع التكامل السياسي والاقتصادي بين بلدينا التوأم السودان وجنوب السودان، وربما أدى ذلك لانتعاش التجارة السوداء خارج الاطر الرسمية وتوفير فرص التهريب والتهرب الضريبي وتمكين جماعات مجهولة من السيطرة على التجارة الحدودية وقطع الغوث الإنساني الدولي لجنوب السودان، وهو ما سيدفع دولة الجنوب لاتخاذ طرق ومعابر ووسائل لا صلة لها بالسودان، حينها سيخسر السودان ريعان ماديا وعمقا استراتيجيا وجوارا أخويا.

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2022

المحاولات البرهاوية لكسر الإرادة القوية

المحاولات البرهاوية لكسر الإرادة القوية


مدخل:

● يروى أن أحد الأنصار كان يعمل طهارا يختن الأطفال، وعندما أسلم سلاطين باشا قام بتطهيره، إلا أنه بعد عودته غازيا مع جيش كتشنر أول ما أمر به سلاطين هو حلاقة سعر رأس ذلك الطهار "صلعة"، الأمر الذي قابله الطهار بسخرية قائلا: " يا سليطين النعيل، الزينتها ات بتقوم لكن الزينتها أنا للقيامة ما بتقوم". قلنا المُلحة دي ليه؟؟


● وجاء كتشنر من بعدها فمنع لبس الجبة والعمامة الأنصارية وحظر قراءة الراتب وقال هذه كلها دفنتها مع المهدي وخليفته، ومن يفعلها أو يرددها سأدفنه معها، واليوم بعد مائة وأربعة وعشرين عاما، ترفرف رايات تلك الدعوة وتتعالي الهامات بالعمائم، ويصدح الأنصار بالراتب، ويتزيا الشباب بالجبة كأزهى حلة حتى ممن هم غير أبناء الأنصار، وهاهم صامدون ضد الطغيان والبطش والاستبداد ودكتاتورية كتشنر الأسمر.


● في الوقت الذي تُدجج فيه قوات مختلطة تضم أرتالا من الأجهزة النظامية الإنقلابية، وتملأ خزانات مركبات الدفع الرباعي بالوقود لتزدحم بهم طرقات العاصمة، وتجهز أسلحتها الخفيفة والمتوسطة، والمضادة، وتصرف لهم نثريات المهمة والاستعداد، كل ذلك من أموال مقتطعة من قوت هذا الشعب، وهناك من يئن مدهوسا تحت إطاراتها، أو مصابا بطلقاتها أو مسجى في قبره شهيدا، أو في المجهول فقيدا.


● يظن الإنسان خيرا إلا أن بعض الظن إثم، يظن أن تلك القوات التي رتبها التي على أكتافها من خير أكتاف هذا الشعب، تريد أن تصون البلاد وتطهرها من جماعات الفساد والافساد، وتتجه لدك حصون العدو الذي تطأ قواته أراضينا، ولكن يرتد  الظن أسوأ مما ساء إلينا التقدير وهو حسير، لأن البرهان لا يمكن أن يصدر أوامره أو يراقب قواته إلا وهي تتجه لانتهاك حقوقه وحرماته، أولم يتلذذ بمشاهد القتل والسحل والتعذيب والاغتصاب في حرم القيادة العامة.


● قوات برهاوية تنشط بتلك الصورة العشوائية والهمجية والرعناء بالاعتداء على الشباب والمراهقين والأطفال، تنزلهم وتذلهم من المركبات العامة ومن عربات الترحيل ومن حجور أمهاتهم لتحلق لهم رؤسهم على قارعة الطريق، وتقطع طريق المارة تجز شعورهم، وتنهب ممتلكاتهم ومن ثم تدون بلاغاتهم ضد مجهول.


● القاعدة الذهبية المجربة التي علمتنا لها شوارع ومدن وحواري وطننا السودان تقول: "أن كسر الإرادة بالعنف لن يكسر إلا دائرة العنف"، فحينما جرب معنا النظام الإخواني هذا النموذج بصورة أعنف وأبذأ في معسكرات الخدمة الإلزامية والتجنيد القسري والمعتقلات والسجون، كان يحاول تعبئتنا بالعنف وتجييشنا لصالح مشروعه العنيف أو المشروع المضاد له، ولكنه فشل.


● خرجنا من تلك المعسكرات ونحن نعرف كل صغيرة وكبيرة عن أيدولوجيا المشروع الواهمة، وممارساته التافهة وسياساته العنصرية المقيتة، واتجهنا فور التخرج صوب أركان النقاش، لتفكيك تلك الفكرة وهدم أركان ذلك المشروع باستراتيجات كسر دائرة العنف باللاعنف، وهزيمة قوة السلاح بالقوة الناعمة وردع منطق القوة بقوة المنطق.


● إن لهذا الشعب جينات عزة وأنفة وشموخ وكبرياء في جنبات من ولدوا في التسعينيات وتربوا وتعلموا في كنف فرعون زمانه (عمروت)، جعلت منهم أفتك الأسلحة بالنظام الأستبداي وأمضى سلاح في أيديهم صفقات أكفهم البيضاء، وضلوع صدورهم العارية التي تتحدى الرصاص، وصيحات حناجرهم التي تشق عنان السماء تشهد الله وملائكته والناس أجمعين على حب هذا الوطن وشهدائه.



● إن أكبر العقبات التي تحول دون إبرام إتفاقات سلام أو مصالحات أو تسامح أو تعايش، هي عمليات الإذلال الممنهج والإهانة التي يتم تدريب قوات نظامية لارتكابها في حق الشعوب، لأن الأمر يخرج من كونه صراع أخلاقي حول مشروعات متضادة إلى غبائن شخصية يحمل بها المجرم ويتحملها المجني عليه، لذلك ليس لنا أن نحلم بسلم اجتماعي في القريب العاجل أو بناء سلام لنكسر به حلقات الصراع الموروثة ونكرس به قيم الإخاء والوفاء المدروسة.


● أي دولة لا تحترم إرادة شعبها الحر دحرت وغلبت وانقلبت، وأي امتهان لكرامة أي إنسان كونه من بنووة آدم عليه السلام، هو استدعاء لتجديد الحروب والنزاعات والعدوان، وها نحن نرى دعوات للتسلح كرد فعل لممارسات قوات الإنقلاب في الخرطوم، وهو أمر سيجلب للبلاد والعباد شررا مستطيرا.


● حاول هؤلاء الشباب تطهير صحائف قواتهم النظامية من الجرائم التي استغلهم المخلوع البشير بارتكابها، من قتل وحرق للقرى وقصف للمدن في دارفور واغتصاب وجرائم ضد الإنسانية النيل الأزرق وكردفان، واعتصموا في ٦ إبريل ٢٠١٩م أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة التي صارت فيما بعد القيادة العامة للقوات المسلحة لتصبح (ق ش م) (ق م س)، وظن السودانيون أنهم طهروا تلك الصحائف وأودعوا مجرمها الأكبر في سجن كوبر.


● إلا أن الايام أثبتت بما نشهده من فظائع ترتكبها هذه القوات، أن هناك سياسية متبعة واستراتيجية محكمة لتبغيض جنس هذه القوات وشيطنتها في العقل الجمعي للشعب السوداني، وهو الأمر الذي سيتخذه الدكتاتوريين مدخلا للهيمنة على البلاد ومطية لنهب ثرواتها واستخدام هذه القوات أداة طيعة لتركيع الشعوب، ولكن وارد أن يأتي هذا بنتيجة في أي مكان إلا في السودان.


● ختاما: أذكر البرهان وسدنته وطباليه وصحفييه وصحّافيه، أن سلاحنا الفعال الذي هزمنا به مشروع الجبهة الإسلامية في أطوارها المتعددة هو "السلمية"، ولكنهم هاهم يحاولون جرنا لمربع "الذئاب المنفردة"، وبذر أفكار الانتقام الشخصي ممن يرتكبون الفظائع في مواجهتنا، لذلك علينا أن نعض على سلميتنا بالنواجذ، فإن هذا الشعب عصي على الكسر، وجيناته الموروثة من أسلافه أقوى من القهر ، وليعلم الجبناء أسلاف الخديوية أن يوم الحساب آت، فإنهم يرونه بعيدا ويعدون له ساعة صفر، وما علموا أن ميقات الشعب قريبا، أولم تكن إرادة الخلق من إرادة الحق؟، وأن ساعة هذا الشعب ما عادت تضبط بتوقيت جرينتش أو دبي أو القاهرة أو مكة، وإنما مضبوطة بتوقيت الثورة السودانية وإن كان ثمة ساعة صفر، فليدق الجبناء أجراسها ويتخفوا خلف البنادق ويتحسسوا أسلحتهم التي أودعوها مؤخراتهم، حينها سنقول: (داك الجمل وداك الجمالي)، ويا الحوري: (الزينها العسكرى بتقوم إلا الزينها الشعب السوداني ما بتقوم)، وطيارتها لن تحوم، وستنعق في كوبرها كالبوم.

انتهى..


عروة الصادق


التاريخ: ١٣ سبتمبر ٢٠٢٢م.
المحطة: البقعة.

___________
@orwaalsadig

الأحد، 11 سبتمبر 2022

البرهان والبحث عن مايك البشير الدولي

البرهان والبحث عن مايك البشير الدولي


● أصبحت الجمعية العامة للأمم المتحدة محفلا لاكتساب الشرعية ونيل الدعم بالإعتراف الدبلوماسي، الأمر الذي حفز طغاة العالم على مر الأيام والعصور لتحين الفرص والمشاركة في فعالياتها لنيل فردوسهم المققود، فمثلما نرى رئيس مثل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يشارك في اجتماعات «الجمعية العامة» متحديا عقوبات «حقوق الإنسان»، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نشاهد مدى نشوة الجنرال البرهان الذي يشارك في أعمال الدورة السابعة والسبعون من اجتماعات الجمعية العامة.


● ظل العالم يضرب حصاره على الطغاة بصورة انتقائية طوال السنوات الماضية، وقد شهدنا على تغاضيه عن للممارسات الإسرائيلة وتجاوزاتها الصارخة لمعاهدة جنيف الرابعة واستخفافها بالقرارات الدولية، ولعل ذلك ما حفز الجنرال البرهان للمشاركة في هذه الدورة، بحثا عن مايكروفون يصرخ به أمام العالم بأنه منقلب على ثورة خاطب رئيس وزرائها هذه الجمعية بفخر واعتزاز إلا أنه أودعه الإقامة الجبرية بعد الانقلاب عليه وضيق عليه وسحب سلطاته حتى خرج من البلاد نافذا بجلده.

● هذا الميكروفون ظل المخلوع الجنرال البشير يبحث عنه لثلاثين عام، حينما استعصى عليه الوصول إليه استعاض عنه بأخرى محلية، أشد صخبا وضجيجا، وظل سدنته يحشدون له البسطاء ليرغي ويزبد أمامهم، ويهدد ويتوعد الأسرة الدولية وأهمها المتحدة، ومحكمتها الجنائية، ويقل فيهم ما لم يقله مالك في الخمر، وعلى ذات النهج يسارع البرهان لتلقف هذا الميكروفون.

● وسيواجه البرهان واقعا جديدا في الجمعية العامة، ومجلس حقوق الإنسان على وجه الخصوص، إذ أن المفوض السامي لحقوق الإنسان الجديد النمساوي فولكر تورك أمامه ملفات موروثة من سلفه ميشيل باشليت مثقلة بانتهاكات برهاوية لحقوق الإنسان في السودان، وفولكر هذا ليس كفولكر بيريتس، لأنه من الذين عملوا على تأسيس المحكمة الجنائية الدولية، وله رأي أشد وضوح وصرامة فيما يخص الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية.


● ينبغي أن تعلم الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول المشاركة فيها، أن وفد السودان الذي يقوده الجنرال البرهان رئيس إنقلاب ٢٥ أكتوبر لا يمثل إلا سلطة الأمر الواقع، التي رفض الأفارقة التعامل معها وجمدوا عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، واستغل الجنرال رئاسة السودان لمنظمة الإيقاد في دورتها الحالية التي يرأسها السودان منذ عهد رئيس الوزراء د. حمدوك ليجعل البرهان من المنظمة سكرتارية شخصية تمهد للإنقلاب الطريق نحو الاعتراف الإقليمي.


● وقد حرم هذة الجنرال السودان من التمثيل الحقيقي، ومنعه بأن يشارك بصورة فعالة وصادقة، فلا تمثيل سوداني لجلسة الاستماع السنوية للبرلمانيين الذين يحضرون دورة الجمعية العامة، ولا حضور لوزراء بقامة السودان، ولا مشاركة تسعد السودانيين بعد فرحتهم العارمة بعودتهم المشرفة لأروقة الأمم المتحدة في عهد الحكومة الإنتقالية.


● وبهذه المشاركة يعتقد الجنرال أنه كسر الطوق، وحجم حيز الأصوات الرافضة لانقلابه، وهو إمعان في الجهالة والتجهيل للمجتمع واستغباء للأسرة الدولية، والتي يرى كثير من قادة الدول بضرورة اتخاذ قرار بالتصويت في الجمعية العامّة لطرده، ولأن الجمعية العامة يمكنها تخطي النقض الروسي في مجلس الأمن بالحصول على أغلبية، ولكني أرى أن شواغل العالم ستكون أكبر من طرد البرهان من اجتماعات الجمعية وسيظل الشأن السوداني في ذيل أولوياتهم.


● سيظل ميثاق الأمم المتحدة هو المرجعية لسلطة للجمعية العامة، وبه من النصوص ما يؤكد ضرورة تعزيز دور الجمعية العامة وسلطتها، إلا أنها ظلت رهينة للاصطراع الدولي، والتنافس الإقليمي، ومقيدة عن الإطلاع بدور فعال، وانحسر نشاطها الغوث المحدود والشجب والإدانة للانتهاكات وجرائم الإرهاب والهجمات العنيفة وجرائم العدوان على الشعوب.


● ختاما: حضور البرهان وسدنته لاجتماعات الجمعية العامة لن يغير واقع عدم شرعيته، فقد قدمت بعض دول العالم في خمسينيات القرن الماضي دعمها لجنرال انقلابي كالبرهان، الجنرال إبراهيم عبود الذي خطى عدة خطوات نرى البرهان يسيرها ويجاوزها بفظاعة الانتهاك وسوء الممارسة ومع ذلك اقتلعه الشعب بثورة شعبية في ١٩٦٤م، تلك الخطوات هي:

١. إن الجنرال عبود عطل الممارسة الحزبية بما فيها نشاط حزب الاستقلال واحتكر القرار السياسي في البلاد، وعمد البرهان إلى اعتقال كل خصومه السياسين وملأ المقابيء والسجون وأماكن الإخفاء القسري بمئات الضحايا.

٢. بعض الدول كمصر قدمت التأييد لعبود واعترفت بالانقلاب في اليوم الثالث له عبر اعترافها الدبلوماسي، لحقتها في ذاك إثيوبيا والسعودية وفرنسا والسعودية والعراق والتاريخ لا يرحم، فهاهو الأمر يعاد ومصر تبرز كأولى الدول دعما لتحرك العسكر ودعما لسلطة إنقلاب البرهان.

٣. ظل عبود يحكم بقانون الطواريء لمدة ٦ أعوام، أقال خلالها زملاء الانقلاب في المجلس العسكري منقلبا عليهم في مارس ١٩٥٩م، وفعل ذات الشيء البرهان بتجريفه المؤسسة العسكرية وتصفية عناصرها، آخرهم من نفذوا معه إنقلاب ٢٥ أكتوبر. 

٤. لقد وصل عدد الضحايا في الاحتجاجات ضد عبود طوال فترة حكمة إلى حوالي ١٠٠ شخص منهم ١٢ في مجزرة المولد الشهيرة ضد الأنصار، وتجاوز عدد الضحايا في عهد انقلاب البرهان أضعافا مضاعفة من الضحايا والمشردين والمفقودين والنازحين.


• لكل ذلك سيظل الجنرال مستمرا في لا مبالاته ومعضدا حكمة حاشدا التأييد الإقليمي والدولي، ولكنه لن يستطيع تقديم شيء مفيد للسودان، ولن يستعيد ما بدده من مكتسبات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية، لأنه أبعد ما يكون عن التعقيدات الدولية ودليله في ذلك غربان أوردوا المخلوع من قبله قوائم الحظر الدولي، وجلبوا للبلاد عقوبات أضنت المواطنين، ووصمات جعلت الجواز السوداني حمله جريمة واتهام بالارهاب.


• إن الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست كرسي وثير ومايكروفون وسماعات للترجمة وإنما فرصة لتقديم البلدان لما يميزها وتسويقها في المجالس الاقتصادية والاجتماعية والبيئة ومجلس حقوق الإنسان واجتراح الحلول للأزمات وتقديم التوصيات، فكيف للبرهان أن يرفع يديه الملطختين بالدمام أمام تلك الأمم، وكيف له أن يؤكد لهم أن الديمقراطية هي السبيل الأوحد لتحقيق الاستقرار في إفريقيا، وكيف له أن يعاضدهم ويتفق معهم في مكافحة الإرهاب والغلو والتطرف، وهو الذي أطلق حبل الجماعات الإخوانية والتنظيمات المتطرفة على قارب البلاد، كيف له؟ وكيف؟ ففاقد الشيء لا يعطيه.

________
@orwaalsadig

الإضراب حق

الإضراب حق

● إن حق القطاعات المهنية والفئوية والعمالية في الاضراب مكفول في السودان بموجب نصوص الوثيقة الدستورية التي حذف الإنقلاب بعض فقراتها وعطل العمل بأحكام بعض بنودها، وتحميه الاتفاقيات الدولية والصكوك الأممية.

● ويعد الإضراب أنجع الوسائل لرفض الأوضاع المهنية المهينة، وهو أهم طرق الاعتراض على تردي أوضاع بيئة العمل وتدني الأجور والمرتبات، وأنسب سبل الاحتجاج على سوء الخدمات، كما ظل الاضراب أقوى وسائل المقاومة السلمية والاحتجاج والاعتراض على عسف الأنظمة الدكتاتورية.


● إن أقوى عمليات الاضراب هي تلك الإضرابات الفئوية والقطاعية والمهنية، ويعد المعلمون والأطباء والقضاة هم رأس الرمح في عمليات الإضراب التي تؤثر بصورة مباشرة على سير العمل في دولاب الدولة، فتتأثر قطاعات كبيرة بذلك الاضراب وتختل موازين الحياة الطبيعية، وتتعطل الكثير من المرافق والمؤسسات، الأمر الذي يقود إلى شلل كامل في الدولة.

● كما أن هناك مستوى آخر من الإضرابات ويعد أخطرها وهو إضراب قطاع النقل البري والبحري والجوي والذي يؤثر في عمليات السفر والتنقل لمئات الآلاف ويشل الأنشطة التجارية والاقتصادية والاجتماعية والأكاديمة .. الخ، وهو ما سيكون حدوثه قريبا، حال استمرت السلطات في تحميل المواطن فواتير باهظة الثمن في الوقود والمحروقات والسلع.

● وتصوير المضربين بأنهم مهملون أو لا مبالون بحياة وخدمات المواطن، فهو أمر مجحف ومجاف للحقيقة، فمعلوم أن لكل إضراب أسس ووسائل ودرجات تنفيذ، بما يحقق إيصال الصوت الاحتجاجي ويحفظ انسياب الخدمة، كما ظللنا نشهد عمل خدمات الطواريء والحالات الحرجة في المستشفيات في ظل قيام الاضراب، وتشغيل محطات التحكم في قطاع الكهرباء بعناصر الطواريء.

● وباستمرار الانقلاب لن تتوقف الاضرابات الاحتجاجية فما شهدناه من إغلاق لسوق كسوق مدينة سنار وتمبول والحصاحيصا ما هو إلا قمة رأس الجليد، احتجاجا من قطاع واسع كالتجار على ارتفاع قيمة الضرائب المفروضة عليهم، وتدني خدمات الكهرباء والصحة، وما تكرر من اضراب لموظفي وزارات اتحادية وولائية لن ينته، وليس أمام السلطة إلا احترام الحق في الاضراب الذي ما زال مكفولا فيما تبقى من وثيقة دستورية ممزقة ويعتبر الحق في الاضراب محمي أيضاً بموجب الاتفاقيات الدولية أو الاقليمية التي صادقت عليها البلاد.


● فيما ستحاول السلطة الانقلابية الاستعانة بكتائب ظل النظام البائد، وتشغيلهم لسد النقص في عدد من المجالات، الأمر الذي ثمنه هو إرجاعهم للخدمة وإلقاء قرارات الفصل في مواجهتهم وتمكينهم من مفاصل الحكومة ومؤسسات الدولة، وهو الأمر الذي سيصطدم بجدر المقاومة السلمية في تلك المؤسسات وسيجعل من فلول النظام البائد أدوات عنف وانتهاكات كما شهدنا ذلك إبان عهد المخلوع.

● ختاما: ستظل سلطة الانقلاب عاجزة عن إنهاء هذا الاضراب المتصاعد، ولن تقو على إيقاف سلسلة الإضرابات القادمة لأن ليس بيدها شيء تقدمه، فنحن على أعتاب نهاية عام كامل من الانقلاب ولا زال والوضع الإقتصادي والإنساني والسياسي والأمني يتدحرج إلى الوراء، فيما تغوص البلاد في دماء الضحايا وتغرق في الأزمات التي خلفها البرهان وزمرته، وهو الأمر الذي سيحفز تلك النقابات واللجان التسييرية والتجمعات المهنية للتصعيد وصولا للعصيان المدني الشامل والاضراب السياسي العام.


________
@orwalsadig

11 سبتمبر لحظة ميلاد الدمار

11 سبتمبر لحظة ميلاد الدمار

● لقد شاهد العالم بذهول الهجمات المروعة على نيويورك في أحداث 11 سبتمر، والطريقة التي كانت تستخرج بها العظام والأجساد المحترقة في برج التجارة العالمي، ومشهد الطائرتين وهما تصطدمان بالبرج، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تأخذ منعطفاً كبيرا  وأن تنحو لإتجاه غريب جداً على كل الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والقانونية وسياسات الهجرة والأمن الخارجي، بما في ذلك إعلان الحرب على الإرهاب.

● كما أوجدت أحداث 11 سبتمبر بعض الإهتمام بالتطرف والتعريف بالجماعات الإرهابية، ووقتئذ تم ترميز لرجالات تنظيم القاعدة، ومنحهم صيتا قويا، ما جعل لأنشطتهم متابعة كبيرة ولأصواتهم علوا ودويا، واستمر الأمر إلى أن تناسل التنظيم ليلد داعش وأخواتها، وكانت بمثابة لحظة ميلاد المشروع الذي اجتاح العالم من أفغانستان شرقا إلى اليمن في الجزيرة العربية ودرنة الليبية في المغرب العربي، وبوكو حرام النجيرية في القارة الأفريقية.

● ويمكن القول بأن هجمات سبتمبر 11 العام 2001م أسوأ أعمال الإرهاب على الأراضي الأمريكية حتى الآن، بل أشنع فعل يمكن أن ترتكبه جماعة إجرامية بعد ضرب القنبلة النووية على هيروشيما ونجازاكي.

● وقد كانت تلك الهجمات صاعقة ومباغتة، فقد صرحت مستشارة الأمن القومى - كوندوليزا رايس وقتها قائلة:   "لا أظن أن أحدا كان بأستطاعته أن يتنبأ أن هؤلاء الناس سيأخذون طائرة و يصدمونها في برج التجارة العالمى"، الأمر الذي بين قصر النظر، ومحدودية الاحتمال الأمني الأمريكي.

● وتمخض عن تلك الهجمات على نيويورك  مقتل الآلاف، الأمر الذي أدى فيما بعد إلى زيادة في حالات الإصابة بأمراض القلب وسط الأمريكان، إذ مثلت تلك الهجمات أقسى درجات الإفزاع فبعد صدمة هجمات سبتمبر 2001م خشي الجميع من انهيار الاقتصاد الأمريكي وصارت دول وشركات وأشخاص يحاولون الفرار بأموالهم منها.

● ولا تزال تلك الهجمات ماثلة في أذهان الجميع وقد غيرت 11 سبتمبر صنع النماذج الأمنية في فكر كثير من الدول والأشخاص ومراكز الأمن والتخطيط الاستراتيجي، فالهجمات الإرهابية على نيويورك وأماكن أخرى أفرزت تهديدات وتحديات عالمية جديدة.

● فقد اعتُبرت الهجمات على نيويورك وواشنطن عدواناً على السلام وأدت إلى إظهار تلقائي للتضامن الرسمي والشعبي والدولي بشأن ضرورة إعداد الآليات الأمنية والقانونية والسياسية اللازمة لمحاربة الإرهاب وإيجاد سبل التعايش المتناغم والتسامح الحقيقي بين جميع الشعوب.

● ومنذ ذلك الوقت طفق المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما يؤرخ لبداية سقوط المشروع الإسلاموي بالهجمات على نيويورك وواشنطن، وتبعه في ذلك عدد من المفكرين الذين رأوا في تنظيم القاعدة أسوأ الوصمات التي أُلحقت بالدين الإسلامي وأساءت للمسلمين، الأمر الذي يستوجب ارتفاع أصوات الصحاةمن قادة العالم الإسلامي لتبيان صورة الدين الحق، وتنقيته مما شابه من شوائب.

● وبعد تلك الأحداث فعلت الولايات المتحدة سياساتها المخبأة، وأظهرت أدواتها وأسلحتها الخفية، فلم تك هذه السياسة الأمريكية جديدة بل كانت موجودة ولكن هجمات سبتمبر عجلت بكشفها للجميع وجعلت من تفعيلها أمرا واجبا، أهمها ما قامت به الوكالات الأمنية بجمع بيانات ملايين المواطنين سرًا من على الانترنت، وبدأت استراتيجية الحرب ضد إيران وكوريا الشمالية المتهمتان بدعم تلك الهجمات.


● منذ ذلك الحين وصارت سنة الهجمات الإرهابية متبعة في عدد من المناطق والدول، أشهرها ما تم في باريس وعواصم أروبية وعربية، وعلى الرغم من الاختلافات الرئيسية في طريقة التنفيذ والوسائل المستخدمة، تشترك الهجمات في باريس ونيويورك في نفس الجوهر، فكل من المدينتين تجسدان الحلم العالمي، وكل منهما ترمز للنور والحرية، وكل منهما تنتمي للعالم وليس للبلد الذي تقع فيه فحسب، ما يعني أن أي شخص يريد أن يلفت نظر العالم لن تنحصر أنشطته في مدن أو جزر معزولة بل ستكون في قلبه، وعلى المدن التي تقع في قلب العالم اليقظة والحذر.


● ولم تتوقف الهجمات الإرهابية ولن تتوقف، فقد توالت الهجمات الإجرامية في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا،  وشكلت تحديا للإدارة الأمريكية إلا أنها لم تقرأ في السياق الإرهابي، ومن أخطر تلك الهجمات عملية كان المشتبه به فيها يمتلك أداة نووية عالية الخطورة وصنفت بأنها لا تقل  خطورة عما أستخدم في هجمات سبتمبر، وقد فر ذلك المجرم ولم يقع في الأسر، لكن السلطات تمكت من إسترجاع سلاح نووي كان بحوذته، ومثل هذا الشخص موجود في عدد من المدن والعواصم تحركه إما نزعات شخصية، أو دوافع دينية، أو زمانة الأمراض النفسية.

● ختاما:
• ستظل نيويورك هي القبلة الأممية، والبلد المضيف لأنشطة الأمم المتحدة، والمقر لعدد كبير من وكالاتها وهيئاتها، ومثلما يحج الساسة والرؤساء لمخاطبة العالم من أروقتها، وإعلان السلم والحرب من منصاتها، لن يكف الإرهابيين من اتخاذها هدفها استراتيجيا وعدوا أمميا كونه يحارب مشروعاتهم المتطرفة


• لذلك لن تكف الإدانات الدولية والشجب والاستنكار من الساسة والعلماء والمفكرين رجال الدين، فمثلما سعت هلاري كلينتون لجمع تمويل من أجل الإصلاحات في مدينة نيويورك ولتحسين الأمن في ولايتها، على العالم جمع أموال طائلة وتوفير إمكانات هائلة لتثبيت دعائم السلم والأمن الدوليين، ومحاربة الفكر بالفكر وليس بالأسلحة، فما نشهده من حروب ضد الإرهاب قد تنامت في مجتمعات أقعدها الفقر والجوع والمرض والحروب، وللولايات المتحدة وحلفائها يد في أيلولة أوضاع تلك الشعوب لما هي فيه من بؤس وعوز ونزاعات.


• نعم؛ من أوجب الواجبات هو الحفاظ على الائتلاف الدولي القوي لمكافحة الإرهاب والذي نشأ في أعقاب الهجمات على نيويورك وواشنطن، ولكن هذا التحالف لن يكون ذو قيمة أو فعالية وتأثير ما لم ينشط معه بالتوازي تحالف إنساني يخدم المجتمعات الفقيرة التي تمثل أخصب حواضن التطرف والغلو، على أن يكون ذلك التحالف مستندا على أبعاد أخلاقية تغذي مواثيق الأمم المتحدة.


 __________
@orwaalsadig