الأحد، 16 أكتوبر 2022

موكب معلم

موكب معلم
● درس اليوم الذي قدمه معلمو ومعلمات بلادي كان غاية في البلاغة وقد بلغ منتهاه، وكانت رسالته أن جذوة الوعي بالحقوق في هذه البلاد لم تنطفيء ولن يخبُ ضرامها كما لن تخب سهامها.


● ساروا ممشوقي القامات وخرجن بنقاء سريرتهن وبياضن ثيابهن، ما وهنوا ولا استكانوا، وجأروا بشكواهم التي تمس كل مواطني بلادي، فقد استأمناهم على فلذات أكبادنا ومنحناهم الإذن ليفعلوا بهم ما شاءوا من وحي رسالتهم التعليمية الخالدة.


● وقفوا في طرقات المدن والولايات والعاصمة تشق حناجرهم عنان السماء ليسمعوا من به صمم، وشهدوا بذلك على أكبر الجرائم التي ترتكب في حق العملية التعليمية بذبح معلميها ومعلمات على قارعة المتاعب والمساغب.


● لم تتأخر منهن معلمة أو يتوان منهم معلم، يشاطرهم الوجع كل منسوبي الخدمة المدنية الذين ظل ينظر إليهم قادة الإنقلاب في الخرطوم كما كان ينظر (البلاشفة) للكتاب والأطباء والادباء والمعلمين والصحفيين والفنانين والمشرفين بأنهم (أكبر مهدد للدكتاتورية).


● خطوة المعلمين هذه ليست بجديدة على الأنظمة الدكتاتورية، فهو موروث نضالي حقوقي لم يتوانوا عن ممارسته ولم تثنهم عنه أيادي البطش والتنكيل، وذات التاريخ يعيد نفسه، فقد سارت مواكبهم في ٢٠١٨م ومطلع العام ٢٠١٩م كأول التجمعات المهنية والفئوية تحركا مع تجمع المهنيينالسودانيين، ولا زالوا يفعلون.



● ما يميز حراك المعلمين والمعلمات أنه رغم التباين النوعي والجهوي والعمري والانتماء الحزبي إلا أنهم ظلوا موحدين تجاه قضاياهم، يضرب بهم المثل في الإنضباط والوحدة والتفاهم والتفاني، ومنهم يمكن أن تستمد القطاعات المدنية المهنية والفئوية والحرفية احترافية العمل والتنظيم ودقة التخطيط وفعالية الإعلام.


● هذه الخطوة حتما لن تكون يتيمة منبتة وإنما ستتصل بأخريات وتتواصل لتبلغ مراميها وصولا للإضراب العام وللعصيان المدني الشامل، لتلغي سياسات التنكيل والتغافل والتبخيس التي تمارسها سلطة الانقلاب عبر زبانية الحزب والحركة المحلولين في وزارة التربية والتعليم، وتعيد للمعلمين والمعلمات حقوقهم السليبة وكرامتهم المهدرة.



● مشاهد اليوم أكدت أن مستقبل أبنائنا وبناتنا سيظل بخير طالما أنهم ينهلون من معلمين ومعلمات غير هيابين ولا آبهات بعسف وجور السلطة وزبانيتها، وهناك منهم من لم يركن لمال ورشا السلطة وعطايا الطغاة، ومنهن من لم توقفها أيادي الضرب التي تسببت في إجهاضها وفقد جنينها، وهاهم اليوم انتظموا في حراك أبهر العالم قابلته أذرع التنظيم الإخواني بمجزرة فصلت عدد من المعلمين والمعلمات بإحدى المدارس.


● نحن من أمة (إقرأ) التي تقدس التعليم، فينبغي عليها تكريم مقرئيها، وتبجيلهم ومنحهم أعلى المرتبات والحوافز والأجور وتيسير أمورهم، والتكفل براحتهم ومدهم بأفضل فرص التأمين الصحي والضمان الاجتماعي وتقديمهم في بوابات الخدمة الرسمية والمرافق العامة، ففي عزتهم رفعة لأبنائنا وبناتنا وتقدم وازدهار لبلادنا.


● ختاما: تجدر التحايا والانحناء للمعلمات والمعلمين الذين رفعوا راية الشهيد المعلم أحمد الخير ، الذي مضى إلى الله على بصيرة مع الأحياء المرزوقين، وهم لن يكونوا أقل منه همة بإذن الله، ولن خفروا الذمة ويكونوا خاضعين لسطوة السلطة الحاكمة وإملاءات النخبة الغاشمة، فهم يرددون:

- لا بد من صنعاء وإن طال السفر.
- وما ضاع حق قام عنه مطالب.



عروة الصادق

١٦. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com




السبت، 15 أكتوبر 2022

حديث البرهان عن التنازلات

حديث البرهان عن التنازلات
بقلم: عروة الصادق 
● حديث الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في محفل اجتماعي لزيجات جماعية بارك الله لأصحباها وصويحباتهم، عن تنازلات قدمتها القوى السياسية وإعلانه الترحيب بها، هو محض اختلاق لأكاذيب لا يصدقها البرهان ذات نفسه فهو يعلم يقينا أنه هو الذي تنازل إرغاما (أولم يقل بأنه لن يجلس أبدا لهؤلاء?)، فهو لم يستطع تشكيل حكومة الإنقلاب لسنة تامة عجفاء هتماء غبراء رمداء عرجاء، تراجع فيها الأداء الحكومي وأزهقت فيها أرواح لخيرة شباب الوطن، وضيعت فيها المكاسب والمقدرات ونهبت فيها الثروات.



● التنازل الوحيد الحقيقي الذي قدمته قيادة بعض القوى السياسية هو العودة للجلوس مع البرهان وجماعته فهو الذي زجهم في السجون وأذلهم واغتصب سلطتهم، في رأيي هذا هو التنازل الأكبر، وقبله بعض القيادات وتمنع عنه آخرين، ورغم استيائي شخصيا للجلوس مع هذا (الكذوب) إلا أن( العبرة بالخواتيم)، ومهما كان الأمر مسيئا لقياداتنا وكياناتنا سيظل هينا إذا حقق مقاصد الثورة المجيدة.



● وعن تكراره القول بأنه "ينظر لحال البلد وهمنا أن نرى الشعب السوداني يعيش حياة مستقرة ويأمن على نفسه" يكذبه الواقع فهو الذي عطل أبسط المعونات التي تقدمها الحكومة لإعانة البسطاء والفقراء ودمر البنية الاقتصادية للبلاد وحجب عنها فرص تنموية كان بالإمكان أن توظف ما لا يقل عن مليوني شخص في قطاعات الطاقة والزراعة والانتاج فعن أي استقرار يتحدث وهو الذي جرف الحياة الاجتماعية بانقلابه وصمت عن الاعتداءات المسلحة التي صارت سمة غالبة في كثير من الولايات وهددت جماعات منفلته أمن المدن والحواضر.

 


● أما حديثه عن وحدة لحمة البلاد فققد حقق عكسه بانقلابه وقسم الحياة العامة والأحزاب السياسية والكيانات الاجتماعية وجسم الثورة السودانية وزرع الفتن والشقاق بين مكوناتها واخترق عمق القبائل وجند هو ونائبه قيادتها كل لصالح مشروعه فاندلعت الخصومات بين أبناء الرجل الواحد، وهو الذي سن سنة الاستقواء بالقبيلة والعشيرة لحقه مباشرة نائبه الذي جيش القبائل لصالحه، وتوعد من بعدهما زعماء العشائر بالحروب والانفصال وتقطيع الأوصال، وحفز البرهان بذلك كل جيوب التعالي والعنصرية والأصوات الانفصالية في النهر والبحر ودارفور وبقية أقاليم البلاد 




● أما الفرح الذي حرم منه الشعب السوداني فقد تسبب البرهان شخصيا من غياب الفرحة من مئات الأسر وللأبد بارتكابه جرائم في حق أبناء الشعب السوداني واستخدام سلطته لقتل وتصفية شباب نضر لم يخرجوا إلا بحناجرهم وهتافاتهم المناوئة لنظام حكمة، فحرمهم الفرح أبدا، وهرب من هذه الحقيقة ليزف نحو مئتي شاب في حفل زواج جماعي وصحف الخرطوم، تنشر بصورة يومية دعاوي طلاق للغيبة والنفقة متوسط الحالات اليومية خمسمائة حالة، وكأن الفرح يمد لسانه ليقول للبرهان زوجهم اليوم وأفقرهم ليتطلقوا غدا، هذا الحل للأزمات الاجتماعية مارسه المخلوع من قبله فأورث البلاد أعداد لا حصر لها من المطلقات والعوانس والأطفال المأزومين.



● ودعوته للتوافق الوطني الذي يخرج الدولة السودانية لبر الأمان يعني به فتح الباب للسدنة والفلول ليدخلوا بعد أن أشرعه على مصراعيه وأعادهم للخدمة المدنية ومنحهم امتيازات كبيرة ومكنهم من أموال منهوبة وأصول معتدى عليها من قبل التنظيم والحركة المحلولين، فهو الذي مول كل أنشطة الفلول وقطاعاتهم الشبابية وأنشطتهم وفتح لهم قاعة الصداقة ليدخلوا من أوسع الأبواب للعملية السياسية ويخلصوا له العمل بتكوين حاضنة سياسية تهيء له الطريق للانتخايات إلا أنهم خابوا وضل سعيهم.



● أما قوله: ” نرى المزايدات والتناقضات والكذب والتلفيق في حق المؤسسة العسكرية”، فهو احتماء بالمؤسسة التي يجلها ويحترمها الشعب السوداني وقد حمل عناصرها الذين ناصروه في الثورة على أعناقهم واحتفى بشهدائها الذين قضوا نحبهم وهم يدافعون عن شباب الثورة في بوابات القيادة العامة، وهذا الاحتماء بالقوات المسلحة فيه استعداء مبطن وخلق فتنة عكف على بثها عناصره من خبراء ومحللين عسكريين واستراتيجيين يردد البرهان حماقاتهم، وكل ذللك هدفه مواراة عملية التجريف التي تمت في القوات المسلحة السودانية والإحالات التي تمت على يد البرهان لمجموعة كبيرة من الضباط وقادة الأسلحة بعضهم مناوئون له وبعضهم نفذ بهم الإنقلاب فأقالهم كنوع من جزاء سنمار.



● واتهم البرهان أشخاص بالسعي للفتنة بين الجيش والدعم السريع؛ ليته سمى أولئك الأشخاص وكان من الشجاعة بمكان لينفي ما يعتمل في صدور الكيانيين المسلحين من غبائن في النفوس وتنافس للاستحواذ على النفوذ، فقد مثل حراكهما هو ونائبة وجها عملة واحدة ولكنهما لا يلتقيان أبدا، ويستقويان على بعضهما بغيرهما وتقاطعت خطوطها وتقطعت حبال الود بينهما، وكل ما قاله بهذا الصد هو تهرب من تحمل مسؤولياته التي عجز عن تنفيذها بإكمال الترتيبات الأمنية وإدماج الجيوش، وأدل دليل على عجزه لا زال يجعل من الدعم السريع نظير مكافيء للقوات المسلحة وهو أمر يظهر مدى الوهن والوضع المخزي الذي وضع فيه قائد الجيش قوات تدربت لسنوات طوال وتكبدت المشاق لتأتي قوة حديثة توضع صنوا لها.



● ختاما: بيننا وبين البرهان استبارءه من ذنبه، ومسؤوليتنا التاريخية في التصدي لانقلابه ، وإعادته للثكنات تمت تسمية الأمر بالحل السياسي الشامل أو التسوية الشاملة، يحدونا في ذلك أجندة لا تنازل عنها وهي: 

١. اسقاط الإنقلاب وإبطال إجراءاته وإقامة السلطة المدنية الكاملة (قرارا، وتشريعا، وسلطات، وأجهزة، ومؤسسات وولاية على المال العام).

٢. استقلالية القرار الوطني وفك ارتباطه بأي أجندة تآمر دولي وخلق مؤسسات محترمة في المحيط الإقليمي والدولي تستعيد المكاسب الخارجية التي بددها الإنقلاب.

٣. القطع الفوري والعاجل للطريق أمام النداءات العنصرية التمزيقية للبلاد وتوطيد أواصر المحبة والإخاء والتعايش، وتحقيق دولة المواطنة التي تؤسس لمبدأ التساوي في الحقوق والواجبات.

٤. إقرار مبدأ الجيش الواحد والإصلاح الأمني والعسكري وفق جداول زمنية محددة تسرع عمليات الدمج والتسريح، وتفكك الترسانات العسكرية خارج القانون والأطر المؤسسية لصالح جيش البلاد.

٥. تفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو 1989م ومحاسبة النظام المباد ورموزه، وتجريدهم من كل مكتسباتهم غير المشروعة واسترداد الأموال والأصول المنهوبة.

٦. عدم الافلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ما بعد 25 أكتوبر، والتحقيق في ملف الحرائق والنزاعات الأهلية التي اندلعت في أقاليم البلاد المختلفة بعد الإنقلاب.

٧. العمل على استكمال ملف السلام العادل الشامل بأسس تكفل قوميته وتحقق وحدة البلاد والتواصل مع كافة حملة السلاح واستصحاب رؤاهم في خطة إدارة الفترة الإنتقالية.

٨. تفعيل هياكل ومؤسسات العدالة والقانون لتحقيق العدالة الجنائية والعدالة الإنتقالية وتسليم المتهمين في جرائم دارفور للمحكمة الجنائية الدولية.
٩. التحضير لصناعة الدستور الدائم وإقامة المؤتمر الدستوري والتهيئة للانتخابات الحرة والنزيهة.

١٠. تعمل على ذلك حكومة مستقلة من كفاءات وطنية غير حزبية، وتنصرف الأحزاب للاستعداد للانتخابات وترتيب أوضاعها المؤسسية.


انتهى


عروة الصادق

١٥. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com



حصيد البرهان في عام( ٢)

حصيد البرهان في عام ( ٢)
الجزء الثاني

مقدمة:

حصيد هذا العام الإنقلابي من الدمار والتخريب والتجريف للحياة السياسية والاجتماعية لن تستطع جهة واحدة حصره وضبطه بدقة متناهية لأن الحالة التي تعيشها الدولة لا دستوريا ولا قانونيا أفرزت أوضاع إنسانية واقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية ودبلوماسية وبيئية وخدمية وثقافية غاية في البؤس والسوء، شرعت في الجزء الأول تبيان بعضها وأواصل في هذا الجزء ما انقطع من حديث مستعينا بالله لإكمال ما لاحظته عيني وما رصدته التقارير.


●  خامسا: دبلوماسيا
• الشؤون  الخارجية  ظلت  في  السودان  تدار  بالأهواء  والأمزجة  والتسابق  والتنافس  حتى  بين  الانقلابيين  أنفسهم،  سواء  كان  ذاك  في  المحافل  الرسمية  أو  المناسبات  الاجتماعية  فقد  رأينا  وفودا  من  الانقلابين  تزور  دول  الجوار  بالتتابع  وكذلك  العزاء  في  وفاة  الشيخ  زايد  وملف  التطبيع  مع  إسرائيل  والتعامل  مع  روسيا،  والتعاون  مع  جنوب  السودان  وإثيوبيا  ولقاء  السلك  الدبلوماسي  في  الخرطوم،  كل  هذا  يشير  إلى  توهان  دبلوماسي  وعبث  بالملفات  الخارجية  يرقى  في  بعض  مراحله  للخيانة  العظمى  وتهديد  الأمن  القومي  وتبديد  موار  البلاد  وتهريبها  وتسهيل  إجراءات  أمنية  وتجاربة  تحت  غطاء  الدبلوماسية.


• استقلالية القرار السودان تضعضعت منذ اليوم الأول للإنقلاب إذ زار قائد القوات المسلحة قبل تنفيذه الإنقلاب الجارة مصر وتبين لاحقا أنه يأتمر بأمر الحكومة المصرية والتي لم تستطع الاستمرار في دعم الإنقلاب طويلا عقب إندلاع موجة الاحتجاجات منذ الساعات الأولى من فجر 25 أكتوبر 2021م، وقد عزز من تراجع الدعم المصري والإقليمي والإسرائيلي موقف الاتحاد الأفريقي الذي جمد عضوية السودان والإدانات الدولية المتلاحقة التي صدرت من مؤسسات إقليمية ودولية ومنظمات حقوقية عالمية، ومجلس حقوق الإنسان الذي أرسل مبعوثا خاصا للوقوف على الحالة في السودان.

• سلام جوبا ووضع الأقاليم الجديد أحدث خللا دبلوماسيا محفزا للاستقلالية وربما الإنفصال، وما نشهده من علاقات مباشرة بين قادته الموقعين على الاتفاق والتحرك دبلوماسيا في الداخل والخارج يوضح تلك الاستقلالية التي تتم حتى دون علم وزارة الخارجية، الأمر الذي بين بجلاء ألا قانون متبع ولا نظم ولا لوائح خارجية ولا بروتوكول يحكم علاقة تلك الأقاليم خارجيا ويلزمها، وقد مضى قادة الأقاليم إلى إبرام اتفاقات بين حكوماتهم الإقليمية وحكومات دول جارة وصديقة ولم تعرض للنقاش حتى في أروقة الإقليم ناهيك عن الحكومة الاتحادية، جميعها منطلقة من تصورات إما للحركة المهيمنة في الإقليم أو التحالف المعني، وكل ذلك يحفز لمزيد من الاستقلالية التي قد تؤدي للإنفصال.

• استمر الجدل الدبلوماسي واندلع خلاف كبير في السلك الدبلوماسي بين مؤيدي الإنقلاب وبين رافضيه، الأمر الذي قاد فيما بعد لتجريف دبلوماسيي المحطات الخارجية واستبدالهم بآخرين أشد ولاء لقائد الإنقلاب، شمل ذلك حتى الملحقيات الثقافية والاقتصادية والأمنية، وهو ما دفع ثمنه دبلوماسيون في قمة المهنية والكفاءة والنزاهة،فيما امتثل بعض الدبلوماسيين لإجراءات الإنقلاب وآثروا السلامة والصمت والعمل تحت إمرة رئيس الإنقلاب حتى وإن كان ذلك على حساب مواقفهم الوطنية ونصاعة تواريخهم المهنية.

• كانت دبلوماسية التلويح بالحرب حاضرة إذ أقدم نائب رئيس الإنقلاب الجنرال دقلو على خطوة غير محسوبة العواقب، فقد زار روسيا الاتحادية قبيل ساعات فقط من إندلاع عدوانها وحربها على أوكرانيا، في الوقت الذي كان العالم برمته يصطف ضد إجراءات فلاديمير بوتين العدوانية التي شنت حربا كونية أخذت طوابع سياسية واقتصادية وعسكرية ودبلوماسية، وكأن النظام الإنقلابي وقتها يلوح بالانحياز إلى معسكر الحرب، وهو متورط فعليا في تمويل بوتين بكميات كبيرة من الذهب التي مثلت احتياطيا استراتيجيا لروسيا.


• وقد اتبع النظام الإنقلابي نهج الدبلوماسية المزدوجة والمختلفة، وقد بان أن لسلطة  الإنقلاب وجهتين للعلاقات الخارجية، والتعامل مع المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي يتم برأسين، وقد شاهدنا كيف يتم لقاء كل من رئيس الإنقلاب ونائبه على حدة، وكيف يسافر رئيس الانقلاب إلى دولة ما وفور عودته للبلاد يقلع نائبه إلى ذات الدولة لتبيان موقفه، وكذلك التواصل بالبعثات الدبلوماسية في البلاد، بل حتى المشاركة في المناسبات والمحافل تتم عبر وفدين رسميين، يحشد فيهما كل من رئيس الإنقلاب ونائبه زبانيتهما.

• فيما اعترت العلاقات الدبلوماسية مع الجيران حالة من التوتر والتوهان في كثير من الأوقات، ففي الوقت الذي يتواصل فيه قادة الإنقلاب مع حكومات الجارة ليبيا وتشاد واثيوبيا نجد أن هنالك قيادات حكومية تتعاطى مع المعارضة المسلحة في تلك الدول بصورة علنية، والعكس صحيح، وهو الأمر الذي سيجلب للسودان شررا وتدخلا في الشأن السوداني ربما يدخل البلاد مجددا في قوائم الإرهاب والعدوان والاتهامات المضرة.

• الناظر إلى دبلوماسية سودان الثورة يجد أن السودان انفتح على كل العالم بلا استثناء وقد تمكن في فترة وجيزة من كسر الجمود الدبلوماسي وعزز الوجود القنصلي والسفارات في دول كانت تقاطع السودان ورفعت مستوى تمثيلها بداخله، أما دبلوماسية الإنقلاب فعجزت عن المحافظة على ذلك التواجد بالصورة التي لم يستطع فيها رأس الإنقلاب لقاء رصفائه من الدول التي أبدت رغبتها في التعاون مع السودان وصار وحيدا في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يشرف إلا بلقاء متواضع لوزير الخارجية الروسي، وذلك لأن سلطة الإنقلاب استعانت بحفنة ضئيلة من المرافقين والسكرتارية الدبلوماسية ولم تتمكن من استصحاب كفاءات وزارية تفتح مجالات تعاون مع نظرائها من دول العالم كما فعل حكومة الفترة الانتقالية.

• شكلت المياه واحدة من أخطر أوجه التعاطي الدبلوماسي تستصحب في أروقتها وزراء القطاع الزراعي والكهرومائي، ولكن بالإنقلاب ظلت الدبلوماسية المائية (مجمدة) لغياب السودان الرسمي من التداول حول سد النهضة واجتماعات دول البحيرات الكبرى واقتصر تواصله مع الحكومة المصرية التي تجتهد لتحييد السودان تجاه سد النهضة إن لم نقل استمالته، وبناء عليه سيكون السودان ومصالحه الكهرومائية مهددة بالغياب الذي سييت في قرارات ليس من مصلحة السودان صدورها، فتجربة تغييب دول الحوض من اتفاقية مياه النيل هي التي أتت بالمواقف الحدية الماثلة  في سد النهضة وخلقت اصطفاف دول البحيرات.


●  سادسا: بيئيا
• وضعت الحكومة الانتقالية ملف البيئة والحوكمة البيئية في سقف اهتماماتها انطلاقا من إلمام واهتمام القائمين على الأمر بطبيعة الخصائص الديمغرافية للبلاد وما بها من تنوع ثقافي وعرقي وحراك سكان، وخلقت إهتمام نسوي وشبابي بقضايا البيئة، وعكفت الحكومة على التعاون الإقليمي والدولي مع الأمم المتحدة والمعونة الأمريكية على إعداد أول تقرير بيئي للسودان شمل كافة الجوانب المتعلقة بالبيئة كالفقر والبيئة والمستوطنات البشرية والتحضر والاحتطاب والفحم والزراعة والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك والصناعة والتعدين والسياحة والسياسيات والتنمية وجميع الملفات ذات الصلة وعلاقتها بالبيئة، كل ذلك ضاع هباء منثورا إذ قطع الإنقلاب الترتيبات المؤسسية التي كان بإمكنها إكمال المشروع البيئي السوداني والوفاء بالالتزامات الإقليمية والدولية، فارتبك هيكل الدولة مؤسسيا وانقطعت العلاقات التنسيقية بين مجلس الوزراء ومفوضيات ذات صلة كالأراضي وتوقفت الترتيبات المؤسسية للمياه والمراعي والغابات، وتم تغييب الهياكل الرئيسية في إدارة الصراع، وضعفت كليا قدرة المؤسسات والمرافق البيئية وبعضها تراجع بصورة كارثية.

• نجد الاهتمام بالبيئة قد بلغ أدنى مستوياته في هذه الحقبة، كما توقفت كليا عمليات حماية النظم الإيكولوجية، بما في ذلك الغابات، التي تمتص الغازات الدفيئة وتقلل من  الإحتباس الحراري، وتراجعت عمليات التوعية بمخاطر التغير المناخي. فلا اهتمام بالغلاف الجوي النطاقات المناخية ولا رصد دقيق للأمطار ودرجات الحرارة والرياح وساعات سطوع الشمس، وترك الأمر للهواة الذين وجدت صفحاتهم اهتماما أكثر من المراصد الحكومية، فضلا عن غياب الإعلام الحكومي وعدم اهتمامه بقضايا التغير المناخي وتذبذباته في السودان وتأثيرات التكثيف والتخيف وجودة الهواء وتلوثه وتأثيرات التلوث وكيف يدار هذا التلوث.

• مع العلم أن هذه البلاد ذاخرة بالموارد والأراضي التي يمكن أن تحدث نقلة تنموية انطلاقا من الوعي البيئي ومن جانب آخر يمكن أأنتكون تلك النعم نقم تتسبب في كوارث بيئية كما شهدنا الاحتجاجات التي شهدتها مناطق التعدين في نهر النيل والشمالية وجنوب كردفان في مناطق الذهب والمناجم وحقول النفط، وكذلك تمثل الحظائرالقومية والمناطق المحمية أهم الثروات التي أهملت وتتعرض الآن لاعتداءات بيئية تشارك فيها جهات حكومية وكذلك الأمر ينطبق على الغابات وبالتحديد التي تقع في مناطق النزاع تم الاعتداء عليها بمناشير كهربائية واتخاذها مدخلا لثراء بعض الضباط وتمويل بعض الحركات المسلحة، وشهد خريف هذا العام تلوثا كارثيا في موارد المياه ينذر بكوارث صحية تؤثر على الإنسان والحيوان ولم ترسل الحكومة طواقمها الصحية والبيئية لغالبية المناطق المتأثرة واكتفت فقط بتبرعات مالية على بثت على وسائل الإعلام، وأخطر جوانب الإهمال البيئي شمل الأراضي الصالحة للزراعة والتي تشهد تدخلا حكوميا بتوزيع جزء كبير منها لشركات امتياز تعدين ومعالجة مخلفات كالذي حدث في ولاية نهر النيل والشمالية وجنوب كردفان ما يعني التفريط الحكومي في سلامة التربة وصحة المواطن.

• رغم توقيع السلام واستلام موقعوه زمام الأمور في ولايات النزاع إلا أن أكبر التحديات البيئية لا زال هو النزاع المسلح والقبلي الذي يتسبب في نزوح أعداد كبيرة من المواطنين الذين يؤثرون ويتأثرون بيئيا بصورة مباشرة، وكذلك مثلت عمليات العودة غير المدروسة لبعض المناطق خطرا بيئيا على المواطنين والمناطق التي تمت العودة لها لعدم تحمل الحكومة مسؤولياتها في توفير المواد الأولية للبناء أو تهيئة البنية التحتية لقرى ومدن العودة الطوعية ما أدى إما لتدهور حضري على حساب المدن أو تحضر ريفي على حساب البيئة، وهو ما انسحب بصورة مباشرة على الأراضي وحيازتها وسياسات استخدام الأراضي وتداخلت المجتمعات الزراعية والرعوية والرحل ما عزز من حتمية النزاع، واضربت مواسم الزراعة المطرية والآلية والمروية كل ذلك ولد ما نسميه النزاعات الموسمية المهددة للاستقرار البيئي والمدمرة لاستراتيجيات الحد من الفقر والمنفرة للتمويل والاستثمار.

• رغم أن الحكومة الانتقالية اتخذت سياسات بيئية جديدة وشرعت في استجلاب تمويل ومنح تتجاوز مليارات الدولارات فيما يخص البيئة والمياه النظيفة إلا أن كل ذلك ذهب أدراج الرياح بقدوم الأنقلاب فإما تم تحويل تلك المنح لدول أخرى أو تم تجميدها، وتزايد الإهمال الشديد لمنظومتنا المائية على نحو رئيسي في النيل، وإهمال السدود وصيانتها الأمر الذي أدى لانهيار بعضها في دارفور وتسبب أخرى في كوارث أغرقت ولاية كولاية الجزيرة أضرت بالبيئة والتعليم والرعي والزراعة وصحة المواطنين، وتوقفت مشروعات حصاد المياه الممولة بصورة كلية ما يعني التسبب في عدم استقرار آلاف الأسر وملايين القطعان من الماشية، كما تم الاعتداء على المجمعات المائية الجوفية وإنشاء مشاريع استثمارية مكنت جماعات رمادية من الاستحواز على المياه الجوفية دون دراسات حكومية معلنة، ومثلت المياه البحرية أيضا جزءا منسيا في ذاكرة الحكومة الانقلابية.

• أول الإجراءات التمهيدية للانقلاب أحدث ضررا بيئيا بالغا ولكن كثيرين لم يكترثوا له أو يعلنوا عنه وهو إغلاق شرق السودان لفترة استطالت مدتها فقد هدد ذلك الموارد الساحلية وعرضها للإهمال والنسيان وتعرضت المحميات البحرية والسياحة الساحلية وعمليات الملاحة لاضطراب شديد فترة الإغلاق الأمر الذي سبب إجهادا مائيا لمدن الساحل وتسبب في تدهور عمليات الحصول على مياه الشرب النظيفة وقاد لهشاشة إضافية في الإقليم الشرقي وهو أكثر الأقاليم عرضة للتأثر بالتغيير المناخي إذ تراجع الإهتمام بمستجمعات المياه وتوظيف مياه الفيضان التي حدثت في طوكر وكسلا ونهر اتبرا هذا العام.
• كما نستطيع القول بأن النظام البيئي في السودان اختل كليا وتراجعت فرص ضبطه جراء إهمال البيئات الطبيعيية وإهمال التنوع الإحيائي وتهديد الغطاء الغابي وعدم اتخاذ أي تدابيرر حقيقية لحماية الغابات إذ تعيش الوحدات النظامية المختصة أوضاعا مذرية دون مهمات أو أجهزة أو معدات ويشكوا منسوبوها قلة المرتبات والحوافز التي نالتها بصورة أكبر وحدات مكافحة الشغب وشرطة العمليات، الأمر الذي أدى لأن ينخرط بعض منسوبي وحدات حماية الغابات والحياة البرية في أنشطة تدميرية ومهددة للبيئة خاصة في حظيرتي الدندر والردوم ونشطت بصورة مزعجة تجارة الحياة البرية في الأسواق المجاورة لتلك المحميات، بل حتى مدن أخرى يتم التوريد لها طيور برية وزواحف نادرة وجلود كائنات عرضة للإنقراض.

• أكبر الجرائم التي ارتكبها الإنقلاب بيئيا هو التلاعب في ملف المبيدات مع جماعات النفوذ وتجارة المبيدات التي أدخلت ما يمكن وصفه بدقة ملثات عضوية ثابتة لأن جميع شحنات المبيدات التي أدخلتها جماعات النظام البائد لم تخضع لفحص المواصفات والمقاييس ولم تمر حتى بإدارة المبيدات في الوزارات المختصة وكان للقصر الرئاسي الدور الأكبر في دخولها، يتسق هذا الملف تماما مع عدم اتخاذ سلطة الانقلاب لأي تدابير سياسية ضد مبيدات الآفات التي دخلت البلاد وبكميات كبيرة جدا امتنعت دول كثيرة من دخولها، وانتشرت بصورة كثيفة النفايات وسوء إدارتها وكذلك النفايات الصلبة ونشطت جماعات حكومية في الاتجار بالنفايات الالكترونية والتي تبيعها بعض الوحدات الحكومية وتنظم لها مزادات في قارعة الطريق، من هواتف نقالة وأجهزة إلكترونية مضرة، وغابت الإدارة والإرادة للتحكم في هذا الملف الذي يهدد مستقبل البلاد والمواطنين.

• ورغم  ما ينشر من نسب وأرقام كبيرة عن حصائل صادر التعدي إلا أن الإهتمام البيئي بالتعدين العشوائي وسياسة التعدين والتركيبة الديمغرافية لقطاع التعدين شهد تراجعا كبيرا فانتشر خطر الزئبق وهناك تقارير ولائية تقول بارتفاع رسوبيته في مياه الشرب في بعض المناطق وكذلك النسب المزعجة لاستخدام مادة السيانيد حتى تلك الواردة في تقارير وزارة المعادن والشركة السودانية للمعان، كما ظل ملف المتفجرات أحد المؤثرات البيئية التي لا يشار إليها من قريب ولا بعيد لتورط وحدات حكومية في بيع متفجرات تتبع لأسلحة حكومية بكميات كبيرة لمناطق التعدين وكل ذلك  يتم دون دراسة بيئية من جهات متخصصة.

• بمجرد سقوط الحكومة الانتقالية تم فتح المجال لإعفاءات جمركية لإدخال أجهزة وأدوات ومعدات ودراجات ومركبات خطرها البيئي عالي جدا وتخلصت منها عدد من الدول إما لتلويثها العالي أو لصرف الطاقة والوقود، الأمر الذي لم تعره الحكومة الانقلابية اهتماما ولم تلق له بالا، بل حتى المؤسسات الحكومية استوردت مولدات كهرباء كبيرة مخالفة للمواصفات والمقاييس ومضرة بالبيئة.

• معلوم أن العالم يتجه نحو الحد من ارتفاع درجات الكوكب نتيجة الاحتباس الحراري وانبعاث الغازات الدفيئة وقد قرر لذلك تمويلا كبيرا لمشاريع الحد من التأثيرات المناخية وتعويضا للدول الفقرة التي يعد السودان أحدها ، وكان مقدرا له أن يستفيد من التعوض والتمويل لزراعة حوالي 2000 كلم من الأشجار تمتد من حدود السودان غربا إلى أقصى الشرق.
• على الصعيد الوطني تم إيقاف كافة الخطط الوطنية التي التزمت بتمويل الأهداف المناخية، وتراجع بذلك التزام السودان الدولي للتعاون المناخي في الوقت الذي تستضيف فيه إفريقيا قمة المناخ بشرم الشيخ أكتوبر 2022م.

• تراجع الدور الحكومي وتعطيل التشريعات المتعلقة بالمناخ التي كان مقررا أن تصدرها وزراة العدل في الفترة الانتقالية أدى بدوره إلى إضعاف دور منظمات المجتمع المدني والهيئات والمنظمات غير الحكومية،وبدا ذلك جليا في ضعف مشاركة السودان الخارجية في أعمال قمة المناخ،  فضلا عن توقف المؤتمرات المحلية والندوات التي تبين فداحة الأخطار المناخية وما يترتب عليها من أضرار، وقد توقف كليا عمليات تمويل الباحثين والأكاديمين والأنشطة البحثية في مجال التغيرات المناخية.

• وما نشاهده من استهانة بهذا الملف وتراجع عن أهداف المناخ عالميا والإخلال بأهداف اتفاقة الأمم المتحدة بشأن المناخ واتفاق باريس، يعني عدم التزامنا بالإجراءات المتعلقة بالمناخ، كما أن مسار التنمية المستدامة يستوجب وضع استراتيجيات طويلة المدى من ضمنها الخطة الوطنية الاستراتيجية التي عطل وضعها الإنقلاب، كما أن الأولويات الوطنية في مجال المناخ مضت بصورة ممتازة لتفهم رئيس الوزراء وطاقمه الوزاري للأمر ودعمه الوطني رقم قلته لتعزيز طموحنا المناخي، أما الاستراتيجيات القطاعية المناخية بعد أن تم التعريف للمؤسسات وتكييفهم ضمن الخطة الوطنية عاد الأمر لصورة أدت لإهمال نسف كل تلك الجهود، كما ضاعت على البلاد فرص استثمارية متعلقة بالمناخ لا سيما في مجالات الطاقة النظيفة التي كان مقررا لها أن تدر على البلاد مليارات الدولارات وتغتح الالاف من فرص العمل.

●  سابعا: خدميا
• أكثر الملفات الخدمية تأثرا بانقلاب 25 أكتوبر 2021م ملفي الصحة والتعليم، أما الخدمات الأخرى فظلت في تراجع مطرد وإنهاك متعمد للمرافق والمؤسسات وإبعاد للكوادر المهنية إما بالطرد من الخدمة أو التضييق ليختار الآلاف منهم الهروب بخبراتهم خارج البلاد، أو أخذ إجازات بدون مرتبات تمتد لسنوات، وأكثر القطاعات تأثرا بتلك الهجرة الصحة والتعليم، وبخاصة مرحلة الأساس التي فقدت هذا العام حصيلة ما يقارب السبعمائة مدرسة تضررت بفعل سيول وفيضانات وأمطار هذا العام لم توفر الحكومة لها الصيانة الكافية وإعادة التأهيل أو حتى ترسل خيام وملحقات تعليمية لتكون فصول بديلة.

• تسبب الإنقلاب اضطراب الأهداف والسياسات التربوية وأولوياتها لإخلاله بما تمت التوصية عليه من قبل الحكومة الانتقالية عند وضعها المؤشرات الاقتصادية والصحية والتعليمية في 2019م إلى 2021م، وبذلك اخلت السياسات التربوية وارتبكت الخطط والاستراتيجيات التي تم إعدادها لتطوير التعليم، وترهل هيكل نظام التعليم وارتبك التقويم الدراسي ووقفت عمليات التدريب المستمر داخل  وخارج البلاد، كما تسبب الإنقلاب في تأخير انتظام السلم التعليمي الذي تم تعديله، وأدت عودة العناصر الممانعة لسياسة الحكومة الانتقالية لاستلام زمام الأمور في الوزارة إلى إبعاد الإدارات والهيئات التي عكفت على تعديل السلم التعليمي ووضع السياسات والخطط التعليمية في البلاد، وأدى ذلك إلى إيقاف تعاون كبير بين منظمات إقليمية ودولية كانت تمول التعليم في السودان في مراحله المختلف، وكذلك توقف عمليات التعاون في التعليم العالي التي ابتدأتها الحكومة الانتقالية وتم التراجع عن تقديم تقانات حديثة كانت ممنوعة عن السودان بفعل النظام الإخواني، سمحت بعض الدول لمنحها للسودان بعد خروجه من قوائم رعاية الإرهاب والحظر الدولي، إلا أنها عادت وجمدت التعاون بعد الإنقلاب.

• في المرحلة الابتدائية اضطربت سنوات القبول والاستبعاد من المدارس الابتدائية تبعا لفترات الإغلاق التي استطالت في العاصمة والولايات، كما أن قطع الطريق أمام عمليات تحديث السجل المدني والتعداد السكاني والإحصاء التي بدأتها الحكومة الانتقالية لم تمكن من رصد الأعداد الحقيقة للمؤهلين لدخول المدارس وليس هناك نسبة مئوية حقيقية للملتحقين بالمدارس هذا العام ليتثنى للدولة معرفة الأعداد المتسربة مقرءة بالإحصاء الحقيقي حتى تستعين بالدعم الإقليمي والدولي لتأهيل وتأسيس عدد جديد من المدارس.

• ولا يوجد حصر لعشرات الآلاف من الأطفال في سن المراحل الأساسية والإعدادية ممن هم خارج المدارس في ولايات السودان المختلف من البدو والرحل والذين تمثل الفتيات فيهم نسبة كبيرة تتراوح أعمارهن الفئية بين 13-14 سنة، وقد وضعت حكومة الفترة الانتقالية خطة لحصرهم بالتعاون مع اليونيسيف واليونيسكو لتدارك الأمر الذي لم تتابعه حكومة الإنقلاب.

• لا يوجد تضنيف حقيقي هذا العام لوضع التعليم بالنسبة للأطفال في سن المدارس والذين هم خارج المدارس بحسب الولايات والمدن والأقاليم، لكن الملاحظ زيادة معدلات عمالة الأطفال وانتشار ظاهرة الأطفال المتسربين في سن الدراسة وانتشارهم الكثيف بأعداد مطردة في الخرطوم ومدن السودان المختلفة والتحاق أعداد كبيرة من الأطفال بمعسكرات التجنيد للقوات النظامية وقوات الحركات المسلحة.

• ومثلت الإجرات الاقتصادية المترتبة على الإنقلاب عقبة كؤود أمام تحصل التلامذ على فرص تعليمية خارج الأطر الحكومة، إذ تضاعفت أسعار وتكاليف التعليم الخاص ما دفع عدد كبير من المدارس الخاصة لتغيير مرافقها وتقليل كفاءة المحتويات والبرامج التعليمية واللجوء إلى أدوات وإمكانيات وخبرات ذات أجور أقل، وانسحب ذات الأمر على تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة ومراكز تأهيلهم.

• أما التعليم العالي فليس بأقل سوء من من أوضاع التعليم الابتدائي والمتوسط والعام، فقد تضاعفت الرسوم الدراسية في الجامعات والمعاهد والكليات الحكومية بصورة كادت أن تجاري تلك الخاصة، ووصلت التكاليف الدراسية إلى أسعار فلكية وتمييزية قاتلة لأبناء المغتربين  والمهاجرين حتى الذين لهم القدرة على دفعها فضلوا إرسال أبنائهم إلى الخارج لتلقي فرص تعليم أفضل وأكثر استقرارا ما ضيع فرص ارتباط كيثير من الأبناء والبنات بأسرهم وبلادهم، كما أن سياسات الأجور ودعم التعليم التي ينتهجها النظام الإنقلابي حفزت كثير من المؤسسات للإضطراب والإضراب ما فاقم درجة السخط وسط الطلاب وزاد من تراكم الدفعات في الجامعات ففي بعض الجامعات تجد أن المستوى الدراسي الواحد فيه ثلاثة دفعات متراكمة ما تعجز الطواقم العاملة والأساتذة والمرافق والقاعات والمعامل والورش والمكتبات عن استيعابهم.

• أما ملف الخدمات الطبيبة والصحية فهو ملف شائك ارتبط به الأحياء والأموات، تراجع كفاءة المستشفيات واكتظاظ المدن طلبا للعلاج لتراجع الخدمات الطبية في الولايات، وطفت إلى السطح بصورة مزعجة قضايا الأموات في المشارح السودانية والإهمال المتعمد الذي تشهده جثامين الأموات فلم تكن حادثة (ود عكر) السبب في الكشف عن آلاف الجثث المتكدسة وإنما فتحت حادثة (مدثر) الباب على مصراعيه لجثث متكدسة أيضا في مشرحة أمبدة، وهذا يعني أن المشارح السودانية بها كوارث تورط أطباء وزارة الصحة والطب العدلي في أمور ترقى للجرائم ضد الإنسانية.

• كما شهدت أسعارالأدوية تزايدا مضطردا ونشطت تجارة الدواء ومافيا الدواء حتى العقاقير غير المسجلة في وزارة الصحة صارت تباع في العلن وتورد عن طريق جماعات تهريب كبيرة وشبكات تجارة غير متخصصة طبيا وتتخذ من الأدية سبيلا للثراء، وتراجع الدعم الحكومي للعلاج حتى في المرافق الحكومية وشهدت مستشفيات السلاح الطبي والشرطة حوادث كثيرة واحتجاج نظاميين بعضهم من مصابي الاحتجاجات على عدم حصولهم على الرعاية الطبية الكافية وشرائهم لأبسط الاحتياجات الإسعافية والأدوية المنقذة للحياة.

• في ملف الكهرباء أوجز بأن الإنقلاب وأد ملف تطوير التوليد الطاقوي بكل جوانبه (كهرومائي – ديزل- شمسي – رياح .. الخ)، وقطع الطريق للتواصل مع شركات أجنبية مباشرة دون وسيط أو (كبري)، وأوقف التحديث الذي عكفت عليه وزارة الطاقة إبان الفترة الانتقالية، ولهذه الأسباب تشهد البلاد هذه الأيام نقص في التوليد وشح شديد في قطع الغيار وعدم انتظام عمليات الصيانة الكافية وكلها تحتاج إلي مبالغ مالية كبيرة وخبرات وتعاون مشترك، لكن الإنقلاب جمد ذلك التعاون وأوقف عمليات تمويل البنك الدولي التي تقدر بحوالي 700مليون دولار ومنح وقروض تنموية في مجالات الطاقة تتجاوز الملياري دولار كانت تستهدف مناطق النزوح والعودة الطوعية والمناطق التي لم تصلها خطوط الإمداد من المحطات التحويلية ومناطق التوليد الرئيسية.

• ولأن الكهرباء مرتبطة عضويا وهيكليا بالمياه تأثرت مياه الشرب في كثير من المدن بفترات الانقطاع الطويل للكهرباء وأدى ذلك لكوارث بيئية وصحية وتراجع في عمليات الانتاج في بعض المناطق الصناعية وتوقفت كثير من المنشئات الصغيرة التي تعتمد على الكهرباء ولارتفاع أسعار الديزل، جعلت تلك القطوعات مواصلة بعض المواطنين لحياتهم في المدن أمرا عسيرا وجحيم لا يطاق، وتأثرت قطاعات حيوية كالمستشفيات والمدارس والجامعات ودواووين الحكومة بقطع الإمداد الكهربائي الذي وصل في بعض الأحياء إلى 36 ساعة.

• والموقف السياسي من اثيوبيا وسد النهضة عطل اتفاقات امداد متبادل بقدر كبير من الكهرباء وبأسعار زهيدة مقارنة بالسعر العالمي وتمت الاستعاضة عنه بكمية قليلة من جمهورية مصر، لم تتجاوز المائة ميجا واط، حتى دخولها للخط الناقل للسودان متعثر لعدم تحمل البنية التحتية في السودان لمداخيل كهربائية عالية، وهو أمر فني قطع فيه وزراءالطاقة في الحكومة الانتقالية شوطا كبيرا لتحديث خطوط النقل والإمداد وشبكات التوزيع.


نواصل

orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig

الخميس، 13 أكتوبر 2022

حصيد البرهان في عام (١)

حصيد البرهان في عام (١)
بقلم: عروة الصادق


مقدمة:
ليس من السهل نسج وشيجة اجتماعية وتوثبق عرى كبان إنساني متعدد وبناء أمة موحدة وتشييد حضاره تزدهر على مر الدهور والعصور لتكون مثار إعجاب الأمم من حولنا، ولكن من السهل جدا أن تجر أمة بحالها إلى الزوال وبلاد برمتها إلى الدمار الأنساني والسياسي والاقتصادي والإنهيار الأمني واضطراب القرار وضياع استقلاليتها وإهدار كرامتها، وتظل الأنظمة الدكتاتورية أقوى معاول الهدم والتنكيل بالآدمية والتبديد للثروات والإغراق للأمم في الأزمات، وفي ذلك تستغلها دول وأجهزة مخابرات وجماعات فساد، وتوظفها في امتصاص الثروات ولخدمة أجندتها وتجهيل الأمة وجعلها تحت الوصاية والارتهان والاستغلال، وهو الأمر الذي يحفز جذوة الحياة لدى الشعوب الوثابة للنهوض والانقضاض على الدكتاتوريات وإسقاط الأنظمة القمعية ونشدان الحرية والسلام والعدالة والكرامة الإنسانية والتضحية لأجل إقامة النظام الديمقراطي التام الذي يحقق السلام العادل الشامل المستدامـ وقد شكلت عملية الانقلاب على السلطة في السودان بتاريخ 25 أكتوبر 2021م أصدق مثال وأقوى شهادة يمكن أن يستدل بها علما الاجتماع والسياسة والاقتصاد وسيمثل الحالة المرجعية العملية للانهيار الأمني والاختلال في القرار الوطني والسيادة الوطنية.
في هذا الجهد المتواضع أحاول حصر ما استطعت رصده من جوانب تجريف للحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والدبلوماسية في السودان وتأثيرات إنقلاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو على حياة السودان والسودانيين ومدى مفاعيله التدميرية في حياة الوطن والمواطن.


● أولا: إنسانيا
أ. أعظم الكوارث الإنسانية التي تفافمت بعد إنقلاب 25 آكتوبر 2021م كانت محتكرة في إقليم دارفور رغم ما وقع من اتفاق سلام، وسفر نائب رئيس مجلس السيادة واستقراره بها لعدة أشهر، يزامن ذلك فظائع ونزاعات أهلية في أقاليم أخرى وقتل ممنهج في الخرطوم للمحتجين والمتظاهرين ضد سلطة الإنقلاب، وقد حصد النزاع المسلح في إقليم دارفور، في منتصف العام الأول من الإنقلاب ما بين 500 إلى ‏600 قتيل وعدد لا حصر له من الجرحى يقدرون بعشرات المئات إذ أن كثيرا ممن يصاب لا يحبذ الاستشفاء في المشافي الحكومية ولا تتمكن أطقم المنظمات الطبية الطوعية من الوصول إليهم، إضافة إلى نزوح نحو مئة ألف أسرة، بحسب تقديرات المنسقيّة العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين في السودان، وقد أعلنت الأمم المتحدة في يونيو 2022م عن 100 قتيل جراء أعمال عنف في دارفور ونزوح أكثر من 50 ألف شخص خلال اشتباكات قبلية اندلعت بين قبيلتين، إثر نزاعات وخلافات على ملكية الأراضي في الإقليم جميعها كان يمكن تلافيها دون إراقة دماء تكررت حوادث مماثلة لها في غرب كردفان والنيل الأزرق.‎

1. فيما رصدت منظمة حاضرين التي توقفت عن العمل في أغسطس 2022م إصابات الطلق الناري في أجساد المتظاهرين بعد الإنقلاب بحوالي 512 إصابة منها 42 في الرأس، و46 في الصدر، و25 في الظهر، و36 في الوجه والفك، و21 في العنق، و91 في الذراع، و60 في البطن و173 في الساق.

2. كما تسبب الانقلاب في نقص الغذاء ووقف المساعدات الإنسانية المباشرة التي وفرتها الحكومة الانتقالية مع الأمم المتحدة، وهو أحد دوافع المجتمعات المسالمة للصراع، والنزوح والتنافس على الموارد الشحيحة، كما عطل الإنقلاب تدابير حماية النازحين، وأوقف مشاريع الكفاية والقضاء على الفقر، وبدد حقوق المرأة والطفل وتسبب في جنوح عدد كبير من الأطفال وتسربهم من المرافق والمؤسسات التعليمية.

3. استمرت أسعار الذرة الرفيعة والدخن المزروع محليًا في الارتفاع حيث وصلت إلى مستويات قياسية جديدة في أغسطس.

4. واصل اللاجئون من جمهورية جنوب السودان وإثيوبيا التماس المآوي والحماية وغيرها من المساعدات في السودان.

5. وبحسب اليونيسيف إنه قد تم التحقق من حدوث أكثر من 500 انتهاكًا جسيمًا ضد الأطفال في مختلف أنحاء السودان منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي.

6. هذا وقد قُتل تسعة أطفال خلال مظاهرات، كان أغلبها في الخرطوم، كما أصيب 13 آخرون. ارتكبت معظم الانتهاكات ضد صبيان يافعين. واعتُقل فتيان وفتيات لا تتجاوز أعمارهم الـ 12 سنة. ودهس طفل بإحدى مركبات القوات النظامية بمدينة عطبرة وقد تأثر الأطفال نتيجة الهجمات المتكررة على المرافق الطبية.

7. في أبريل 2021م تعرضت سيارة إسعاف تابعة بشكل لمنظمة طبية في جبل مرة بغرب دارفور في طريقها إلى المستشفى لإعتداء صريح على الطاقم والركاب ومن بينهم امرأة حامل.

8. اقتحمت قوات الأمن في ديسمبر قوات نظامية مستشفى الخرطوم التعليمي بحثا عن مصابين من المتظاهرين واعتقالهم وأطلقت الغاز المسيل للدموع في داخل المستشفى ما أدى لحالات اختناق وسط المرضى والمرافقين والطواقم الطبية وتكرر الأمر باقتحام عدد من المستشفيات لعشرات المرات في مدن الخرطوم الثلاثة تخلل ذلك اعتداء على الطواقم الطبية وتأخير عمليات الإسعاف الأمر الذي أدى لوفاة أحد ضحايا الإحتجاجات.

9. وقد تم اعتقال حوالي 22 عامل صحي وتحطيم وإلحاق الأضرار بحوالي 25 مرفق صحي وإصابة 34 من عمال الصحة وهناك ما يزيد عن 50 بلاغات مدونة لدى منظمات دولية صحية وطبية.

10. وقد فاقم الإنقلاب تأزيم الوضع الصحي في دارفور حيث تقلص عدد العاملين في المجال الصحي والعاملين في مجال الرعاية الصحية إلى0.75 فقط من الفرق الصحية لكل 1000 من السكان، والمطلوب فعليا للتغطية الشاملة بحسب منظمة الصحة العالمية 4.45 لكل 1000 مواطن، ينعكس هذا الأمر على ولايات النيل الأبيض وكردفان وبعض الولايات شرق السودان.

11. أعلنت هيئة محامي دارفور عن تلقيها 30 بلاغاً حول حوادث شملت الاغتصاب والاعتقال والاعتداء بعد موكب 25 ديسمبر2021 بينها 13 حالة اغتصاب مؤكدة.

12. حسب التحالف الإقليمي للمدافعات عن حقوق الإنسان، شهدت الفترة من نوفمبر 2021م وحتى يناير/ 2022م، أربع أحداث عنف بارزة، شملت فض اعتصام المعلمات يوم 8 نوفمبر، وحالات إجهاض وكسور في صفوف المحتجين في اليوم التالي، واعتداء وحشيا جنسيا يوم 20 ديسمبر، وحوادث قبض واعتداء في 30 ديسمبر و22 يناير.

13. وشهدت مواكب 19 ديسمبر 2021 وقائع عنف جنسي، رصدت 13 حالة، ووثقت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل (تابعة لوزارة التنمية الاجتماعية) تسع حالات إحداها لطفلة في العاشرة، وهناك تقارير عن وقوع انتهاكات جرت في محيط القصر الرئاسي. وأعلنت لجان الأحياء تعرّض عشرات الفتيات للتحرّش والاعتداءات الجسدية والجنسية أثناء اعتقالهن، وكذلك في أقسام الشرطة، ومراكز الاحتجاز، فضلا عن تقارير لجنة الأطباءالمركزية ومنظمة حاضرين التي ترصد الانتهاكات بصورة دورية.

14. فيما شهدت أوضاع السجون تراجعا تبعا للحالة الإقتصادية التي تشهدها البلاد بتقليص الغذاء الكافي للمحكومين والمنتظرين وتحميل النزلاء تكلفة العلاج والتداوي، والإعتقال والاحتجاز في أوضاع غير إنسانية والتشديد على بعض المحكومين في الولايات كحادثة المحكومة بالرجم في مدينة كوستي والتي أثارت حملة تضامن واسعة من منظمات عديدة (لمبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي، و مركز الناس للعون القانوني، وحملة خشي اللجنة، وحركة ميدانك النسوية، وهيئة محامي دارفور، ومركز إنسان للعون القانوني، ورايب العدلية، ومركز المدافعين السودانيين عن حقوق الإنسان، ومركز عون القانوني، وجمعية المساعدة الذاتية، ومنظمة نورا لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، ومحاميات للتغيير، والمنظمة السودانية للعدالة الانتقالية، و منظمة البردي للسلام والتنمية – رهيد البردي، و مؤسسة قناديل لتنمية المجتمع، ومؤسسة سوا للسلام والتنمية، وشبكات المساواة النوعية – إقليم دارفور، ومنظمة حماية للعدالة والتنمية – جنوب دارفور، و شبكة المجتمع المدني للتحول الديمقراطي – إقليم دارفور.


ب. كما تعامل النظام مع الكوارث التي حلت في البلاد بصورة متهاونة ما مجم عنه عشرات الضحايا وآلاف المشردين وآلاف الهكتارات والأفدنة الزراعية وتزايد الأوبئة وانتشار الكوارث الصحية وانهيار منظومة التعليم والخدمات في عدد من المدن والولايات، وتراجع الوضع البيئي بصورة ستخلف المزيد من الكوارث والأزمات.

1. وقد أثرت الأمطار الموسمية والسيول هذا العام بحسب الدفاع المدني ومفوضية العون الإنساني على حوالي 299,500 شخص ودمرت الأمطار والفيضانات ما لا يقل عن 17,600 منزل وألحقت أضرارًا بـ 45,100 منزل آخر في 16 ولاية من أصل 18 ولاية. وتوفي 129 شخصًا وإصابة 120 آخرين.

2. في الوقت الحالي هناك إحصاءات مزعجة اضطلعت بها "أوشا" رصدت حوالي 11.7 مليون يعانون عدم استتباب الأمن الغذائي الحاد، و 10.9 مليون الأشخاص المستهدفون بالمساعدات في عام 2022م، 7.1 مليون إجمالي من بلغتهم الإغاثة (يناير-يونيو 22)، 3.03 مليون الأشخاص النازحون، و63,280 عدد الأشخاص المصابين بفيروس كورونا المستجد، و 4,961 حالة وفاة متعلقة بفيروس كورونا المستجد، و 59,501 اللاجئون الإثيوبيون في الشرق والنيل الأزرق.

3. منذ بداية عام 2022م، نزح أكثر من 177,000 شخص حديثًا في السودان بسبب النزاع بما في ذلك 126,000 شخص نزحوا في دارفور.
4. ويشمل ذلك ما يقدر بنحو 38,000 شخص نزحوا من أجزاء من ولاية النيل الأزرق في يوليو 2022م.

5. تضرر أكثر من 258,000 شخص من الأمطار الغزيرة والفيضانات في جميع أنحاء البلاد..



● ثانيا: أمنيا

‌أ) تهاون النظام في التعامل مع الفصائل المسلحة، ولم يكيف أوضاعهم الأمنية، ولا زال ملف الترتيبات الأمنية يراوح مكانه، إذ أقال البرهان في تعديلاته الأخيرة كافة ضباط القوات المسلحة العاملين في الملف، بعد أن أوشكوا على إكماله، ما يعني تأخير عملية الدمج والتسريح وضبط تواجد القوات في المدن ومحيطها ما يعني تزايد الانفلاتات التي تبدر من بعض الفصائل المسلحة، كما أتاح أمر التغافل عن ملف الترتيبات الأمنية تعامل الفصائل المسلحة مع أهل الأقاليم بصورة مباشرة، وبعضهم غير مدرب للتعامل مع المجتمعات المدنية وهو ما أدى لاستشراء عمليات العنف المسلح وتزايدت حوادث القتل والتهجير في إقليم دارفور والنيل الأزرق، وبعض مناطق السودان الأخرى.

‌ب) تمددت الجماعات المتطرفة بالصورة التي صار قادتها يخاطبون المجتمعات ويتحركون بحرية مطلقة، مع إعلان ولائهم المطلق لجماعات إرهابية كداعش والقاعدة، وقد انتشار الأسلحة والاتجار فيها بكميات تفوق المعدلات الطبيعية، وتزايد الطلب على السلاح تبعا لانتشار الظواهر الأمنية السالبة وتنامي عمليات السلب والنهب في المدن والأسواق، وأعزي ذلك لوقف الحملات المنعية التي كان ينظمها وزير الداخلية الأسبق الفريق عز الدين، كما أن إيقاف الاستجابة الفورية للحوادث والطواريء قل بنسبة كبيرة للدرجة التي انسحبت فيها كثير من الدوريات والحملات ضد الجريمة من الأحياء والمدن والارتكازات المعهودة.

‌ج) وانتشرت ظواهر دخيلة على المجتمع السوداني، كالتصفيات المجهولة التي تتم للنشطاء والفنانين ومحاولات الاغتيال التي تستهدف رموزا اجتماعية وسياسية، وكل ذلك يقيد ضد مجهول، بل حتى قتل الشهداء في المواكب والذي تتم فيه عمليات رصد وتصوير الأشخاص والدوريات والأسلحة التي شاركت في القمع وتسببت في القتل تقيد بلاغاتهم ضد مجهول.

‌د) تجدد ظواهر جماعات النهب والسلب بصورة أكثر تنظيما حيث شهدت الخرطوم حوادث كثيرة وبلاغات بالمئات في مضابط الشرطة أخرها عمليات تنظمها أفواج من عصابات السلب والنهب في شوارع الخرطوم وبعض الذين تم إلقاء القبض عليهم يحمل بطاقات انتساب لقوات نظامية، وتكررت حوادث نهب المركبات العامة وإيقافها أشهرها حادثة بص سفري في تخوم ولاية الخرطوم.

‌ه) تزايدت عمليات الاتجار في السلاح والبشر والمخدرات وتهريب الذهب بصورة فاقت كل التوقعات وتجاوزت التجارة الداخلية بصورة عابرة للقارة والإقليم، ودخلت للبلاد أصناف جديدة من أنواع المخدرات والأسلحة والمتفجرات وتوصيلات التفجير، ومن دول جارة للسودان، واستمر تهريب الذهب عبرمطار الخرطوم لتضبط السلطات شخص واحد قام بحوالي 30 رحلة كل رحلة لا تقل عملية التهريب فيها عن 20 كليو جرام شارك فيها نظاميون وموظفون في الدولة، فضلا عن العمليات المنظمة التي تتم عبر مطار بورتسودان إلى اللاذقية والتي ظهرت في تقارير دولية.

‌و) حاولت الحكومة الانتقالية عقد شراكات استراتيجية مع دول وأجهزة مخابرات لرفع قدرات القوات الأمنية في كل من الامن الداخلي والخارجي وملف الإستخبارات ومكافحة الارهاب، وفي ذلك وصلت وفود أمنية أهمها وفد أمريكي غادر البلاد بعد الإنقلاب مباشرة وهو ما أدى لعدم تشكيل قوة أمنية موحدة ذات مقدرات عالية لحماية المدنيين، وسيظل الأمر كذلك لأننا نرى عدم جدية ورغبة وإرادة للسلطة الانقلابية في توحيد القوات النظامية ودمج الحركات المسلحة وتسريح العناصر غير المؤهلة.




● ثالثا: سياسيا

‌أ) أما الاخفاق السياسي يتحمل المدنيون جزء اكبيرا منه لتأخرهم في الوصول لمشتركات تقلص الفوارق والمسافات بينهم، وعطلت بعض القوى الوصول لنفاهمات حول الدستور والبرنامج، واستخدمت بعض القوى السياسية نفوذها في تنسيقيات لجان الموقاونة بشن حروب عدمية على الآخرين، لكن يظل المسؤول الأول عن حالة الانسداد السياسي في البلاد، الجنرال البرهان وزمرته من كوكبة المستشارين وجيوش الخبراء والساسة الإخوانيين في صفوف الجيش السودان، بالإضافة لمجموعات السدنة من الإنقلابيين الذين احتموا بسلاح الجيش والدعم السريع لتنفيذ إنقلاب ٢٥ أكتوبر.

‌ب) الأمر الأخطر أن النظام الإنقلابي انتهج سياسات تمزيق كيان الدولة السياسي المترابط، وحفز الولاءات القبلية والعنصرية والجهوية والدينية لاستمالتها لصالح المشروع الإنقلابي، الأمر الذي كلف البلاد دماء ونزوحا وقتلا على أساس القبيلة والإثنية، ولم يتحرى قادة الإنقلاب الرشد السياسي وصياغة مشروع جامع للأمة، وإنما توجهوا لخطة موروثة وقديمة( فرق تسد)، وتقاسموا تلك الولاءات بين الجيش والدعم السريع، الذي أعاق التفاهم بين الفرقاء وقاد لتعطيل الوصول لاستقرار سياسي.

‌ج) وتظل القوى السياسية السودانية تحمل وزر تماهي بعض قادتها مع الانقلاب، فمنذ الأيام الأولى رأى بعض هؤلاء القادة أنه يمكن الجلوس مع للعسكر واستخلاص السلطة منهم، إلا أنه ومرور الأيام تبين أن النظام لا يفكر حتى في تصحيح أخطائه ناهيك عن تسليم السلطة للمدنيين، واستمر في تجريف إصلاحات الفترة الانتقالية، وتمكين النظام الإخواني من الهيمنة على مفاصل مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات النظامية.



● رابعا: اقتصاديا

1. رغم ما تم تبريره وتعديده من أسباب لإسقاط الحكومة الانتقالية إلا أن الجميع اتفق أنها أوقفت الإنهيار الإقتصادي وفتحت آفاقا كبرى للتنمية الاقتصادية في السودان ورسمت راهنا اقتصاديا منتعشا وحددت ملامح المستقبل على المدى القريب والمتوسط والبعيد والاستراتيجي، وبدأت الحكومة بالتخطيط والتنفيذ للاكتفاء الذاتي من الحبوب ووفرت مدخلات الانتاج الزراعي من وقود وتقاوى وأسمدة ومبيدات وتمويل، كان مقررا له أن يتضاعف في العروة الشتوية 2021م بتمويل يقارب المليار دولار للموسم.

2. وقد تمكنت الحكومة الانتقالية منذ أيامها الأولى من إنشاء محفظة السلع الاستراتيجية بتوفير مبلغ 200 مليون دولار تضاعف في الستة أشهر الأولى ليصل 600 مليون دولار، ومن بعدها المحفظة الزراعية التي نجحت في تمويل الموسم الزراعي، والاستفادة من الأصول الاستثمارية لإحياء أسطول السودان البحري وتمويل شراء قطارات وتجديد وتمديد تحديث خطوط السكك الحديدية دون تمويل خارجي ونحن نرى كيف تتجه دول لتمويل خط السكك الحديدية بيننا وبين مصر وهو الأمر الذي كانت الحكومة الانتقالية تحول دون تنفيذه إلا بأيادي سودانية دون إملاء أو ارتباط خارجي.

3. إلا أن الانقلاب تسبب في كارثة اقتصادية عطلت الاستفادة من حوالي ٨ مليار دولار من المنح والقروض، وتسبب بالعجز في ميزان المدفوعات والحساب الجاري والرأسمالي في البنك المركزي، وأعاق تمويل الموسم الشتوي في ٢٠٢١م بحوالي مليار دولار منحة، وبدد عائدات صادر مليون فدان من القطن زرعتها الانتقالية كان مقررا لها أن توفر حصائل صادر ١.٥ المليار دولار، بالإضافة لتهريب وتسريب الذهب والمعادن وتعطيل إنشاء بورصة الذهب في الخرطوم، وبذلك انسحب المستثمرين الأجانب وسحبوا أموالهم، بعضهم سحبها بصورة رسمية وبعضهم اشترى بها سلع ومواشي وذهب، لم تعد حصائلها للسودان، كل هذا لا يساوى شيء أمام تعطيل خطة السودان في التوسع الزراعي التي كانت ستحقق الكفاية وتضع السودان في موشع استراتيجي للأمن الغذائي في المنطقة والعالم.

4. وواصل الدولار الجمركي صعوده بنسب تجاوزت 25% رغم الركود الماثل في الأسواق ما أدى لارتفاع الأسعار والسلع الأساسية الأمر الذي فاقم الأزمة المعيشية في السودان، وسدد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي لكمته الأخيرة للقطاعات التجارية وأدخلها في حالة كساد لم تعشها منذ عقود بزيادة رسوم المعابر إلى 600% وضريبة الأرباح إلى نسبة وصلت 30% عوضا عن 15%، الأمر الذي شكل سلاحا ذو حدين أضر بالأجهزة الإيرادية للدولة ودفع قطاعات حية كاتحادات الغرف التجارية والصناعية والنقل والتجار الدخول في موجة احتجاجات واعتراضات وإضرابات وإغلاق عمت معظم المناطق التجارية في مدن السودان الرئيسية الأمر الذي سيتصاعد ويخرج قطاعات كبيرة لتبرز ما سمي بالاقتصاد الخفي حال استمرت إجراءات الإنقلاب الاقتصادية الشائهة.

5. طوال فترة الانقلاب ظل الجهاز الاقتصادي حبيسا عن التعاملات الخارجية ومثلت الحكومة السودانية تمثيلا خجولا في عدد من المناسبات الاقتصادية بعد أن انفتحت طوال الفترة الانتقالية على العالم فتراجعت بالصورة التي اقتصرت لقاءات وزير المالية بنظرائه في الإيقاد وبعض وزراء الكوميسا وأخيرا وزير دولة جنوب السودان ولقاءات صارمة في نيويورك مع البنك وصندوق النقد الدوليين الذين تراجعا وأوقفا كافة التمويلات والمنح والجدولة للديون المزمع تنفيذها لصالح السودان جراء الإنقلاب الذي أيده وزير المالية، والذي وعد في اجتماعاته الأخيرة في أكتوبر 2022م بأن الوضع السياسي سيفضي إلى حكومة مدنية ذات مصداقية.

6. كما تراجعت كافة الفرص الاقتصادية التي تم فتحها بواسطة وزارة الخارجية وقسمها الاقتصادي وعادت الملحقيات الاقتصادية والتجارية في البعثات الدبلوماسية للتجار والسماسرة من سدنة النظام الإخواني المباد، والذين يرتبط غالبيتهم بأعمال تجارية شخصية ليس لها علاقة بالتبادل التجاري أو التعاون الاقتصادي بين السودان والدول الأخرى، وظلت العلاقات الاقتصادية الروسية السودانية أكبر مهددات الاقتصاد الوطني إذ مثل تهريب ذهب السودان إلى روسيا والإمارات واحد من أكبر جوانب التدمير للاقتصاد السوداني لأنه يتم خارج الأطر والقنوات الرسمية وأخيرا دخل التهريب البري للذهب إلى مصر بالصورة التي رفعت بها مصر إحتياطي ذهبها من 700 كجم و900كجم في الأعوام (2018-2020) ليقفز إلى 44 طن من الذهب خلال الفترة من أكتوبر 2021م إلي يونيو 2022م.

7. واستشرى الفساد في المؤسسات بالصورة التي ضيعت مئات الملايين من الدولارات للدولة وأدى ذلك لاهتزاز الثقة في المنظومة الاقتصادية السودانية بنوك وزارات إدارات، وظل الركود الاقتصادي ماثلا بصورة شبحية أخافت التجار والمستثمرين في القطاعين الحكومي والخاص، وأقر وزير مالية الانقلاب بازدياد نسبة العجز في الموازنة العامة وتراجع نسبة النمو، الأمر الذي راكم بنسب مئوية معدلات العطالة وأوقف مشاريع تشغيل الشباب التي ابتدرها د. عبد الله حمدوك وأوقف مشاريع الدعم المباشر التي كانت ستشغل الآلاف وتمول الملايين.


8. كما ظلت السياسات الاقتصادية في حالة اضطراب وتراجع عما تم الاتفاق عليه مع البنك وصندوق النقد الدوليين، والمؤسسات الاقتصادية لدول أصدقاء السودان، الذين اشتركوا معايرة السياسات الاقتصادية لما هو عليه دوليا، وهي خطوات ابتدأها د. البدوي ووأدتها السلطة الانقلابية وطاقم وزارة المالية الذي أربك السياسات والتخطيط والإدارات التابعة للوزارة وأسهم في تراجع سوق الخرطوم للأوراق وكساد معاملاته، بل حتى وصمت بغض الصكوك والسندات بأنها سندات غير آمنة، ما قاد لإضطراب الأسواق المتقدمة والناشئة، وهو ما أثر في تداول الأسهم ونمو الصناعات وتطور الشركات، بالصورة التي أدت لتوقف ٥٩٤٠ مصنعًا عن العمل بالبلاد، حتى العامل فيها يشتغل بطاقة إنتاجية لا تتجاوز ٣٠%.

9. حرم الإنقلاب السودان من نيل جائزة نوبل للاقتصاد والتي كان متوقعا أن يحصل عليها حال استمرت خطة د. إبراهيم البدوي وإجراءات د. عبد الله حمدوك ومتابعات كمبريسي نائب محافظ بنك السودان المركزي، والذين سعوا بجد لإحداث الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة ومكافحة الفساد وتطوير الأداء المؤسسي والنهوض بالإقتصاد الكلي للسودان وتطوير قطاعاته الزراعية والطاقوية والخدمية وإيقاف خطط إدخال مزايا إضافية لمواكبة الواقع الاقتصادي للمعاشيين من الذين أسهموا ولا زالوا يقومون بدور كبير في النمو الاقتصادي.

10. مثلت هذه الأزمة الإقتصادية أهم عوامل انتشار الجريمة وشكلت اقتصاديات الجريمة أهم مصادر الدخل للكثير من القطاعات ونشط أفراد ومؤسسات في تجارة الممنوعات والمخدرات والاستيراد والتصدير والتهريب خارج الأطر الرسمية للدولة ولسلع غير مطابقة للمواصفات والمقاييس، ونشطت كارتيلات اقتصادية لها ارتباطات وثيقة بالإنقلاب وحظيت بتسهيلات من مرافقه المختلفة وعملت تحت حمايته، وفي الوقت ذاته انتهج الانقلاب نهج التنظيم الإخواني المباد لينكل بالبيوتات الاقتصادية التاريخية من جديد ويلاحق رجال الأعمال ويضيق عليهم للدرجة التي اختار بعضهم تعطيل كافة أنشطته التجارية ومغادرة البلاد .

11. كما قادت تلك الأسباب مجتمعة إلى فرار مستثمرين ومشروعات استثمارية ودخول مستثمرين جدد عبر إجراءات استثمارية اتسمت بالمحسوبية وفتحت الباب واسعا أمام اتهامات الفساد لوزير المالية الأمر الذي أغرق الأسواق والمراكز التجارية بسلع تنافس السوق المحلي لما تحظى به من إعفاءات جمركة، كما أدى هروب المستثمرين إلى إغلاق عدد كبير من المرافق والمؤسسات التجارية والصناعية والزراعية وإدخال أعداد كبيرة من الشياب حيز البطالة وما يؤسف له انخراط بعضهم في اقتصاديات الجريمة التي تتدرج من تزوير العملات والمستندات وصولا للاتجار في الممنوعات والأسلحة والمخدرات والجنس وتجارة الأدوية الضرورية والعملات في السوق السوداء.

12. وترتب على ذلك أيضا تردي في البني التحتية وإعاقة التنمية الحضرية والريفية الأمر الذي قاد إلى تخلف اجتماعي وتراجع بيئي وانهيار للمرافق وهو ما زاد من نبرة الاحتجاج ودعاوى التهميش حتى في المناطق التي ترفد الموازنة العامة بعائدات انتاج مجزية وتضخ أموالا طائلة وترفد البنك المركزي باحتياطي نقدي وذهبي إلا أنها تشهد سوءا وتردي في الخدمات والبني التحتية والمرافق العامة وتعوزها أدنى مقومات الحياة والأمن والسلامة والخدمات.

13. ومثلت سياسات الإنقلاب عامل تبديد أكبر لأهم وارداد البلاد الاقتصادية عبر نفط جنوب السودان الذي مثلت الاضطرابات السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد واحدة من مهداد صادراته النفطية التي ظلت تصدر عبر خطوط النقل التي تشق طول السودان وصولا لموانيه في شرق السودان، وبتحويل صادرات نفط الجنوب يفقد السودان أهم مصدر للنقد الأجنبي والتعاون الاقتصادي الأخوى مع دولة جارة وشقيقة وتوأم.





نواصل.....

orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig

الاثنين، 10 أكتوبر 2022

تسريب المستندات والقرارات والإيماء بعودة حمدوك

تسريب المستندات والقرارات والإيماء بعودة حمدوك



(١)

● راج لأيام خلت تسريب لمستند ممهور بتوقيع قائد الانقلاب قضى بمصادرة أملاك الحزب المحلول وأيلولتها لحكومة السودان، بغض النظر عن صحة المستند أو عدمه، في المعارك السياسية تستخدم التسريبات المتلاحقة لإرباك المشهد السياسي ولخلط الأوراق، وحينما يتم التسريب من مكتب رئيس مجلس السيادة أو الامانة العامة للمجلس أو غيره من المرافق والمؤسسات قد يعني ذلك أن هناك شخصًا قرر تسريب موقف أو أذن بنشر قرار أو مستند.




● ويترتب عليه رد فعل معين من القوى السياسية المتعجلة أو انفعال شعبوي تلقائي ينصرف أصحابه من مشاغلهم الرئيسية ليلتهوا بما يتم وضعه أمامهم من معلومات وما يغرقوا به من مجموعة المستندات التي بعضها يكون كرت ابتزاز سياسي لتيار أو كيان أو وسيلة لاستدرار العطف أو استمالة الخصوم، وربما في بعض الأحيان تكون فقاعات إختبار لرد الفعل المحتمل، وفي السودان منصات وغرف رسمية وأمنية وعشوائية امتهنت تزوير الوثائق وتلفيق الآراء وتزييف الحقائق وهو ما يستدعي الحرص على فحص كى شيء بعين الدقة المتناهية.




● امتهن البرهان ومستشاروه لعب هذه اللعبة من حين لآخر، وتساندهم لذلك شبكات إعلام وصفحات وصحف وإعلاميين يمارسون نشاطهم من عوامات نيلية في ضفاف النيل الأزرق، تتلقف تلك الإشاعات منظومة إعلامية إقليمية ودولية ومحلية تعتمد في نشرها على تطابق المصادر المفتوحة دون الاستيثاق من صحة تلك المعلومات، وهو ما يسهل ارتجاع الصدى للأخبار المضروبة من صفحات موثوقة (كرويترز ومومنتي كارلو والعربية والجزيرة وغيرها)، وهو ما ينبيء بخطر شديد يرقى لتهديد الحياة العامة والاستقرار ويمكن أن ينسف السلم والأمن في منطقة ما بهذا المنطق المعطوب( حرب الإشاعات).



(٢)

● ولإقحام القوى السياسبة ولجان المقاومة والكتل المدنية في حروب بينية، نشطت أيضا تسريبات متعمدة تحت ما يسمى (مصدر مطلع فضل حجب اسمه) لتسعير الخلاف وتصعيد الشقة بين مكونات المجتمع السوداني وقواه الحية وفيما بينها، فقد أشيع رفض الحرية والتغيير لميثاق تأسيس سلطة الشعب، كما تم الترويج لرفض حزب الأمة القومي عدد من الأشخاص قي الحكومة الحالية ورضاه عن البعض الآخر بقصد الوقيعة بينه وبين كياناتهم، ومعلوم أن الحزب ليس ضد شخص وإنما يقف مع الحرية والتغيير وجماهير الشعب السوداني وقواه الحية وتنسيقيات المقاومة ومجموعاته المهنية ضد نظام إنقلابي كامل يتحصن فيه أردول ومناوي وجبريل وغيرهم بإجراءات إنقلابية هم من مؤيديها وأحد منظومتها.



● وجميع من ذكرتهم من القوى الحية يطالبون ليس بإسقاط (زيد أو عمر) فحسب بل بإسقاط المنظومة الإنقلابية وترتيب نظام انتقالي بمهام محددة ليس من الأولوية تحديد أشخاصه وإنما رسمت ملامحهم بأنه كفاءات مستقلة تقود ما تبقى من الفترة الانتقالية لتحقيق الانتخابات الحرة والشفافة والنزيهة في نهايتها، إذا المطالبة ليست بإقالة شخص أو موظف في سكرتارية الانقلاب أو حتى برهان وإنما كل المنظومة الإنقلابية أشخاص وسياسات وإجراءات وقرارات ينبغي أن تذهب إلى غير رجعة.


(٣)

● كما راجت حملة احتجاجية تم تصميمها باحترافية عن السيد حاكم إقليم دارفور وسفراته الخارجية دون علم وزارة الخارجية، فهو حاكم بلا قانون لذلك كثيرا من تحركاته الداخلية والخارجية غير منضبطة بلوائح أو نظم أو حتى بروتوكول، وسفره للخارج بعلم أو دون علم وزارة الخارجية ليس بدعة فقد سافر الحاكم لتشاد وألمانيا وقطر وجنوب السودان وغيره، دون أن نسمع احتجاجات وهو يسير وفق ما يمليه عليه مستشاروه ومعاونوه الذين يتحركون لاثيوبيا وتركيا والإمارات أيضا دون معرفة الخارجية أو حتى الحكومة



● إن الوضع الذي تمت فيه تسمية حاكم لإقليم دون إحكام العلاقة مع المركز بقانون جعل من هذا المشهد أكثر فوضوية على صعيد الداخل والعلاقات الخارجية، وهناك من يدفع الحاكم للتعامل باستقلالية تامة عن السودان في ملف العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وربما لم يقرأ هؤلاء تجربة جنوب السودان التي قادت لاحقا للإنفصال، وعدم اعتماد قانون يحدد هذه العلاقة مع الحكومة الاتحادية سيجعل من هذه التصرفات المحفزة للإنفصال أمرا واقعا.

● ولو أن حاكم النيل الأزرق لم يكن يرأسه شخص في التنظيم والحركة لحذا ذات الحذو، وله أيضا اتصالات بأقاليم إثيوبية مجاورة وصلت لدرجة التنسيق التجاري والسياسي والأمني، إذا ما نحتاجه ليس الإلهاء بأن فلان وعلان يتحركون دون ضابط أو رابط، الواجب هو وضع المبضع على الجرح بأن كل الوضع والقائمين عليه منظومة إنقلابية تحركها أجندة ذاتية وميكافلية رديئة تستوجب إنهاء هذا الوضع العبثي في السودان وأقاليمه المختلفة



(٤)

● وأشد تلك التسريبات والشائعات هي ما راج عن عودة د. حمدوك لتولي منصب قيل أنه رئيس مجلس السيادة تارة وأخرى عودته رئيسا لمجلس الوزراء، وهو دون أدنى شك من السودانيين المهنيبن المحترمين القلائل وقد حظي بتأييد شعبي لم يلقه حتى الرؤساء المنتخبين في فترات الديمقراطية، وبدأ هذا التأييد يتآكل في نهاية العام الأول للفترة الانتقالية وهو ما قاد لتغيير حكومته الأولى.



 ● وظل دأب د. حمدوك مخاطبة العواطف والانحناء للعواصف لا مواجهتها وله في ذلك فلسفته وتقديراته، ولكنه تخلى في فترة من الفترات عن حاضنته التي أتت به وكذلك تنازل عن أهم أعمدة حكومته وأخص بالذكر د. البدوي، وسهل تغلغل نافذين من رجال أعمال وساسة لهم ارتباطاتهم ومصالحهم للتغلغل في محيطه ومكتبه واستمالوا قراره.



● كما أنه تهيب استصدار قرارات كان من شأنها انعاش الاقتصاد واحتكار المال في يد الحكومة وذلك باسترداد كافة الشركات الرمادية لولاية حكومته، الأمر الذي جعل العسكر يهيمنون على الاقتصاد ويتحكمون في مفاصله، كما ان بطء تفاعله مع قضايا العدالة والشهداء وتفكيك التمكين مثل نقطة محرجة له، أما الموقف الفارق بينه وبين التأييد الشعبي يوم أن خرج من إقامته الجبرية بعد إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م منها إلى القصر ليوقع اتفاق الإذعان لقرارات القائد العام للقوات المسلحة، والذي في رأيي أن حمدوك قد تم تضليله وحجبه من المعلومات الحقيقية.



● وقد تم زجه في محرقة ذلك الإتفاق المؤسس على قرارات الإنقلاب ما جعله مقيدا في بحر (باطل) متلاطم الأمواج، وبعد أن جرده الإنقلاب من تأييده الشعبي وحل حكومته الثانية ووزرائه واعتقلهم وسجن مستشاريه، وبطش الانقلاب ونكل وسحل واغتصب مؤيديه، فقبل أن يسمحوا له بالذهاب لتعزية رمزية لأسر الشهداء، ورطوه في حفل القصر الذي أنتهى باستقالته، لذلك لا تجد عودته حماسة تذكر، وبخروجه من العملية السياسية وصمته طوال هذه الفترة عما ارتكب من فظائع عزز عزلته من الجماهير ورضا الشعب.


● الختام: الآن البحث ليس عن (عودة حمدوك) وإنما عودة منظومة سياسية وحوكمة راشدة ذات مصداقية تحقق كفالة الحريات ومؤسسات حقوقية وإنسانية وتنموية متكاملة تحكمها أسس دستورية جديدة ببرنامج محدد تنفذه شخصية مهنية كفوءة مستقلة توصل هذا الشعب إلى انتخابات حرة ونزيهة.

عروة الصادق

١٠. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com

السبت، 8 أكتوبر 2022

حركة الأصل والحركات

حركة الأصل والحركات

● أسواق المبادرات السياسية ستتسارع خطاها، خصوصا وأن هنالك جهات داخلية وخارجية تسعى لإرباك المشهد السياسي وإغراقه بالمبادرات وإحداث حالة سيولة سياسية وقطع الطريق أمام ما يمكن أن تتمخض عنه الرباعية أو الثلاثية، باعتبار أن هناك دول ليس لها نفوذ في الوساطتين تريد أن توجد لها موطيء قدم عبر مبادرات ترعاها أجهزة مخابراتها أو الاستعانة بحركات لم تجد موطيء قدم في عدد من المبادرات الداخلية ولم تحظ بمقلبولية من الشارع وتنسيقيات لجان المقاومة ولم تلق اعترافا من الحرية والتغيير باعتبارهم سدنة الانقلاب.



● إن قيادة الحركات المسلحة تعيش حالة سياسية خاصة، أشبه بالاضطراب والاهتزاز السياسي، فبعد تورطهم في إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، ظنوا أنهم سيمثلون الحاضنة الرئيسية للانقلاب، ولكن البرهان استعاض عنهم بغيرهم من فلول النظام السابق وحلفائه وواجهاته وجماعاته الإخوانبة ومكنهم من دولاب الحكومة، وأضحوا جميعهم محاصرون بسخط جماهيرهم، وفي نزاع بين الانضمام للثورة والمناداة بإسقاط الدكتاتورية التي تسببوا في استجلابها، وما بين مخادعة النظام والاستمرار في تأييد قرارات البطش والتنكيل.



الحالة التي تتلبس قيادات الحركات أشبه بما تملك البشير في آخر أيامه، فنحن نشهد تحركات داخلية وخارجية بغية الحصول على تأييد ودعم من الداخل والخارج، وهو ما لم يتمكنوا في الحصول عليه، وكل يوم يمضي يجدون أنفسهم ضمن قوائم التورط في جرائم الإنقلاب، فلم ينجزوا ملفات السلام ولم يوفروا الاستقرار ولا لجنودهم المهمات والطعام، وهناك ما يمكن تسميته بالتمرد المكتوم في معسكرات دارفور وفي قلب الخرطوم، وهو ما دفع حاكم الإقليم لأن يهرع لقطر ويصرح اليوم بضرورة دعم الأسرة الدولية له ولحكومته إلا أنه يعلم عليم اليقين أنه قطع طريق الدعم بتآمره على السلطة الانتقالية وتمرده على قراراتها.



● وهم الآن يبحثون عن موطيء قدم وسبيل لاعتمادهم ضمن تشكيل الحكومة القادمة، بصورة تضمن عدم المساس أو فتح وتعديل اتفاق سلام جوبا، لاعتقادهم أن الحرية والتغيير تريد تجريدهم من تلك المكاسب، ولعدم مقبولية مبادرة الطيب الجد، لذلك لجأوا لسحب الاتحادي الأصل لجانبهم بإيعاز من المخابرات المصرية وظنهم أنه كتلة مرجحة وتمثل ثقلا سياسيا وتارخيا الأمر الذي سيمكنهم من إعلان حكومة.




● وقد وجد جعفر الميرغني ضالته للظهور في منصة ظنا منه أنها ستعيد له بريقا أفل بسقوطه مع المخلوع، وهو دأب المساعدين والمستشارين والفلول والسدنة، يظنون أنهم يحسنون صنعا، تدفعهم أيادي خارجية ليشتركوا في هذا النشاط ويعلنوا وقوفهم معه، لينقلبوا عليه قبل بزوغ الفجر وينحازوا إلى غيره، لم يستطيعوا أن يمضوا في وحدتهم التي أعلنوها في سبتمر ٢٠٢١م، ولم يواصلوا في تنسيقية التيار الاتحادي، وتقافزوا من مبادرة الجد إلى أن أنكروها، وذهبوا لدار المحامين فتنكروا لها، وهاهو جعفر الميرغني يوقع إعلانا سياسيا مغايرا للضفة التي يجلس فيها جمهرة ممالئيه من التيار الاتحادي الذي يساند مبادرة الجد.



● انتهجت الحركات المسلحة نهج الترغيب والهتاف التخديري للاتحادي الأصل يخطط لهم في ذلك مجندوا صلاح عبد الله (قوش) ومارسوا أيضا الوعيد والترهيب في آخر ندواتهم، ومعلوم أن التهديد والوعيد فهو حيلة العاجز، ولقد رجوناهم مرارا وتكرارا بالتراحع عن تأييد الإنقلاب، ونبهناهم لأن الأمر سينعكس عليهم في تنظيماتهم، وحركاتهم، وأقاليمهم، ولكن للأسف صموا آذانهم وأعموا أعينهم، والآن حملات مناهضة الانقلاب والاضرابات تتحرك ضدهم بشدة وستزداد مقبل الأيام وصولا للعصيان المدني الشامل الذي سينتظم كل أركان السودان، ما تمارسه الحركات وقياداتها ووزرائها في الحكومة الآن بمثابة إعلان حرب على الشعب، لأن الحرب أولها كلام.



● كما انتهجوا نهج الجيوش المتحركة داخل المدن، وظهر ذلك في أنشطتهم الأخيرة للدرجة التى صار بعضهم لا يتحرك إلا في مواكب مدججة ومحصنة، وأقول إن الحراسات تظهر درجة التخوف التي تعتري تلك القيادات، فبعضهم إلى الآن لم يستطع زيارة دارفور، وهو ما يعني أن هناك مخاوف غير طبيعية ومهددة لأمن القيادات، وقد رأينا كيف كان قادة الانقلاب من جيش ودعم سريع يتحركون في مواكب مدججة بالأسلحة لمقابلة مدنيين عزل، وهو أمر مستفز للجماهير، التي تقابل قادة الدولة بالأيدي البيضاء والحناجر، وهو الأمر الذي لا يستدعي كل هذا الاستفزاز، وهذه التحركات تعني أن أشواقنا المدنية في تراجع وأن هذه الحركات سيتعذر انتقالها لأحزاب مدنية وعدم مقدرتها لتقبل الآخر.




● ختاما: ما لم يتعلمه الرفاق في الحركات المساحة أن هذا الشعب ما عادت تخيفه سياط جلاد أو بنادق عسكر أو سياسات إخضاع، وأن هذا الشعب هو الذي فتح الباب مشرعا لدخولهم بصالة كبار الزوار ولولاه لكان بعضهم إلى الآن موثوق الحبال في الطائرة معلقا منبوذا بين جوبا والخرطوم، عليهم أن يعيدوا الكرة مرة ومرتين ويراجعوا ما اقترفوه من ذنب في سنتهم المنصرمة وما ولغوا فيه من دماء، وألا يتواروا خلف دعاوي التهميش والعنصرية التي صارت مهماز الابتزاز وعصا المظلومية التي ترفع كلما قيل لهم أنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم عجل الانقلاب، وشاركتم في قطع الطريق أمام الانتقال وجئتم جرما عظيما.


عروة الصادق

٨. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com

الثلاثاء، 4 أكتوبر 2022

حاكم عام السودان الجديد

حاكم عام السودان الجديد

مقال رأي بقلم: عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com


● اللهث للبحث عن الاستقرار في السودان ليس لأن العالم يرغب في تحقيق طموحات وتطلعات الشعب السوداني وليس لإن قيمة السلم الأمن في المنطقة الإفريقية تعني الكثير،  ولو كان ذلك كذلك لما سمحت دول الجوار العربي والإفريقي والإقليم والمحيط الدولي والأمم المتحدة باستمرار هذا الانقلاب العسكرى في السودان لمدة عام كامل راح ضحيته المئات من الشهداء والآلاف من النازحين والمصابين والهاربين، ولما سمحت تلك الأمم بالتضحية بكرامة الإنسان السوداني على مذابح معابد العسكر والسدنة، فتقدم دماء السودانيين قربانا للمصالح الاستراتيجية لبعض الدول ذات الأطماع المعلومة في السودان.



● ظل استقلال السودان منذ يناير ١٨٨٥م، وهزيمة الجنرال شارلس غردون وجيش الخديوية المصرية والاجهاز على حملة الإنقاذ الأنجلومصرية، غصة متوارثة في حلق الساسة ورجال الدولة في مصر، إذ أن ذلك الأمر قطع الطريق أمام تنصيب حاكم عام للسودان تحت الخديوية (التوفيقية) معمد من (الباب العالي) في اسطنبول، ويأتمر بأمر (جلاديستون)، فعندما اصطحب الجنرالان غردون باشا وجراهام الأمير عبد الشكور وحاشيته وجواريه وعبيده لتنصيبه حاكما عاما في السودان هرب منهما فور وصوله إلى أسوان وقفل إلى القاهرة.



● تكررت المحاولة عندما طلب غردون من ولسلي إرسال الزبير باشا الموضوع في الإقامة الجبرية بمصر ليكون حاكما عاما على السودان، واستمرت المحاولات حتى حملة استعادة السودان التي قادها كتشنر، واستجلب معه حاكما وطاقم حكومة أنجلومصرية يخدمها سودانيون ارتضوا الارتهان للأجنبي والخنوع للاستعمار وقتال بني جلدتهم والتأمر عليهم وممارسة الجوسسة لصالح تلك الدول.



● وعادت الكرة مرة أخرى حينما أعلن السودانيون الاستقلال في ١٩٥٥م من داخل البرلمان، وحينما قرر الإنجليز الجلاء، نشطت مصر في ترميز حاكم عام يخدم مصالحها بعد فشل محاولاتهم بترجيح كفة الاتحاد مع مصر، ولم تستتب الأمور بعد الاستقلال لسنوات حتى حاولت مصر الإجهاز على الحكومة الاستقلالية بالتآمر مع بعض الأحزاب السودانية، وهو ما قاد لتسليم الأميرلاي عبد الله خليل السلطة للجنرال إبراهيم عبود في ١٩٥٧م.




● وهكذا استمر الأمر في محاولات تنصيب حاكم عام سوداني مرتهن للقرار المصري، لأن مصر الناصرية دعمت الإنقلاب على الحكومة الديمقراطية في ١٩٦٩م، وشاركت طائراتها في ضرب المدنيين وإبادتهم في الجزيرة أبا، وألحقت الخراب بالنظام السياسي والإداري والمنظومة الاجتماعية وبدأت رحلة غرق السودان في الدين الخارجي.


● استعاد السودانيون بعد ١٦ سنة عجاف سلطتهم بانتفاضة رجب إبريل ١٩٨٥م وحققوا ممارسة ديمقراطية وكونوا حكومة وطنية انفتحت نحو العالم، وبدأت في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو وخفض التضخم، وكان مقررا أن تعقد مؤتمرا للسلام الشامل في سبتمبر ١٩٨٩م، قطع الطريق أمامه إنقلاب الجبهة الإسلامية في يونيو من نفس العام وأول من أيده الحكومة المصرية ومنحته الدعم الدبلوماسي وحشدت له التأييد وروجت له إعلاميا.



● مضت ثلاثة عقود مرة على الشعب السوداني ذاق فيها الأمرين وضحى فيها بمليوني نفس في جنوب السودان، و٣٠٠ ألف في غرب السودان وعشرات الآلاف في النيل الأزرق وكردفان وبقية أقاليمه، وهجر الوطن نزوحا ولجوءا واغترابا حوالي ٦ ملايين، إلا أن ذلك دفع السودانيين لنهوض كالعنقاء من الركام وهندسة ثورة جديدة في ٢٠١٩م، لم يفلح الباب العالي في تنصيب حاكم عام عليها، فأوعز  جنرالات مصر لقرنائهم السودانيين بالإنقلاب على الثورة في أكتوبر ٢٠٢١م، قطعوا بذلك ما هو معلوم ومبين من مكتسبات اقتصادية وتنمية ودبلوماسية واستقرار سياسي وأمني كتبت عنه في مواضع أخرى.




● بعدها آوت القاهرة والباب العالي في اسطنبول كل منبوذي وطرداء الثورة السودانية، وبدأت رحلة الإعداد الخديوية العثمانية لاستعادة سواكن وطوكر وسنكات، تسابقها أشواق القاهرة في تنصيب الحاكم العام الذي أخر الحراك الجماهيري المستمر لمدة عام تنصيبه في الخرطوم، واختارت القاهرة أن تسبق الجميع بإرسال (إيلا) للسودان ولكن هذه المرة للشرق وليس للخرطوم.



● ظلت القاهرة على الدوام تقدم مصالحها على مصالح شعبها الجار، ساندت عبود ليغرق لها أهل حلفا ويهجرهم لتنشيء السد العالي، ودعمت النميري لتنال نفوذا سياسيا في المنطقة وتقود السودان ليجر لها إفريقيا، ودعمت الإنقاذ لتسكت لها عن حلايب، وأوعزت للبرهان وزمرته بالإنقلاب على سلطتها ليقفذ احتياطيها من الذهب من ٧٠٠ و٩٠٠ كليوجرام في (٢٠١٧- ٢٠٢١) ليقفز إلى (٤٤) طن بعد سبعة أشهر من إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، وتقطع الطريق أمام تصدير حصاد مليون فدان من القطن، وموسم زراعي ناجح كان مقررا له أن يوفر للسودان ما يفوق ٣.٥ مليار دولار.



● ووضعت مصر عبر منتدبيها (الجندرمة الجدد) أسطولا جويا وقوات خاصة تحت مسميات مختلفة أشهرها مناورات حماة النيل التي انتهت ولم تعد قواتها إلى قواعدها في مصر واختارت من مطار مروي قاعدة مصرية خالصة، تهيئة لتنصيب الحاكم العام، ويريد الروس قطع الطريق أمام الجميع بإقامة القاعدة البحرية في بورتسودان جوار قاعدة أردوغان المحتملة في سواكن، فيما يحاول الأمريكان تقديم حاكم عام بصورة ناعمة وهادئة بإدخالهم عدد من العناصر منهم مرشح لرئيس منصب الوزراء للخرطوم في الأسبوع المنصرم.



● كل هذا دافعه أن مصر ليس لها نفوذ في الآلية الثلاثية التي بدأت الوساطة بين الفرقاء السودانيين، وكذلك لم تجد القاهرة اهتماما ممن كونوا الرباعية ولم يعيروها بالا، فاختارت خلط الأوراق بقرارات أملتها عليهم استشارات أمنية فاشلة أوردت البشير إلى سجن كوبر الاتحادي، وحتما ستصطدم محاولات التحكم في القرار السوداني بحائط الصد الشعبي الذي يتواصل مده ومعلوم أن من وسائله ليس حصار الخرطوم فقط بل حصار كل العواصم التي تحاول ابتزاز وامتصاص موارد الشعب السوداني واغتصاب إرادته.



● ختاما: سينصب الحاكم العام للسودان سواء كان من الباب العالي أو من القاهرة، ما لم تلغ الأطماع السياسية و الاقتصادية ونزغ النفوذ اللمستحكم في بعض الأفراد و الجماعات  والأحزاب السياسية، وهنا يأتي دور الساسة الوطنيين الذين لا يتلقون توجيهاتهم من أي عاصمة من العواصم، ولم يتم تلطيخ أياديهم بدماء الشعب السوداني أو دخلت أياديهم أموال أجنبية قدرة.



• لنخرج جميعنا من سياسيات الإلهاء التي يمارسها بيادق وسدنة الإنقلاب من استقطابات حادة، ونزعات عنصرية بغيضة ودعاوي إنفصالية تدعمها أجهزة مخابرات تلك الدول، كما ينبغي التخلص من أي ارتباط برأسماليين هربوا ثروات البلاد ورهنوا قرارهم لتلك الدول يريدون لعب دور الوسيط التفاوضي والداعم للحراك الثوري.



• وحدة هذا الشعب في كل مراحله التاريخية هزمت الغزاة المستعمرين وأسقطت الطغاة المستبدبن، ومتى ما توحد الشعب حقق ذلك مرة تلو أخرى، وقطع الطريق أمام تنصيب حاكم عام تعمده دول أخرى وتعتمده أجهزة مخابراتها، لتقتاه إلى مستنقع حرب عالمية، أو يسهل لها تهريب ثروات البلاد لتنعم بها تلك الدول، او يرهن قرارها الدولي في أحلاف ومحاور تضر بمصلحة السودان وتتخذ من دماء جنوده قرابين حروب عبثية.



• سيظل هذا التسابق لتنصيب حاكم عام محموما وفي الأيام القادمة ستتدخل قطر بصورة أكثر وضوحا من ذي قبل إلا أنها ستكون ناعمة وتتخذ من العمل الدبلوماسي والقوة الإعلامية عوامل تحفيز ومقبولية للحاكم العام الجديد، فيما ستناور جماعات سلام جوبا بطرح مرشحيها لرئاسة الوزراء، ومحاولة استمالة المحيط الدولي أو قوى القرار لإقناعهم بجدواهم، وكلما اتجهت جهة لإرسال مبعوثيها سرا أو علنا للسودان سترسل مصر كروتها التي تحتفظ بها، فإذا أرسلت صلاح قوش سيرسل إخوان تركيا محمد عطا المولى، وفي تلك الأثناء سيستمر الجدول الثوري الأكتوبري المفصلي، وستنشط خطوات التحضير لإكمال الإنقلاب الإخواني قطعا للطريق أمام أي تسوية لا تستوعبهم أو تجهض إنقلاب البرهان.