الأربعاء، 26 أكتوبر 2022

سيناريوهات (طبيعية) و (اصطناعية) لمحتملات الأزمة السودانية

سيناريوهات (طبيعية) و (اصطناعية) لمحتملات الأزمة السودانية



• بعد مواكب الخامس والعشرين من أكتوبر، اتضح جليا للعالم قبل السودانيين أنفسهم استحالة حكم السودان عسكريا، أو قمعه دكتاتوريا، أو تحقيق عكس رغباته في الحرية والديمقراطية والعدالة والعيش الكريم والسلم والأمن المستدامين، ورأيت أن أجهر بأفكاري حول السيناريوهات المحتملة (طبيعيا) و (اصطناعيا)، وما ترسمه دوائر القرار السياسي في السودان وأجهزة دول وإقليم، وأضع هذه المساهمة بين يدي القاريء الكريم، وأولئك الذين يتحكمون في القرار السودان، ومن يراقبون الوضع من الداخل والخارج، على أن يكون هذا الصوت ضمن صرخات الملايين الذين يريدون إيقاف شلالات الدم والدموع، وإنهاء حقبة الفجيعة التي تواصلت منذ اندلاع الإنقلاب في يومه الأول إلى ذكره السنوية بقتل الشهداء قاسم ومدثر وإخوانهم.



• التصور الماثل طبيعيا هو أننا نعيش حالة اضطراب استراتيجي في العقل والتكتيكات والممارسات والقرارات وردود الأفعال، وانقسمت الساحة السياسية لثلاثة تيارات هي: "تيار مناهض للإنقلاب يعمل على اسقاطه بالضغط الشعبي والعملية السياسية للحل الشامل، والضغط الدولي، وتيار آخر راديكالي جذري لا يملك آليات ولا أدوات الجذرية، وتيار أخير وهو حاضنة الإنقلاب وحلفائه والسدنة والفلول والفاسدين"، وكل واحد من هذه التيارات يرسم سيناريوهاته.


• أبدأ التيار الراديكالي الجذري وهو منقسم على نفسه يخطب بعضه ود التنسيقيات المقاومة والقوى الثورية ويحاول استصحابها في رؤيته الجذرية، وبعضه الآخر يجتهد ليثبت صحة وجهة نظهر بدون كتابة أجندة موضوعية ومشروع جديد وهؤلاء يرجحون أن تحدث عملية راديكالية أشبه بمجزرة بيت الضيافة في السبعينيات وحراك ضباط رمضان في التسعينيات بالقضاء على كافة قادة الإنقلاب، وهو سيناريو حالم ودام لا يملك أحد في السودان المقدرة على تحمل تبعاته.


• أما حاضنة الإنقلاب فهؤلاء بدأوا التجمع من جديد بصورة طبيعية واصطناعية لتوسعة تحالفهم ليشمل كل سواقط النظام البائد ووزرائه ومستشاريه والسدنة والتنظيمات الإخوانية ليضعوا العقبات والمتاريس أمام الحل السياسي الشامل الذي بدأت ملامحه في الاتضاح، وهؤلاء خياراتهم محدودة، وتتمثل في التحشيد القبلي والجهوي والموجه بغرض ابتزاز السلطة وخلط الأوراق السياسية، ويمهدون بصورة واضحة لعملية إنقلاب إخواني كامل بصورة أقبح وأفضح من إنقلابي 1989م و أكتوبر 2021م، تساندهم في ذلك بعض الدول في الخفاء وتوفر لهم المؤسسة العسكرية التمويل والحماية وفتح المسارات وتأمين الإجتماعات وسهولة الحركة.


• أما تيار الحل السياسي الشامل والعملية السياسية التي اصطلح على تسميتها (تسوية) فأمامه سيناروهين موضوعيين لا ثالث لهما وهما: "الأول: إذعان السلطة الإنقلابية باشتراطات هذا التيار والتزامها بأسسه الدستورية الجديدة وتسليمهم الحكم لسلطة مدنية كاملة، أو الثاني: المضي في مواجهة رفض الإنقلاب لخيارات الحل السياسي الشامل وفتح الباب لسيناريوهات الفوضى (الاصطناعية) التي يبشر بها العقيد "الحوري" (هناك جهات تسعى لحرق البلاد)، وتهديدات الشرطة (جماعات مسلحة ومدربة هي التي تقود التظاهر)، وحديث الدعم السريع (عن دخول جماعات إرهابية للبلاد)، ومكاء الأخ أردول وجماعته تهديدا ووعيدا بالدماء والدك.



• كل هذا يمهد للسيناريو الذي يتحالف تماما مع توجه تيار السدنة والإخوان وهو التهديد بشلالات الدماء والعودة إلى الحرب، فالجماعات الإرهابية تم إطلاق حواضنها السياسية وفتحت المنابر لمن بايعوا البغدادي وتنظيم الدولة الإسلامية، لذلك من العقل والحكمة استسلام قيادة الإنقلاب بعد إقرارهم بالفشل الذي ارتكبوا فظائعه في عام هم وحلفاءهم ليخلصوا البلاد من سيناريوهات أسوأ مما ذكرت.


• إن غياب الإرادة السياسة سيجعل من تحقيق سيناريو الإنتقال المدني أمرا مستحيلا وسيفتح الباب لأن تدفع البلاد تكاليف باهظة لسيناريوهات أكثر فظاعة وأشد إيلاما من سيناريوهات دامية شهدتها المنطقة ومحيطنا العربي والإقليمي ، وهو الأمر الذي ينبغي أن تتحمل القوى السياسية تكلفته السياسية وتهيء نفسها لمستقبل سيمثل بالنسبة لهم إما بداية سياسية مرحب بها أو نهاية تمحو أثرهم من الوجود.


• ولن يتثى ذلك إلا بالانتحاء لا الانحناء للسيناريوها الإيجابية التي تقطع الطريق أمام كافة السيناريوهات السلبية، وبالضرورة أن يتفق الجميع على ضرورة الخروج بالبلاد والنهوض بها عبر عقد اجتماعي جديد يوافق فيه الجميع على فترة انتقالية تدار بواسطة كفاءات مدنية مستقلة تحقق شعارات الثورة (حرية، سلام ، عدالة)، وأن تتم قيادة البلاد بواسطة حكومة مدنية تتقبلها كافة قطاعات الشعب السوداني، وتمهد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة تتنافس فيها الأحزاب السياسية والحركات المسلحةحال تحولت إلى أجسام مدنية.



• ومن شأن هذا السيناريو ضمان الانتقال السلس، وفتح الباب لاستئناف التواصل السوداني مع العالم وعقد فعاليات ومؤتمرات من شأنها استيعاب آراء كافة السودانيين في مرحلة ما، على رأسها المؤتمر الدستوري الذي يحدد ملامح الدستور الدائم للبلاد ويضعه أمام منضدة الشعب السوداني ليستفتى حوله.



• وفي هذا نجد أن دعما لا محدودا قد قدم وأبدت حكومات عدد من الدول تأييدها له كألترويكا واليابان ودول الخليج والاتحاد الأوروبي وأشاروا لاستعدادهم لتوفير أقصى درجات الدعم للاسهام في استقرار البلاد وتوفير الاسناد المطلوب للنهوض التنموي والاقتصادي والتأهيل والتدريب في كافة المجالات الإنسانية والحياتية.



• هذا الأمر ينبغي علينا رسمه في سياسات وطنية عبر التحاور المشترك، ومحاولة استيعاب كافة المؤمنين بالتغيير والحل السياسي الشامل، لجعل هذا السيناريو أمرا واقعا، وأن يشترك الجميع في برانامج الحكومة الانتقالية لتحقيق السلام المستدام والتحول الديمقراطي والتخطيط لتنمية ورفاهية المواطن وتحقيق العدالة الجنائية والانتقالية والتمهيد لمثول أو تسليم المتهمين في جرائم دارفور للمحكمة الجنائية الدولية.



• وكذلك يتطلب الأمر الحضور الفعلي والفعال لمؤسسات المحيط الإفريقي والعربي والأمم المتحدة للإسهام بصورة فعالة في الدفع نحو سيناريو النجاة لإحداث تسوية سياسية شاملة تبريء الجراح وتنقذ السودان، وهو ما يعني أن يتضاعف جهد وعمل الأصدقاء في المحيط العربي والإفريقي وفي البعثة الدولية وألترويكا للإسناد السياسي والدعم الدبلوماسي والضغط على السلطات العسكرية في السودان للمثول إلى خيار نجاة الوطن.



• لا يمكن توقع تخريب أكثر مما حدث في النيل الأزرق، وغرب دارفور، وما يحدث بصورة يومية في مختلف مدن السودان، حديث قيادة الدعم السريع مقروءا مع تصريحات العقيد الحوري، توضح أن عقد أمن البلاد يتجه نحو الإنفراط، وهذا التوجه يتم بصورة منظمة وتخاذل للقوات النظامية وتواطوء في كثير من الأحيان.



• ولكن في حال فشلنا في انتشال بلادنا لن يكون من المستبعد اصطناع وتفعيل نشاط حركات إرهابية في البلاد،أقول "نشاط" وليس دخول لأن النظام البائد كان يوفر حواضن ومقار آمنة وفرص حياة في السودان ووثائق ثبوتية بعضها خاص ودبلوماسي لقادة هذه الجماعات، وأذكر منها غير التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي هيمن على مفاصل الدولة ومؤسساته، الجماعات الإرهابية الآتية:

1. جماعة بوكو حرام: فمنذ نشأتها في ميدوجوري عام 200م التحق بها عدد كبير من الخريجين والمثقفين النيجيرين الذين تخرجوا من جامعات سودانية كجامعة إفريقيا العالمية والتي اتخذوا منها منصة تجنيد نشطة تؤي عدد مقدر من منسوبي الجماعة ومرابطي الحركة الإخوانية والذين كانت تتم الإستعانة بهم في تأمين عدد من المرافق الاستراتيجية كسلطة الطيران المدني وغيرها من المؤسسات الحساسة.

2. حركة أنصار الدين: والتي نشطت بعد سقوط نظام العقيد القذافي والتي بدأت نشاطها مع قيادة تنظيم الحركة الإخوانية في السودان وتحديدا مع علي عثمان محمد طه، ووفر لها جسور الإعانات والإمداد والتواصل، وهيأ لبعض قياداتها حواضن آمنة في الخرطوم.

3. حركة الجهاد والتوحيد في غرب أفريقيا: منذ العام 2011م تنشط في غرب إفريقيا وإلى اليوم تتحرك بصورة نشطة، وحفز نشاطها التحركات المتضادة الفرنسية الروسية، والتي تمددت حتى الجارة تشاد وهو ما يجعل إحتمال دخولها إلى السودان من حدوده الغربية أمرا واردا.

4. القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي: هؤلاء لهم اتصالات مع جماعات سلفية في السودان وحوارات سرية، وبعض مساجد هذه الجماعات استضافت عدد منهم في الخرطوم وينشط بعضهم في جماعات واتساب وتلجرام تحت أسماء مختلفة (كأهم خبار العالم وسلاسل علمية والقدس وغيرها)، وهؤلاء لا يخفون رغبتهم في استئناف نشاطهم في المنطقة ككل.

5. حركة شباب المجاهدين في الصومال: لها ارتباطات وثيقة ووشائج صلة بشيوخ ومراكز دينية كانت تفوج لهم المقاتلين من الخرطوم، ومنهم من قتل في الصومال ولم يعد، ومن المؤكد أن لهم وجود خفي في السودان خصوصا أن أهم مشائخهم هربوا إلى تركيا بعد الثورة في 2019م ولم يعودوا بعد.

6. جماعة الإخوان المصرية: وهؤلاء تمت استضافتهم بصورة كبيرة هم وأسرهم وتم توزيعهم في أماكن مختلفة وتوفير مشاريع استثمارية صناعية وزراعية، إلا أنه وفي أيام البشير الأخيرة تم تفوجيهم إلى تركيا بواسطة مدير جهاز الأمن والمخابرات وقتذاك محمد عطا المولى ليقطع الطريق أمام صلاح عبد الله قوش ويسلم جزء كبير منهم للسلطات المصرية، وقد شاهدت أحد المعتقلين معنا في يناير 2018م بعد تسليمه للسلطات المصرية بأنه قتل وهو يقاوم الاعتقال في سيناء،وهؤلاء آثر كثيرون منهم السلامة وحاولوا الهروب من السودان بعد الثورة، ولكن الآن هناك طمأنة لهم من قبل المنظومة الخفية للإخوان التي عادت للسلطة بواسطة الإنقلاب.


• ختاما: من المؤكد أن جميع هذه الحركات تتخذ من تواجد البعثة الأممية والتدخلات الدولية لا سيما الغربية مبررا للنشاط في السودان، وخصوصا بعد تسمية الولايات المتحدة الأمريكية لسفير في السودان، ورسائل التهديد المبطنة التي يطلقها من في السلطة من عسكر وأمن ودعم سريع ليست عفوية أو عشوائية وإنما تدسها أذرع الإخوان الأمنية في بيانات تلك المؤسسات بعناية فائقة لتهديد الأسرة الدولية وإيصال رسالة مفادها إما أن نكون جزء من اللعبة في السودان أو أن نحرق السودان والقرن الفريقي ونحدث إضطرابات لا حصر لها في البحر الأحمر والقارة الإفريقية تمتد ألسنتها وهجرتها إلى أوروبا، وفي ذلك لن يستنكف هؤلاء بالإستقواء بروسيا الرسمية أو جماعاتها الأمنية كفاغنر وغيرها.

• وهذا ما يمكن تسميته بنمذجة اصطناعية تفلح فيها أجهزة المخابرات وستكون تحويلية للصراع من كونه سياسي سلمي مدني، لانفجارات مستعرة ومفتعلة، وحروب أهلية وتطهير عرقي وصراعات دينية، ويستند هذا التصور كليا إلى سيناريو تحالف كتل جذرية "راديكالية" مع كتل "إخوانية" و"فلول" النظام البائد و"جماعات مسلحة"، بوعي أو دون وعي ترى في انتقال السلطة المدنية إلى الشعب انتقاص لمكاسبها، وجميعهم أضحوا يبشرون بـ (نموذج الانفجارات التدميرية) وتتطابق أقوالهم وتوجهاتهم، وهو الأمر الذي يضعنا أمام إلتزام تاريخي بتكرار النصح الأخير لأصدقاء الأمس بأن هذا الحريق سيمتد إلى دياركم وسيهدم المعبد على رؤوسكم ولن يتضرر السودان ولا السودانيون أكثر منكم فارعووا وعوا.

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2022

بيان الشرطة السودانية والجماعات الإرهابية

بيان الشرطة السودانية والجماعات الإرهابية


• بيان الشرطة السودانية إذا تبنته وزارة الداخلية وحكومة الإنقلاب فهو بمثابة إعلان حرب على المدنيين العزل وتبرير للقمع والقتل والسحل والتعذيب، واستحلال لدماء المحتجين، وسير على ذات الطريقة (القوشية)، بالتدريج لأكاذيب خلايا إرهابية من حركات دارفور، وغدا ستعود قصة الفتاة التي تحمل بندقية موريس في حقيبتها وغيرها من أحابيل العهد المقبور، والذي يحاول عناصره المبعثرون من قبور النظام البائد إحياء خططته وخطاباته على طريقة (نسخ ولصق).



• إن بيان الشرطة نسخة من تقرير تم إرساله بإشارة عاجلة من القوات الميدانية التي تعاملت مع المتظاهرين وقتلت الشهيد قاسم دهس ليلحق بالخالدين في علياء رب العالمين، والذي لم يكلف إعلام الشرطة نفسه الترحم عليه كونه مواطنا سودانيا بإعادة الصياغة حتى، ولم يقم سوى بإضافة بعض الكلمات المغلظة والمفخخة، على شاكلة (تشكيلات عسكرية مساحة)، و (تنظيمات غير مشروعة)، (تحت تأثير المخدر) لتصوير مدى التخدير الذي ينتشر وسط هؤلاء الجماهير (المغيبون)، و(زعزعة الأمن) وغيره من الترهات، كحماية المدنيين والممتلكات، وهناك أكثر من 10 آلاف بلاغ نهب وسلب في العاصمة مقيدة ضد مجهول وبعضها تم تصويرها متورط فيها نظاميين أو ببطاقات نظامية.



• حشر البيان في طياته من أسماهم بالمراقبين والمستشارين المنتدبيبن من النائب العام ووزارة العدل، وهو ما يعني أن المسؤلية من انتهاكات اليوم تقع على عاتق وزارة العدل والنيابة العامة، وأن ما حدث اليوم من تعامل باشتراك إن لم يكن بتوجيه من هؤلاء "المراقبين"، وهو ما يستوجب استصدار بيانات من هذه المؤسسات تؤكد أو تنفي اشتراكها الجنائي في جريمة مواكب الخامس والعشرين من أكتوبر. 



• طفق البيان الكذوب يعدد ويصف مجاميع الشباب بالشكل واللون ولم يتبق له إلا أن يذكر رتبهم العسكرية، فعدد من الألوان ما عدد، ونسي ألوانا رئيسية هي الأخضر والأبيض من ألوان أعلام السودان الزاهية العالية الخفاقة التي تفوق جمالا ونضارا تلك المعلقة على سواري القيادة العامة والقصر الجمهوري ومقار الشرطة لأنه مخضوبة بدماء الأكارم من أبناء الشعب السوداني.



• ما صدق فيه البيان أن هذه المجموعات الشبابية التي أطلق عليها (قوات) مدربون، نعم! هم مدربون على الهمة والعزيمة والإنضباط لأنهم ومنذ 2018م وهم لم يتخلفوا من توقيتاتهم (١:٠٠م)، أو يخالفوا عهدهم لمن قضى منهم ومن ينتظر وما بدلوا تبديلا، نعم! هم مدربون على حماية بعضهم البعض وعدم التولي وترك مصابيهم خلفهم، ويرفعون مصابي القوات النظامية ويرددون: "نحن إخوانك يا بليد"، ولا زالوا يحددون مساراتهم ونقاط تجمعهم بذات الشجاعة.



• نعم! هم مدربون ومبتكرون لوسائل الحماية التي استوجبها التصدي للقمع، قطعوا البراميل البلاستيكية وحملوا شبابيك الخشب ليصنعوا درقات تحميهم مقذوف الأوبلن والرصاص المطاطي والغاز البذي واستهداف (الطرف الثالث) لهم بالرصاص الحي والذي عجزت الشرطة السودانية حتى اليوم عن تحديده.




• وصف البيان تسليح (القوات) بالموحد، ونسي أن هذه القوات أيضا موحدة جيليا، فهم جيل واحد بضمير واحد ووجدان سوداني واحد وخالص لله والوطن، موحدون رغم تنوعهم، ومشاربهم وألسنتهم وألوانهم، جميعهم خرجوا يهتفون باسم الحرية والسلام والعدالة والقصاص للشهداء وإسقاط هذه السلطة الدموية، يرددون شعارات كتبوها هم تشق حناجرهم عنان السماء، شأنهم شأن ألتراس المريخ والهلال العظيمين ولا يتوانون في استخدام كل أدوات التعبير السلمي المتعارف عليها والمسموح بها في كل بقاع العالم.




• ظن البيان أو كاتبه متوهما أن تحديد قيادة للمواكب سبة، وهو عين العقل والحكمة أن يكون لموج هادر كهذا قيادة تنسقية وميدانية تحدد جداوله وتبين مساراته وتصدر بياناته وترفع شعاراته، ولكن لاضطراب العقل الذي يدير السلطة في البلاد تارة يصف هذه المجموعات بالفوضوية وتارة بأنها أناركية ومرة بأنهم غير ذلك من الأوصاف، إلا أن بيان الشرطة أقر بوجود قيادة لهم، نعم لهم قيادة وهذا ما يزعج السلطة أن التنسيقيات واللجان والمجموعات باتت أكثر تنظيما وأشد دقة في تحديد الأهداف، ويصعب توجيهها وتوظيفها لصالح حزب أو جهة أو تيار فهؤلاء قدامهم الصباح والوطن ودماء أحبابهم وأصحابهم.




• القول بالتعدي على عربة الإطفاء للاستدلال على أن هؤلاء غير مدنيين، وكأن تلك العربة كانت تحمل لهم (عبق المسك والزعفران)، وليس آسن المياه الملوثة والحارقة والممرضة، والخطأ ليس خطأهم وإنما خطأ إدارة كاملة يتحملها قائد عام قوات الشرطة الذي اختار أن يقحم عربات الدفاع المدني في معركة تقتيل وسحل الشعب السوداني، وهو أمر سيوسع دائرة العداء للقوات النظامية التي ظل عدد كبير من وحداتها بعيدا عن الإشتباك المباشر مع الجماهير، ومعلوم أن استنفار هذه القوات في معركة خاسرة فيه زيادة لرقعة القطيعة وعدم الثقة بين جهاز الشرطة والمواطنين .




• كما أن الحديث عن عبوات ناسفة هو تضخيم مفهوم في هذا الوقت وتهديد مبطن بأن البلاد يمكن أن تتحول إلى قندهار أو كابول، ولكن قد فشل النظام البائد وصلاح قوش في جر البلاد إلى درك الإنفجارات، وستفشل مخططات السلطة الإنقلابية بإدارة البلاد بالحرائق والفوضى، فقد تم تجريب خلية جبره، وتسعة طويلة وحريق النيل الأزرق ولقاوة والجنينة وغيرها.



• أما محاولة دق إسفين خبيث بين القوى السياسية والتنسيقيات والشباب في الميدان بأن هذه التحركات خلت من شعارات حزبية، وأن الأحزاب السودانية عليها أن تحدد موقفها من هذا الحراك، أؤكد أن القوى السياسية السودانية جميعها اليوم كانت مشاركة بكل قطاعاتها الشبابية والنسائية والفئوية والحرفية والمركزية والولائية ومكاتبها الميدانية، وبعض المهجريين الذين انخرطوا في هذه المواكب وقد أصدروا بيانات تؤيدها وتدعوا لها وكذلك سيفعلون.




• أتوقع في الموكب القادم أن تعلن الشرطة أن سربا من الطائرات الثورية يطير بتشكيلات عسكرية في السماء ويهدد قوات الشرطة السودانية، وأن أفراد يتبعون لهذه المواكب (القوات) باستخدام مروحيات هجومية من طراز Mi -24 لإسناد المواكب الأرضية في سياق العمليات الحربية التي تعلنها تنسيقيات لجان المقاومة.



• كما أخشى أن يتم الإعلان في خطوة لاحقة عن القبض على خلية إرهابية تجهز لاعتداءات مسلحة وتفجيرات تستهدف المواقع الاستراتيجية، ويزج فيها أبرياء كما تم اتهامنا من قبل جهاز الأمن الوطني في العام 2016م، وهذا السلوك لن يزيد إلا من (تغبين) الشارع السوداني وحفزه للمضي بقوة لإسقاط هذه السلطة التي تعجز على حفظ الأمن بخمسمائة شرطي في النيل الأزرق ودارفور وجنوب كردفان وتحشد عشرة أضعافهم في مثلث لا تتجاوز مساحته العشرين كليومتر مربع.


• وأنبه وزارة الداخلية لأمر مهم وهو أن التكوين المسلح في السودان منذ العام 2002م أضحى أسهل من التكوين السياسي أو التنظيم المدني، ومن السهولة بمكان استقطاب مجندين وكتابة منفيستو لحركة مطلبية أو مسلحة وكذلك الحصول على التسليح الجيد فردي وخفيف ومتوسط وثقيل ومضاد طائرات، ويمكن إيجاد المدربين والمتدربين بوفرة وكثرة، ويمكن شراء المسيرات وحتى صناعتها في الخرطوم، وتأسيس قوة ضاربة ممولة تمويلا جيدا من دول وأحلاف وأجهزة مخابرات وشركات تجارة سيارات وأسلحة تريد إزدهار تجاراتها، فضلا عن آلاف الضباط والخبراء والجنود السابقين المستعدين للانخراط في أي عمل بمقابل مادي مجزي، ولكن هؤلاء الشباب اختاروا طريقا عز فيه استخدام السلاح و العنف، ونأوا بأنفسهم التي عافت الدماء والسلاح والقتل، وانتهجوا السلمية سلوكا وممارسة لا يعتدون وما كانوا ظالمين.



• ولو أن أحدث ضابط تحري عرض عليه بيان اليوم لقال بأنه بيان كذوب ومضلل ومثير للشفقة، ولعل هذا يوضح أننا بحاجة إلى تحديث منظومة الداخلية. برمتها كجهاز سياسي وقيادي وريادي ومهم، بإدخال أجهزة كشف الكذب والتزييف لتفحص البيانات الرسمية قبل أن تصير مضحكة للمحيط الإقليمي والدولي الذي يرصد مثل هذه البيانات عبر أجهزته الرصيفة ومنظماته الحكومية وغير الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان والهيئات المختصة التابعة للأمم المتحدة.




• إن موقع وزارة الداخلية الإلكتروني التي ننشدها والوحدات والإدارات التابعة لها ينبغي أن يكون صادقا ودقيقا وخاليا من مثل هذه التفاهات ويحتوى الموقع على معلومات حقيقة وبدرجة عالية من الموثوقية وتحليلات خبراء ومختصين في الشؤون الداخلية، واستطلاعات المواطنين باعتباره موقعهم، ويعج بالنصائح والإرشادات كما تفعل التنسيقيات بإصدار توجيهاتها وإرشاداتها للمحتجين والجماهير ولعامة من يسكن السودان، وأن يحوي الموقع التقارير الحكوميّة المرجعية التي تترجمها جهات تراقب الوضع في السودان وترسلها لدولها، أن يكون موقعا للثراء لا للثرثرة، مستندا على وثائق يصعب تزييفها وفيديوهات لا يمكن دبلجتها كالتي تحتفظ بها كميرات شرطة المرور التي رصدت آلاف الفظائع في مواكب الخرطوم طوال العام المنصرم والسنوات الماضية، ولكن هل ستقدم للعدالة إذا طلبت أم أنها ستعدم كما أعدمت فيديوهات تهريب الذهب.


• وأكرر للمرة الألف لسنا ضد دولتنا ولا مؤسساتها ولا ضد قواتنا النظامية بل نريدها أن تكون مؤهلة غاية التأهيل وتتقاضى أفضل الأجور منضبطة ومهنية ومنظمة ومدربة ومجهزة بأحدث التجهيزات وتعمل بموجب قوانينها الداخلية لأغراض الدفاع والاستخبارات أو الأمن الوقائي أو الأمن القومي، وأن تكون حماية المواطن وممتلكاته هدفها في المقام الأول، وحينها سيكثر الأشخاص المتطوعين والمتحمسين لمساندة تلك القوات النظامية والمسلحة ويخضعون لقيادتها وسيطرتها ومسؤوليتها الرسمية ويتوجهون بتوجيهاتها في معركة تحرير أطراف الوطن الموطوءة.




• أخيرأ: إن هذا الجيل غالبيته انخرط في معسكرات التدريب قسرا تحت مسمى الخدمة الوطنية وملم بقواعد الاشتباك (Rules of Engagement) ولهم دراية بأبجديات العلوم العسكرية ويعلم القواعد التي تلتزمها القوات النظامية عند استعمال القوة في خضم العمليات الأمنية والشرطية والعسكرية التي تضطلع بها في المسرح الدولي أو الإقليمي أو الوطني سواء في النزاعات المسلحة أو مهمات حفظ الأمن والسلام فالسماء المفتوحة لم تترك شاردة ولا واردة ولم تكتم علما، لذلك الاستخفاف بهم جهل، ودمغهم بمثل هذه الأباطيل عته، ومن شأنه أن يولد تيارا متطرفا سيلجأ لخيارات أخرى غير السليمية إذا ضاقت به السبل. 



• إننا نحلم أن نشاهد أقوى أجناد الأرض هم أبناء وطننا حماة السيادة والتراب والمال والعرض، وأن تأتي حكومة تنفيذية مدنية تضع في أولوياتها تأهيل وهيكلة هذه القوات وتضع في اعتبارها الشراكات الإقليمية والدولية فدوننا بيان ألترويكا والمملكة المتحدة واليابان والالتزام الذي تعهد به الاتحاد الأوروبي بإيفاد مدربين شرطيين وعسكريين لتدريب ورفع قدرات القوات النظامية وإمكانية أن يكون شرطي السودان مزود بذات رصيفه في اليابان.



• ختاما: يا ساداتي لا تستهينوا بتأهيل هؤلاء الشباب والفتية، فهم يفوقونكم تأهيلا في كل المجالات المعرفية والتكتيكات والاستراتيجيات، بل والخبرات فهم يبنون دول كاملة ومستعمرات افتراضية لا تحدها حدود، يعرفون مواردها ويرفعون قدراتها ويكونون جيوشها وأحلافها، ويجتهدون في تطوير خوارزميات حربية تستعين بها حتى أقوى جيوش العالم، أرفق لكم أدناه بعض الألعاب التكتيكية والاستراتيجية التي يلعبها هؤلاء حتى لا تتعجبوا من قدرتهم على مناورة عناصر شرطة بعربة مدرعة بدائية وغاز بذيء فهؤلاء جيل (الميتا فيرس) لم يعش في الأمس وإنما يسايرون اليوم ويعيشون في المستقبل ومصرون على النهوض بوطنهم وبنائه على أحسن طراز، فلا تلعبوا معهم بالنيران ولا تحصبوهم بالحجارة فبيوتكم من زجاج.

ألا رحمة الله على الشهداء، ولعنته على الظالمين.


• ملحوظة هذه ألعاب هذا الجيل لذلك لا تستهينوا به:

Assassin creed black flag
Assassin creed valhala
Assassin creed odyssey. 
Assassin creed unity.
Aplague tale 
Battle field v
Batman Arkham night
Call of duty vanguard. 
Call of duty cold wor
Far cry primal 
Far cry 6
god of war4
ghost of tsushima 
Hitman
Hitman 2
Hitman 3
Metal gear sold 
Resident evil 2 remake
Resident evil 4remaster
Resident evil 5
Resident evil 6
Resident evil 7 biothard  
Resident evil 8 village 
Rise of tomb rider 
Red dead redemption 2
Saint Row  
Sniper 2 remaster 
Sniper elite 4
Sniper elite 5
The last of us 2
Uncharted 1
Uncharted 4 
Uncharted lost legacy 
Watch dogs 2
Watch dogs ligon
Were wolf

عروة الصادق

٢٥. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com





الاثنين، 24 أكتوبر 2022

الإفلات من العقاب .. التمهيد له جريمة!!

الإفلات من العقاب .. التمهيد له جريمة!!

 
مقدمة:

● الاحتجاجات ضد الإنقلاب منذ اليوم الأول دفع ثمنها الشباب السودانيون والشابات كست النفور، بمختلف أنماط الاعتداء الجسيم، وتختلف طرائق القتل من شهيد لآخر، فمنهم من مات تحت التعذيب في مقابيء الاحتجاز، ومنهم من قتل بالرصاص الخي ومنهم من هشمت جمجمته قذيفة الغاز المسيل للدموع، ومنهم من تم دهسه بمركبة تتبع لواحدة من القوات النظامية أو منعه من الاسعاف بواسطة نظاميين، والنتيجة الحتمية هي الموت.



● إن جميع جرائم القتل تمت بأدوات ومركبات نظامية وقوات تتزيا بزي نظامي، حتى المدنيين الذين يحملون السلاح ويصوبونه تجاه المحتجين يتحركون في أرتال القوات النظامية وضمن دورياتهم، وهو ما يعني أن المسؤولية المباشرة تقع على القوات النظامية مجتمعة وتقع المسؤولية الأكبر على السلطة الإنقلابية التي تتحكم في توزيع وتجميع تلك القوات وتصرف لها التوجيهات عبر وزير الداخلية ومدراء عام الشرطة والمخابرات العامة.



● يمتد الأمر ليصبح جريمة عدوان وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في حق مدنيين عزل بآلات الدولة العنيفة، جراء سياسات تم اقرارها من سلطة عسكرية يشاطرها الحكم مدنيون، ويديرون دفة الحكومة التنفيذية في مختلف الوزارات، وهنا يصعب استبعاد أي ممن في السلطة من المسؤولية الجنائية أو المسؤولية التقصيرية أو المسؤولية التضامنية ضد المحتجين.



● وهو ما  شكل أعظم التحديات التي تواجه النتقال السياسي وأكبر العقبات الخطيرة التي تواجه تحقيق العدالة، وولد اهتزاز الثقة في السلطة الحاكمة والمنظومة التنفيذية والجهاز القضائي وغياب سيادة حكم القانون وانعدام صون وتعزيز وحماية حقوق الإنسان في السودان وهو ما ينتج عنه الإفلات من العقاب.



● وفي الفترة الأخيرة مهدت السلطة الإنقلابية لتضليل مؤسسات العدالة وتقييد لجان الوصول للحقيقة، ومحاولات طمس الأدلة والبراهين وذلك لاصطباغ بعض قادتها بالجرائم الجسيمة ذات الصبغة السياسية والإنسانية والاقتصادية، كالاعتقالات غير المشروعة ومحاولات الإخفاء القسري والتعذيب وما يترتب على إجراءات الإنقلاب من عسف بما في ذلك الاغتيالات السياسية وتصفية الخصوم، وجرائم التهريب والتخريب الاقتصادي خصوصا تلك التي اقترفت في الأربعة أعوام الماضية ولم تتبين ملابساتها أو تصل لجان تحقيقها إلى نتائج.



● فضلا عن محاولات حثيثة لتقييد الوصول إلى نتيجة مرضية للضحايا في ملف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجريمة قتل المتظاهرين وفض الاعتصام وجرائم العدوان المرتكبة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، والتمنع عن تسليم أو مثول الجناة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ووفقا لمبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام روما الأساسي، فإن الإجراءات القضائية الوطنية تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الإفلات من العقاب، إلا أن السلطة تبذل قصارى جهدها للعبث في الإجراءات الأولية المقيدة في مضابط الجهات الحكومية والعدلية في السودان، وهو الأمر الذي صور لسلطة الإنقلاب أنه بالإمكان الإفلات من العقاب بواسطة تأخير الإجراءات أو التسويف والتماطل لتسقط تلك الجرائم بالتقادم.



● لسنوات خلت استمرت ثقافة القتل وانتهاك  حقوق الإنسان في ظل صمت مكتوم للضحايا، وهروب عدد من الأسر التي فقدت ذويها تحت تهديد أذرع وأجهزة السلطة الحاكمة للدرجة التي اختفى فيها أي خيط يوصل لتلك الأسر، وحتى القضايا الماثلة أمام المحاكم يتم تأخير إجراءاتها والضغط على ذوي الضحايا عن طريق الصلات الاجتماعية والإدارات الأهلية لنيل العفو وإطلاق سراح الجناة أو التلاعب في مستنداتها وشنودها.



● الغريب في الأمر أن الدولة لها من الإمكانيات التقنية والفنية والكوادر الأمنية ما يسهل القبض على الجناة ومعرفة مصدر تعليماتهم في أوجز مدى زمني، فالحكومة تتنصت على هواتفنا وتراقب تحركاتنا و تجمع بياناتنا وترصد بدقة كافة أماكن تواجدنا واحتجاجاتنا ومسارات المواكب وفي بعض الأحيايين تصدر بيانات بأعدادنا، وهنالك رصد شعبي أيضا لغالبية حوادث القنص والقتل والضرب المباشر والدهس التي قادت لتلك الانتهاكات، ولكن لأن الحكومة عبر عناصرها وقواتها النظامية والغة في دماء الأبرياء تحجب تلك البيانات والمعلومات وتستخدمها للابتزاز والمساومة.



● كل هذا حفز الضغائن والغبائن وحرك تيارات شعبية لم تنخرط في مناهضة الإنقلاب منذ يومه الأول لتتقدم صفوف المواجهة، وهو الأمر الذي سيجعل من العسير جدا إدخال أي صفقة للهروب من العدالة والإفلات من العقاب، ولن يكون ذلك ممكنا في ظل تنامي البطش وعمليات القتل خارج الأطر القانونية أو مكافحة الجريمة، وانتشار السلاح وحملته دون ضوابط، وفي رأيي ذلك كله يحدث لإغراق البلاد في مزيد من دماء الضحايا حتى يستسلم الجميع لمساومة تمكن الجناة من الإفلات من العقاب والملاحقة الجنائية.



● إن معاناة ذوي الضحايا تزداد كل يوم بتأخر القصاص من الجناة، وترتفع درجات السخط الشعبي وتتنامى وتيرة التصعيد ضد السلطة، وهو ما يقود لحالات الإحتقان والإنسداد السياسي، وبالتالي انفراط عقد الأمن والاستقرار كما حدث في بعض المناطق التي تشتعل فيها نيران الحروب الأهلية في السودان، وما يعني إضطرابا في المنطقة والمحيط الإقليمي والدولي، وهو الأمر الذي يستوجب استحداث آليات حوكمة فاعلة لئلا يسود الإفلات من العقاب وإلا سنشهد ازدياد المعاناة أكثر فأكثر، وتضاعف أعداد النازحين واللاجئين واتساع رقعة الحروب فلا استقرار بلا عدالة.



● وهناك من يطالب بكل وقاحة ليس الإفلات من العقاب فحسب بل يطالب بما يسميه حصانة، تمكنه من العيش بصورة طبيعية دون ملاحقة من أهل الضحايا، وهو في نفس الوقت ينكر ارتكابه لأي جريمة ويكذب كل متهميه، ويرمي اللوم على جماعات اصطلح على تسميتها بالطرف الثالث، وهو ما مهد لنمو وازدهار كوارث العصر والجريمة المنظمة ما بين الاتجار بالممنوعات والمخدرات والاتجار في الأسلحة إلى الاتجار بالبشر وتدريب وتمويل الإرهابيين وتنظيم مافيا التهريب للثروات عبر الموانئ الرسمية والمعابر والمطارات والنظاميين.



● دون أدنى شك أصيب القضاء السوداني في مقتل وتم تجريف العناصر الكفوءة والنزيهة والمهنية، وكثير من القضاة اليوم وعناصر النيابة العامة والشرطة منتسبون لما يسمى بالأمن الشعبي وكتائب الظل التي تتبع للنظام المباد والحركة الإخوانية، ما يعني أن أي حديث عن تحقيق عدالة واقتصاص في ظل وجود هؤلاء ضرب من المستحيل لأنهم أعضاء الحاضنة الإجرامية للنظام المباد والسلطة الحالية، والأنكى أن رأس الإنقلاب أعادهم إلى الخدمة بعد إقالتهم من قبل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م ليعودوا لمواطن النفوذ ويرأسوا الأجهزة القضائية في العاصمة والولايات ويتحكموا في المحاكم العليا والإستئناف والعامة.



● وقد مثل المال والثراء السريع أهم عوامل الإفلات من العقاب فنحن نرى كيف يتحرك قادة الإنقلاب لشراء ذمم الإدارات الأهلية وخصوصا في المناطق التي ارتكبت فيها انتهاكات جماعية، ليسهل الحصول على العفو تحت ما يسمى بمؤتمرات المصالحات، دون أدنى مراعاة لمشاعر الضحايا الذين تشتتوا في أصقاع الوطن وأنحاء المعمورة نزوحا ولجوءا.




● ختاما: 

● أستطيع القول أن شباب الثورة السودانية لن يتراجع من مواكبه واحتجاجاته السلمية، ليس لأنه يريد الاقتصاص لمن رحلوا من زملائهم، ولكن ليحققوا ما استشهد لأجله الضحايا، حرية تنعم بها البلاد، وسلام عادل شامل، وعدالة تنصف كل مظلوم، وهو ما يعني أن أي محاولة للاستمرار في قمع الشغب السوداني ستنتهي باقتلاع النظام القائم عليها مثلما كرر ذلك السودانيين في كل مرة يستبد فيها طاغية.



● وعلى القوى السياسية السودانية التي تطلع لتحقيق السلام واستدامة الاستقرار في السودان عدم السماح للمشتبه بهم ناهيك عن المتهمين والمجرمين ممن تورطوا في جرائم فساد وقتل وجرائم ضد الإنسانية، ومنعهم من استخدام الفضاء العام وفتح الباب لهم لإقحام أنفسهم كفاعلين في الشأن السوداني، كما نرى اليوم كثيرين ممن لا ينكرون ارتكابهم فظائع في حق الشعب السوداني يحاولون التواصل مع الجماهير عبر حماية وتمويل وتغطية من السلطة الإنقلابية للتطبيع الشعبي والتمهيد لإنتشار ثقافة الإفلات من العقاب في البلاد.



● كما يقع على عاتق كافة القانونيين والحقوقيين والفقهاء الدستوريين الذين ستقع عليهم مسؤولية التشريع ودسترة شؤون الدولة أن يضعوا هذه القضية نصب أعينهم في كافة التشريعات والقوانين ونص الدستور الانتقالي ومسودة الدستور الدائم بضرورة ووجوب وضع عبارة "تجنّب الافلات من العقاب" في كافة النصوص المجترجة ذات الصلة بالحقوق والعدالة.



● هذا يستوجب مخاطبة الضحايا بصورة عاجلة وفورية للمؤسسات الإقليمية والدولية وبخاصة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة وأمينها العام بضرورة إنشاء لجنة ادولية لمناهضة الإفلات من العقاب في السودان ودراسة الحالة الراهنة التي تمهد لإفلات الجناة من العقاب، وضرورة إدراك الأمم المتحدة لقصورها في تحقيق العدالة في السودان ودول كثيرة أخرى، بل ضاعت كثير من قرارات مجلس الأمن في الأضابير، ولا زال المطلوبون للمحكمة الجنائية الدولية طلقاء في السودان.



● ففي ظل ما يتم الترويج له عن اتفاق تسوية وتقديم التنازلات كمنح الحصانة للعسكر، هو عطاء من لا يملك لمن لا يستح، ولم يفوض أهل الضحايا شخصا للتنازل عن دماء ذويهم، ولا يوجد تصور متفق عليه عن ماهية هذه الحصانة ولمن وكيف ومتى؟ فالوحيدون الذين يستطيعون منح تلك الحصانة ليس القوى السياسية ولا لجان المقاومة ولا قوى الثورة مجتمعة وإنما هم ذوي الضحايا، وليتحلى رأس الانقلاب ونائبه بالشجاعة ويذهبوا لاسترحام أسر الضحايا وانتزاع تلك الحصانة منهم، حينها سيفكر الشعب السوداني وقواه الحية في الصفح عن هؤلاء المجرمين، وأي محاولة لتضييع حقوق الضحايا باتخاذ إجراء سياسي لا يحقق العدالة الجنائية ولا يمتثل للمحكمة الجنائية الدولية ولا يحقق العدالة الانتقالية فهو اشتراك في جريمة التمهيد للافلات من العقاب.

عروة الصادق

٢٤. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com




السبت، 22 أكتوبر 2022

حصيد البرهان في عام( الأخير)

حصيد البرهان في عام( الأخير)

مقدمة:

● شرع الإنقلاب في تجريم واتهام كل المنقلب عليهم منذ يومه الأول إلى يومنا هذا فقد اقتحم بيوتنا وبيوت الوزراء واقتاد بعضهم إلى المعتقلات بدون إجراءات قانونية معلنة، وإنما بصورة وحشية، واختار البرهان أن يكون التنفيذ عبر أجهزة الاستخبارت والمخابرات لا الشرطة، وتم تصميم بلاغات كيدية لكل من قال لا للإنقلاب ووقف في وجه سلطته ودفع لذلك عشرات القادة السياسيين والمئات من لجان من المقاومة وقيادات التنسيقيات زمنا طويلا ومزمنا في المعتقلات والسجون في أوضاع قاسية في كل من الخرطوم والنيل الأبيض وبورتسودان وغيرها، ولا زال بعضهم يقفبع في السجون بتهم جائرة واتهامات تحت طائلة جرائم عقوبتها تصل للإعدام.


● كل ذلك لم يثن عزائم الشباب ولم تلن له قناة المقاومة ولم يهن له عزم الثائرين والثائرات ولا زالوا يمضون في طريق محفوف بالمخاطر ومخضوب بدماء الشهداء ومعمد بجراحات الضحايا ومحفوظ بعناية الله ودعاء أمهات وآباء الشهداء، إلى أن يبلغ منهاه بإذن الله بالتحرير الكامل للوطن وتحقيق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل والحرية والعدالة الإنسانية ورفاه الشعب السوداني.

● تاسعا: مؤسسيا
1. قطاع الحكم والإدارة ويشمل الآتي:
‌أ) الأمن والدفاع:
شهدت القوات النظامية السودانية عددا من الإجراءات ذات الطابع الإصلاحي والهيكلي ولكنها لم تتخذ من مؤسسة أو يطلع عليها حتى أعضاء في مجلس السيادة الإنقلابي كممثلي الحركات المسلحة، فمنذ الإنقلاب وحتى آخر أيام هذا العام أصدر البرهان عددا من القرارات تم بموجبها ترقية ضباط من رتبة العقيد فما دون إلى الرتبة الأعلى و إحالة آخرين للتقاعد بالمعاش، وقيل أن تلك الإحالات "تأتي في إطار الإجراءات الراتبة (روتينية) التي تتم طبقا لقوانين ولوائح القوات المسلحة سنويا للمحافظة على التدرج الوظيفي والتسلسل الهرمي بالجيش"، وهو الأمر الذي يجافي الحق والعدل إذ أن هناك استثناءات لضباط لم يشملهم هذا الإجراء الروتيني وهناك إدراج لأسماء ضباط لم يستوفوا شروط الإحالة وبعضهم يشهد له بالمهنية والكفاءة والانضباط ومنهم ضباط يمسكون بملفات حساسة كملف الترتيبات الأمنية الذي يمثل عقبة أمام استكمال تنفيذ اتفاق سلام جوبا، وكذلك تعطيل ملفات خاصة بالأمانة العامة لوزارة الدفاع كان يشرف عليها أحد مهنيي القوات المسلحة.

ولكن المتتبع للأمر يجد أن ترقيات الدفعة 40 سوف تسري بأثر رجعي اعتبارًا من منتصف يناير الماضي كما أوضحت مونتي كارو، وتم تأخيرها من قبل رئيس الأركان وقتئذ لأسباب وصفت بالأمنية وخشية البرهان من ترقية الدفعة ٤٠ إلى رتبة اللواء باعتبار أنها دفعة يغلب عليها منسوبي الحركة الإسلامية وبعد ترقيتهم سوف يصبحون قادة للفرق والمناطق الفرعية. وأبرز الذين تمت ترقيتهم العميد نادر محمد بابكر قائد الحرس الرئاسي للبرهان، والعميد الركن أيوب عبد القادر قائد ثاني سلاح المدرعات الذي يحاكم أخوه غير الشقيق العريف حمدنا الله عبد القادر محمد مصطفى ضمن المتهمين في محاولة انقلاب اللواء بكراوي، كما تمت ترقية كل من العميد الوليد البيتي العمرابي مدير الإدارة القانونية لقوات الدعم السريع، والعميد دياب بدر دياب قائد ثاني الفرقة السابعة مشاة الذي تم انتدابه في وقت سابق ليقوم بمهام التدريب لقوات الدعم السريع كما شغل منصب قائد قطاع بالدعم السريع. المتحدث الرسمي السابق باسم الجيش العميد عامر محمد الحسن يُعد من أبرز الضباط الذين أحيلوا للتقاعد بعد ترقيتهم إلى رتبة اللواء. وشمل الكشف أيضًا 42 ضابطًا بينهم 4 برتبة العقيد ، 8 برتبة المقدم ورائد و 15 برتبة النقيب إضافة إلى 14 برتبة الملازم أول تمت إحالتهم للتقاعد.

وقد تمت ترقية نائب رئيس هيئة الأركان للإدارة الفريق ركن منور عثمان نقد المعروف بدعمه للدمقراطية وضرورة حمايتها من قبل المؤسسة العسكرية، ونائب رئيس هيئة الأركان للتدريب الفريق ركن عبد الله البشير أحمد الصادق لرتبة الفريق أول وإعفائهما وإحالتهما للتقاعد بالمعاش. كما تم إعفاء قائد القوات البرية، الفريق ركن عصام محمد حسن كرار وإحالته للتقاعد  بالمعاش. وترقية اللواء الركن أحمد عمر شنان لرتبة الفريق وإحالته للتقاعد بالمعاش. وقد نجا الفريق خالد الشامي من الإحالة باعتباره الرجل الذي ارتبطت استعادة الفشقة باسمه هو واللواء صبير وأخرين، ولكن الإحالات لم تخل من تمكين للإسلاميين، حتى الذين تمت إحالتهم لأسباب إدارية من التنظيم الإخواني تم استيعابهم في شركات المنظومة الدفاعية أو مكافأتهم بإرسالهم كملاحق أمنية وعسكرية ومناصب شرفية في عدد من المرافق والمسسات.

كما شملت القرارات ترقيات لرتبة الفريق لكل من اللواء ركن رشاد عبد الحميد إسماعيل وتعيينه قائداً للقوات البرية، واللواء ركن عبد المحمود حماد حسين عجمي، واللواء ركن نصر الدين عبد القيوم أحمد علي، واللواء ركن مبارك كوتي كجور كمتور وتعيينه مفتشا عاما للقوات المسلحة.

كما أصدر البرهان  قرارا بإعادة تشكيل رئاسة هيئة الأركان  برئاسة الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين الحسن، والفريق الركن مجدي إبراهيم عثمان خليل نائبا لرئيس هيئة الأركان للإمداد، والفريق مهندس ركن خالد عابدين محمد أحمد الشامي نائبا لرئيس هيئة الأركان للعمليات، والفريق ركن عباس حسن عباس الداروتي نائبا لرئيس هيئة الأركان للإدارة، والفريق ركن عبد المحمود حماد حسين عجمي قائد المدفعية سابقا ومدير زادنا نائبا لرئيس هيئة الأركان للتدريب.

بعد الإنقلاب والأحداث الدامية التي شهدتها العاصمة في أواخر العام 2021م أصدر البرهان قرارا بترقية عدد من قيادات  الشرطة إلي رتبة الفريق تحت مسمى - الترتيبات الإدارية العادية - برئاسة قوات الشرطة وهم: الفريق شرطة حقوقي/كمال ميرغني، الفريق شرطة حقوقي/حسن حامد أحمد عبد الرحيم، الفريق شرطة حقوقي/ يوسف الحسن، الفريق شرطة حقوقي/ طارق الأمين البدراوي، الفريق شرطة حقوقي/حسين إبراهيم مصطفي والفريق شرطة حقوقي/أحمد طاهر عثمان، ووفقا لبيان المكتب الصحفي للشرطة يومئذ، فقد شملت الترتيبات ترقية ضباط شرطة إلى رتبة اللواء والعميد والعقيد وإحالة آخرين في نفس هذه الرتب إلى التقاعد، واستمر الإجراء إلى أن وصل التغيير الأخير في أكتوبر الجاري بإحالة كل من نائب المدير العام – المفتش العام و عدد (3) من رؤساء الهيئات وعدد ضابطين في رتبة اللواء شرطة وضابط في رتبة العميد شرطة ، كما شملت القرارات ترقية عدد (4) في رتبة اللواء لرتبة الفريق شرطة من بينهم مدير الإدارة العامة للسجون والإصلاح وعدد (7) في رتبة العميد شرطة وعدد (2) من قوات حماية الحياة البرية وعدد (3) من قوات الدفاع المدني لرتبة اللواء شرطة.

وتمت في الشرطة أيضا تحت ما سمي بعالجات ترقيات الضباط لمتبقي بعض الدفعات في مختلف الرتب للعام 2022م. وتم تعديل في هيئة الإدارة بترفيع بعض مديري الإدارات المتخصّصة (السجون والإصلاح، الدفاع المدني، والحياة البرية) لرتبة الفريق شرطة، وتمت إحالة (4) من رتبة الفريق وترقية (7) من رتبة اللواء إلى الفريق شرطة ليتوافق مع الهيكل المصدق لرئاسة قوات الشرطة بحسب بيان الوزارة،  ولكن المتابع يجد أن هناك عناصر تمت تسميتهم في مواقع استراتيجية هناك قضايا تزوير في مواجهتهم تم التغاضي عنها وإبقائهم في مواقعم.

‌ب) الإعلام:

خلال الفترة الانتقالية، بدأت الحكومة السودانية ممثلة بوزارة الثقافة والإعلام، تنفيذ خطة لإصلاح الإعلام، بالشراكة مع منظمة «اليونيسكو»، تقوم على 4 نقاط، هي: مراجعة الفجوات في الخريطة الإعلامية، وإصلاح قوانين الإعلام، وإعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة، وإعداد خطة وطنية للتدريب الإعلامي. وقد بدأ تنفيذ هذه الخطة في نوفمبر 2019م، لكنها توقفت بسبب جائحة «كوفيد-19» ثم استؤنفت في أكتوبر 2020م، لكنها توقفت مجدداً بعد الإنقلاب.

لذلك يكفي فقد النظر لهيئة الإذاعة والتلفزيون القومي في السودان لترى ما حل بالإعلام السوداني من تدجين واستعادة لكامل الفلول في مؤسسات الدولة الإعلامية وتمكينهم من مفاصل تلك الأجهزة، فقد قام مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون (الانقلابي) ابراهيم محمد ابراهيم البزعي بترفيع عدد من أقرانه وزملائه في التنظيم (الإخواني) ممن قامت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة بإنهاء خدمتهم وفق اشتراطات القانون وبالوثائق والأدلة، فقد أعيد على سبيل المثال النور محمد أحمد النور معني والذي كان قد عيد بعد انقلاب الإنقاذ في ١٩٩٣م، ودرجته حتى تاريخ إنهاء خدمته بواسطة اللجنة ( الرابعة). وهو من متطوعي الدفاع الشعبي. وقد تمت إعادته للخدمة بعد انقلاب 25 اكتوبر 2021م (أبو سبيحة)، وقد كافأته سلطة الانقلاب بتعينه مديراً للبرامج بالتلفزيون القومي، ومثله عدد كبير جدا من منتسبي التنظيم والحركة ومتطوعي هيئاتهم وواجهاتهم جميعهم اليوم يعيثون في التلفزيون والإذاعة والوزارة تمكينا لمنظومتهم وبثا لمبرامجهم وتغييبا للوعي عبر برمجة إعلامية بعيدة كل البعد عن واقع الشعب المعاش.
في الوقت الذي هيمن فيه الجيش على الإعلام وأطلق العنان لصحيفة القوات المسلحة التي صارت تتحدث بلسان الفلول، حذف شبكة تضم نحو ألف حساب خلال أكتوبر 2021، لديها 1.1 مليون متابع، ويديرها أشخاص على صلة بـ(قوات الدعم السريع) وجماعة فاغنر الروسية وهي الحادثة التي قادت إلى كشف صلة فاغنر بعمليات تهريب تتم من مطار بورتسودان إلى اللاذقية.
وبعد أن تقدم السودان في مجال الحريات الإعلامية في العام 2019م، تراجع ليحتل السودان المرتبة 151 بين 180 دولة في «مؤشر حرية الصحافة العالمي» لعام 2022م الذي تصدره منظمة «مراسلون بلا حدود» سنوياً، وكان السودان قد سجل تقدماً في مؤشر حرية الصحافة عام 2020 بـ16 مركزاً ليحتل المركز 159 مقارنة بـالمركز 175 في تقرير عام 2019 إبان حكم المخلوع البشير، وكل هذا مرده لانتهاج سياسات خاطئة أدت للتضييق على الإعلاميين والصحفيين، والتغول على إرادتهم بفتح المجال لاتحاد صحفيي فلول النظام البائد للنشاط وتجميعهم وتمويلهم وتسهيل إنشاء منصات وشركات إعلامية بعون مباشر من سلطة الإنقلاب، وتسهيل هروب رئيس الاتحاد العام للصحفيين السودانيين السابق إلى مصر ثم إلى تركيا.


‌ج) الإدارة ونظم الحكم:

عملت الحكومة الانتقالية على توطيد دعائم الحكم اللامركزي وتطوير نظم مستويات الحكم المحلي لضمان التوزيع العادل للسلطات والموارد مركزياً وولائياً ومحلياً تعميقاً لدعائم الحكم الراشد والإرتقاء بالوعي السياسي للمواطنين لتخطي العصبية والقبلية والجهوية ، وإحكام التنسيق بين مستويات الحكم المختلفة في ممارستها للسلطات المشتركة، وهيأت لذلك مجالس وصناديق ومفوضيات معنية بتنمية وإعمار المناطق التي تأثرت بالحرب و مجلس تنمية وتطوير الرحل، ولكن الإنقلاب قطع الطريق أمام ذلك ليوقف التشريعات التي تحدد صلاحيات الولاة وحكام الأقاليم، فاستمرت الأزمات الموروثة لتتفاقم وتتسبب في صراعات ونداءات إنفصالية.

وقد أدت سياسات الإنقلاب التسلطية الإملائية حتى على شركاء الإنقلاب إلى استقالة وزيرة الحكم الاتحادي السيدة بثينة دينار والتي جاء في استقالتها:  " أستقيل من منصبي كوزيرة لوزارة الحكم الاتحادي من أجل أن استطيع قول (لا) متى ما رأيت خطأ وأرفض الإمـلاء حيثما وجد، وأن أصون كرامتي وأحمي وأدافع عن حقي قبل أن أتحدث عن حق الآخرين ففاقد الشئ لا يعطيه”.


‌د) الشؤون الخارجية:

تم تجريد وزارة الخارجية كمؤسسة من هذا الملف ليدار بيد الجنرال البرهان شخصيا ينافسه في ذلك نائبه الجنرال دقلو، وقد جعل البرهان من السفير علي الصادق وزير الخارجية المكلف سكرتيرا يدير له العلاقات الخارجية، وصار يتحكم شخصيا في إصدار قرارات الإعفاء والتكليف لوزراء السلك الدبلوماسي والناهي والآمر في التحركات الخارجية.

فقد عين البرهان الفريق، فتح الرحمن محي الدين صالح محمد، سفيرا في وزارة الخارجية السودانية، والذي يعرف أنه أحد خبراء الإنقلاب الاستراتيجيين، وضمت القائمة أيضا الفريق أول جمال عبد المجيد، مدير جهاز المخابرات العامة السابق، وهو ضابط جيش تم استقدامه للجهاز في فترة د. حمدوك، كما عين على عثمان محمد يونس سفيرا، وسمى القرار إبراهيم محمد أحمد إبراهيم سفيرا بالخارجية، واللواء بشرى أحمد إدريس، وهو ضابط شرطة سابق، جميعهم ارتبطوا عضويا بالإنقلاب، وقد تم ترشيحهم لمحطات إفريقية لا تخلو حكوماتها من أنظمة دكتاتورية، الأمر الذي يدلل على تمدد الإنقلاب خارجيا.

‌ه) العدل والتشريع:
الدستور في السودان  والأوضاع الدستورية شهد تراجعا كبيرا حيث مزق الإنقلاب في 25 أكتوبر الوثيقة الدستورية بتجميده لأهم بنودها وهي التي تؤسس لأوضاع العدل والتشريع في الدولة وتحتوي على أهم الوثائق (وثيقة الحقوق )، وتمدت ظلال قائد الإنقلاب دستوريا لتطال عدد من المؤسسات والمرافق المعنية بالتشريع والشؤون الدستورية، قاد ذلك التراجع إلى إخلال تام بالمعاهدات و الاتفاقيات الدولية وانتهاك صريح للعهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية ومخالفة للعهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية. 
عطل الإنقلاب إكمال كافة التشريعات التي ابتدرتها الحكومة الانتقالية في عهد وزير العدل نصر الدين عبد  الباريء والتي شملت القوانين واللوائح المنظمة لعمل المؤسسات، وقضايا دولية كمكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير المنتظمة، ومكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود، وقضية مكافحة الفساد وغسيل الأموال وتمويل الارهاب وتطوير قانون تفكيك التمكين وسن قوانين للمؤسسات العاملة في الحد من الفقر والتمويل للقطاعات الهشة وتشريعات الشباب والنساء والأسرة والطفل ومشاركتهم في مؤسسات الدولة وحقوق الأقليات الدينية  وحرية الإعلام وما يخص أوضاع السجون والشرطة والنيابة العامة وفصل السلطات.


2. قطاع التنمية الاقتصادية ويشمل التالي:

‌أ) المال والاستثمار:

من المؤكد أنه لا توجد احصاءات فعلية  وحقيقة حول التجريف الذي حدث في قطاع المال والاستثمار ولكل القطاع التجارى الذي شهد اضطرابا على الصعيد الحكومي والخاص، واتخذت سلطة الإنقلاب إجراءات هيكلية وسياسات مالية أدت لهروب كبير لرؤوس أموال وفرص إستثمارية خارجية وتوقف عمليات الاستقطاب المالي، كما مكن الإنقلاب فلول النظام السابق من هياكل الدولة المالية ومنح بعضهم ترقيات بعد إعادتهم إلى الخدمة وصرف لهم رشا مالية كبيرة كاستحقاق تعويضي، ينشطون في تزيين الأخطاء المالية الكارثية التي وقعت فيها السلطة الإنقلابية ويصورون لهم مخارج فشلت وصفتها مع النظام المباد.

وتشير التقديرات إلى إنهيار عدد من القطاعات الاستثمارية وتراجع الأعمال في أخرى وتوقف العمل بصورة كبيرة في قطاع كالمقاولات الذي توقف بنسبة  لا تقل عن 80%،  وتراجعت مبيعات المواد الغذائية نزلت بواقع 40%، منها مصانع الدقيق التي خفضت مناوبات العمل من 3 إلى 2 وهو ما فعلته أيضا مصانع المشروبات والعصائر.

وتعطلت إجراءات تأسيس بورصة حديثة للمحاصيل والصادرات السودانية وبخاصة بورصة الذهب التي تسبب إيقاف إنشائها في تكبيد تجار الذهب خسائر كبيرة بهبوط اسعار الذهب العالمية بنسبة تقارب 10% الأمر الذي ضيع فرص استثمارية كبرى في هذا المجال.

كما أن الاستثمار في المحروقات والمشتقات النفطية شهد اضطرابا شديد، فقد أعاد الإنقلاب الهيمنة في هذا المجال للجماعات التي وعدته بتوفير حصص من الوقود حال تنفيذ الإنقلاب وقد وردت بواخر تحمل كميات كبيرة قبيل شهر من الإنقلاب إلى مياه البحر الأحمر قبالة المواني السوداني ، ولكن جراء الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها الإنقلاب تراجعت مبيعات الوقود وانخفضت بنسبة كبيرة.

نستطيع القول بأن هناك ترهل إداري في هياكل المؤسسات المالية والاستثمارية وبخاصة الجهاز الاستثماري والأسواق والمناطق الحرة وهناك ركود تضخمى خطير ضرب كل القطاعات، وهناك عجز حكومي أقر به وزير المالية  عن إزالة كافة المعوقات التي  تعترض الاستثمارات الخارجية، فقد فشلت الحكومة في إقناع البنك وصندوق النقد الدوليين في استئناف علاقتهما مع النظام في السودان، وأعاق الإنقلاب مراجعة القوانين والتشريعات المعيقة للاستثمار، وضيعوا فرصا جاذبة  للإستثمارات الأجنبية  خاصة العربية والأجنبية.

فهناك فرصة كبرى للاستثمار العربي ضيعها الإنقلاب وهي مبادرة الأمن الغذائي العربي والتي أطلقها السودان، وفرص دخول السودان للتنافس الدولي في ظل الأزمات التي تواجه الاقتصاد العالمي بسبب جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع السلع والمواد الغذائية كالقمح  والحبوب الأمر الذي سيؤثر على الأمن الغذائي.

‌ب) الزراعة:
عرف وطننا بسلة العرب الغذائية ولكنه يعاني شحا في الغذاء بحسب التقارير الدولية، فبعد أن قررت وزارة الزراعة الحكومة الانتقالية بالتوسع الأفقي والرأسي في الزراعة، وزيادة النسبة المئوية 30% الممستغلة من 200 مليون فدان زراعي لتصل 100 مليون بحلول 2024م ولكن ذهب كل ذلك أدراج الرياج مع حدوث الإنقلاب، وتم تعطيل خطط الوزارة الزراعية وتجميد التمويل الإقليمي والدولي للزراعة في السودان.

ينتج السودان 50600 طن من لحم الإبل متصدرًا به قائمة دول العالم وحينما قررت الحكومة الانتقالية تأسيس مصانع لانتاج اللحوم واتخذ رئيس الوزراء قرارا بعدم تصدير الخام تم إجهاض كل ذلك لتتجه الثروة الحيوانية شمالا وتصدر عبر الجارة مصر كمنتجات مصرية  وتم تمزيق الخطة التي وضعتها الوزارة، وتنتج البلاد من قصب السكر بـ672800 طن محتلًة نفس المرتبة، ولكن الإجراءات التي اتخذتها أذرع الإنقلاب في مشاريع السكر السودانية التي أقالت العمال وهددت بعضهم قلصت كميات الانتاج بحيث شهد انتاج السكر تراجها كبيرا في ظل تزايد الوارد عبر مستوردين يتمتعون بصلات وطيدة مع النظام المباد والسلطة الإنقلابية، كما يقدر انتاج ألبان الأبقار بـ5373000 يحتل به المرتبة الثانية عالميًا، أما الذرة البيضاء ففي المرتبة الرابعة بـ263000  طن، كما يأتي في المركز السادس عالميًا في إنتاج الفول والسابع في إنتاج الموز والحادي عشر في الطماطم والخامس عشر في القمح.

لم يوقف الإنقلاب عملية التوسع الزراعي والانتاج الحيواني فقط وإنما أوقف منحا خاصة بصيانة قنوات الري في مشروع الجزيرة واستصلاح أراضية وإعادة المشروع لسابق عهده وتحديثه، وأوقفت وزارة المالية تمويل عمليات الصيانة وامتنعت عن شراء المحصول ولا زال المشروع يشكو التعطيل لكثير  من البوابات ولا زال متأثرا بالإهمال الذي أ ضر بالآف الأفدنة جراء حادثة الفيضان في سبتمبر 2022م لمشروع المناقل.


‌ج) الصناعة:
مثلت أزمة الطاقة والاضطراب في التوليد الكهربائي واحدة من أسباب إيقاف عمليات الصناعة، وتراجعت الصناعات المحلية بنسبة مخيفة جراء اتخاذ سياسات مدمرة للصناعات، ووضع تكاليف انتاج ورسوم على مدخلات الانتاج وضرائب ورسوم حفزت عدد من المستثمرين إلى إغلاق مصانهم وبعضهم فككها وأعاد تصديرها لتعمل في دول أخرى.

‌د) البنيات الأساسية:
في مايو 2021م التقى د.حمدوك وفد البنك الدولي برئاسة  د. حافظ غانم نائب مدير البنك، وذلك بعد النجاح الكبير لمؤتمر باريس وتم التأكيد على أن المجتمع الدولي يقدر الجهود التي تقوم بها الحكومة السودانية لتنمية الاقتصاد ومحاربة الفقر بجانب كل الإصلاحات الاقتصادية المهمة التي قامت بها.وتمت مناقشة أهمية مشاريع البنية التحتية والاستثمار فيها، بجانب التعليم والصحة وأهداف الحكومة الأخرى. وتم التأكيد على تمويل مجدول لمدة 12 شهر لبعض المشروعات الكبيرة في البنية التحية بقيمة 2 مليار دولار بجانب مشروعات لمساعدة النازحين والعائدين.

وتم التفاكر حول موضوعات الكهرباء ومياه الشرب والري، وتم التأكيد أيضا على خطة في المدى القصير توفر المياه للقرى وتدعم تنمية قدرات المرأة السودانية، وأكد الجميع أنه لا يمكن تصور نهضة اقتصادية دون توفر الاتصالات والطرق والكهرباء والصرف الصحي وغيره من مشروعات البنية التحتية الأساسية وتأهيل وتدريب للقطاعات المنتجة عبر مرافق ومؤسسات تأهيل ورعاية حديثة وقوية، وقف كل ذلك كليا بضربة لازب من برهان.


3. قطاع التنمية الاجتماعية والثقافية ويشمل الآتي:

‌أ) تنمية الموارد البشرية:

تمت إعادة القطاع بالكامل لفلول النظام السابق وتم استدعاء العناصر الأمنية التي كانت تدير مجلس تنمية الموارد البشرية الحكومي، كما تم التضييق على المؤسسات والمرافق غير الحكومية ومنع بعضها من مزاولة نشاطة بعدم التجديد لمراكز ومنظمات وجمعيات لها شراكات إقليمية ودولية.

‌ب) المعلوماتية:
يعتبر العسكر هذا من القطاعات الأمنية السيادية التي يجب أن تكون تحت ناظريهم لذلك ظل ملف المعلوماتية والاتصالات والتكنولوجيا ملف تستحوذ عليه أجهزة الأمن والمخابرات، وقد سعت الحكومة الانتقالية لتحديث كامل ورقمنة كلية للدولاب الحكومي بتمويل وإسناد إقليمي ودولي، ومشاركة فاعلة من تجمعات مهنية لمهندسين وتقنيين سودانيين تطوعوا للنهوض بهذا القطاع، ما أن تم الانقلاب حتى تم إيقاف أي خطوة للتحديث وعزز الإنقلاب من قبضته على قطاع المعلوماتية والسيطرة على الاتصالات والانترنت، بالصورة التي مكنت ضباط المخابرات من قطع الانترنت على كل البلاد في خرق تام للحقوق الدستورية والإنسانية.

كما تم تجميد اتفاقيات التعاون التقني والتكنولوجي ونقل التقانة مع عدد من الدول التي رأت في رفع الحظر الاقتصادي عن السودان فرصة للتعاون التكنولوجي وقضايا المعلوماتية، ولكن بعد الانقلاب تراجعت تلك الدول عن التزاماتها وأكدت أن هذا الأمر لن يدخل حيز التنفيذ إلا في ظل حكومة مدنية ذات مصداقية كما ظلت تردد كثير من الدول والهيئات والوكالات.

‌ج) المنظمات الدولية والإقليمية:
يعد هذا الملف من الملفات المفتاحية لعلاقات السودان الإنسانية والدبلوماسية، وبه تم فتح مسارات تعاون مع كل الهيئات الدولية والإقليمية والمراكز العالمية العاملة في مجالات العمل الطوعي والإنساني والحقوقي، واتخذت الحكومة الانتقالية إجراءات بتنظيف ما شاب هذا الملف من إجراءات وقرارات أدخل السودان بسببه في قوائم الإرهاب والتعاون الدولي، إلا أن مفوض مفوضية العون الإنساني قام بإعادة تسجيل (23) منظمة تمّ حلّها في نهاية (نوفمبر) 2019 لمخالفتها لعدد من المواد المتعلقة بقانون تنظيم العمل الطوعي والإنساني لعام 2006م، ولائحة تنظيم المنظمات الوطنية والأجنبية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية لعام 2013. ومن ضمن المخالفات إجراءات تسجيل المنظمات بصورة خاطئة، ووجود مخالفات في استقطاب وتلقي المنح من الجهات الأجنبية ووجود مخالفات في الاتفاقيات الفنية لهذه المنظمات والمقرّرة بموجب اللوائح، والتي تم إدراج بعضها سابقا في تقارير متعلقة بتفجيرات 11 سبتمبر ولها صلة بتنظيم القاعدة وتمويل الإرهاب.


● عاشرا: قضائيا
تعدي المنظومة القضائية هي رمانة القبان في الاستقرار لأي دولة إذ تمثل هي المرجعية القانونية والدستورية والسلطة العليا التي ينبغي الإحتكام إليها، ولذلك بدأ النظام الإنقلابي في كل الحقب بتجريفها واختلاق الأزمات في أضابير محاكمها الدستورية والعليا والاستئناف والموضوع والمحاكم الإدارية ورئاسة الجهاز القضائي، لذلك نجد أن انقلاب 25 أكتوبر مهد الطريق لإرباك الأوضاع في الجهاز القضائي بتعطيله لفترات طويلة تسمية رئيس القضاء، إلى أن وصل الأمر لانتقاء رئيسة قضاء جلست في مكتب رئيس الإنقلاب أكثر من جلوسها بمكتبها، الأمر الذي حفز الشارع للاحتجاج على سلوكها وتعطيلها ملفات قضائية وعدم تسريعها لملف العدالة، ما دفعها لتقديم استقالتها، ومنذ ذلك الوقت بدأ التلاعب بالقضائية وتحريك ملفات قضاة النظام السابق، إلى أن اكتمل الأمر بتكوين دائرة إدارية بالمحكمة العليا للنظر في قرارات لجنة التفكيك، وسارعت إلى نقضها دون النظر في قرارات لجنة الاستئناف التي أعاق البرهان تكوينها طوال الفترة الانتقالية.

ووصل الأمر أخيرا إلى استصدار قرارات إرتدادية لكل القرارات التي اتخذتها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وأعادت جميع منسوبي الحزب والحركة المحلولين إلى الخدمة ومكنتهم من مفاصل الدولة وأعادت لهم الأموال التي نهبوها والأصول التي امتلكوها بأسس غير شرعية، وأخطر القرارات الارتدادية تلك  التي أعادت قضاة محكمة عليا واستئناف وبدرجات مختلفة إلى السلك القضائي، على سبيل المثال أحد القضاة وهو كادر من كوادر الحزب والحركة المحلولين من ذوي النشاط السياسي المعروف داخل السلطة القضائية واستغل نفوذه التنظيمي ورفض تنفيذ نقله من  مدني إلى الكوة . ثم استقال في عام 1995م من السلطة القضائية ثم أعيد تعيينه في العام 1999م في عهد مولانا حافظ الشيخ الذاكي رئيس القضاء الأسبق وقد انتدب آنذاك إلى الهيئة الشعبية لدعم القوات المسلحة بولاية الجزيرة بعد استقالته وهي كانت واجهه من واجهات النظام البائد وعمل أمينا عاما لصندوق التكافل الاجتماعي ليعُيِّن قاضي نظام عام قام بأخذ أثاثات المحكمة إلى منزله بمنطقة فارس ريفي ود الحداد وقد تم استعاده الأثاثات من قَبل أدارة الجهاز القضائي.واشتهرت فترة عمله بالجبائية، وغيره كثر على هذه الشاكلة من منتدبي منظمة الدعوة الإسلامية والدفاع الشعبي ومحاكم جهاز المخابرات العامة، ومنهم من كان موظفاً بديوان الزكاة ومنسيقة الخدمة الوطنية وهيئة الأوقاف الإسلامية، ومنهم ليس له ما يبقيه في السلك القضائي سوى شهادات العمليات الحربية في جنوب السودان وأوامر التحرك.


 ومن النماذج التي تمت إعادتها للعمل بالقضائية شخص كان بمناطق العمليات يكسلا مرابطا ضمن لواء عثمان دقنة في الفترة من 1990م وحتي يوليو 1996م وفي الفترة من عام 2004م حتي عام 2014م عمل مستشار بوزارة العدل بالإدارة القانونية للهيئة القومية للكهرباء، ورئيسا للإدارة القانونية لشركة السودانية لتوليد الحراري، ورئيسا للإدارة القانونية لوزارة المالية بالولاية الشمالية، ورئيسا للإدارة القانونية لوزارة السياحة والآثار والحياة البرية الاتحادية، ليعود للسلطة القضائية في عام 2014م، ويعين مساعدا لرئيس عام إدارة المحاكم، وينتدب كرئيس الإدارة القانونية لشركة الرواد للعمليات البترولية ويمنح دون سواه احتكار المشاركات الخارجية في كل من (الصين – المغرب العربي- الإمارات العربية لمدة 5 مرات – باريس فرنسا).


ومن ضمن الذين تمت إعادتهم قاضي من الذين عينوا في عام 1992م وذلك بغرض التمكين والإحلال مكان القضاة الذين فصلوا للصالح العام، وهو من ضمن الذين عملوا إقرارات بالانخراط فى الدفاع الشعبي لذود عن التوجيه الإسلامي آنذاك، وقد اشتهر بالتجارة عندما كان قاضيا بغرب السودان كان يستغل عربه المحكمة في تجارة أم دورو من سوق إلي اخر، وإلى وقت قريب عندما كان بالفاشر عمل بتجارة  سيارات ما عرف بـ (البكو) حيث امتلأ ميز قضاة الفاشر بعربات البوكو بل سمح لبعض سماسرة العربات و(الكرين) بالسكن في الميز وذلك يخالف قواعد سلوك القضاة حيث أن القاضي غير مسموح له بأي نشاط تجاري.


هذا غيض من فيض الذي يحدث في المؤسسة القضائة التي عكف قاضي المحكمة العليا أبو سبيحة لإعادة تمكين كافة رموز الحزب والحركة فيها، وهو الأمر الذي لم تنج منه النيابة العامة ولا وزارة العدل ولا ديوان الحسبة ولا المؤسسات التي لها صلة بالحقوق وانتزاعها ليسلط البرهان بانقلابه سيف القضاء على رقاب الشعب وساسته ونخبه ونشطائه ويزجهم في السجون تحت مرأى ومسمع وربما بإشراف هؤلاء القضاة.
● ختاما:
• إن الممارسات الخرقاء التي ارتكبت في عهد هذا النظام ليست بريئة ولم تتم عن جهل وإنما تم القيام بها مع سبق الإصرار والترصد، اشتركت في التخطيط لها والتآمر عليها والتنفيذ جماعات وأفراد ومؤسسات ودول وأجهزة مخابرات ورجال أعمال، ومن سوء حظهم أنهم ارتكبوا هذه الحماقات ضد الشعب السوداني واستعدوا أمة بكاملها، وجيشوا ضدهم مستقل الأمة من شبابه ونسائه، وجعلوا عدوهم الأول إلى الأبد هو الشمولية والدكتاتورية والاستبداد والأنظمة العسكرية.

• كما يتضح جليا أن الطاغية في السودان تقمص دور الإله، فمع تبريره للإنقلاب بأن هناك قلة من أربعة أحزاب استأثرت بالسلطة إلا أنه انفرد بها وحده لا يشاركه قرارها أحد، وأمعن في الاسراف في القتل وتبديد الثروات والأموال وتشريد الكفاءات والخبرات، وكل ما ارتكب هو ورهطه فظاعة من الفظاعات زاد تشبثه بالسلطة، فمارس الخديعة والتضليل للقوى السياسية والتمويه والتعمية للشعب السوداني، وادعى أنه سينأى بالمؤسسة العسكرية عن العملية السياسية ولكنه اتخذ من جماعات النظام البائد وعناصره السياسية والأمنية أدوات طيعة في يده ليخرب بها الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

• هذا يوجب على كل شرائح الشعب السوداني إدراك أنفسهم ووطنهم والتوجه بقوة نحو الكشف عن كافة الممارسات والفظائع والمخالفات التي ارتكبتها السلطة الإنقلابية وتدوينها للتاريخ، ورصدها لتكون حاضرة متى ما استدعى الأمر، فهي شهادة لله وللتاريخ، (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية: 283.

• هأنذا أضع شهادتي بين يدي أبناء شعبي لما شهدته في هذه الحقبة المقيتة التي مثلت أيامها ولياليها أمر فترات حياة السودانيين والسودانيات، وشهدوا فيها قتل خيرة فلذات أكبادهم، وتبديد أغلى الثروات، الأمر الذي أرجو أن يكون بعض وفاء لشهداء الوطن، وقليلا من البر بسوداننا أرض الأجداد ومنبت الرزق.


عروة الصادق

٢٢. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com



الخميس، 20 أكتوبر 2022

حصيد البرهان في عام (٣)

حصيد البرهان في عام (٣)

● مقدمة:
ظل الملف الاجتماعي طوال فترة الانقلاب يتخذ طابعا تدميريا تمزيقيا بصورة لم تخل من تآمر بين، غرضه تمزيق وشائج الشعب السودان وتفريق جموع شبابه الذين تحالفوا جيليا لاسقاط منظومة الإخوان فب السودان وإزالة الفوارق التي وضعتها كجدر مانعة للتواصل بين السودانيين، واستمر قادة الانقلاب في ذلك الأمر بصورة أكثر سفورا للمدى الذي حدى برأس الانقلاب للاستقواء القبلي، وسار على نهجه نائبه الأمر الذي دفع أبواق النظام البائد في الإدارات الأهلية لترديد تلك الأقاويل العصبية الجهولة، وفي هذا الجزء الثالث أركز على الجوانب الاجتماعية وما صنعه فيها الإنقلاب في عام.

ثامنا: اجتماعيا
• أدركت القوى السياسية السودانية باكرا أن المجتمع السوداني لا يمكن أن يتم تنميطه ثقافيا أو دينيا أو تذويبه اجتماعية عبر سياسات آحادية وأيدولوجيات واهمة ووافد وأنماط تغيير احتماعي تنفذ عبر سياسات خاطئة، وتم إدراج ذلك في كل الأدبيات السياسية للقوى السياسية الراشدة، وهوالأمر الذي عززته مراكز ومنظمات ومنصات اجتماعية ومشاريع تغيير تأسست على رؤى تكاد تكون متطابقة، الأمر الذي ضمنته قوى الحرية  والتغيير ضمن أطروحاتها وبرامجها ما جعل حكومتها الأولى والثانية مستوعبة للتغيرات الاجتماعية في المجتمع التي تنطوي على الثقافة باعتبارها عاملا حاسما في التطورات السياسية والثقافية والتنموية ومن الضروري فهم كيفية استجابة المجتمع لهذه التغيرات وعلى ضوء ذلك فتح الباب على مصراعيه لتوفير كافة ما يمكن أن يسهم في تطوير المجتمعات ويعزز تماسكها ويجعلها رافدا تنمويا أصيلا من تشريع وتطوير وتحديث وسياسات وبرامج وتمويل ..الخ.

• إلا أن انقلاب 25 أكتوبر وضع المقطورة أمام القاطرة فلجأ إلى سياسات طوارئ اجتماعية ذات طابع أمني تشريعات لاحقة للكوارث الماحقة، لأنه عجز عن ترجمة التغير الاجتماعي في السودان الذي احدثته الثورة السودانية إلى تغيير سياسي وإجراءات حكومية وسياسات تملأ الفراغ الذي أحدثه زول منظومة الإخوان في السودان والتي هيمنت لثلاثين سنة على مفاصل الدولة ومؤسساتها الاجتماعية وذوبتها في ثوب الحزب الواحد حتى صار كل من لا يرفع سبابته في المجتمع السوداني ويكبر ولو نفاقا هو ضد للدولة ومارق الواجب ملاحقته إن لم يصل الأمر للتهديد والوعيد والاعتقال والسحل والقتل.

• كما قامت الحكومة الانتقالية على دراسة التغيير الاجتماعي من خلال وزارتها المختصة وعكفت على ترجمةكافةالرسائل والرموز المتواترة في أحاديث المجتمعات والمنتديات المنشورة على كافة وسائل التواصل، وتم وضع خطط اشتركت فيها كافة الوزارات المختصة التي صممت رسائل اجتماعية اعلامية إيجابية وبرامج دينية لوزارة الأوقاف وصرف إعانات وتمويل للأسرة الفقيرة ودراسة التركيبة السكانية والشروع في تنظيم احصاء دقيق وحقيقي لمعرفة احتياجات المجتمعات وتوفيرها بتخصصية ومهنية وشفافية وعدالة، وقد أنشأت الحكومة منظومة سياسية وتنفيذية ومالية لدعم للفقراء، وصناديق لمساعدة التنمية في المناطق الريفية النائية، ووضعت برامج ترمي إلى تحسين أوضاع الأسر المعيشية ومساعدتها على التكيف مع التغيرات الاجتماعية..

• لم يتجاهل الانقلاب كل ذلك فحسب بل عمد إلى تعزيز التمزيق الاجتماعي ودق أسافين الفرقة والشتات بين المجتمعات والبيوتات القبلية والدينية وفتح الباب على مصراعية لوسائل إعلامية تبث الكراهية وخطاباتها، وعطل تشريعات كانت ستقر وتنفذ وتوقع عقوبات رادعة لكل من يخالفها لأنها تحرم وتجرم الاستعلاءات الثقافية والدينية والاثنية وتمنع التمايز الاجتماعي، وانتشرت  جراء ذلك نزاعات دامية وعنيفة شملت كل أركان السودان بلا استثناء بدءا بين مكونات شرق السودان وأحداثه المختلفة في بورتسودان وكسلا والقضارف إلى النزاع الأخير بين البطاحين والبجا في حلفا الجديدة.

• وليس ببعيد عن الأذهان اندلاع نزاع كارثي خلف مئات الضحايا فيما نزح أكثر من31 ألف بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الصادر أغسطس 2022م ترجح تقديرات أخرى لوصول العدد إلى 40 ألف نازح غالبيتهم نزحوا لولايتي سنار والنيل الأبيض، وقد أدى سوء التقدير الحكومي إلى تجدد الاشتباكات القبلية في إقليم النيل الأزرق، عندما شرعت لجنة حكومية في إرجاع مئات النازحين إلى مناطقهم، دون أن تضع في الإعتبار تعقيدات الواقع القبلي على الأرض في أعقاب أحداث الاقتتال التي شهدها الإقليم منتصف يوليو 2022م الأمر الذي أدى إلى أحداث في  كل من قنيص شرق بمدينة الروصيرص بمجمع طيبة الإسلامي ثم انتقل القتال إلى أم درفا بمحلية ودالماحي شمال مدينة الدمازين، وما يؤسف له أن هذا الصراع القبلي نشب في ولاية تهيمن عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان وهي التي تحمل مشروع السودان الجديد القائم على الاعتراف بالآخر والإقرار بالتعدد الثقافي والديني والاثني إلا أنها عجزت عن كبح جماح تمدد خطابات الكراهية وجيوب السلاح التي تسربت للولاية، والتي لم تسطع جحافل الجيوش والقوات المشتركة من إيقاف تسببها في النزيف الذي شمل عددا من قرى منطقة ود الماحي بالإقليم، بل لتفصل السلطات المواطنين اجتماعيا  عن بعضهم وعن بقية البلاد قطعت الاتصالات في المنطقة منذ 17 أكتوبر 2022م.

• وفي يوليو 2020م اعتصم مواطنو نيرتتي بولاية غرب دارفور اعتصاما يضاهي اعتصام الشعب السوداني أمام بوابات القيادة العامة للجيش، وأوفدت له الحكومة وقتئذ من يخاطبه لتلبية قضاياه، إلا أن الأمر اتخذ طابعا تدميريا دمويا في سبتمبر 2021م ليكتمل الحرق والتهجير في 2022م الأمر الذي أثبت التقاعس الحكومي إن لم نقل التورط الأكيد في تلك الأحداث التي خلفت مئات الضحايا وآلاف النازحين الذين لم يكتب لهم الاستقرار منذ العام 2003م، وليس من قبيل الصدفة أن تكون تلك المجازر في إقليم يحكمه رئيس حركة جيش تحرير السودان وفي ولاية يقودها والي من حركات الكفاح المسلح، الأمر الذي يؤكد أن سيناريو الإحراج لهذه الحركات مع جماهيرها ومواطني الولاية أمر مخطط له سلفا إلا أنها لم تع الدرس ولم تلق بالا أو تهتم بأدنى عوامل الاستقرار الاجتماعي في الإقليم.

• بالانتقال لجنوب كردفان نجد منطقة جبال النوبة تشهد بركان مكتوب تخرج منه بعض الحمم بين فينة وأخرى، وهناك إهمال متعمد من السلطات لعدم إخماد ما تشعله تلك الحمم من نيران، كما أن غياب المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل عناصر معلومين جعل من إعادة تكرارها أمرا سهل، فقد تزايد عمليات النهب في مدينة أبو جبيهة والمناطق الطرفية على خلفية أحداث محلية قدير وتوترت الأوضاع بصورة أخرجت عدد من المواطنين من المدينة، وتكرر الأمر في مدينة  لقاوة ففي أغسطس 2022م استقبلت مناطق تحت سيطرة الحركة الشعبية (الحلو) أكثر من 7 آلاف شخص من سُّكان المدينة ليتكرر الأمر مجددا بصورة أعنف في أكتوبر 2022م ليتخذ طابعا عسكريا استراتيجيا بقصف مقار بانتقاء عالي بغية تأجيج نيران الفتنة بين مكونات المجتمع المحلي كأن يحتجز الشاب أبو القاسم الناير ويذبح ويتم التمثيل به ويقصف منزل احد قيادات الإدارة الأهلية لتشمل الفتنة كل بيوتات الولاية (نوبة – مسيرية – داجو- وغيرهم)، اكتفت فقط الحكومة بالتنديد وإطلاق الاتهامات، التي قابلتها الحركة الشعبية باتهامات مضادة، الأمر الذي يعني إمكانية تمزيق اتفاق وقف العدائيات وإيقاف إطلاق النار في 2019م، وهو خطوة ستقود إلى صفر سلام.

• كما نشطت اتحادات شبابية لتأجيج صراعات حول الحدود في ولاية غرب كردفان ومطالبات بإنشاء ولاية وسط كردفان، لم تخل أيضا من عنف وتحريض وخطابات قبلية متعصبة، فاقم من زيادتها لحد الاشتباكات وقوف قيادة المنطقة العسكرية والحاميات وقوات الشرطة في خانة المتفرج، وسط مجتمع مسلح بالكامل وينشط وسطه فلول النظام السابق بصورة كبيرة، وقد أثرت تلك الصراعات على كل البلاد كالتخريب الذي حدث في مناطق انتاج البترول من جهات لم يكشف عنها إلى تاريخه والتلويح بإغلاق الطرق الغربي الذي يربط السودان ببعضة وبدول الجوار غربا.


• كل تلك الحروب بين السودانيين أنفسهم مثلت سببا في تمزق اجتماعي كبير ولكن القنبلة الاجتماعية التي لم يتم التحسب لها هي الأعداد الكبيرة من اللاجئين من دول الجوار والمستقدمين من مناطق أخرى هؤلاء عطل الإنقلاب سياسات الهجرة التي اتخذتها حكومة الفترة الانتقالية لينحى بها من الجانب الفني إلى تعامل أمني صرفي وجعل من معتمدية اللاجئين ثكنة تعج بالضباط والمخابرات الأمر الذي سيعطل الاستفادة من استحقاقات السودان من التمويل الدولي لللاجئين الأمر الذي يعني تسربهم من معسكرات اللجوء إلى المدن ومناطق الانتاج دوان اتخاذ أي خطومات لإدماجهم في المجتمع أو تسهيل إقامتهم في البلاد ما سيؤدي لتغيرات اجتماعية مستقبلا.


• هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين سريعة التنامي وتنتشر في  التجمعات السكانية المتزايدة في المدن والأرياف وتنشط في الحياة العامة اجتماعيا واقتصاديا وتستغل من بعض أصحاب النفوذ لتظهر شبكات تتاجر في العملات وتزيفها وتهريب البشر والسلاح والاتجار في المخدرات والممنوعات والدعارة، وصار الأمر عملية منظمة وصلت تهريب بعض هؤلاء المهاجرين من المقبوض عليهم في جرائم خطيرة من السجون السودانية ليعيدوا الكرة مرة أخرى.

• أخطر ما حاول الإنقلاب فعله هو إحداث قطيعة اجتماعية بين الأجيال السودانية المتعاقبة، وقد بث عبر آلته الإعلامية دعاية كذوبة قبل وأثناء وبعد الإنقلاب تشيطن الأحزاب السياسية وقادتها ورموزها في محاولة لإقامة حواجز بينهم وبين جيل الشباب، وقد حاول رئيس الانقلاب مخاطبة الشباب في الأيام الأولى للإنقلاب واجتمع بأعداد كبيرة منهم وتم تصميم أجسام اجتماعية وسياسية ضرار تهتف بإحداث هذه القطيعة الاجتماعية بين الكبار والصغار، الأمر الذي سرعان ما تداركته السبيكة الاجتماعية السودانية وتنسيقيات لجان المقاومة بأن هذا الفخ المنصوب الغرض منه إضعاف الشعب السوداني.

• كما حاول الانقلاب استعادة المنظومة الاجتماعية للحزب الحاكم وتمكين إداراته الأهلية المؤدلج بأيدلوجية واحدة مهيمنة وسهل لهم كافة سبل الحركة والنقل والتواصل والتسليح والحماية والنفوذ، حتى صار بعض قادة  الإدارات الأهلية يهدد ويتوعد بقية البلاد بحرب شاملة وشرر مستطير، وهو ما حفز كيانات اجتماعية أخرى للاصطفاف على أسس مضادة للتوجه الأيدولوجي الأحادي، وبهذا الفعل غير المدروس عطلت حكومة الإنقلاب آفاق التفكير السابق بتوطيد أواصر التعايش وأغلقت أطر التفكير  والوعي المشترك بالتغيرات الاجتماعية.

• بعد أن حدثت الثورة المنظومة الاجتماعية والسياسية والفكرية والاجتماعية وقدمت عدد من الشباب في مواقع مختلفة أصر قادة الإنقلاب إحداث ردة في هذا المستوى بإرجاع الجميع إلى آثار الشيخوخة الاجتماعية بابتعاث أموات النظام البائد وأفكارهم التي لفظها الشعب السوداني من قبور الثورة ووضعهم في صدارة المشهد الاجتماعي تحت مسمى مجالس حكماء الولايات التي عجت بالعنصريين والإخوانين من الفلول،  ما أثر ذلك بصورة مباشرة على التنمية الاجتماعية- واقتصاديات المجتمع، إلى جانب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تحدث في السودان، ومن جانب آخر أبعد الإنقلاب كافة الكفاءة المهنية والقيادات الاجتماعية وأحالهم للتقاعد المذل ما أعاق ضمان مواصلة إدماج كبار السن وتمكينهم الأمر الذي أحدث هزات نفسية واجتماعية يصعب علاجها وتداركها.

• استندت الحكومة الانتقالية في تخطيطها على بيانات ومسح ميداني فعلي إلا أن سلطة الانقلاب استنسخت بيانات النظام البائد كما هي والتي كانت تصمم على أنشطة تمول المجهودات الحربية والمنظومة الأمنية، ما أثر بصورة مباشرة على المجتمعات الهشة والتعليم والصحة وأوضاع النازحين والقطاعات الفقيرة، فقد بدأت وزارة الرعاية الاجتماعية بالمركز والولايات برصد دقيق وفعلي للقطاعات المستحقة للدعم المباشر والأسر الفقيرة والأيتام والأرامل وذوي الدخل المحدود، والكيانات والجمعيات الاجتماعية والروابط الأهلية وعكفت على دعمها بصورة مباشرة عبر مفوضية متخصصة وبنوك حكومة الأمر  الذي أوقفه كليا الإنقلاب وقطع الطريق أمام تدفق أموال كانت ستحقق بعض الاستقرار الاجتماعي ما كان سيسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

• كانت الثورة السودانية نتاج التغيرات والتراكمات التاريخية، فضلا عن التغيرات الاجتماعية والسياسية التي حفزت جيل الشباب للوثوب نحو المستقبل والإنقضاض على النظام الإخواني، وكانت أداتهم الرئيسية في هذا الأمر الترابط الاجتماعي والوحدات التنظيمية المهنية والفئوية والقطاعية والحرفية ومثلت وسائل التواصل الاجتماعي شريان ذلك التواصل الحميد، الأمر الذي دفع الإنقلاب إلى إجراءات تقطع تلك الروابط الاجتماعية القوية باستخدام ذات الوسائل عبر تخليق كيانات اجتماعية ربيبة للانقلاب ولجان تسيير ونقابات تأتمر بأمر سلطه وتسخر وسائل التواصل الاجتماعي ومراكز النظام الإعلامية لتصميم رسائل مهددة للسلم والأمن الاجتماعي الأمر الذي أحدث شرخا اجتماعيا كبيرا، وفي كثير من الأحيان ليعزز النظام تلك القطيعة الاجتماعية ومنع التواصل عكف على قطع شبكة الانترنت وإغلاق المعابر التي تربط المدن اجتماعيا في حالة أشبه بالحصار الاجتماعي.


• أرغم سلوك الحكومة الانتقالية المؤسسات الاقتصادية الكبرى في السودان ورجال الأعمال على انتهاج سياسات جديدة تجاه المسؤولية الاجتماعي، فقد انتشلت أيادي العون الكثير ممن يستحقون الدعم عبر إجراءات المسؤولية الاجتماعية التي اتخذت طابع الحياد، ولكنها بعد الانقلاب تم تحجيمها لتقتصر على الجهات التي توصي بها أذرع الإنقلاب بإملاء من فلول النظام السابق الذين تم تمكينهم مجددا من المنظمات والكيانات والجمعيات الاجتماعية التي تستنزف أموال المسؤولية المجتمعية.


• ركزت الحكومة الانقالية على مواضيع مهمة بجانب عملية السلام وهي: تحديات استدامة الديمقراطية وسبل استقرار، والتغيرات الاجتماعية المرتبطة بها، والكوارث الإقليمية والدولية المتسببة في تلك التغيرات بالإضافة إلى  مستقبل السودان ، واتخذت لذلك السبيل العلمي الأكاديمي الموضوعي للتحليل الاجتماعي معززا ببيانات حقيقية ومستفيدات من قفزات التكنولوجيا والتطور الذي يمكن من رصد سكان السودان ومجمعاتهم الاجتماعية واحتياجاتها، وأعانت في ذلك منظمات دولية وهيئات مهتمة بالأمر، الآن نستطيع القول بأنه تم القضاء على كل ما بذل وقطعت الصلاة بين تلك المنظمات الإقليمية والدولية وخرجنا من المراصد الدورية المنتظمة التي تمدنا بكل التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعقدة والمتغيرة التي تؤثر بصورة مباشرة على أوضاع حقوق الإنسان والتنمية والديمقراطية وحتما ستقود لإحداث نزاعات داخلية سيتأثر العالم من تناميها.

• كما مضت الحكومة الانتقالية قدما في ملف التشريعات المدنية المتعلقة بالمجتمع السوداني وقانون الأحوال الشخصية وذلك لإلحاق البلاد بمنظومة التشريع الأممي فيما يخص قضايا المجتمع والأسرة والطفل والنساء وقضايا تمكين المرأة وإلغاء القوانين التي تحط من كرامتها، والبدء في سن قوانين تتواءم مع التشريعات الدولية والحقوقية تعزز شعور  النساء بقيمتهن الذاتية، وبقدرتهن على التحكم بمقادير حيواتهن، وقدرتهن على التأثير في مواجهة التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تطرأ عليهن، إلا أن الإنقلاب عطل هذا الجانب التشريعي واتخذ ممارسات سياسية واجتماعية وأمنية حاطة من قدر النساء وإلى الآن يناور بملف المصادقة على اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة ويتمنع عن الالتحاق بمعاهدات واتفاقيات لها صلة بالمجتمع.


• جعلت الحكومة الانتقالية ملف الأقليات ملف ثراء ثقافي وتعايش اجتماعي إلا أن الانقلاب اتخذه مدخلا للاستقطابات الاثنية والقبلية والمزايدات الاجتماعية وشرع في تكوين إدارات أهلية واتحادات اجتماعية سوادها الأعظم فلول النظام السابق، ولجأت كثير من الأقليات للاستقواء بمال وسلاح وسلطة الإنقلاب،  الأمر الذي أدخل بعضها في معارك دامية وخصومات اجتماعة تعتبر الأكثر تهديدا للاستقرار في السودان، لأن ملف الأقليات دوما ما تستخدمه الأنظمة المتسلطة لتأجيج الحروب.


• كل هذه الآثار مجتمعة أثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة على السلوك الإنجابي، فانتشرت الأمراض الاجتماعية كالطلاق، والأطفال فاقدي السند، وتزايدت عمليات الإجهاض بنسب مخيفة ففي السابق كانت عمليات الإجهاض تتم في المنازل أو على يد أطباء كالطبيب الشهير عبد الهادي الذي صرح بأنه أجهض لحوالي 10 آلاف إمرأة حامل، واليوم تم منح تراخيص لمراكز صحية وعيادات وصيدليات أصحابها فقط رؤس أموال أو لهم علاقات بنافذين تمارس فيها تلك العمليات بصورة أشد وضوحا من ذي قبل، وذلك لانتشار أموال طائلة في أيادي مراهقين لا يحسنون إدارتها. 


• وإدراكاً منها للحاجة إلى إتباع نهج شامل تجاه قضايا الشباب، بدأت الحكومة الانتقالة سلسلة من المبادرات في مجال تنمية وتطوير الشباب ومؤسساتهم الاجتماعية والاقتصادية والرياضية والفنية وريادة الأعمال، ورصدت لذلك أموال كثيرة ومشروعات كبيرة كان هدفها إحداث استقرار اجتماعي بالمقام الأول لأن استقرار الشباب هو مدخل للتنمية والاستقرار الاجتماعي وهو كابح لعمليات التجريف الاجتماعي التي تسببها المخدرات والحروب والصراعات، ولكن لأن هذا الأمر يجرد (لوردات) الحروب من أسباب التجنيد  قطعوا الطريق أمام ذلك بالإنقلاب وبدأوا في بث خطابات الكراهية لفتح المزيد من معسكرات التجنيد كل لمعسكره .

نواصل.....

عروة الصادق

١٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com


الأربعاء، 19 أكتوبر 2022

معارك حامية ومخاض أكتوبري

معارك حامية ومخاض أكتوبري

● سيظل التباين الثقافي والسياسي والديني والقبلي سمة أهل السودان والخليفة الخالدة، وسيبقى الاختلاف في الألسن والألوان والمعتقدات ما بقيت السموات والأرض، ولكن السبيل الأنجع هو التسامح والتعايش بالحسنى واحترام بعضنا البعض، لا بتغذية الصراعات الإثنية وتأليب النعرات وتذخير الصراع بأدوات العنف الفتاكة، فقد ظلت منطقة الجبال (جبال النوبة) خصوصا الشرقية منها تشهد عدد من النزاعات ولكن سرعان ما يتم تداركها، وقد شهدت ولاية جنوب كردفان إيقاف عدائيات ووقف إطلاق نار وإبرام اتفاق (الحلو - حمدوك)، ولكننا نشهد هذه الأيام محاولات حثيثة لنسف أي بذرة استقرار فيها، وذلك لانتهاء فصل الخريف وبدء تحشيدات عسكرية وأخرى مضادة في مناطق يمكن أن تهدد حصاد الموسم الزراعي الناجح إلى حد ما.



● وتبعا لذلك استصدرت القوات المسلحة والدعم السريع بيانات تنديد وإدانة لما وصفوه بالعدوان و (جموح) الجيش الشعبي، ومن جانبها أصدرت الحركة الشعبية بيانا تتهم فيه (جنوح) القوات النظامية لفئة من أطراف الصراع، وجميع هذا معناه أن الأوضاع إذا استمرت بهذه الحرب الكلامية ستتصاعد لتخلف معارك حامية وجروح لا يرجى برؤها، وإحداث حالة من اللا استقرار والنزوح لآلاف الأسر، وهو أمر يقتضي من كل ذي عقل وقلب من أهل الوطن والمنطقة رجالا ونساء من ساسة وإدارات أهلية وقادة مجتمع الإسراع لوأد هذه الفتن في مهدها.



● كما على الشباب الذين انخرطوا في الترويج لمشاريع تمزيق الوطن الالتفات لأنفسهم أولا ولمستقبل الوطن المشترك الذي لن يشاركهم فيه من يروجون للحروب، اأن هذا الجيل ما بينه من مشتركات أكبر من كل المفرقات الموروثة والسموم المبثوثة، فهذا الجيل هو الذي خاض معارك الحامية مع دكتاتورية الإنقاذ لثلاثين عام بالسلاح والكفاح، وانتصر عليها بثورته السلمية الموحدة، وهناك من يعمل ليل نهار لتمزيق هذه الوشيجة ونحن بغفلة وغباء نهلل ونكبر له ونقدس بحمد حربه اللعينة، واجبنا الإنتباه فالإنتباه ثم الانتباه.




● لأن البلاد مرشحة للعنف الشديد فضبطيات الأسلحة التي تعلن بين الفنية والأخرى من قوات نظامية مختلفة تقول أن هناك عمليات تسلح خفي وهناك أسلحة بكميات كبيرة تتسرب إلي البلاد برا وبحرا ومن ثم لأيادي المواطنين وتمتلك خارج الأطر الرسمية، وهناك ما يحفز لاغتناء الأسلحة ولو بصورة غير شرعية (بدون اورنيك ١٢ س)، وذلك لما يعيشه المواطن من حالات خوف وهلع جراء فظائع الجماعات المنظمة التي تجتاح الأحياء والمجمعات والمرافق العامة تسلب وتنهب وتروع الآمنين وتقطع أوصالهم تحت مرأى ومسمع سلطة البرهان.




● في هذه الأثناء يأتي إلى البلاد قادما من واشنطن وزير المالية بخفي حنين، مرددا أن إجراءاتهم الإنقلابية في ٢٥ أكتوبر أثرت على التعاون الدولي مع السودان، وحجمت دور صندوق النقد والبنك الدوليين في السودان، وهددت التعاملات المالية الضخمة بينهما والسودان، وكأن (معاليه) قد اكتشف (الذرة)!!!، إلا أن صديق لي نبهني أنه اكتشف (الزرة) فقد بات الانقلاب وقادته (مزرورين) في ركن قصي يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا حتى أضحوا يتشاكسون ويتلاومون.




● ومع استمرار هذا المخاض المالي العسير، تزداد الضرائب والضوائق المعيشية والركود والكساد وتسرب التلاميذ من المدارس ويعاني كثير ممن زروعوا هذا العام من شح العمالة وارتفاع تكاليف الحصاد، وبعض المحاصيل كالسمسم عرضة للهدر والتلف ما لم يتم تداركها، وهو ما يتطلب تمويل عمليات الحصاد، وشراء المحصول الذي إن أحسن جمعه، سيدر على البلاد عملات صعبة ويوفر لها احتياطي غذائي يجنبها شح الغذاء وربما وقاها شبح مجاعة تلوح في الأفق وفق تقارير دولية.




●  وكذلك تستمر مناهضة الشارع للإنقلاب بفعاليات وأنشطة كثيرة ومتعددة ومختلفة، فالضغط الجماهيري والتعبئة الشعبية والمواكب مستمرة، وقد اتجهت الحرية والتغيير لعقد ندوات جماهيرية حاشدة في المركز والولايات آخرها كانت في النيل الأبيض بمدينة كوستي في ميدان الحرية الذي عج بآميه، وكذلك تستمر التجمعات المهنية والقطاعية والفئوية والحرفية في تنظيم الاضرابات والاحتجاجات وصولا للعصيان المدني الشامل والإضراب العام، والآن كافة تسييريات النقابات المهنية والفئوية والحرفية تنسق مع بعضها البعض رفضا لسوء الأوضاع بعد عام كامل من الإنقلاب.




● في ذات الوقت تستمر العملية السياسية بالتوازي مع الضغط الجماهيري، فقد أكملت الحرية والتغيير رؤيتها الدستورية ومباديء وأسس الحل السياسي الشامل للأزمة لتحقيق التسوية السياسية الشاملة، لا المساومة كما يصورها البعض، وقد صاغت مسوداتها ونشرتها للكافة وانخرطت في مشاورات مع عدد كبير من قوى الثورة والفاعلين والمراقبين والميسرين الإقليميين والدوليين بغية الوصول لموقف موحد وإخراس كافة الألسن التي تتحدث عن اتفاقات سرية وتحت الطاولة مع قادة الإنقلاب، فالأمر منشور وقابل للجرح والتعديل، والضغط مستمر لإسقاط الانقلاب العسكرى وإبطال إجراءاته وإقامة السلطة المدنية الكاملة.




● فيما تنشط حملات حزبية أيضا للدعوة إلى مواكب ذكرى ٢١ أكتوبر المجيدة وذكرى مرور عام على الانقلاب المشؤوم والتي حشدت لها القوى السياسية قطاعات شبابية وطلابية ونسوية، ستنتظم أنشطة وفعاليات أكتوبر كل الأسبوع الأخير من الشهر والمتوقع أن يصل التصعيد ذروته فيه، لأن الإجراءات التي ينتهجها الانقلاب تقول بأن الإصرار على البطش والتنكيل بالخصوم لا زال سمة غالبة وسلوك أدمنته أجهزة قمع الإنقلاب.




● وهو ما يوجب وحدة جماهيرية وتنسيقية بين قوى الثورة لتضع حدا لهذا العبث الذي استطالت أيامه، كما أن أكبر محفز للتحرك الجماهيري والفئوي والقطاعي هو عودة الفلول بكل وقاحة وعنجهية لمفاصل دولاب الحكومة للهيمنة مجددا على الدولة ومرافقها التنفيذية في كل المستويات بل حتى المؤسسة القضائية شهدت عمليات تنقلات تمكينية عززت تواجد التنظيم المباد وعناصره في رئاسة الجهاز القضائي والمستويات القضائية العليا، فبعد أن أجهز البرهان على دولاب الدولة المدني وقضى على الخدمة المدنية وهيئات الجيش العليا وقادة أسلحته وألويته، وغير هيئة القيادة في الشرطة، هاهو يستكمل التمثيل بالمؤسسات القضائية ليتماهى تمام مع الدولة الإخوانية الخفية ويبتعث رميمها من القبور الثورية.




● ختاما: هذا المخاض أشبه بأواخر أيام المخلوع في إبريل، إلا أنه هذه المرة يطل علينا أكتوبريا خالصا، امتزج فيه (عبق) ذكرى ٢١ أكتوبر ١٩٦٤م، و(عطن) إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، فانتج حالة من الأسى والرفض الجماعي للواقع الذي سيشهد الجمعة ٢١ أكتوبر ٢٠٢٢م هزة شعبية جماهيرية سلمية تجتاح مدن السودان لتحيي أثر أكتوبر المجيد، وتمهد الطريق لأخرى أقوى في ٢٥ أكتوبر الذي يرجو الجميع أن يكون آخر مسمار في نعش السلطة الإنقلابية المتهالكة، وأن يكون مخاضا لميلاد فجر الحرية والسلام والعدالة.




عروة الصادق

١٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com


الاثنين، 17 أكتوبر 2022

مصر الأنجلوفونية الخديوية العثمانية والسودان

مصر الأنجلوفونية الخديوية العثمانية والسودان

● احتل الألباني محمد على باشا السودان في ١٨٣١م، وفي ١٨٦٩م أخطر السفير البريطاني هنري بولار في استنبول خلفه محمد سعيد باشا بأن: (( بريطانيا لا ترغب في حكم مصر أو ممارسة اي نوع من الوصاية عليها .. إلى أن قال...  إلا أننا  لا يمكن أن نسمح لأي قوة أجنبية أخرى بأن تسيطر أو تفرض وصايتها على مصر)).




● وكان هاجس بريطانيا مشروع قناة السويس الذي يسيطر عليه الفرنسيين وهو ما لا تريد مصر تأخير تنفيذه لتجاوز الدين الذي بلغ حوالي ٥٠ مليون جنيه إلى أن وصل ١٠٠ مليون، الأمر الذي قاد عند افتتاحه بتكليف أهم حاضري الافتتاح صامويل بيكر وإرساله على رأس ١٧٠٠ رجل للدخول للسودان تحت ذريعة محاربة الرق حتى استقالته من المهمة في ١٨٧٣م وهي ذات الخديعة التي دخلت بها بريطانيا لاحقا وتمت الاستعانة بغردون الذي اعتقل الزبير باشا ووجه بملاحقة وقتل ابنه سليمان.



● والمؤكد من كل المذكرات التي نشرت وتنشر تباعا أن غردون ذات نفسه تم إيفاده مرة أخرى من غلاديستون عام ١٨٨٤م للسودان لتقييم الوضع وترتيب جلاء من في الخرطوم وقد كتب تلغرافا بأن الجلاء ممكن ولكن ضروري أن نترك خليفة، وكان ترتيبه أن يستخرج الزبير باشا من الإقامة الجبرية في مصر ليوليه حاكما عاما خلفا له في السودان، وهو ما لم يوافق عليه وليسلي وكان يجد رفضا كبيرا من الصحافة ومنظمة مناهضة الرق في بريطانيا.



● عزز من دخول بريطانيا للسودان هزائم عثمان دقنة التي ألحقها بحاميات الشرق وفتكه بجنودها المصريين وضباطها البريطانيين، وانتصارات الإمام المهدي في الأبيض وقدير وفشودة وبارا، كل ذلك جعل غردون يغير رأيه من الاجلاء إلى الاستيلاء.



● ظل جلادستون رئيس الوزراء البريطاني يرفض إرسال جنود لاحتلال السودان، حتى بعد تغراف غردون في فيراير ١٨٨٤م، وله تصريح شهير: إرسال قوات إلى السودان سيكون بمثابة حرب من غزاة على شعب يناضل لينال حريته ويكافح ليكون حرا)، وبرقية قال فيها: ( ليكن واضحا أن الحكومة البريطانية تكون ملعونة لو أنها سمحت لضابط سلاح مهندسين واحد ان يجر بريطانيا بأكملها الى حرب شاملة في السودان)، شاركه في ذلك جرانفيل وزير الخارجية الذي قال بأن غردون يمارس سياسته الخاصة في السودان، وخاطب مجلس اللوردات بأنه لا تترتب عليهم مسؤولية أخلاقية حال أقدم شخص طوعا لمهمة انتحارية على النقيض تماما من موقف الملكة فكتوريا التي كانت تقف في صف غردون وتوبخ جلادستون لتأخره، وخاطبته ( بحق شرف الأمة والحكومة يجب عدم التخلي عن غردون)، إلى أن استسلم غلادستون أخيرا ووجه بحملة الإنقاذ التي لم تصل إلى أن قطع رأس غردون.




● ليكون ذلك الرأس المقطوع سببا فيما بعد لحملة إعادة الفتح التي كانت ذريعتها إنقاذ الطليان في كسلا، وهيأ له كتشنر تخطيطا كبيرا عبر مدن لخط السكك الحديدية العسكرية التي شارك في تشييدها سودانيون، بتمويل مباشر من وزارة الحربية البريطانية وإشراف شخصي من اللورد كرومر، وبذلك تسلل الاستعمار إلى السودان مجددا رغم مناوشات الأمير ود بشارة لصدة، ورغم جحافل الأنصار في قرية عكاشة لأن فعل المكسيم والذخيرة( دمدم) فتكت بتلك الصدور.



● من هذه الخليفة التاريخية الأنجلوفونية الخديوية العثمانية ومن تلك الهواجس المشابهة لقناة السويس وثروات البلاد ونزاعاتها الأهلية،  ينبغي أن تنطلق كل القوى الوطنية التي تريد استقرار الحكم واستقلال السودان لا استغلاله من الآخرين، وقد ظلت مصر الخديوية أو الأنجلومصرية هي بوابة الدخول إلى السودان وهي التي كافأت خرطوم اللاءات التي أبرمت صلحها بانقلاب القوميين العرب في ١٩٦٩م، وكذا كان دأبها في ١٩٨٩م، إذ أنها أول الدول التي أبدت إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية في السودان، ومن بعدها عضت عليه الأنامل من الغيظ، لذلك علينا أن نتخذ موقفا من هؤلاء يحقق مصالح شعبنا ويمنع التدخلات الخبيثة وإحالتها لأخرى حميدة تحجب الشرر عن البلاد والعباد.



● لذلك تأتي زيارة قيادات الحزب لمصر لحضور اجتماعات دعت لها الإدارة المصرية في الربع الأول من العام الحالي على أن تكون في أغسطس المنصرم تم الاعتذار من الحزب نسبة لظروف الكوارث والأزمات التي مرت بها البلاد لتكون في أكتوبر الجاري، وشارك فيه قيادات الحزب من الرئاسة والأمانة العامة والمكتب السياسي على مستوى رؤساء الأجهزة فيما شارك من الهيئة د. عبد المحمود أبوه الأمين العام للهيئة، بالإضافة لمكتب الحزب بالقاهرة.



● الإدارة المصرية حينما دعت للأمر لم يكن هناك أي اتجاه نحو الحوار بين السودانيين حتى ناهيك عن الحديث عن تسوية، واعتذر الحزب لانشغاله الشديد بحراك الداخل وقتها وتتالت الأزمات، وقرر وقتئذ أن يكون اللقاء في أكتوبر ليتزامن مع أجواء الحديث عن التسوية، ولا يخفى على شخص رغبة مصر إيجاد موطيء قدم في كل شيء يخص الشأن السوداني، كما لا يخفى على أحد مواقف الحزب الداعمة لتواصل الشعبين المصري والسوداني مع الحرص التام على استقلالية القرار الوطني وأن تكون أي علاقة بين البلدين قائمة على المصلحة المشتركة.




● ولكن هناك من يحاول التشويش على حراك حزب الأمة القومي ويقيده ليقتصر عمله داخل الأزقة والحواري السياسية، فلولا تحرك الحزب وقيادته في عواصم الدول لما تم توقيع نداء السودان ولما التقى قادة العمل السياسي السوداني بالحركات المسلحة، وفي مصر جالية كبيرة جدا تعاني من أزمات وظروف تستوجب الوقوف معها وبحث سبل معالجة شؤونهم مع الإدارة المصرية خاصة أوضاع الأسر والتلاميذ والطلاب والمرضى، وحزب الأمة يتحرك من واقع مسؤوليات تاريخية اليوم نحو مصر وغدا نحو إثيوبيا وبعدها نحو شاد وجنوب السودان وليبيا وغيرها من دول الجوار لأننا قد نكون معارضين اليوم ولكننا حكام الغد ونريد لسوداننا أن تبنى علاقاته على المصالح والاحترام المتبادل.



● ختاما: ويبقى الواجب الوطني قراءة التاريخ واستلهام الدروس والعبر منه للمضي نحو المستقبل، فلن يتحقق استقرار سياسي في السودان وهناك من جيراننا من يضمر لنا العداء، ولن يسمح العالم المعطون في الدكتاتوريات حولنا من بزوغ ديمقراطية في السودان، فالمنطقة العربية والأفريقية تعج بأنظمة استبدادية وملك عضود من العسير عليه استيعاب ومضة السودان الديمقراطية التي تآمر بعضهم على وأدها عند كل ميلاد، وهاهو السودان ينتفض كما العنقاء من الرماد مجددا أقوى مما كان عليه، وهناك فرصة لأن يستفيد منه العالم إن أرادها فستتحقق المعادلة الكسبية لكل الأطراف وإن لم يردها فستنفجر أزمات العالم من السودان ويحرم العالم من فرصته الأخيرة لاستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر وتحقيق الأمن الغذائي وإيقاف النزاعات المسلحة والجماعات المتطرفة وإيقاف تدفق الهجرة غير النظامية.


عروة الصادق

١٧. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com