الأحد، 2 أكتوبر 2022

عودة الدجال باستعادة الفلول

عودة الدجال باستعادة الفلول

● الدجال لم يعد إلى بلادنا من تلقاء نفسه وإنما تمت عمليات استحضار منظمة له تدرجت من التحضير للإنقلاب، وإعلاء أصوات أبواق النظام المباد وصحفه الصفراء، والانقضاض على السلطة قي ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، والتخوين لقوى الثورة وقياداتها باتهامات فساد نجحت في خلق الانقسام بينها وبين الجماهير، وإلغاء قرارات الحكومة الانتقالية وإصدار قرارات ارتدادية أعادت للأبالسة أنفاسهم وثقتهم في أنفسهم، ومكنتهم من مفاصل البلاد الأمنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، ومكنتهم من زمام المنظومة الحقوقية والعدلية والقضائية، وفتحت لهم أبواب السجون ومكنتهم من منصات الإعلام ومنابر المساجد، وصرفت لهم من موارد البلاد وقوت المواطن طائل الأموال.



● فلا ترفعوا حواجب الدهشة لما وجده إيلا من استقبال في بورتسودان، فالشرق ذاته استقبل ترك، والأمين داؤود، ونظم مؤتمرات أمها كثر، وبطبعه مجتمع حفزته المظالم التاريخية للاستجابة لكل من يدعي خلاصة، وكذلك عدد من الأقاليم الأخرى التي تهيمن عليها نزعات القبيلة وربما عصبيات القبلية، وهو ذات الشرق الذي أكسب ثورة ديسمبر زخمها بالخروج الحاسم والحاشد في بورتسودان ضد الحكومة التي كان يرأس مجلس وزراءها محمد طاهر إيلا، وستفعل أقاليم أخرى ذات الشيء لأن المخطط لإرجاع السودان إلى ما قبل عهد السلطنات يجري على قدم وساق تحفه أيادي داخلية وتحرسه مخابرات أجنبية وتدعمه دول خارجية، ويذعن العسكر لتعليماتهم التي تأتيهم بكرة وعشيا.



● إذا عودة الإخوان الهاربين تشير إلى الفشل في التعبئة الداخلية وحشد التأييد السياسي للإنقلاب ولعجز عن تكون حاضنة سياسية قوية من رجال دولة وعناصر مؤهلين يعتمد عليهم البرهان للمواصلة في إكمال خطة وخطوات الانقلاب، وأصدق عبارة قيلت في هذا الصدد قالها كبير متزلفي التنظيم والحزب المحلولين لإيلا: (انتم السابقون ونحن اللاحقون)، وهو ما يؤكد أن هؤلاء العائدين أموات غير أحياء ولكن لا تشعرون، ويحاول جاهدا قائد الإنقلاب وسدنته الاستعانة بهم ولو بإحيائهم من الرميم.



● وهو ما يوضح بطلان هتافية التخوين للآخر بأنه إقصائي أو انتقائي ومسطير على السلطة تبريرا للانقلاب، وأن الانقلاب لا صلة لخ بالنظام البائد ليتضح الأمر جليا بأن الأمر يجري على قدم وساق في إرجاع فلول النظام السابق التي تدرجت اقتصاديا بعبد الباسط حمزة، وسياسيا بغندور، وأمنيا بأنس عمر، ودبلوماسيا بطواقم خارجية، وعسكريا بهاشم عبد المطلب، وقبليا بعناصر ككبر وعلى محمود، ودينيا بجماعات صوفية وأخيرا التحضيرات لاستعادة عبد الحي يوسف.



● وهو الأمر الذي سيمهد لاستعادة العقوبات التي تسبب فيها نظام الإخوان، لأن هؤلاء ينشطون على خطة لا تنفصل عن نهجهم الداعم للآحادية والدكتاتورية والتطرف العنيف، وهو ما سيفتح الباب لدخول الفارين من الشباب الصومالي وبوكو حرام ودرنة إلى مسجد خاتم المرسلين في جبرة، والاستعانة بعناصر كهذه يعني وصول الإنقلاب لذروة الإفلاس وابتعاثه للأموات من قبور النظام المباد.



● وهو الأمر الذي يؤكد مبالغة البرهان في التعويل والرهان على الفلول وظنه أنه بذلك سيستنقذ نفسه، وأكرر هنا مقولة كنت قد قلتها له: "أن مصيرك إذا عاد الفلول رصاصة في جبهتك"، لأنهم بسهولة لن ينقلوه لكوبر بل إلى "الدروة"، وهو الآن يفعل كل ما في وسعه للنجاة حتى وإن كلف ذلك البلاد وضعها في قوائم الإرهاب وتجدد الحروب القبلية فيها.



● والمؤكد أن هؤلاء (قادمون) إلى المعركة دون عتاد أو قوة أو مال لأنهم هربوا أولادهم وأسرهم وأموالهم، وكل ما يمكن أن يعيق حراكهم إلى الخارج، وعادوا ليبدأوا من جديد في تبديد الموارد والأموال والفساد والاستهبال، واستغلال البسطاء، والاستقواء بالخارج لخدمة أجندته، فقد رأينا رجلا كان موقفه حديا وقويا في ملف حلايب وشلاتين في العام ٢٠١٥م عاد من مصر بعد أن آوته لفترة طويلة، متزلفا إليها في أول خطاب له في السودان، وهو ما يوضح بجلاء استخدام ملفات المساومة التي كانت تستخدم سابقا.



● ومن أسباب هذه العودة التخطيط لتعزيز الانقسام السياسي والاجتماعي والقبلي والرهان على حدة انقسام المجتمعات المحلية وانشقاقات القبائل التي سيتسبب فيها قادة قبليون بالدرجة الأولى موالون للحركة والحزب المحلوليين، منهم من ذكرنا آنفا، وسيأتي آخرون كعيسى بشري والدرديري في غرب كردفان، والمتعافي في النيل الأبيض، ومصطفى عثمان في الشمالية وغيرهم، وسيمتنع هؤلاء مؤقتا عن الدخول في صراعات في المناطق التي تخضع تحت سلطات قوى سلام جوبا، فإدخال الشرتاي جعفر عبد الحكم وكبر وغيرهم في دارفور مؤجل، وكذلك فرح العقار في النيل الأزرق.



● هذا يؤكد بجلاء خسارة العسكر لأطراف في المعركة باستجلاب عناصر جدد، للاستعاضة عنهم بعد أن تمت الاستفادة من خدمات (السدنة) من قوى اعتصام القصر، وسيتم إكمال الإبدال والإحلال فور إكتمال عودة المجموعة، وسنرى حال استمر الإنقلاب وزراء وخبراء وولاة الحزب المحلول والهاربين من تنظيم الإخوان لاعبين أساسيين في خطة البرهان، بل حاضنته الأم.



● هذه العودة (حبال بلا بقر)، وتلك الحبال لن يدخر هؤلاء جهدا في استجلاب الأبقار والثروات لها، للإجهاز على ما تبقى من ثروات البلاد، فلن تكف الدول التي دفعتهم وتحاول إعادتهم عن ابتزازهم لتهريب الموارد والمقدرات، والتنازل عن الأراضي والسيادة الوطنية، وهو ما سيزيد درجات التجاذب البيني في الهامش ويؤدي لتجديد الحرب الأهلية ودعاوي التهميش التي لن تتوقف هذه المرة عن حق المطالبة بالفدرالية وإنما ستتعداها للمطالبة بحق تقرير المصير لعلو الأصوات الانفصالية.



● ختاما: كل هذا المخطط يدركة قادة وعامة الشعب وهو ما يجعل الحلف السوداني المتين والجبهة المقاومة للإنقلاب متوسعة بصورة مضطردة لتضم كافة القوى الثورية الحية وجميع المؤمنين بالديمقراطية والحرية والسلام والعدالة، جميعهم سيسيرون في طريق الاحتجاج والتظاهر والاضراب والعصيان والتضييق السياسي ليبلغ منتهاه بإسقاط الانقلاب وقادته وإبطال قراراته وإجراءاته، وإيقاف كل أيادي التدخل الخبيث التي لم تجد لها وجودا في الرباعية أو الثلاثية وتحاول فرض سلطة الأمر الواقع بالتحالف مع البرهان.



_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com



دبلوماسية الجيل الخامس

دبلوماسية الجيل الخامس


● إن  ما يحدث من كوارث وأزمات دولية له الأثر السلبي على التنمية الاجتماعية والاقتصادية وعلى التمتع الكامل بكافة حقوق الإنسان وكفالة الحريات، وهو ما قاد لحدوث المجاعات والكوارث الطبيعية وانتشر في أنحائه الفقر والاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية، خصوصا في جنوب المعمورة، وقد نال السودان النصيب الأوفر من كل ذلك بتأثره بتلك الإضطرابات الداخلية والإقليمية والدولية، لارتباط بعض قادته بصراعات الجيل الخامس وحروبه واستخدامهم كبيادق يذخرون فيالق تلك الحروب المعلنة والخفية.



● وتنامت الجريمة والإرهاب والهجرة غير النظامية والنزوح واللجوء والصراع وعدم الاستقرار السياسي في بلداننا، وكلها عوامل قاسية بالقدر الكافي لإحداث انهيار شامل للأنظمة والدساتير والقانون وإعاقة النمو والتطور والديمقراطية والحكم الراشد وتعطيل الإبداع والابتكار والتحديث. إلا أن بعض الدول أفلحت في تجاوز تلك الاضطرابات بالاستعانة بما يمكن تسميته بدبلوماسية الجيل الخامس والتي تُظهِر قدراً كبيراً من المرونة في مواجهة العنف والاضطرابات، وفي ذات الوقت تستعين بأنظمة حروب الجيل الخامس الذكية التي سنعرض لها لاحقا.



● في ذات الوقت الذي تطور فيه الدول العظمى أنظمتها السياسية والإدارية و الصحية والتعليمية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، تزايد بصورة نفاثة في تسابق التسلح وصولا لأسلحة الجيل الخامس الأمر الذي قاد لاحقا للانتشار غير القانوني وغير المنظَّم لتلك الأسلحة وأسهم في الاضطرابات الإقليمية والدولية، والذي تسبب في قتل وتشريد وتشوِّه وسرطنة الملايين من البشر، وهو الأمر الذي استوجب البحث عن تقنيات طبية جديدة كأجهزة الجيل الخامس الطبية التعويضية والإشعاعية والكيميائية والتي لبهاظة تكاليفها ليس من السهولة توفيرها لضحايا تلك الحروب في منطقتنا.



● كما ترتب على تلك الكوارث الدولية إضرابات في أسعار الوقود والغذاء عالميا ارتفاعا وانخفاضا وازداد تبعا لذلك الطلب على الأصول الثابتة والمتحركة والمنقولة ذات القيمة مثل السندات والعقارات والأسهم والمعادن، وظهور أنماط مالية جديدة كالعملات الرقمية، وفي ذلك تنافست كبريات الشركات والدول وأثرياء العالم والأنظمة المالية الرمادية ومافيا الدول الاقتصاية، وكثرت الملاذات الضريبية الآمنة ما سهل جرائم الجيل الخامس كتمويل الإرهاب وغسل الأموال وتجارة الجريمة (بشر ، أعضاء، مخدرات، أسلحة، ممنوعات .. الخ)



● وقد قاد ذلك لازدياد المجتمعات الفقيرة فقرا والغنية غنى وأدى لانخفاض النشاط الاقتصادي والتجاري والاسثماري في المنطقة جنوب الكرة الأرضية وسبب مشاكل في الأسواق المالية للاقتصادات السوقية الناشئة وقلص حجم التمويلات التي تحصل عليها المجتمعات الفقيرة في دولنا للتنمية، واستعاضت الدول المتقدمة عن ذلك بتوزيع الفتات عبر مؤسسات العون الدولية لتلك الشعوب تحت مسمى المساعدات الإنسانية واللقاحات المجانية للأوبئة التي نجمت عن كوارث الجيل الخامس المنتقلة برا وبحرا وجوا.




● وتبعا لذلك  إضطربت الكثير من الأنظمة السياسية إقتصاديا وعانت (الإرهاب الاقتصادي) وهو ما وضعها على حافة الإنهيار لأن نظامها المالي اختل ولم يسترد الائتمان المصرفي الحكومي والتجاري في المنطقة الكثير من الأموال التي إقترضها من دول وصندوق النقد والبنك الدوليين وأقرضهما للمؤسسات والأفراد بل حتى قروض الحكومة التنموية، وكذلك ما حدث من قلة التدفقات المالية التي كلفت الكثير من الدول إجراءات إقتصادية عرجاء أسهمت عدد من الدول في تعميقها بالمساعدة على تهريب الأموال والذهب والثروات إليها من دول فقيرة وقدمت مقابل ذلك الدعم الأمني ومعدات القمع والإسناد في طباعة عملات بعضها مزورة أغرقت إقتصاديات تلك الدول في السيولة والكساد والفساد.



● ولا ينفصل اللهث والتسابق الصناعي العالمي عن أكبر كوارث العالم المتمثلة في الاضرابات المناخي الذي تسببت فيه الدول الصناعية الكبرى بتسببها في أكبر قدر من انبعاث الغازات الدفيئة، ما ترتب عليه كوارث طبيعية من فيضانات وسيول وأعاصير وارتفاع في درجات الحرارة وغيره من الأزمات، الأمر الذي تسعى بعض الدول تداركه عبر قمم الجيل الخامس التي تعقد بصورة مستمرة لتدارك الجحيم الذي دخل فيه كوكبنا.



● في هذه الأثناء نشط دبلوماسيون هم خريجو أجهزة مخابرات يتعاملون مع بعثاتهم والدول المبتعثين إليها كمستعمرات أو دول يرغبون في اختراق أنظمتها العسكرية والمدنية ونظام حكمها، ويتجرأ بعضهم لجعل حكوماتها مفوضين في تلك البلدان عن دولهم، وكثرت عمليات فساد الدبلوماسيين واشتراكهم في رفع تقارير مضللة لدولهم دعمت الانقلابات والتدخلات الأجنبية وانهيار الأنظمة المستغلة، ومنهم من اشترك وتورط في جرائم نهب وتهريب للثروات بتسهيل كبير من جنرالات وساسة وضيعين من دولنا.



● وبذلك صارت أسلحة الجيل الخامس تطلعا لكل الدول وتسابقت دولنا الفقيرة لخطب ود تلك المتقدمة التي تملك تلك التقنيات المتطورة، ورأينا كيف هرع عدد من جنرالات وأمراء ورؤساء وملوك المنطقة للتطبيع مع إسرائيل وأمريكا اللتين تحتكران الجزء الأكبر والأقوى والأحدث تكنولوجيا من تلك التقنيات، ووجدت في ذلك الدول العظمى استعاضة عن دبلوماسية الأساطيل الحربية والبحرية واستعادة للأمجاد الإستعمارية.



● لا زال التنافس في أوجه إفريقيا بمحاولات الهيمنة على أجواء وأراضي ومياه القارة للاستحواذ على ثرواتها، ومثل السودان أكبر بؤرة الاصطراع الإقليمي والدولي، وساعد في ذلك ساسة وجنرالات لهم مطامع سلطوية وجرائم ضد الإنسانية وعمليات فساد يحتاجون لغطاء وحماية تتدرج من الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي وصولا للفيتو في مجلس الأمن، كما يطمح بعضهم للحصول على تقنيات الجيل الخامس لا سيما الطائرات المسيرة تحسبا لتمرد داخلي من جماعات مسلحة.



● وقد كادت القوى المسلحة المناهضة لأبي أحمد الدخول للعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إلا أن تدخلا دبلوماسية تحصنت بتكنولوجيا الجيل الخامس حسمت المواجهات لصالحه، وكانت المسيرات التركية عامل ترجيح مهم في أخطر صراعات القرن الأفريقي، الأمر الذي حفز عدد من قادة إفريقيا وزعماء المليشيات للتواصل مع الدول التي تهيمن على تلك التكنولوجيا.


● ما يؤسف له أن هذه الدبلوماسية لا سقوف أخلاقية لها لأنها تستنزف ثروات الشعوب وتستهدف الإنسان وتنسف الاستقرار، لأنها تستخدم ككرت ابتزاز لحسم المواجهات، وهو ما استخدمه بعض قادة المنطقة لانتداب إما خديوي أو كرازايات جدد في المنطقة يأتمرون بقرارات دول كبرى عبر الفيديو كونفرونس، ويسمحون لها بالتجسس والسيطرة على كل الأنشطة والأنظمة في البلاد.



● وفي هذه الدبلوماسية يمثل الإنسان أخطر عوامل التهديد إما بالإبادة وإغراق العالم بالمهاجرين واللاجئين، أو مستضعفين جوعى ومرضى يستنزفون أموال الدول المانحة عبر الوكالات الدولية للإغاثة، وتلوح بعض الدول بسكانها كإرهابيين محتملين، لاستضافتها لعناصر إرهابية دولية والسماح لهم بالعمل من خلال دولهم وقديم الخدمات والحماية الشخصية والأمنية عبر أجهزة مخابراتهم.



● ختاما: ستظل أطماع قوى العالم العظمى للهيمنة والاستحواذ على الموارد متواصلة ولن توقفهم أي قوة إلا إرادة الشعوب، والواجب الأعظم يقع على الشعوب لاستئصال تلك الأنظمة الرهينة لتلك الدبلوماسية واقتلاعها إما ثوريا عبر الانتفاضات وثورات الجيل الخامس أو عبر الممارسة الديمقراطية في أقرب انتخابات في البلدان المستقرة، او الضغط لتحويل الملكيات المطلقة الى ملكيات دستورية وتغيير أنظمة أسرية وشمولية ودكتاتورية وأتوقراطية لنظم ديمقراطية تحقق المشاركة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون وكفالة حقوق الإنسان، والعمل على تفكيك تلك الأنظمة المحتمية بالخارج وقطع حلقات وصلها المرتهنة، وتعزيز استقلال البلاد وتحقيق استقرارها وتحصينها من التدخلات الأممية والاقليمية والدولية الخبيثة، والسعي نحو التطور والتقدم الذي عماده الصرف على الإنسان وصحته وغذائه وتعليمة بصورة تحقق رفاهه واستغلاله الأمثل لموارده.


_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com


السبت، 1 أكتوبر 2022

سفيرا روسيا وأمريكا أفيكما وصي على السودان؟؟!!

سفيرا روسيا وأمريكا أفيكما وصي على السودان؟؟!!

● إن الصراع الروسي الأمريكي قديم بقدم التاريخ، ولكن المصالح بينهم لم تتوقف أو تنقطع وملفات التعاون السياسي والأمني والعلمي والتكنولوجي لم تتأثر بالصراع السياسي، ولا بالرغبات التوسعية في البر والبحر والجو والفضاء، ويمكننا استعراض عدد من نماذج الخلاف والتعاون فيما يلي:

١. في الوقت الذي اشتد فيه التصعيد الروسي الأمريكي بسبب الحرب في القرم لم يتوقف تعاون العلماء سويا في الأرض لمكافحة فايروس كورونا والسماء غي محطة الفضاء الدولية.


٢. في الوقت الذي اشتد فيه بطش الرئيس السوري بشار الأسد ووصل عدد ضحايا انتهاكاته مئات الآلاف من النساء والأطفال والرجال، قادت الأمم المتحدة بدعم بروسي وقرارات متفق عليها في مجلي الأمن جهود دبلوماسية لإنهاء الصراع في سوريا، لكن ذلك لم يوقف تدخل موسكو الجوي الذي رجح كفة الأسد.


٣. على سطح البحار والمحيطات تتواجد قواعد بحرية وإقليمية على يا بسة بعض الأقاليم والدول ولكننا نجد أن الغواصات الروسية والأمريكية والصينية متواجدة في بحر الصين الجنوبي وعندما اصطدمت غواصة أمريكية بجسم مجهول في أكتوبر ٢٠٢١م، واحتجت الصين على ذلك وكن ورائها روسيا أقلت أمريكا طاقم الغواصة الأمريكية واستمر التعاون والتواصل الملاحي تحت الماء باتفاقهم جميعا إلى يومنا هذا.


٤. مثلت القاعدة وداعش وأخواتها عجر عثرة أمام أنشطة الأمريكان والروس في المنطقة وظل قادة تلك التنظيمات المتطرفة هدف مخابراتهما، إذ أن كلتا المخابرت الروسية الأمريكية تريدان البغدادي وبن لادن ميتين.


٥. هنالك تقنيات لا يملكها في العالم إلا روسيا وأمريكا، وفي ذلك تتعاون الدولتان على الدوام، والكل يذكر حادثة اصطدام القمرين الصناعيين الأمريكي والروس في فيراير ٢٠٠٩م فوق سماء سيبيريا، وهو الأمر الذي خلف حطاما كبيرا في الفضاء يهدد الأقمار الصناعية في المهارات الخارجية، مة حدا بالدولتين التنسيق فيما بينهما في هذا الملف ويستمر التعاون حتى هذه اللحظة في محطة الفضاء الدولية.


٧. أما اقتصاديا وتجاريا لا زالت أصداء التعاون المشترك في عام 1799م والذي قاد بصفقت مع الحكومة الروسية إلى تأسيس الشركة الروسية الأمريكية، التي احتلت كل الأراضي والجزر والأقاليم شمال المحيط الهادي وصولا لسيبيريا، ولا زال ذلك التعاون ماثلا بصورة معلنة جزئيا وخفية كليا إذ لا تزال الأنظمة المالية المشتركة تعمل بقوتها القصوى رغم الحظر الأمريكي على روسيا.


٩. اليقين الراسخ لكل من بايدن وبوتين بأن استقرار العام رهين بالتعاون الأمريكي الروسي وهو ما صرح به بوتين بصورة مباشرة حينما قال: (أمن العالم مرتبط بالعلاقات الروسية الأمريكية)، وجميع دول العالم وبخاصة الأوربية منها يؤيدون الحوار الروسي الأمريكي بشأن الاستقرار الاستراتيجي.

 
١٠. رغم التلويح باستخدام الأسلحة النووية إلا ان الحائزة على الأسلحة النووية كانت تسعى لتنضم إلى جهود نزع السلاح الروسية والأمريكية، وظل الاتحاد الأوروبي يتوقع إجراء المزيد من التخفيضات في الترسانتين الروسية والأمريكية، ما يعني أن التواصل في هذا الملف لن يتوقف.


١١. تورط الأمريكان والروس في الشرق الأوسط بجنود وجهود حربية وعسكرية وخسائر مالية في كل من العراق وسوريا وافغانستان والتحالفات المعلنة والخفية ضد الإرهاب، إلا أن ذلك دفع كلا الدولتين للانسحاب الدراماتيكي من أفغانستان والعراق وسوريا، وسعيهم الآن لتهدئة مؤقتة في الشرق الأوسط.


● إنطلاقا من هذه المعرفة بتاريخ وحاضر الدولتين أدفع بمرافعتي للسفيرين الأمريكي والروسي بالخرطوم بأن السودان تم التآمر عليه وإجهاض ديمقراطيته وحكومته الانتقالية، في يونيو من العام ١٩٨٩م حينما رفض رئيس الوزراء منح الإذن بقيام قاعدة الأفروكام في القرن الأفريقي، وفي أكتوبر العام ٢٠٢١م حينما عطلت الحكومة الانتقالية إيقاف إنشاء قاعدة بحرية روسية وضيقت الخناق على شبكات تهريب الذهب والمرتزقة الذين يتخذون من السودان منصة انطلاق نحو إفريقيا غربا ووسطا والقرن، وأؤكد أن كلا البلدين وغيرهما ليس فيهما وصي على الشعب السوداني وليس لأي حاكم حتى وصاية على هذا الشعب ليقرر في مصير مياهه وحدوده ومياهه وأجوائه، والشعب وحده صاحب تحديد من وكيف يتم التعاون المشترك مع هذه الدول، وللتعرف أكثر على وضع السودان أقول:


• أولا: السودان بلد يتوق للخروج من وكسة الحروب والتردي الأمني والتخلف الإقتصادي والتراجع التنموي، وليس من الصائب إنحيازها لأي معسكر أو الانخراط في أي أحلاف للصراع الدولي أو الإقليمي.


• ثانيا: سياسات النظام البائد الخاطئة التي بدأها (أمريكيا روسيا قد دنا عذابها)، إلى (الصلاة في الفاتيكان) و (الأذان في البيت الأبيض)، كل ذلك جلب للسودان عداوات من دول كبرى وصغرى ما جعله يتصدر قوائم الحظر والإرهاب الدولي، وهو ما طوي بثورة ديسمبر المجيدة.


• ثالثا: أدى تهور النظام الإخواني إلى تركة تخلف اقتصادي وتفريخ لجماعات العنف والتنظيمات الإرهابية التي استضافها نظام البشير بدءا من أسامة بن لادن وصولا لكارلوس وانتهاء بمجموعات بوكو حرام التي فتحت لها المعاهد والجامعات والخلاوى، والجماعات الشعية التي تمت استضافة حسينياتها.


• رابعا: لقد حاولت حكومة الفترة الإنتقالية التواصل مع كل العالم دون استثناء لفتح صفحات جديدة تتجاوز التمحور وتؤسس علاقاتها على المصالح المتبادلة وذلك عبر الرحلات المباشرة أو اللقاءات على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورحب بذلك قادة كل الدول بما في ذلك دول جزء من محاور الصراع، فقد شهدنا تواصل سوداني مع أمريكا وروسيا وألمانيا والمملكة المتحدة والصين والهند واليابان وكندا وإيرلندا وروسيا وتركيا ومصر وقطر وإفريقيا والخليج وأوروبا بلا استثناء، بل اندفع العسكر للتعامل حتى مع إسرائيل.


• خامسا: كل هذا جعل السودان منفتحا بلا حدود وتجاوبت معه دول كثيرة وأوفدت ممثلين حكوميين وخبراء أمنيين واقتصاديين ودبلوماسيين ورجال أعمال ونشطاء وإعلاميين وجماعات حقوقية لبحث سبل التعاون والشراكة بين دولهم والسودان، واستضافت فرنسا مؤتمر أصدقاء السودان ما أثمر جدولة وإعفاء الدين الخارجي، وكانت تنتوي الولايات المتحدة الأمريكية استضافة مؤتمر مماثل.


• سادسا: بعد إنقلاب ٢٥ أكتوبر تقطعت كل حبال الوصل، بل وتحولت بعض ملفات التعاون إلى عناصر ابتزاز واصطراع، إذا قرأنا سفر نائب رئيس مجلس السيادة إلى روسيا قبيل ساعات من شن موسكو حربها على كييف، وتلتها رحلة رئيسه إلى نيويورك ولندن مقروءا ذلك مع نشوب خلاف مستتر بين الرجلين، فضلا عن تجميد عضوية السودان في عدد من المؤسسات أهمها عضوية الاتحاد الإفريقي ووكالاته.


ختاما:
١. بهذه الخلفية أستطيع الجزم بأن محاولات استقطاب السودان واستدراجه للتمحور عرييا بحرب اليمن أو إفريقيا بسد النهضة أو إقليميا بمياه البحر الأحمر وموانيه، أو دوليا بملف اليورانيوم والثروات والموارد، لن تتوقف ولكن المصلحة الأكيدة تكمن في التعاطي مع كل الدول والوقوف منها مسافة واحدة يحكمها الحياد.


٢. أن تؤسس العلاقات الخارجية في السودان على المصالح وليس على التصالح كما قال رئيس مجلس السيادة، فلا صلح دائم ولا عداء مستمر وإنما مصالح مستدامة، وهو ما يوجب التصدي بصرامة لكل محاولات التدخل الأجنبي من الشرق أوالغرب أو الأفارقة أو العرب إن كان ذلك بالإملاء والقوة، بل حتى التدخلات الأممية يجب أن تكون حميدة لصالح الشعوب وليست خبيثة للهيمنة واستغلال الموارد.


٣. لا نريد أن يتحول الصراع بين السفيرين في الخرطوم والذي يتخذ حالة وصائية على الشعب والبلاد، كما تحول النزاع بين الولايات المتحدة وفنزويلا و كييف وموسكو إلى صراع أمريكي روسي، فالسودان لا يقبل الوصاية من أي دولة كانت، وهو المفتح على الإحترام والإنسجام المحلي والإقليمي والدولي، وله تصوره الخاص كبلد في التعاون السياسي والاقتصادي والأمني والاستراتيجي مع كل دول العالم، على أسس تكفل المصالح وتبادلها، وتؤسس لحياة مستقرة وآمنة وديمقراطية وكريمة ورفاه للشعب السوداني الذي يتسيد برأيه على كل الحكومات ويظل أبدا صوته الضامن لمصالحه هو الأعلى والأرجح إعلاميا والمرجح ديمقراطيا.


_________
@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com

الأربعاء، 28 سبتمبر 2022

تهديدات وتحذيرات جبريرهان

تهديدات وتحذيرات جبريرهان

■ اقترح د. جبريل إبراهيم إبقاء الشراكة بين العسكر والمدنيين على شكلها الراهن بمجلس السيادة دون تكوين مجلس أعلى للقوات المسلحة ينتزع الصلاحيات الأمنية والدفاعية والعلاقات الخارجية وغيرها، يريد بذلك أن يكون برهاويا أشد من البرهان وأذياله، واسترسل منتقداً المطالبة بعودة الجيش للثكنات متناسيا كل ما ظل يردده طوال سني نضاله بمدنية السلطة والدولة.


■ ومضى إلى أن الجهة الوحيدة التي تحدد ذلك هي الجهة المنتخبة وهو الذي شارك في انقلاب قطع الطريق أمام المضي محو الانتخابات وظل على الدوام حجر عثرة أمام تكوين المفوضيات التي من بينها مفوضية الانتخابات.


 ■ وكذلك حذّر رئيس حركة العدل والمساواة اللجنة الرباعية إن هي أقدمت على إعادة السيطرة لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير بتوهم ظل يردده منذ أن اتهم الحرية والتغيير بالهينة على سلطة هو وزير ماليتها.


■ كما حذر من مغبة المساس باتفاق السلام الموقع بين الحكومة والحركات المسلحة في عام 2020م والذي شاركت بموجبه الحركات في الحكم، متناسيا أن السودانيين جميعا ارتضوا فتح الوثيقة الدستورية لتضمين هذا الاتفاق فيها، وهذا الحديث سيصور للقادمين لاحقا لتوقيع اتفاق السلام بأن هذا الباب مسدود بأنانية وذاتية جبريل وزمرته.


■ إن تصريحات د. جبريل إبراهيم غير مستغربة فالرجل صاحب مشروع الإنقلاب وذو أشواق شمولية وأخلاق إخوانية، لا يتحرك بصورة عشوائية وإنما يسير وفق مخطط مرسوم مع حلفائه من قادة الإنقلاب من عسكر وساسة ومجموعات النظام البائد الإخوانية.


■ إن إصراره على بقاء العسكر في السلطة ظنا منه أنهم أكبر القوى المرجحة للقرار السياسي، وأنهم سيوفرون له ما عجز الساسة من توفيره، كما أن هناك شراكة مصير بينه وبين العسكر، فذات الأصوات التي تلاحق الجنرالات لانتهاكهم حقوق الإنسان في دارفور، تلاحق جبريل مثلها، الأمر الذي يمنعه لأربع سنوات خلت من زيارة الإقليم.


■ أما تذرعه بأن الحرية والتغيير تسعي لاستعادة الهيمنة عبر الثلاثية أو الرباعية فهو محض أكاذيب وتخرصات وقد بات معلنا ومؤكدا أن الحرية والتغيير لا ترغب في أي مشاركة في السلطة في أي مستوى من المستويات وزاهدة كل الزهد، ولكن مشروعها قائم على إسقاط الإنقلاب وإبطال قراراته وإجراءاته والتي يتحمل جبريل جزء كبير من تلك القرارات الارتدادية.


■ وترغب الحرية والتغيير في سلطة مستقلة تقود لانتخابات حرة ونزيهة في مدى زمني لا يتجاوز ال١٨ شهر ويرغب جبريل ومن معه من مجموعات وحركات في استطالة الفترة الانتقالية وتمديد آمادها لتمكين ما تبقى من منسوبي حركتهم وحلفائهم واستعادة ضبط التنظيم والحركة المعلولين وإعادة تنصيب واجهاتهم لاستكمال مشروع متفق عليه.


■ كل هذا يجعل من جبريل متترسا بالعسكر والبندقية ومهددا بعصا الحرب والخراب، ويرفض توجهات الانتقال المدني التي تطالب بدمج وتسريح تلك القوات والتوجه نحو جيش قومي موحد الأمر الذي يرفضه جبريل ويقاومه ويتذرع بعدم توفر موارد مالية كافية لعملية الدمج والتسريح.


■ وتظل أهم الأجندة المرفوعة في سقف قوى الثورة والحرية والتغيير هي قضية التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية التي يتمنع جبريل من المطالبة بالامتثال إليها وتسليم الجناة لها، وهو ما وافق هوى العسكر، الأمر الذي يمثل عقبة كؤود أمام مشروع الحركة في إقليم دارفور.


■ ختاما:

١. لا ينتطح عنزان أن الإنقلاب في ٢٥ أكتوبر جريمة عدوان وما ترتب عليه من عمليات اعتقال وقتل وسحل واغتصاب وتعذيب جرائم وفظائع إنسانية تستوجب المساءلة الجنائية والدولية.

٢. ويقع برهان جبريل وسدنة الانقلاب من عسكر ومدنيين تحت طائلة الاتهام بارتكاب تلك الجريمة، لأنهم ضيقوا بجريمتهم تلك على الشعب وضيعوا مكتسباته ودمروا مشروعاته.

٣. وقد أوقفوا حتى مشروعات بناء السلام التي كانت تستهدف جموع النازحين واللاجئين، بل أوقفوا حتى الإعلانات المباشرة التي تصل لملايين الفقراء والمعوزين.

٤. هذا يوجب الاقرار بالذنب وعدم (المكابرة)، والغطرسة التي يمارسها الإنقلابيين، والركون إلى الحق وإدراك أن هذا الشعب لن تسطو على حقوقه عصابة أيا كانت مدنية أو عسكرية.

٥. وباب التراجع عن الإنقلاب وإبطال إجراءاته وقراراته هو المدخل الوحيد للاستقرار في البلاد، فها هما قائدي الإنقلاب يتراجعون إلى الوراء ولكن السدنة وجماعات الفلول يدفعونهم للمضي قدما في عسكرة الدولة.

٦. هذا هو المطلوب والمأمول وما سوى ذلك مجرد سياسات خاطئة مدفوعة بأجندة وأيدلوجيات واهمة ستقود لتمزق إجتماعي وحرب أهلية ليس فيها منتصر.

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2022

حبيبي محمد ﷺ

حبيبي محمد ﷺ

(١)

هذا الحبيب المنتجب ﷺ، والصفي المنتخب ﷺ، لم يحُز بشرٌ على وجه البسيطة أو تحتها، ممن سبق أو لحق مجده أو سؤدده، ولم تخف على الخلق خافية عنه منذ ميلاده ونشأته وحياته وبعثته حتى مماته ﷺ، فكان هو الشخص الوحيد الذي ضُبطت أقواله وأفعاله، وأُحكم نسبه وأهله وصحابته وأزواجه وعياله، وعُرف كُتّابه وسفراؤه وحراسه وخدامه، وصُورت ثيابه وسيوفه ورماحه ودوابه ومشربه وطعامه، جميعها رُصدت بصورة متسلسلة متواترة محكمة النصوص ورسمت بدقة في التراث الموروث، حتى من حاول التقول عليه ﷺ جعل بينه وبينهم قولا قطعيا لوزن تقولاتهم فقد ال ﷺ: ( إذا سمعتُمُ الحديثَ عني تعرفُه قلوبُكم ، و تَلينُ لهُ أشعارُكم و أبشارُكم، و تَرون أنَّهُ منكُم قريبٌ، فأنا أولاكُم به، و إذا سمِعتُمُ الحديثَ عني تُنْكِرُه قلوبُكم، وتنفِرُ منه أشعارُكم و أبشارُكم ، وترون أنَّهُ منكُم بعيدٌ ، فأنا أبعدُكم منهُ) ١.




(٢)
وقد تم التأريخ والتوقيت زمكانيا لكل تفاصيل حراكه وسكونهﷺ، بالعام والشهر واليوم، ومهما تباينت الآراء ووجهات النظر حول موقف من المواقف إلا ووجد قولا راجحا لا يقبل الجرح ولا التعديل عن حياته ﷺ، فاستحق بذلك أن يكون الإنسان الأول الموثوق، المصدوق، موثق السيرة، وصادق السريرة، وحافل المسيرة، لم تطمس الأيام كتبه وكتاباته المسطورة، ولم تدرس الأيام سيرته المحفوظة والمنشورة، رغم محاولات أصحاب الملل والنحل والمستشرقين والطامسين والدول والممالك والإمبراطوريات الحثيثة والخبيثة لطمس صحائفه وتشويه تاريخه ﷺ.



(٣)
كانت ولا زالت حقيقته ﷺ ظاهرة لأولي الألباب والأخيار، ومحبته محفورة في لُبّ الشجر والحجر والأفلاك والدواب والمدر قبل استقرارها في سويداء قلوب البشر، لا يمر يوم أو لحظة أو ساعة أو دقيقة أو ثانية دون ذكره من إنسان لم يره ولم يسمعه ولم يقابله أو يصدح باسمه آذان بطول خطوط الأرض ودوائر عرضها، فجميع من في الكون من ملته اليوم لم يقابله منهم أحد، إلا أنهم يصدقونه ويمجدونه ويتبعونه ويصلون عليه ﷺ، تختلف الألسن، وتتباين اللغات إلا أنهم جميعا يلهجون بحبه ﷺ في كل أركان المعمورة دون توقف وكأن ساعة الزمان ضبطت دقاتها على ذكره تردد محمد محمد ﷺ.



(٤)
ظل التباري في مدحه ﷺ ووصفه وإظهار محبته وتخليد آثاره دأب كل أمة وكل جيل، وتنافس المتنافسون، وتبارى الكتاب والشعراء والمؤرخون، في تعداد مآثره، وتحبير فضله وذخائره، وتقدم المتقدمون بالشهود على ذلك ولحقهم المتأخرون، فلم يقتصر التدوين على صحابته وتابعيه وأبناء عمومته وأهله وخاصته وملته، بل شهد بذلك العجم الذين جعلوه في صدر أعظم العظماء وأول شخص في قائمة عظماء الكون المائة كما قال بذلك مايكل هارت ٢، وقيل عنه :( إن ﻫﺬا اﻟﺮﺳﻮﻝ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻋﻈﻴﻢ «ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻮﻓﻴﻪ ﺣﻘﻪ ﻣﻦ اﻟﺘﻜﺮﻳﻢ، ﻭﻟﻮ ﺟﻌﻠﻨﺎ ﻣﺎء اﻟﺒﺤﺮ ﻣﺪاﺩا ﻟﻜﻠﻤﺎﺗﻨﺎ؛ إلى قوله، ﻫﺬﻩ اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ اﻟﻤﻌﺠﺰﺓ اﻟﺘﻲ اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ ﻓﻲ ﺳﻨﻮاﺕ ﻣﻌﺪﻭﺩﺓ، ﺃﻥ ﺗﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﻓﻮاﺭﻕ اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻭﻋﺼﺒﻴﺎﺕ ﻗﺒﻠﻴﺔ» ﻭﻣﻌﺘﻘﺪاﺕ ﺩﻳﻨﻴﺔ ﻭﺛﻨﻴﺔ، ﻭأﻋﺮاﻑ ﻭﻋﺎﺩاﺕ ﻣﺘﻮاﺭﺛﺔ، ﺿﺮﺑﺖ ﺟﺬﻭﺭﻫﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻕ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻘﺒﻠﻲ اﻟﺠﺎﻫﻠﻲ ﻣﻨﺬ ﻣﺌﺎﺕ اﻟﺴﻨﻴﻦ» ٣، وجمع البشرية من طنجه إلى جاكرته مُنهيا الإثنية والوثنية وهو لعمري الأمر الذي لا زالت البشرية تحاول الوصول إليه لتذيب تلك الفوارق ولتهذيب النفوس وتحقق المساواة بين الآدمية لكونهم من نسل آدم عليه السلام.



(٥)
وهذا كله لم يُلغ إجتراء البعض من التبغض عليه وان يَلِغ بعضهم ذما وقدحا وإساءة، منذ عهده ﷺ، إلى حوادث عصرنا هذا وأشهرها وأقساها وأمراها وأنكاها ما نشر في صحيفة جيلاندز - بوستن من صورة كاريكاتورية في سبتمبر 2005م قيل أنها للحبيب ﷺ حاشاه ومن بعدها ما نشر في شارلي أيبدو الفرنسية وغيرها، مما اتخذتها بعض الأحزاب في بعض الدول تحت ذريعة الحرية للأساءة له ﷺ ولديننا الحنيف ولكن الارتدادات التي ترتبت على ذلك كانت أقسى عليهم مما شعرنا نحن به، فارتدت الأوضاع عليهم سياسيا واقتصاديًا واجتماعيا وفي بعض الأحيان أمنيا، فهو وعد بذله الحق ﷻ لسيد الخلق ﷺ ، إذ قال : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ٤، ولا زالت العصمة متواصلة ماثلة حتى يومنا هذا وستستمر بأمر ربها إلى يوم يبعثون.



(٦)
لذلك ظلتُ على الدوام يتملكني يقيني الراسخ بأن هذا الحبيب ﷺ مهما ادعينا الانتصار إليه والذود عنه، نجد أن ألسنتنا أقصر وأيادينا أعجز وأقلامنا أدنى من أن تذُب عنه شيئا، بل في كثير من الأحيان نكون نحن أحوج الخلق لينصرنا ﷺ ويدافع عنا المولى عز وجل، فنجد بين ظهرانينا ما تركه فينا ﷺ قوله تعالى: ( ۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍۢ كَفُورٍ) ٥، وسيظل دأب الخونة والكفار الإساءة إليه إلى يوم الدين : ( وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) ٦، والتحدي ضدهم قائم وجوديا أزليا سرمديا بيننا وبينهم ودائم بدوام قوله تعالى: (فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) ٧.



(٧)
وستبقى رسالته وحقيقة نبوءته كالشمس في رابعة النهار لا ينكرها إلا خفاش، تومض في عقول العالمين ووتزهر في قلوب أولي الأبصار وتزدهر في ربوع الكون، وسيجد الباحثون عن الحقيقة في نصوص الزبر والأناجيل والألواح والعهدين إليها سبيلا إذا جدوا، فمهما طرأ على كتبهم من تحريف وتجريف وتخاريف سيجدون بين سطوره ما يشير إليه ﷺ، أولم يؤكد ذلك المولى القدير في قوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ٨؟، وسيصل لهذه الحقيقة عنه ﷺ كل منكر كذاب وكل ومتكبر مرتاب، ومن فتح الله عليه من أهل الكتاب في أناجيلهم بل حتى اليهود الذين قيل فيهم: ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) ٩.




(٨)
كما سيخلد رب العالمين نظما لم يقله بشر في مخلوق سواه، يؤكد محبة العالمين له وما أدركوه عنه من عظمة قدر وجلال مقدار وعظيم حكمة وهداية ورحمة وبركة، كما قال الحكيم:

ﺟﺰﻯ اﻟﻠﻪ ﺭﺏ اﻟﻨَّﺎﺱ ﺧﻴﺮ ﺟَﺰَاﺋِﻪِ ... ﺭَﻓِﻴﻘَﻴْﻦِ ﻗَﺎﻻَ ﺧَﻴْﻤَﺘﻲ ﺃﻡ ﻣﻌﺒﺪ
ﻫﻤﺎ ﻧﺰﻝ ﺑِﺎﻟْﻬﺪﻯ ﻭاﻫﺘﺪﺕ ﺑِﻪِ ... ﻓﻘﺪ ﻓَﺎﺯَ ﻣﻦ ﺃَﻣْﺴَﻰ ﺭَﻓِﻴﻖ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
ﻓﻴﺂﻝ ﻗﺼﻲ ﻣَﺎ ﺯﻭﻯ اﻟﻠﻪ ﻋَﻨْﻜُﻢ ... ﺑِﻪِ ﻣﻦ ﻓﻌﺎﻝ ﻻَ ﺗﺠﺎﺯﻯ ﻭﺳﻮﻭﺩ
ﻟِﻴﻬﻦ ﺑﻨﻲ ﻛَﻌْﺐ ﻣَﻜَﺎﻥ ﻓَﺘَﺎﺗﻬﻢْ ... ﻓَﺈِﻧَّﻜُﻢ ﺇِﻥ ﺗﺴﺄﻟﻮا اﻟﺸَّﺎﺓ ﺗﺸﻬﺪ
ﺩَﻋَﺎﻫَﺎ ﺑِﺸَﺎﺓ ﺣَﺎﺋِﻞ ﻓﺘﺤﻠﺒﺖ ... ﻟَﻪُ ﺑِﺼَﺮِﻳﺢ ﺻﺮﺓ اﻟﺸَّﺎﺓ ﻣُﺰْﺑِﺪ

ومهما عظمناه ومدحه أصحابه فقد ظل ﷺ يؤكد بشريته وسمعنا من تبار في وصف شمائله وتنافس في تبجيله هديهم قوله تعالى: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)  ١٠، حتى رددوا قول ﻫﺮﻡ ﺑﻦ ﺳِﻨَﺎﻥ:
ﻟَﻮ ﻛﻨﺖ ﻣﻦ ﺷَﻲْء ﺳﻮﻯ ﺑﺸﺮ ... ﻛﻨﺖ اﻟﻤﻀﻲء ﻟﻠﻴﻠﺔ اﻟْﺒَﺪْﺭ

ﻭَﻓِﻴﻪ ﻳَﻘُﻮﻝ ﻋَﻤُّﻪ ﺃَﺑُﻮ ﻃَﺎﻟﺐ:
ﻭﺃﺑﻴﺾ ﻳﺴﺘﻘﻰ اﻟْﻐَﻤَﺎﻡ ﺑِﻮَﺟْﻬِﻪِ ... ﺛﻤﺎﻝ اﻟْﻴَﺘَﺎﻣَﻰ ﻋﺼﻤَﺔ ﻟﻷﺭاﻣﻞ
ﻳﻄﻮﻑ ﺑِﻪِ اﻟﻬﻼﻑ ﻣﻦ ﺁﻝ ﻫَﺎﺷﻢ ... ﻓﻬﻢ ﻋِﻨْﺪﻩ ﻓِﻲ ﻧﻌْﻤَﺔ ﻭﻓﻮاﺿﻞ
ﻭﻣﻴﺰاﻥ ﺣﻖ ﻻَ ﻳﺨﻴﺲ ﺷﻌﻴﺮﻩ ... ﻭﻭﺯاﻥ ﻋﺪﻝ ﻭَﺯﻧﻪ ﻏﻴﺮ ﻋﺎﺋﻞ

إلى قول صاحب البُرده عليه الرحمة ١١: 

ﻭﻛﻴﻒ ﺗﺪﻋﻮ ﺇﻟﻰ اﻟﺪّﻧﻴﺎ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻣﻦ ... ﻟﻮﻻﻩ ﻟﻢ ﺗﺨﺮﺝ اﻟﺪّﻧﻴﺎ ﻣﻦ اﻟﻌﺪﻡ
ﻣﺤﻤّﺪ ﺳﻴّﺪ اﻟﻜﻮﻧﻴﻦ ﻭاﻟﺜّﻘﻠﻴﻦ ... ﻭاﻟﻔﺮﻳﻘﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﺮﺏ ﻭﻣﻦ ﻋﺠﻢ
ﻫﻮ اﻟﺤﺒﻴﺐ اﻟﺬﻱ ﺗﺮﺟﻰ ﺷﻔﺎﻋﺘﻪ ... ﻟﻜﻞّ ﻫﻮﻝ ﻣﻦ اﻷﻫﻮاﻝ ﻣﻘﺘﺤﻢ


(٩)

ولم يكن ﷺ ذلك الإنسان الذي يطربه أي مدح أو ينتشي لمغالاة في الإطراء، وقد نبه صحابته عليهم الرضوان بقوله: (لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النَّصارى ابنَ مريمَ؛ إنّما أنا عبدُهُ، فقُولُوا: عبد الله ورَسُولُه) ١٢، لذلك لم ينكروا بشريته وفاقوا من صدمة موته ﷺ سريعا واستذكروا قول الله تعالى: (  إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) ١٣،  وهي من المحاذير التي يقع فيها كثير منا مغالاة للانتصار إليه ﷺ وهي أمور توردنا الانتحار والإساءة لجنابه الكريم لا الإضاءة على محيا نهجه الرحيم ﷺ.



(١٠)
لم يدع ﷺ يوما أنه يمنع الشر ويمنح الخير، وظل دوما يقدم ما خصه الله به من فضل وفضائل وتفضيل ويرجعه إلى بارئه ذي الجلال والإكرام ويردد :( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ١٤، ولم يبتدع ﷺ أو يجترح أمرا، فما من قول أو فعل أتى به إلا وقد أوحاه إليه الله أو ألهمه إياه: ( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) ١٥، وظل ﷺ نذيرا مبينا واختار كثيرون منا اليوم أن يجترئوا عليه ويتجاوزوا كل ذلك ليوهموا الخلق بأنهم يضرون وينفعون واتخذوا لأجله سُبلا وتضليلا.




(١١)
لقد جعل الحبيب ﷺ حياته نبراسا لنا للاقتداء والإهتداء فما نهانا عن شيء إلا وابتدأ به نفسه منتهيا وممتثلا لأمر الله: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۚ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) ١٦، واليوم تجد أئمة المسلمين وعامتهم يتناهون عن أمور ويبتدرون فعلها، وبعضهم يتوجهون إلى غير شرعه وشريعته ويبتغون إلى غير ذي العرش سبيلا، متناسين توجيهه ﷻ إلى حبيبه الأعظم ﷺ: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ١٧.



(١٢)
وقد جاءنا هذا الحبيب ﷺ ببصائر ربنا وحدد مصائرنا أننا لله وأنا إليه راجعون، وبين لنا أن من استجاب لدعوته على بصيرة فقد هدي، ومن أعمى الله بصره وبصيرته فقد ضل ضلالا بعيدا، وليس هناك ما يمنعنا من الحق واتباعه إذ هو آخذ بنواصينا وأيدينا، فمنا المحرومين ومنا المرحومين، وكذلك المسعفين  والمسفوعين، ليس هناك يومئذ حميم ولا شفيع يرفع مقت الله وغضبه عنا إذ ضللنا وليس هناك من يمسك رحمتها إن تولنا: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) ١٨.




(١٣)
واجبنا ونحن نظن ظنا حسنا أننا في خيرية أمته ﷺ ليس استلال السيوف وإرغام الخلق على الإيمان برسالة الحق، ولا ذبح الأعناق وضرب الرقاب والدق، ض٩١حتى يذعن الناس لدينه ويدفعوا الجزية كما يصور البعض، فنحن ملة الرحيم الذي فرض علينا مناجاته ومصافاته في اليوم (١٧ مرة) ونحن نردد اسم إلهنا "الرحمن الرحيم"، ليس من واجبنا سلب الحرية وإكراه الخلق على امتثال نهجه ﷺ، فقد بين ذلك صاحب الشأن الذي لا يشغله شأن عن شأن في قوله:  (لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ١٩، لذا ينبغي علينا الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن عن معرفة وعلم وفقه وتدبر في آياته سبحانه الله أو الرحمن، واتباع طريقته وحكمته ﷺ، وأن تكون دعوتنا إلى سبيله جل جلاله على بصيرة لا عن تنطع وجهالة كما يفعل كثير ممن اعتلوا منابر خلافة الحبيب ﷺ وجلسوا على كرسيه يعظون، وعلينا أن نتمثل قوله ﷻ: ( قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ٢٠.



(١٤)
ختاما: هذه المقالة من عروة الصادق وهو عبد مفتقر إلى ربه حقير ذليل يرجو نوال الله وكريم عطائه، ويبتغي بها وجهه الكريم وصحبة نبيه الرحيم ﷺ، فإن طابق ما فيها الحق فهو من فضل الله على هذا المتبتل المتذلل، أما إن جانبته إلى الخطأ فهو تقصير  مؤمل ولممٌ يتضرع صاحبه لغفران ربه وكريم عفوه سبحانه، ما أرجوه وأطلبه من كل قاريء/ة وقع في عينيه مقالي هذا أن يكتب ما شاء الله له عن حبيبنا الأعظم ﷺ تعريفا عنه وتشرفا به، بأي لغة علمها إياه ربي وينشر ويرسل ما كتب لأستهدي به في سكة التعرف على الحقيقة الكاملة عن هذا النبي الأكرم، وهو ما أبتغيه منكم من أجر ولا أؤحو سواه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ٢١.


الدعاء: 
اللهم اجز حبيبنا محمد ﷺ أفضل ما جازيت نبيا عن أمته يا مجيب وصل عليه صلاة دائمة بدوام نور وجهك الكريم، وأعنا ومن صحبنا ومن أحبنا على اتباع سكته حتى نلقاك على صفاء ويقين، وارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا واهدنا واهد أبناءنا وبناتنا، وارزقنا وإياهم لذة النظر إلى وجهك الأنور وصحبة رسولك الأطهر ﷺ وآله مع التسليم.

آمين




الثلاثاء:  ١ ربيع الأول ١٤٤٤ ه
الموافق: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٢م

______________________
الهوامش: 
١. أخرجه الإمام أحمد.
٢. مايكل هارت ‏ هو فيزيائي فلكي يهودي أمريكي، صاحب كتاب الخالدون المئة.
٣. ﻛﺘﺎﺏ ﺭﺳﺎﻟﺔ اﻻﺳﻼﻡ، اﻟﺮﺳﻮﻝ اﻟﻌﺮﺑﻲ، اﻟﻌﻤﺎﺩ ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻃﻼﺱ.
٤. سورة المائدة - الآية ٦٧.
٥. سورة الحج - الآية ٣٨.
٦. سورة يوسف - الآية ٥٢.
٧. سورة المرسلات - الآية ٣٨.
٨. سورة الأعراف - الآية ١٥٧.
٩. سورة الأعراف - الآية ١٥٩.
١٠. سورة القلم - الآية ٤.
١١. الشيخ العلامة ﺷﺮﻑ اﻟﺪﻳﻦ ﻣﺤﻤﺪ اﻟﺒﻮﺻﻴﺮي.
١٢. أخرجه الإمام البخاري.
١٣. سورة الزمر - الآية ٣٠.
١٤. سورة الأعراف - الآية ١٨٨.
١٥. سورة الأحقاف - الآية ٩.
١٦. سورة الأنعام- الآية ٥٦.
١٧. سورة الأنعام - الآية ٧٩.
١٨. سورة يونس- الآية ١٠٨.
١٩. سورة البقرة- الآية ٢٥٦.
٢٠. سورة يوسف - الآية ١٠٨.
٢١. سورة ص - الآية ٨٦.

براءة على محمود ومحاكمة وداد

براءة على محمود ومحاكمة وداد
(١)
● تمت تبرئة القيادي بالحزب المحلول علي محمود وزير مالية أسبق في النظام البائد، فيما عرف بقضية تجاوزات النقل النهري التي دونت ضده فيها البلاغات (89/92/177/178) من القانون الجنائي و(19/20/21/22) من قانون الإجراءات المالية والمحاسبية، في محاولة لطي صفحة فساد الرجل الذي طمست بلاغات أخرى في مواجهته لدى نيابة الثراء الحرام والمشبوه.


(٢)
 ● والتي اشتكى فيها المحامي معاوية خضر الأمين ضد على محمود ووزير الأوقاف الأسبق عصام أحمد البشير، وحيثيات القضية موجودة ومنشورة إذ اشترى فيها على محمود بيتا في شروره الأولى بالوزارة قيمته حوالي مليوني دولار، وتمت التعمية والتغطية على القضية، وهاهو اليوم يظفر ببراءة تمهد لبيع أصول النقل النهري وتسليمها لعامل اللحام المصري يسري فاضل.


(٣)
● أما السيدة وداد يعلم الجميع أنها متزوجة من ضابطين في القوات المسلحة السودانية أحدهما قتل في الجنوب في حادثة حريق طائرة البونج الشهيرة والآخر يقبع في السجن الاتحادي، و معاشهما مجتمعا لمدة خدمتهما الطويلة الممتازة كما يقال في الجيش، بالإضافة لمخصصاتها كسيدة أصبحت الأولى بعد زواجها من المخلوع، لا يمكن أن تأتي لها بمعشار ما وجد عندها وما رصد في مضابط البلاغات وما لم يتم الإعلان عنه إلى الآن.


(٤)
● وهناك ملفات عملت عليها لجنة التفكيك وضبطت أحد المشتبه بهم وابنه أقر بأنه يقوم بعمليات شراء صورية لعقارات باسم المخلوع وزوجته، كما أن هناك عشرات العقارات ومخططات كاملة مملوكة لهذه السيدة مسجلة باسم أحد كبار رجال الأعمال، فإن كانت تعلم مصدر تلك الهدايا فتلك مصيبة وإن كانت لا تعلم فتلك كارثة.

(٥)
● لأن هناك عقارات ومزارع مسجلة باسم أبنائها من زوجها الأول، فكيف لإنسان سوي يدخل نفسه وزوجه وأسرته في ممتلكات مجهولة وعمليات تتم عبر واجهات كمنظمة سند الخيرية التي كانت تشرف عليها هذه السيدة، وهذه السيدة جزء من منظومة فاسدة رأسها زوجها.


(٦)
● وما تقوله في المحكمة ليس حديثا عفويا وإنما عمل منظم لهيئة استشارية من قانونيين بعضهم تلاحقهم قضايا فساد وثراء حرام مشابهة، لذلك سيستميتون في محاولات تبرئتها لأن في ذلك تبرئة للتنظيم والحركة المحلولين، وألفت الإنتباه لأن السودان مرت عليه حوالي العشرة سيدات أول لم يذكر التاريخ لهن أن اغتنين أو فحش ثراؤهن، وبعضهن رحلن إلى الدار الآخرة وهن في بيوت أزواجهن ومضين من هذه الدنيا لا يملكن إلا السيرة العطرة.


(٧)
● فتأتي سيدة زوجيها ضابطين في القوات المسلحة أحدها رئيس مخلوع مهما كانت مخصصاته لا يمكنها امتلاك كل هذه الأملاك، المرجو أن تصل المحكمة لأصل هذه الهدايا وإجراءات تحويل الملكية التي تمت لتلك الأصول الثابتة والمنقولة وما تبعها من عمليات وإجراءات، فالمنظومة التي كانت تعمل ما المخلوع وأسرته كانت متغلغلة في دواوين الدولة ومؤسساتها وتعبث حتى بالقرار الحكومي.



● ختاما: إن هذه المحاكمات هي محاولات استنقاذ لرموز الحزب والحركة المحلولين واستطهارهم من دنس الفساد والإفساد وتهيئتهم للعب أدوار سياسية لصالح الحركة والحزب وواجهاتهم، يتواطأ في ذلك منظومة عدلية فاسدة تأتيها الإملاءات من أروقة القصر والمكاتب السيادية وتفر لهم الأجهزة المعنية الغطاء الأمني والسياسي، وهو الأمر الذي لن ينطل على فطنة السودانيين، وستظل إرادة هذا الشعب وقواه الحية متجهة بإصرار وهمة وعزيمة لتفكيك زمرة الفساد والاستبداد واسترداد الأموال التي بددها الحزب المحلول وقادته وأسرهم وواجهاتهم.

الاثنين، 26 سبتمبر 2022

إضراب تجار السودان

إضراب تجار السودان

كل يوم يمر من أيام انقلاب ٢٥ أكتوبر يثبت أن الحكم العسكري أضحى ضربا من المستحيل استمراره، حتى وإن ساندته وسادنته مجموعات التملق المدنية وكونتونات الاستثمار في الأزمات وكارتيلات الفساد الإقتصادي، ومافيا التدمير والتخريب للدول، وتجار الحروب والبشر والممنوعات، وهو ما يؤكد حتمية سقوط النظام الدكتاتوري ومعه الأقنعة التي يوفرها له مدنيون وحركات مسلحة، الأمر الذي اتضح جليا من خلال الآتي:


● أولا: هناك أزمة اقتصادية ماثلة تحاول الحكومة الحالية تجاهلها، والإمعان في اتخاذ سياسات وإجراءات اقتصادية خاطئة، بتضخيم ضريبة الدخل ومضاعفتها، وكذلك الجمارك ورسوم الخدمات والمحليات، كل تلك الممارسات أودت بالنظام السابق إلى غياهب السجون، وقد ترتب على ذلك اتخاذ قطاعات اقتصادية وتجارية واسعة خطوات احتجاجية تتدرج شيئا فشيئا، تبدأ بالإضرابات الجزئية وصولا للعصيان المدني الشامل.



● ثانيا: انتظمت عشرات الأسواق في مدن السودان المختلفة وآلاف التجار والباعة وصغار المستثمرين في إضرابات كبيرة أوقفت عجلة التجارة والتداول اليومي ما عطل حركة البنوك والوكالات المالية والمرافق التجارية.



● ثالثا: سلاح الإضراب أرقى أسلحة المناهضة المدنية والاحتجاجات السلمية وهو كذلك من أمضى الأسلحة التي جربتها النقابات والكيانات المطلبية والتنظيمات الفئوية، وإضرابات تجار السودان في الأسواق المختلفة هي جرس إنذار للولايات والحكومات الاتحادية والولائية وللمنظومة الاقتصادية والبنك المركزي، ووزارات القطاع الاقتصادي جميعها.



● رابعا: قد ثبت أنه بمقدور هذه التكتلات التجارية النقابية التي تدعو إلى إعلان الاضراب وتنفذه بنسبة ١٠٠% وبدون ضجيج أو إخلال مع السماح للمرافق التجارية الخدمية بالعمل وعدم الإضرار بحياة المواطنين، هذا يؤكد تزايد الوعي المطلبي للقطاعات الحية في السودان، وأن إجراءات ٢٥ أكتوبر تسببت في إلحاق أذى بالغ بهم، وهو ما دفعهم لاتخاذ هذا الطريق.



● خامسا: بعض أصحاب هذه المحال والأسواق طالب الجهات المسؤولة بالاستجابة لمطلوباتهم، وقدم بعضهم طلبات لمقابلة مسؤولي وزارة المالية وديوان الضرائب والجمارك ووزارات القطاع الاقتصادي، إلا أن جميع مطالباتهم قوبلت بالتجاهل والتسفيه، وبعضهم تعرض للتهديد والوعيد ومنهم من وصلته رسائلة مباشرة ومبطنة بالتصفية أو الإفقار، وهو ما يعني غياب الأمان المالي والحماية الشخصية.



● سادسا: الاضرابات التجارية هي حلقة من سلسلة إضرابات متواصلة بدأها موظفو القطاع الحكومي ولحقتها بنوك ومؤسسات خدمية وقطاع الكهرباء والصحة، وهاهو الآن القطاع التجاري يدخل حيز التنفيذ، في حال استمر النظام بصورته الحالية وأصر البرهان وسدنته للمواصلة في الانقلاب العسكرى وعدم التنحي الفعلي من السلطة سيتواصل التصعيد وصولا لإغلاق شامل يشمل قطاعات أخرى مهمة وحيوية وصولا للعصيان المدني الشامل.



● سابعا: الانتفاضة الحالية للتجار خطوة تكلفتها المالية عالية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية تستحق أن يستجاب لها لأن أي عبث في هذا القطاع سيهدد الاستثمار والتجارة ونمو الأسواق الناشئة وخروج الآلاف من سوق العمل وربما دخولهم للسجون جراء الخسائر المترتبة عليهم.



● أخيرا: نحن مهددون بارتفاع أسعار العملات والذهب لأن عدد من هؤلاء التجار سيتخلص من السيولة التي تفقد قيمتها يوما بعد يوم، وكذلك هيمنة فئات جديدة على الاقتصاد واحتكار السيولة النقدية خارج المنظومة المصرفية ما سيولد أزمات جديدة تترتب على هذا التضييق الممنهج على التجار.



● ختاما: أمام القوى السودانية الحية المناهضة للإنقلاب مساندة بعضها البعض والتوحد التنسيقي إن لم يتمكنوا من الوحدة التنظيمية والتوجه نحو العصيان المدني الشامل الذي لا ينبغي أن يتجاوز تنفيذه ذكرى ٢١ أكتوبر المجيدة، لأن هذه التحركات المطلبية تحتاج إلى غطاء سياسي وشعبي ودبلوماسي وحماية بعزل أذرع النظام الأمنية وتشتيت جهودها واضعاف قوتها، وسيكون حينها النظام وسدنته في خانة (الميت)، كل ذلك دون ضجيج أو اعتداء، فقد أثبت الشعب أن سلميته أقوى من كل أسلحة القتل والتهديد والتدمير.