الجمعة، 11 نوفمبر 2022

الجزيرة أبا - انهيار أبا الجسر والجاسر

الجزيرة أبا - انهيار أبا الجسر والجاسر
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

● تنذر الأيام بخطر داهم يهدد سكان أكبر الجزر في النيل الأبيض، فقد ارتفعت مناسيب مياه النيل بصورة كبيرة تضررت منها مناطق جنوب الولاية، في الجبلين والجزيرة مصران وغيره، وأثرت على كثير من البساتين والمزارع والمشاتل، القريبة من النيل وأدت إلى تهجير بعض السكان من منازلهم التي تعرضت للغرق بمياه الفيضان.


● أما التهديد الأكبر للجزيرة أبا أخطر وأعظم لكونها داخل النيل ويحيط بها إحاطة السوار بالمعصم بها حوالي 22 ألف نسمة، ليس لها إلا مخرج ترابي واحد وهو (الجاسر)، والذي شيده الآباء المؤسسون بردم النيل من الناحية الشرقية للجزيرة ليكون المنفذ البري الوحيد الذي يربطها مع الطريق القومي، وهذا الجاسر قد فعل فيه المد والجزر هذه الأيام فعلهم فبدأ بالتآكل ولا يحتاج سوى 24 ساعة عمل جادة من وزارة الطرق والجسور والبني التحتية حتى يتم إنزال مصارف مائية مؤقتة وتوسعة ردمه إلى أن يكتب الله أن يشيد بمواصفات مستدامة.


● في فترات سابقة وعند إنشاء خزان جبل أولياء كانت التقديرات أن كل الجزر في النيل ستتأثر وتغمرها المياه وستكون غير صالحة للسكن أو الزراعة، ولكن إصرار الأنصار في الجزيرة أبا كان أقوى وأصروا على تحصين الجزيرة بجسور ترابية تمتد على محيط الجزيرة من أٌقصاها إلى أدناها واستقر الأمر لعشرات السنين.


● ولكن في السنوات الأخيرة لأسباب الإهمال الحكومي لصيانة الجسور والجاسر، تعرضت كثير من المناطق إلى تجريف وهدام جراء ارتفاع مناسيب مياه النيل، وهاهو الأمر يتكرر مجددا، وهو ما يهدد مئات الأسر المحاذية للنيل، وكل الرقعة الزراعية التي تزرع شتاء هذا العام.


● قامت جمعية صيانة الجسور ودرء الكوارث وهي جسم أهلي من السكان، بعمل كبير جدا وبعون ذاتي بسد بعض فجوات التسرب في المناطق المهددة، واستنفروا طاقات الشباب الذين رابطوا في تلك المناطق وهم لهذه الساعات يسهرون الليل ويصلونه بالنهار يراقبون أمواجا تتلاطم تتبتغي هدم الجسر لإغراق أبا وأراضيها.

● أخطر المناطق التي يهددها الفيضان منطقة تكسبون التي تأثر فيها حوالي كيلومتر كامل، ومنطقة خور الحر شمال طيبة، وهي منطقة إذا لم يتم تداركها ستغرق مشروع طيبة الزراعي وتعطل العروة الشتوية بالكامل.


● كما تأثرت منطقة البساتين في الحلة الجديدة وهي منطقة مهمة جدا ونسبة التأثير فيها عالية للغاية وتحتاج إلى تدخل عاجل شأنها شأن المناطق الأخرى.


● أما قوز عبد الرسول وامتداد المناطق المحازية لأرض الشفاء إلى الغار وهي مساحة طويلة وممتدة لحوالي اثنين كيلومتر معرضة للغمر بالمياه.


● وكذلك غابة السنط من الناحية الغربية للجزيرة أبا تعد من أكبر وأطول مناطق الهشاشة بمحاذاة النيل وإذا لم يتم تداركتها ستمتد المياه إلى أحياء غربية قريبة من الغابة.


● وتعرضت (قباء) أو "التمرين"، تحديدا منطقة  كرش الفيل في الشمال الأقصى للجزيرة لبعض التأثيرات متوقع زيادتها بصورة كبيرة على وجه الخصوص خور مكي، الذي يعد أخطر نقاط الهشاشة الشمالية والذي تمتد تاثيراته على المشروع الزراعي في التمرين والذي يستعد مزارعوه للعروة الشتوية.


● الجزيرة أبا موطن للقاح قبائل السودان مجتمعة، عاشوا في تواد وتآخ ومحبة، تزاوجوا وتصاهروا وقاوموا الطغيان والاستبداد ولا زالوا يفعلون، قدموا للسودان خيرة الحرفيين والمهنيين والعلماء والأساتذة والمشائخ وحفظة القرآن الكريم الذين يتوزعون على امتداد المنقطة سنويا للصلاة بالجزء في قيام رمضان.


● أهلها لا يعرفون الركون أو الهزيمة والإنكسار، ورغم أن النظريات الاجتماعية تقول بأن سكان الجزر نظراتهم ضيقة ومحدودة، إلا أنها ظلت على امتداد التاريخ ترنو للمستقبل ولآفاق أرحب، فامتدت أيادي أبناءها لكل أرجاء السودان يخدمون في مرافقه العامة والخاصة ويؤسسون مشاريعهم الخاصة ويبدعون في مجالات عملهم.


● لم توفهم الأنظمة ولا الحكومات المتعاقبة حقوقهم، وظلوا في قلب السودان البقعة المنسية التي ظلت الأنظمة الاستبدادية تساومها بالخدمات من صحة وتعليم ومرافق عامة، ومثلت شوكة الحوت في أعناق الطغاة وشاركت في كل المحافل الوطنية وتقدمت بأبنائها شهداء في الثورة المجيدة كأولى المدائن، فارتقى الطفلان شوقي الصادق ومحمد إسماعيل مضرجان بدمائهما في أرض أبا، فكانا ذينيك الشهيدين من قرابين الحرية والسلام والعدالة.


● إن واجب الساعة هو الوقوف مع أهل أبا وتدارك الخطر المحيط بهم، والإٍهام بكل الممكنات لحمايتها من أخطار الفيضان والآثار المترتبة عليه صحيا وبيئيا، واللحاق بمشروع الجزيرة أبا الزراعي كيلا تتأثر العروة الشتوية التي إن لا قدر الله كتب لها الضرر فسيرتد ذلك على معاش عدد من الأسر والمجتمعات المحلية التي تكتفي ذاتيا في معاشها من تلك الأنشطة الزراعية.


● ومن نافلة القول ذكر الإهمال الحكومي، ليس لأبا وحدها وإنما لكل مدن السودان، فصارت العاصمة في حد ذاتها مكبا للنفايات وصورة مصغرة للخراب الذي حل بالبلاد، ولكن الجهود الأهلية متواصلة وتحتاج إلى دعم ونفير من أبناء أبا ومن أبناء الوطن، وتقديم كل ما يمكن تقديمه لتلافي آثار الكوارث المحدقة بأبا وأهلها.


● اللهم اكتب لجميع السودانيات والسودانيين الخير، واصرف عنهم كل شر، وكف أيدي الظالمين عنهم وقيض لهم النعماء والسخاء والرخاء والأمن والأمان، والطف بأهلنا في الأبيض وكردفان وقهم هذا الداء العضال، وصل وسلم على الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم.

عروة الصادق

في 11 نوفمبر 2022م.

البقعة

orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 10 نوفمبر 2022

قرارات البرهان بتعيين حجر - حجر عثرة أمام استعادة الانتقال

قرارات البرهان بتعيين حجر - حجر عثرة أمام استعادة الانتقال

● أصدر ‎البرهان قراراً بتعيين عضو مجلس الإنقلاب ‎الطاهر حجر رئيسا للجنة الإستئناف ضد قرارات لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد وإسترداد الأموال. 
ووجه الجهات المختصة، بوضع القرار موضع التنفيذ، وهو ما يوضح أنها رغبة الإصرار في الحكم واتخاذ القرارات بصورة آحادية، وهي شكل من أشكال التمدد للسلطة الإنقلابية، والواجب هو أن يكف مكتب البرهان ومعاونوه عن إجراء أي تجريف أو توظيف غير متفق عليه أو متراضى حوله في دولاب الدولة ككل، ما عدى الإجراءات التي تبطل قرارات الإنقلاب والتي ليس من بينها تعيين حجر أو عزله أو تسميته هو أو غيره، وإنما هناك قرارات مصيرية تعطل مفاعل الإنقلاب وهي:

1. وقف كافة عمليات البطش والملاحقة والمداخمات والقتل والتنكيل بالثوار، عمليات التصفية الممنهجة التي تمارسها أيادي الإنقلاب الخفية وتنظيمات الظل الإخوانية.

2. الإلغاء والإيقاف الفوري لتنفيذ كافة قرارات الإنقلاب التي صدرت تباعا في مؤسسات ومرافق الدولة بما فيه تلفزيون جمهورية السودان لكي يرى ويسمع السودانيون والسودانيات الممارسات الفعلية لحكومة الإنقلاب.

3. إيقاف كافة التدابير الأمنية المتحدة منذ الانقلاب في مواجهة الحراك الجماهيري، وإلغاء كافة البلاغات الجنائية الملفقة ضد أبرياء الحراك وقادة العمل المقاوم.



● حقائق:


● معلوم أن الوضع الدستوري في البلاد حاليا متخلف جدا، ومختل كليا، ومختلف عليه حتى ممن أسهموا في اختلاله بإنقلاب 25 أكتوبر وهو الأمر الذي صمت عنه شركاء الإنقلاب وساهموا في استحواذ البرهان على القرار السياسي والتنفيذي والدبلوماسي في البلاد، وتمكين سلطته من العبث بمؤسسات الدولة بصورة آحادية جعلت عاليها سافلها وفعلت فعل الملوك الذين دخلوا القرية.



● الأمر الذي أربك دولاب الدولة وقوض الوضع المؤسسي في الجهاز الحكومي، وتعيين السيد الطاهر حجر رئيسا للجنة الاستئناف لا يعني شيئا سوى إمعان البرهان في الآحادية التي ظل يمارسها وتأطير لأوضاع مختلة على أسس اتفق الجميع وأجمعوا على خطئها وفالها وبالتالي بطلانها.



● وهذه اللجنة التي عين رئيسها البرهان، معلوم كيفية تعيينها دستوريا ومن يرشح أعضاءها هم قوى الحرية والتغيير، وهذه القوى شطب اسمها من الوثيقة المنقلب عليها، ما يعني تكوينها من الحرية والتغيير هو الأمر الذي لن يكون، وللأسف التأسيس الدستوري لهذا القرار فيه ألف رأي، وقد ظل البرهان يعطل تكوين هذه اللجنة لمدة عشرين شهر بعد تكوين لجنة التفكيك ما رفع من حدة السخط على اللجنة من الذين طالتهم القرارات، وحرمهم من التدرج الطبيعي للاستئناف وفتح الباب واسعا لتكوين دائرة التجريف اللاحقة.



● وقدطالب رئيس اللجنة المناوب وقتئذ محمد الفكي سليمان مرارا، وفي اجتماعات مجلس السيادة بضرورة تكوينها إلا أن البرهان كان له رأي غير ذلك، واستمر الأمر حتى أجهز كليا على قرارات لجنة التفكيك بعد تجميدها واستصدر قرارات ارتدادية بواسطة دائرة إدارية في المحكمة العليا أو ما عرف بدائرة أبو سبيحة التي تم تكوينها بإيعاز من البرهان ومستشاريه.



● الخلاصة:

● خلاصة القول أن الاستمرار في استصدار قرارات تعيين ورفد وإجراءات في دولاب الدولة يعني أن البرهان يريد الاستمرار في الحكم وبتلك القرارات المنفردة يضع حجار عثرة أمام الانتقال، ولا يسير نحو التنحي أو أنه يربك الدولاب بمزيد من التعقيدات الإجرائية التي ستكلف الحكومة القادمة جهدا كبيرا.



● إن أي قرار يتم إصداره يكلف الدولة ماليا بدءا من المداد الذي يكتب به وعملية المراسلات والاعتماد ودوائر التنفيذ، والاستجابة لمطلوبات القرار، وإحلال وإبدال المعنيين بالقرار، ومكاتبهم ومعاونيهم، ومستشاريهم، ذات الأمر حدث عند تكوين لجان كثيرة وحلها وإعادة تكوينها، كلجنة مراجعة أعمال لجنة التفكيك التي بددت مئات الملايين من الأموال، وضيعت على الوطن ترليونات الجنيهات ومئات الملايين من العملات الصعبة، وفتحت الطريق أمام تهريب السلع والثروات والمعادن، وجعلت المضاربة في الاقتصاد والإضرار به أمرا مباحا.



● ختاما:

•  إن القرار الوحيد المنطقي المطلوب والمقبول هو تنحي البرهان ومعاونيه بشجاعة، وهو ما سيفتح الباب أمام استعادة النظام الانتقالي بأكملة، نظام يؤسس للحكم الراشد والحوكمة الديمقراطية على أرضية دستورية جديدة تستوعب كافة قوى الثورة وتختار حكومة كفاءات مدنية مستقلة ذات مصداقية.

• حينها سينهي الشعب السوداني أظلم حقب الاستبداد إلى الأبد، ويقوّم مؤسسات الدولة ويعيد هيكلتها، ويمنح الأجهزة استقلاليتها، ويستعيد الحياة المعيشية في الأقاليم والمركز، ويجرد العسكر من أي سلطة سيادية أو تنفيذية، ويجعل كافة المؤسسات النظامية تأتمر بأمر السلطة المدنية، ما سوى ذلك سيكون مدادا عبثيا يكلف الحكومة الإنتقالية عبئا إداريا، وإجرائيا، وتبعات قانونية، وربما منصرفات ومخصصات مالية باهظة التكاليف.




عروة الصادق

في 10 نوفمبر 2022م.

البقعة

orwaalsadig@gmail.com

الأربعاء، 9 نوفمبر 2022

لا تعتقلوهم

بسم الله الرحمن الرحيم


*لا تعتقلوهم*


عروة الصادق




(إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا) النساء- 58
مقدمة: إن الجرائم التي ارتكبها نظام الإخوان في السودان عبر أجهزته وأذرعه وواجهاته تستوجب إنزال كافة العقوبات الناسوتية واللاهوتية في حقهم وإذاقتهم أمر وأشد وأردع فنون العقاب، ولكن كان قدرنا أن نتعاهد مع شباب ارتقوا إلى رحاب الله على الحرية والسلام والعدالة لنا ولسوانا، لذلك تظل أي مطالبة بالتشفي والانتقام من جمهرة الإخوان وسواقط الحزب المحلول وفلوله واعتقالهم وسحلهم أو إخفائهم قسريا، تتنافى وجوهر شعارات الثورة المجيدة، وقد تناقلت الأخبار أنباء باعتقال بعض رموز الحزب المحلول وإعادة رئيسهم وزملائه إلى مكانه الطبيعي زنازين المعاملة (ج) في السجن الاتحادي "كوبر"، وهذا يستوجب قول الآتي:


• أولا: إن جرائم النظام الإخواني لم تبدأ بالإنقلاب على الديمقراطية أو الإجهاز على الشرعية عبر خديعة (إذهب إلى القصر رئيسا وسأ ذهب إلى السجن حبيسا)، وإنما شرع الإنقلاب في تكييف القانون ومؤسسات الدولة وترويضها وإعادة صياغة المجتمع وتمزيقه على أسس إثنية ودينية وعنصرية وأسس لذلك جماعات ارتكبت الآتي:

1. شاعت في عهدهم جرائم قتل والإعتداء على الأنفس، ولم ينج من ذلك ضباطهم وكوادرهم الخلص الذين أوكلوا لهم عمليات خاصة كعملة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك رحمه الله.
2. انتشرت جرائم الإعتداء على الحرمات والحريات العامة والخاصة بالصورة التي شرعوا لها قوانين سميت بقوانين ذات طبيعة إسلامية كقانون  النظام العام، الذي بموجبهم تسوروا حرمات ذوات الخدور وانتهكوا سترهن.
3. مارسوا فظائع تسببت في كوارث وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، بالصورة التي قسمت البلاد وأحرقت الأراضي وعرضت الملايين للنزوح واللجوء بعد قتل حوالي نصف مليون ضحية في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان ومدن السودان الأخرى.
4. نالوا من كرامة السودان وجلبوا إليه من الرزايا ما أدخله مرحلة أن يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين الأمر الذي دفع مجلس الأمن والمؤسسات الدولية لوضعنا في قوائم الإرهاب وإدراجنا في الحظر ومنعنا من التعاطي الدولي واستصدر المجلس أكثر من 60 إدانة دولية وملاحقة بموجب القرار 1593 لقيادات الدولة على رأسهم المخلوع.


• ثانيا: هذه المخازي جعلت من البلاد وحكومتها في ذيل قوائم الحريات واحترام الأديان وحقوق الإنسان، ومثلت تلك القرارات الدولية مداخلا للطعن في نزاهة وحياد القضاء السوداني الذي جرفه الإنقلاب منذ يومه الأول بإقالة آلاف القضاة ووكلاء النيابة وضباط الشرطة ومثلهم من الخدمة المدنية

• ثالثا: لم تخل صحيفة من صحائف موظفي العهد البائد من  (جرائم الاعتداء على الأموال العامة)، إلا من رحم الله، وقد أضروا أيما إضرار بالإقتصاد الوطني وبمعاش الناس وبددوا موارد البلاد، وأعملوا المحسوبية والغش والخداع وأسسوا للفساد حتى هيأوا له مدارس إسلاموية تسهل طرق تقنينه تحت مسمى (فقه التحلل)، ما يعني إقرارهم بارتكاب جرائم تترتب عليها مسؤوليات جنائية أضرت بالوطن والمواطنين يجب أن يتحملوها بالقانون الجنائي السوداني قبل القوانين الخاصة كقانون التفكيك الذي يحاول محاموهم وقانونيوهم وربائبهم وممالئوهم إلغاءه والقدح فيه وفي لجنته.

• رابعا: وهو ما يعني أن ما لحق من أضرار بالدولة وشعبها يستوجب إلحاق العقاب الناجز في حق كل مسؤول من تلك الجرائم بدءا من الموظف العاهم وصولا لرؤسائه الذين أوعزوا له ذلك أو أمروه ووجهوه وأصدروا له التعليمات، وذلك لتحقيق العدالة التي ظلت معطل تنفيذها حتى في عهد الحكومة الانتقالة لتدجين مؤسساتها وإفراغها من محتواها.
• خامسا: جمد رئيس الإنقلاب لجنة التفكيك التي أعدت ملفات عملت عليها لحوالي 20 شهر بما فيها ملفات التنظيم المحلول نفسه (ملفات القطط السمان) والتي تم التحري فيها بواسطة الشرطة والنيابة العامة، ووصلوا فيها لبينات تجرم المتهمين فقط كانت في انتظار التحويل لمحاكمات عطل غياب الإرادة المضي فيها قدما، وهو الأمر الذي حفز مجرمي الإنقاذ وملاحقيها وطرداءها و(قططها السمان) للتحرك من جديد والإتيان بأفعال أشد فظاعة مما ارتكب خلال حقبة المشير المخلوع، وساعد الإنقلاب الحالي في تمكينهم من موارد ومرافق البلاد بالصورة التي ضاعفوا فيها منهوباتهم من المال العام، وبصورة برعوا فيها بإخفاء آثار جرائمهم، إذ أشركوا جماعات مسلحة وقوى وطنية في إنقلابهم وزجوا بهم في معمعة الإنقلاب وعملوا تحتهم واستخدموهم كغطاء لجرائم التهريب للموارد والتبديد للمال العام وأخذ السلفيات والتعويضات واصدار القرارات الارتدادية التي مثلت استفزازا للثورة السودانية.

• سادسا: إن النظام الحالي مهتز ومهتري ومخترق من هذه الجماعة بل بعض وحداته الأمنية تقودها رؤوس إخوانية تأتمر بأمر التنظيم والحركة المحلولين، ويتحركون بصورة مرتبة في مرافق وبمركبات حكومية خاصة بعضها يتبع لجهات دستورية ونظامية وبعضهم يحمل وثائق سفر دبلوماسية وبطاقات تخويل حركة في كل مرافق الدولة الخاصة والعامة، وهم الآن ينشطون بجهدهم واجتهادهم لاستعادة الوضع كليا في الوقوات النظامية بعد أن تمكنوا من الهيمنة على الدولاب التنفيذي من مجلس الوزراء ووحداته وهيئاته، وصولا لأدنى وحدة إدارية في قاع المدينة، وزرعوا أياديهم حتى في مكتب رئيس الإنقلاب بالقصر الجمهوري ومكاتبه بالقيادة العامة للدرجة التي يتلقى فيها صحفيات وصحفيو العهد المباد وأبواق الإنقلاب تصريحاتهم من مكتب القائد العام شخصيا ومكاتب الإستخبارات وجهاز المخابرات العامة وأجهزة الشرطة الفدرالة وغيرها من الوحدات السرية الخاصة والتي يكشف بعض عناصرها تحركاتهم لرموز الحركة والتنظيم توجهات الأجهزة العدلية والشرطية مثلما كان يفعل عند محاولات تنفيذ أوامر القبض على علي كرتي والمتعافي وغيره من الهاربين من الملاحقات الجنائية.
• سابعا: إني أقف بقوة ضد أي اعتقال بدون أوامر قبض ومذكرات توقيف، لأني أزعم أني ممن اكتووا بتصلية هذه الإجراءات التعسفية، وأطلب إطلاق سراح أي شخص ليس في مواجهته أي بلاغ جنائي أو مطالبة من النيابة العامة فورا وعاجلا، وأن يتم مواجهة الفلول بنصوص القانون الجنائي بجانب قانون الثراء الحرام والمشبوه وغيره من القوانين إذا تعذر إعمال مواد قانون التفكيك فيهم، وحتى لا يتذرعوا بأن هذه محاولات أخرى للإنتقام منهم ويقيني أنه في حال العودة إلى  التحريات والتحقيقات التي أجريت معهم بواسطة أجهزتهم إبان عهد الهارب صلاح قوش أو في عهد الحبر أو في عهد لجنة التفكيك لن يخرج أحدهم من السجن قبل عشرة سنوات فأقل شخص فيهم وأدنى موظف من موظفي الخدمة المدنية سيواجه بواحدة من الجرائم التالية من القانوني الجنائي السوداني لعام 1991م هي:

1. نص المادة 89 الموظف العام الذي يخالف القانون بقصد الإضرار أو الحماية.
2. نص المادة 92 ثراء الموظف العام أو مزايدته في مال بطريقة غير مشروعة.
3. نص المادة 105 استخدام بينات مع العلم ببطلانها.
4. نص المادة 106 اتلاف البينة أو إخفائها.
5. نص المادة 107 التستر على الجاني أو إيوائه.
6. نص المادة 111 التصرف بالأموال بطريقة الغش.
7. نص المادة 115 التأثير على سير العدالة.
8. نص المادة 123 تزوير المستندات.
9. نص المادة 124 تحريف مستند بواسطة موظف عام.
10. نص المادة 177 خيانة الأمانة، وأخطر ما في هذه المادة هو الفقرة (2) إذ أن الجناة هم موظفين عامين ومؤتمنين على الأموال بتلك الصفة وعقوبة هذه المادة السجن يصل إلى 14 سنة مع الغرامة أو الإعدام.
11. نص المادة 182 الإتلاف الجنائي، والتي تعرف الإتلاف بأنه من يتسبب في اتلاف مال أو تخريبه أو يغير فيه أو في موقعه بحيث يتلفه أو ينقص من قيمته أو منفعته أو يؤثر فيه تأثيرا ضارا قاصدا بذلك أن يسبب خسارة غير مشروعة أو ضررا للجمهور.
12. فضلا عن نص المادة 130/21 القتل العمد والتي شارك فيها السحرة وكبراؤهم الذين علموهم السحر وأضلوهم السبيل، من عسكريين وشباب وطلاب وأجهزة وجماعات وخلايا ومفارز أمنية، بسلاح خاص أو سلاح الدولة أو حوادث مرور أو حوادث حرق وتفجير وتسمم، وما إلى ذلك من جرائم ارتكبت وترتكب بصورة يومية في حق خصومهم السياسية ورجال المال والأعمال والموظفين الذين حاولوا ردعهم أو الوقوف في مواجهتهم.
• ختاما: عليه ومما سبق إن كانت هناك إجراءات حقيقية لإنهاء الإنقلاب وإبطال قراراته ومواجهة الفلول ينبغي أن تتخذ طابعا قانونيا، بالورقة والقلم، وبأجهزة وعناصر غير هذه العناصر المعطوبة في الشرطة والنيابة العامة والأجهزة الأمنية وبقادة غير هؤلاء القادة الذين لهم مصالح وفساد مشترك وعمليات إهدار للمال العام يتشابك ذلك مع أجهزة مخابرات دول جارة وإخرى صديقة ومافيا عابرة للقارات، وإلا فسيواصل موظفي الخدمة المدنية تغيير الوضع في دولاب الدولة كما يتم في مجلس الوزراء ومسجل تنظيات العمل والقضائية والنيابة ووزارة المالية وبنك السودان وغيره من المؤسسات التي تعمل ليل نهار حتى في العطل الرسمية لطمس آثار الجرائم المالية والإدارية وتغيير التشريعات والأحكام والعقوبات الواجب تنفيذها على رموز النظام البائد.

• رجائي: للسيدات والسادة المحامون السودانيون والمحاميات في كل الكيانات الحقوقية المقاومة والمناهضة للإنقلاب والرافضة للظلم واللإستبداد وبما تملكونه من حق في التوكيل العام، أرجوا أن تشرعوا جميعا في فتح بلاغات وعرائض بموجب المواد المذكورة أعلاه في كل موظفي النظام البائد في الخدمة المدنية في كل المرافق والمؤسسات وملاحقتهم قبل الهروب والفرار أو التواري والإنزواء كما فعلوا بعد ثورة ديسمبر المجيدة وأن تشرعوا في تلمس جدية السلطات بالقبض عليهم بموجب القانون والإسراع في التحقيق معهم وتحديد مخالفاتهم قبل أن يطمسوها وستجدون زملاءكم في التجمعات المهنية ولجان المقاومة في المؤسسات المختلفة يملكون من المستندات ما يبقي هؤلاء في غياهب السجون إلى الأبد وبموجب القانون، وفي تلك الأثناء تستمر جداول التصعيد الثوري، وتتواصل العملية السياسية والضغط الداخلي والخارجي حتى إسقاط الإنقلاب الذي أدرك قادته خطأهم وخطل إجراءاتهم وبطلان قرارتهم.
• العهد: إن عهدنا مع شهداء الثورة السودانية وأسرهم والضحايا وجميع الذين ناضلوا ضد الاستبداد في كل مراحل تاريخ السودان يجب أن يؤسس على تحقيق الحرية والسلام والعدالة والتشديد والرفض الأكيد لأي محاولات تشفي وانتقام أو تمهيد للإفلات من العقاب.


والله على ما نقول وكيل.


عروة الصادق
9 نوفمبر 2022م

الأحد، 6 نوفمبر 2022

حديث البرهان في حطاب (صدقنا وهو كذاب)

حديث البرهان في حطاب (صدقنا وهو كذاب)

• ما قاله البرهان اليوم في منطقة حطاب العملياتية، أمام حشود عسكرية ضمت ضباط وصف ضباط وجنود ليس بجديد، وقد رشحت به بعض التسريبات منذ الأمس، تهيئة للشارع السوداني والمراقبين الإقليمين والدولين، وخلاصة رسائل البرهان التي قال بها يكذبها الواقع:


• فقد قال أن الجيش السوداني لا حزب له ولا فئة ولا جهة، وهو يعلم علم اليقين أن آمر التنظيم للحركة الإخوانية عمر زين العابدين طليق اليد والحركة في يدخل ويخرج من كافة الوحدات والأسلحة والفرق ومنظومة الصناعات الدفاعية ويجتمع بالضباط كيفما ووقتما شاء، بمن فيهم جنرالات في القصر الجمهوري، والقيادة العامة.


• أما إطلاقه تحذيرا للذين يريدون التواري خلف الجيش رغم تخصيصه بالذكر الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، فهو حديث مكرر قاله بنفس الطريقة حينما احتد الخلاف بينه وبين المدنيين في الحكومة الانتقالية، وهو ما يعني أن هنالك خلاف ما بينه وبين الإسلاميين، ولكن المدهش أن هؤلاء المنتسبين للحركة والتنظيم يتخذون من مؤسسات الجيش حماية لاجتماعتهم ومقرا لتنظيماتهم في برج الاتصالات ومقر شركة زادنا وغيره من مقار منظومة الصناعات، وأندية القوات النظامية، بل تتعاون أجهزة الاستخبارات المركزية والولائية بصورة مباشرة مع الفلول وتحمي أنشطتهم عبر غرف لا تخفى على البرهان.

• صرخ البرهان صائحا وموجها الإسلامويين رفع اليد والأقلام، عن الجيش السوداني وهو الذي مكن صحيفة القوات المسلحة من لحى الإخوان وتنظيم الجبهة الإسلاموية، وصارت الحزب السياسي الناطق باسم البرهان طوال الفترات السابقة واتخذ كتابها ورئيس تحريرها وإذاعات القوات المسلحة من تلك الوسائط منصات إخوانية بامتياز تنال من القوى السياسية المناوئة للإنقلاب، دون أن يوجهها البرهان برفع يدها عن الشعب السوداني وقواه الحية التي وصفها البرهان بالوطنية والمسؤولية.




• ردد البرهان مقولة ظلل يصيح بها الشهداء في الشارع السوداني بأن قال "نحن جيش السودان"، ولم يستطع أن يكمل المقولة بأن الجيش ما جيش الكيزان، وهو يضمر إكمالها في حناياه، ولكنه يوقن أن التفكيك الأخير لجنرالات القوات المسلحة طال عدد من الكفاءات غير المؤدلجين أو المنتمنين للتنظيم والحركة بل فيهم مهنيون قمة الإنضباط والنزاهة والدعم للاستقرار والمدنية والإيمان بالديمقراطية ولكنه أحالهم إلى التقاعد ليفسح المجال لجنرالات الإخوان المعمدين من عمر زين العابدين.


• أما الحديث عن زيارة بعض الشباب من القوى السياسية، ففيه خبث ليس بجديد على البرهان، وترك الحبل على الغارب ليتوهم الجميع أن هنالك فئات سياسية تسهر وتنادم البرهان سرا، وترك الأمر معمما ليوسع دائرة التشكيك في القوى السياسية التي حددت موقفها من العملية السياسية ورسمت ملامح الانتقال السياسي بوضوح وسلمته للرباعية والثلاثية ولعامة الشعب السوداني.


• في ذات الأوان أراد البرهان أن يكسب بعض النقاط والثقة من قوى المعارضة حينما قال: " لم نلمس منهم إلا الوطنية والشعور القومي" ، وهم ذات القوى السياسية العميلة الفاشلة التي وصمها بالإنفراد بالقرار وزجها في السجون ووصمها بالخيانة، وبقوله هذا يريد أن يجد تعاطفا يحقق له بعض رغباته الوقائية من المساءلة والمحاسبة التي لا تملك القوى السياسية أمرها، وليته تقدم بجراءة ليطلب ذلك الأمر من أسر الضحايا بعد اعتذاره وإقراره بالذنب وتصريحة بالإستعداد للمثول أمام أي منصة عدالة مرجووة. 

• رغم ما في ظاهر الحديث من إيجابيات إلا أن الواقع والوقائع تكذب البرهان، فمنذ قرارات الإنقلاب في 25 أكتوبر تمت استعادة الحزب المحلول والحركة وتمكينهم من كل مفاصل الدولة، ولو كلف البرهان نفسه قليلا لوجد منسوبي الدفاع الشعبي والحركة والحزب وكتائب التنظيم وتحركات علي كرتي لا تبعد من مكتبه سوى أمتار قليلة، وهنا أستذكر قولي له حينما احتج على حديثي بأن مثواه سيكون كوبر، خاطبني قائلا: انت عايز تدخلني كوبر؟؟ فقلت حينها بحضور نائبه دقلو واللواء برمة والفريق ياسر العطا: "بأن كوبر ستكون نزهة لك يا سيادتك، وسيكون مصيرك الدروة ورصاصة في الجبهة حال عاد النظام المباد"، وما هذه الأحاديث إلا خوف من الإنقلاب القادم للإخوان.



• ختاما: رمى البرهان بكلمة مفتاحية وهي أنه لن يبصم على وثيقة تفكك الجيش السوداني، وهو يعلم علم اليقين ألا أحد لا ومؤسسة والشباب الثائرين يسعدون القوات المسلحة السودانية أو يرغبون في تفكيكها، بل بالعكس يريدون أن يجردوا تلك المؤسسة من العناصر الأيدلوجية وينظفوا صفوفها من الحزبيين، ويتركوا أمرها للمهنيين ليعملوا على تطويرها وفق قانون وأسس تراصف مثيلاتها في دول العالم المتقدم، وفي ذلك يعلم البرهان أن قطع الطريق أمام عمليات الدمج والتسريح والترتيبات الأمنية لتتوحد القوات المبثوثة في كيان قومي جامع واحد وهو الجيش السوداني الذي لا يشاركه في سلاحه مليشيا أو تكوين غير نظامي.


• إن للجيش السوداني قاعدة ذهبية خالدة تجلى فيها انضباطه والتزامه وهي: "البيان بالعمل"، فهذه الأقوال ستوضع في خانة المناورة والمراوغة السياسية لثعلب جيوش المنطقة "الماكر"، ما لم يتم إتباع هذا القول بعمل عاجل وفوري وهو إعلان التنحي عن الحكم والموافقة على إنهاء الإنقلاب وإبطال إجراءاته وقراراته، والإذعان لإرادة الشعب السوداني في تحقيق الحرية والسلام والعدالة والعدالة والعدالة.


انتهى
عروة الصادق
في 6 نوفمبر 2022م
البقعة

السبت، 5 نوفمبر 2022

5 نوفمبر 1883م قُبر الغُزاة في شيكان

5 نوفمبر 1883م - قُبر الغُزاة في شيكان


• شبه اللورد فيتز مورس في حديث له فناء جيش الجنرال وليام هيكس بشيكان، في إحدى جلسات مجلس اللوردات البريطاني بهلاك جيش فرعون في البحر الأحمر، فقد شهدت سهول كردفان فناء أحد عشر ألف جندي مصري وقائدهم الانجليزي الخمسيني وقتئذ هكس باشا الذي ذاع صيته في الهند ليتقاعد عام 1880م، إلا أن مغريات الخديوية في مصر دفعته لاستئناف نشاطه العسكري في السودان ليلقى حتفه في 5 نوفمبر 1883م، مصورا المشهد شيخ شعراء كردفان قاسم عثمان بريمة في رائعته أوبريت شيكان بقوله : 
نضفوا كردفان والله أكبر دوت
شدوا الصافات قدَّام صقورهم خــوت
وصلوا البقعة وكتين البنادق عوت
عاسوا عوسهم تمام أمانة الحراب ما سوت

• رغم تحفظات رئيس الوزراء البريطاني وليام إيوارت جلادستون الليبرالي ورفضه للتدخل في شؤون في السودان. قد نجح وزير خارجيته جورج ليفسون جوير، اللورد جرانفيل ، لانتزاع الموافقة في التمدد جنوبا وتوفير تمويل للحملة التي ناهضها أيضا السير إيفلين بارينج، وقد مثل دخول الإمام المهدي إلى الأبيض وتمركزه في كردفان أكبر محفزات التحرك الغازي نحوه، فقد أرسل الخديوي توفيق بعثة هيكس لاستعادة الأبيض ووضع حد للثورة بشكل نهائي. وقد كان أكبر جيش حديث تم إرساله على الإطلاق إلى داخل السودان فقد كان قوامه 8300 من المشاة ، وحوالي ألفي سلاح فرسان ، وبطارية مدفعية من ستة عشر مدفعًا جبليًا من طراز كروب ومدافع رشاشة من طراز نوردنفيلد ، وقطار أمتعة يتألف من ألفي رجل وحوالي ستة. ألف من الإبل والبغال والحمير وغيره، وفي أواخر إبريل 1883م تحرك هكس باشا من الخرطوم على رأس أربعة كتائب مشاة مسلحين بمدافع الجاتلينج الرشاشة، والتي انتشت لهزيمتها طليعة من الأنصار في جبل أولياء وقتلت فيهم خمسمائة، ليتوجه هكس بعدها نحو قاعدة عسكرية في مدينة الدويم للاستجمام فيها من حر صيف السودان الغايظة وترتيب صفوف قواته المنهكة ليغادرها في 27 سبتمبر 1883م، ماخرا عباب الكثبان الرملية غرب النيل، حيث أرسل آخر برقياته من قرية زريقة.

• وفي ذلك الوقت كانت حكومة الاحتلال تهيمن على حاميات في المحافظات الأخرى، بعضها بقيادة أوروبيين كـ- فرانك لوبتون في بحر الغزال، ورودولف فون سلاطين النمساوي في دارفور،وأمين باشا في فشودة ، وقد مثل تواجد الإمام المهدي في كردفان عائقا أمام تواصل تلك المحافظات مع الخرطوم، ما قاد لاحقا لاستسام وإسلام سلاطين باشا في ديسمبر 1883م.



• كما ظل التنازع حول قيادة الجيش الغازي سمة غالبة، فقد اشتد الخلاف بين علاء الدين باشا والجنرال هكس، إذ كان لكل منهما تقديراته في الهجوم على الأبيض فبينما كان علاء الدين يريد أن يتحرك الجيش بمحازاة النيل ثم خور أبو حبل كان هكس يرى الإطباق على الأبيض من الشمال، الأمر الذي قاد لاحقا لتلك الهزيمة الماحقة.


• بينما توحدت في تلك الأثناء شعوب وقبائل السودان والتحقت بركب الإمام المهدي عليه السلام مبايعين له، وذابين عن حياض الدولة والدعوة، فقد مثلت في تلك المسيرة الخالدة أعداد غفيرة من فرسان القبائل السوداينة على نحو لم يسبق أن شهده السودان من قبل، فقد شاركت تلك القبائل بإمرائها كل قبيلة انتخبت من يقودها تحت راية من رايات المهدية على النحو المذكور أدناه:
1. آل الإمام المهدي وأبناؤه وإخوانه.
2. التعايشة بقيادة خليفة المهدي والأمير يعقوب (جراب الرأي) بن السيد محمد.
3. دغيم بقيادة الأمير موسي ود حلو.
4. الكواهلة بزعامة الأمير جاد الله ود بليلو (كسار قلم مكمايكل).
5. الكبابيش بقيادة الأمير عوض السيد قريش
6. كنانة بزعامة الأمير البشير عجب الفيه.
7. الغديات تحت زعامة الأمير إسماعيل ود الأمين.
8. الرزيقات بقيادة الأمير موسي ود مادبو.
9. الحمر بقيادة الأمير إبراهيم مليح.
10. المسيرية بقيادة الأمير علي الجلة والأمير محمد ود طبيق.
11. المجانين بزعامة الأمير ود نعمان.
12. البديرية بقيادة الأمير عبدالصمد ود ابصفية.
13. الحوازمة بزعامة الأمير نواي ود ضيف الله.
14. بني جرّار بقيادة الأمير محمد ودنوباوي.
15. الِجمع بقيادة ناظرهم الأمير عساكر أبوكلام.
16. الجوامعة بقيادة الأمير موسي الأحمر والأمراء رحمة ود منوفل وضوينا الجامعي والشامي ود هباني.
17. المعاليا بقيادة الأمير الشيخ دودو.
18. دار حامد بقيادة الشيخ قريقر.
19. الهبانية تحت قيادة الأمير كليب حمدان.
20. الزيادية بقيادة الأمير جاد الله ود عيسي.
21. العمارنة بزعامة الأمير بابكر ود عامر.
22. اللحوين بقيادة عبدالله ود برجوب.
23. العركيين بقيادة عبدالله ود النور.
24. الجعليين بزعامة الأمراء إلياس باشا أم برير وابنه عمر، عثمان حاج خالد العمرابي و عبدالحليم مساعد 
25. الدناقلة بزعامة الأمير ميرغني صالح سوار الذهب والأمير فضلو 
أحمد .
26. وكان الأمير أحمد ود جفون العين الساهرة لرصد تحركات العدو، ومثل نقطة الإلتفاف الخلفية للجيش الذي ظل يتابع تحركاته من تخوم النيل الأبيض إلى كردفان.
27. أما  الأمير علي الجلة فقد كان لوحده قبيلة في تلك المعركة الخالدة.
28. وقد كان أمير الشرق عثمان دقنة قد أطبق الخناق شرقا وقطع طريق القوافل من سواكن إلى بربر، وأحكم الحصار على مدينتي طوكر وسنكات وقضى على حملة مصرية ابتعثت لنجدتهما.


هذه نماذج فقط لعشرات القبائل شاركت في شيكان لم تكن لتجتمع ولا لتتصاهر أو تتعارف وتتآلف لولا الدعوة المهدية التي ذوبت كل تلك الفوارق الإثنية والقبلية تحت راية (كونوا)، امتثالا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) الصف – 14، ومثل ذلك مصدر القوة الأول لتتقدم انتصارات الإمام المهدي حتى فتح الخرطوم وتوحيد حدودة وتوطيد أواصر الإخاء والتعايش بين أبناء السودان.

• أما على الجانب الآخر فقد اجتمع لفيف الأجناس المتشاكسة من الضباط الأوروبيين الأحد عشر وحراسهم الشخصيين من الباشبوزق و سلاح الفرسان (مليشيا غير نظامية) – غالبيتها من البريطانيين، والنمساويين، والألمان ، والمصريين، والألبانيين، والأناضولين، والشركسيين أو اليونانيين والمصريين المتمردين مع أحمد عرابي وبعض رجال قبائل التي ناصرت الجيش الغازي من شمال السودان، منهكين ومذعورين لما رأوه من هول المسيرة من الخرطوم إلى الأبيض، فقد مثلت التكتيكات والمناوشات المستمرة من الأنصار وسط أشجار السنط عامل إرهاق لهم حتى وصلوا قرية العجيلة ليعسكروا فيها قبل التحرك الأخير نحو جبل كازقيل، تصحبهم آلة إعلامية حربية وقتها مكونة من:
1. فرانك باور مراسل جريدة ( التايمز اللندنية).
2. فرانك فيزتلي مراسل جريدة( The Graphic ).
3. إدموند اودنوفن مراسل صحيفة (Daily News).

• وقد مثل العامل النفسي لهكس حينذاك أحد موجبات هزيمته، ففي خطاباته التي كان يرسلها لزوجه ونشرت لاحقا تبين أن الرجل عاش اضطرابا نفسيا شديدا وصل الدرك السحيق من اليأس والاستياء ليقفز بصورة خيالية إلى الغرور والكبر والخيلاء إذ كتب لزوجه قائلا : " إن بعض الرجال يولدون عظماء وبعضهم ينتزع العظمة بأعماله في الحياة ولكني اعتقد أنني سابقي عظيما طوال حياتي" .. ملمحاً إلى حتمية انتصاره على الثورة السودانية الوليدة.( نيكول : خطابات هكس لزوجته صوفيا).

• إلا أن ذلك الزهو تبدد بصورة كبيرة قبيل الهزيمة بليلة واحدة فقد مثلت مناوشات الأمراء أبوقرجة، والأمير عبد الحليم مساعد والأمير عمر الياس أمبرير،  وقوتهم المكونة من ثلاث آلاف مقاتل عامل إرهاق للغزاة، وقد مثلت المعركة الاستباقية لشيكان قاصمة الظهر للجيش الغازي والتي قادها باقتدار الأمير حمدان أبوعنجة مصدرا توجيهاته التكتيكية للأمراء فضل المولى صابون، والأمير الزاكي طمل، والأمير النور عنقرة الذين ظلوا طوال الليل يرمون مربع هكس المنهك، وقد وصف ذلك اليوم الرائد آرثر هيرلث، ضابط سلاح الفرسان النمساوي في طاقم هيكس: "الرصاص يتطاير في كل الاتجاهات، والجمال والبغال والرجال ينزلون باستمرار؛ نحن جميعًا مكتظون معًا، لذا لا يمكن أن تفشل الرصاص في الضرب، نشعر بالإغماء والإرهاق وليس لدينا أي فكرة عما يجب القيام به ... "، استمرت المعركة النارية طوال اليوم. كان الجو حارًا بشكل غير موسمي، وبحلول المساء، كان الجنود المصريون عطشى ومحبطين للغاية لبناء سياج شائك  الزريبة  من أشجار "الكتر" الشوكية في ما عرف بفولة المصارين..


• ما أن طلع فجر الخامس من نوفمبر حتى تمنى الغزاة أن شمسه لم تطلع، فقد شن الأنصار هجوما لا هوادة فيه على الغزاة، وأحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، والنيران التي تستهدفهم من شدة كثافتها أزالت حتى لحاء أشجار التبلدي العملاقة حتى وصفها أحدهم كأنها غسلت بالصابون، ولم تكد تنته دقائق معدودة حتى تجندل قائد الجيش الغازي وبجواره العملاق البروسي البارون جوتز فون سيكيندورف، والمراسل الحربي الأيرلندي المخمور إدموند أودونوفان من ديلي نيوز، وألاف القتلى الذين لم يهرب منهم إلى حفنة قليلة ووقع المئات منهم في الأسر، وصدق حينها وعد المهدي لأنصار الله بأن من يتأخر منكم عن المعركة ليصلح شرك نعاله سيفوته فضل ملاقاة العدو.


• ختاما: إن درس شيكان المستفاد هو أن السودانيين هم الأقدر على استخلاص أنفسهم من براثن الاستعمار والاستبداد وهم الأجدر بقيادة بلادهم، وأنهم الأدرى بشؤونهم، والأخبر بطبيعة وطنهم وتضاريسه وإنسانه، فقد تحالفت أرض السودان مع فرسانها ومناخها وطبيعتها وقبائلها لتهبنا هذا النصر الذي لم يكن بينه وبين تحرير الخرطوم وإسقاط الحكم الثنائي إلا شهور قليلة.

• واجب اليوم ليس استذكار مثل هذه الانتصارات التاريخية والانتشاء بها، وإنما هو استلهام الدروس والعبر، والحفاظ على ذلك الموروث الذي يوحد الوجدان السوداني وقد اشترك في كتابته بالدماء والأرواح لفيف من الأجداد والآباء، لم تفرقهم أو تمزقهم نداءات القبلية المقيتة أو العنصرية المنتنة، وإنما اتخذوا من القبيلة بابا للتعارف والتآخي والتألف والتصاهر، لا مدخلا للعصبية والتنافر والتفاخر، فقد كانوا أحبابا في الله متوادين متراحمين متزاحمين في صفوف الوغى كل منهم يحمي أخاه، لا يتمنى أحدهم أن ينال عدوا من أخيه أو تشوكه شوكة.

• حققت تلك الوحدة الوجدانية تلاحما اجتماعيا تحاول الكثير من الجهات والأجهزة والدول تمزيقه لإضعاف السودان، وتمزيق لحمته ليسهل النيل منه واستغلال ثرواته، وهو ما يوجب التصدي لكل النداءات العنصرية التمزيقية المفرقة لأبناء الرحم السودانية، فالمستعمر تغير جلده بمستبد من داخل الوطن، والغازي بدل أسلحته النارية الفتاكة بأسلحة عنصرية أشد فتكا وتمزيقا للأمم، ولن يكون التصدي لها بالأمر السهل، ولكن: "لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله".


• أخيرا: رحم الله من صاغ هذا التاريخ المجيد بدمه من الأسلاف، وجزى الله من حفظوا أثره ودونوه من الخلف في الصحائف خير الجزاء كالإمام الصادق المهدي، ومن سعى سعيه من الكتاب والمؤرخين، فقد عمد وطنيون خلص لتبويب هذه المواقف وتخليدها تأريخا وتحليلها سياسيا واجتماعيا وعسكريا، كالبوفيسور أبو سليم، ومكي شبيكة، وبروف يوسف فضل، ود. أبو شوك، وعصمت زولفو، والسيد علي المهدي، ومحمد المصطفى موسى الذي أدخل للمهدية بعدا جديدا بتجميع أصدائها العالمية، وغيرهم كثير من الكتاب وحملة التاريخ الشفاهي كأحفاد الأمراء المذكورين، والذين تفرقوا على أركان السودان، كأحفاد بابكر ود عامر بجبل موية في سنار، وأبناء خليفة المهدي المنتشرين في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والجبلين والقضارف، وأحفاد علي ود حلو الذين اتخذوا من كل بقاع السودان دارا لهم، وغيرهم من حملة التاريخ في الصدور، واجب الأبناء جمعه منهم ليكون تاريخا مسطورا يدحض الرواية الحربية وبروبوغندا الاحتلال التي صاغها ونجد وسلاطين وكتشنر ومن لف لفهم ممن ذاقوا هزائم المهدية واكتووا بنيرانها.


عروة الصادق

٥. نوفمبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com



الجمعة، 4 نوفمبر 2022

إفريقيا الدكتاتورية وقمة المناخ

إفريقيا الدكتاتورية وقمة المناخ


• إن الجهود الإفريقية النظرية التي بذلت من أجل اتخاذ موقف أفريقي موحد بخصوص المناخ ليتسق مع المساعي الدولية لم تتوقف منذ العام 2008م في جوهانسبيرج و2009م في نيروبي، وقد بذلت جهود لوضع استراتيجية إفريقية شاملة حول التغير المناخي، اصطدمت تلك الجهود دوما وأبدا بأنظمة عدووة لشعوبها قبل المناخ.

• وفي ذلك تم بذل جهود مشتركة مع الشركاء الدوليين والإقليميين لإعداد البيانات الفنية والقطاعية وتكاليفها الاقتصادية وكمية الانبعاثات التي تسببها الأنظمة البيئية الإفريقية، تم ذلك نظريا وحظي بالموافقة الدولية ولكن أعاقتها إما الاضطرابات السياسية أو الحروب الأهلية أو الانقلابات العسكرية كما هو حادث في السودان.


• وقد تمت الاستعانة بالنيباد وبرنامج الأمم المتحدة ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والدول الأعضاء والبنك الإفريقي للتنمية وغيرها من المؤسسات لوضع تلك الاستراتيجية التي لا زال البحث عنها جار في قمة المناخ في شرم الشيخ.

• تنظر الكثير من دول العالم والدول للتغيرات المناخية كعائق بيئي بينما تراه غالبية الدول الأفريقية كتحد تنموي، وقد وصلت الآثار المناخية السالبة لأغلب دول القارة فهناك شح في المياه بأقل من ألف لتر مكعب للفرد في العام لعدد من البلدان وانحسار للغطاء النباتي وتمدد الزحف الصحراوي، وقلة جريان عدد من الأنهار.

• وكذلك من نتائج التغيرات المناخية حدوث الفيضانات والسيول، الأمر الذي تسبب في عدد من الكوارث الإنسانية وهجر مئات الآلاف من المواطنين نزوحا من مناطقهم الأصلية، وأدى لتهديد مصادر دخولهم الزراعية والرعوية والانتاجية والتنموية وضيع على كثير من البلدان موارد إيرادية وأهدر آلاف فرص العمل في شتى المجالات.

• وهو الأمر الذي ألقى بظلال سالبة وعرض مجتمعات هشة لخطورة الاستغلال والأجور الزهيدة في وظائف أغلبها ذات طابع مؤقت أو موسمي، ما يعني عدم الحصول على الغذاء الكافي أو فرص تعليم جيدة للأطفال وانعدام الرعاية الصحية والكفالة الاجتماعية والضمان، الأمر الذي ألقى بعبء كبير على الأسر وقاد لغياب كثير من الرجال وهجرتهم رغبة أو رغما عن أنفسهم أو التحاقهم بالجيوش الزاحفة في المنطقة أو الهجرة غير النظامية نحو أوروبا أو دول الجوار المحيطة.

• في ظل هذه الأوضاع المذكورة تم إلقاء العبء الأكبر على نساء القارة اللاتي امتزن بالصلابة في وجه هذه التحديات واكتسبن مهارات كبيرة، وقدرات عالية، رغم محدودية الفرص، وأعباء الأمومة من حمل وولادة وإرضاع وحضانة ورعاية في ظل إنعدام الأمن والسلامة وضعف الأمان الوظيفي.

• لذلك لا مجال لإنجاح استراتيجية مناخية إقليمية أو دولية في القارة الإفريقية دون إشراك فعلي للشباب والنساء في دول المنطقة، وهو ما يستوجب اتخاذ إجراءات حوكمة رشيدة، تحقق الكفالة والمساءلة والشفافية والمساواة وأن يصون تلك الاستراتيجية ويحصنها قانون محلي يتسق مع التشريعات الدولية، وهو الأمر الذي يتعذر القيام به في ظل الأنظمة الدكتاتورية المهيمنة  على القارة الإفريقية.

• وأكثر البلدان تأثرا بارتفاع درجات الحرارة هي دول القارة الإفريقية والتي تتاثر صحة الإنسان فيها بدرجة عالية بأمراض كالسحائي وزيادة حالات الوفاة بسبب الإجهاد الحراري، والسكتات الدماغية وأمراض القلب، وانتشار الآفات والحشرات الناقلة للأمراض، كالبعوض والذباب واستشراء الأوبئة كالكوليرا وتفشي الملاريا وحمى الضنك المنتشرة في ولاية شمال كردفان بالسودان هذه الأيام.

• كما أن المواسم الزراعية ستضطرب وتختل عمليات الجدولة الموسمية أو ما يعرف بـ( العروة)، الأمر الذي سيغير كليا في أنماط الزراعة المتبعة وهو ما يترتب عليه تغير الثقافة الغذائية، والذي قاد في عدد من الدول إلى ارتفاع في أسعار المحاصيل والحبوب الغذائية وتسبب في نقص الغذاء وفاقم من المشاكل الصحية وأدخل ملايين الأطفال والسكان في دائرة سوء التغذية بحسب التقاريرالدولية.

• في تصوري أن غالبية دول العالم حدد المخاطر التي ستواجهها جراء التغير المناخي وآخرها ما ورد بصورة خجولة ومختصرة في قمة جامعة الدول العربية بالجزائر، ولكن على الدول الإفريقية اغتنام هذه الفرصة لتحديد مخاطرهم واستراتيجياتهم لمجابهة تلك المخاطر المناخية وإدماجها في الإطار الدولي، وأن تحرص أن تكون الدول الإفريقية قائدة في ملف المناخ لا منقادة، وذلك للتركيز على الأنشطة التنموية المرتبطة بتقييم المخاطر المناخية والفرص المتاحة.

• وعلي الدول تحديد وترتيب أولوياتها ووضعها ضمن الإطار الإقليمي والدولي وتحديد الإطار الزمني لتنفيذها، مقروءا ذلك مع الموروث النظري الذي تمت صياغته في فترات سابقة ولم ينفذ منه إلا النذر اليسير، والحرص على اتخاذ طرق فعالة وبرامج استجابة فورية تتواءم معواقع القارة وتتحكم في سيناريوهات المستقبل المناخي.

• ويقع على عاتق دول القارة الإفريقية تأسيس مراصد مناخية بأحدث التقنيات المتاحة وامتلاك أقمار صناعية خاصة بدول المنطقة ووكالة إقليمية للتعاون المعلوماتي فيما يخص المناخ، لتسهيل الحصول على المعلومة الموثوقة لوقف انتشار المعلومات المضللة وتحجيم دور منصات الهواة، لأن كافة الإجراءات والقرارات والسياسات المناخية تعتمد بصورة أساسية على المعلومة الموثوقة التي ينبغي تبادلها بين الدول، فكثير من الكوارث يمكن تلافيها قبل حدوثها، وعدد من الأزمات يمكن أن تشكل فرص لارتباط المعلومات المناخية بالمياه وإنشاء السدود والغذاء وسلاسل الإمداد ومشاريع الطاقة.


• هذا الأمر ينبغي أن يتزامن مع تعاون معلوماتي ديمغرافي يحدد كثافة السكان في الدول الإفريقية والتوقعات في الزيادة ومعدلات الوفيات والخرائط التنموية والمشاريع الاستراتيجية التي تؤثر وتتأثر بالمناخ، يدخل في ذلك تخطيط وإعادة التخطيط وتشيد المدن وأنظمة الري والتوسع في المشاريع الزراعية والتعدين والأنشطة النووية والنفطية وأنظمة الصرف الصحي وتطبيق برامج تعويضية للشرائح المتأثرة بالحروب والنزاعات والآثار المناخية وقد طبق في السودان برناج التحويلات النقدية المباشرة للأسر (ثمرات)، الأمر الذي سيسهم في خلق مجتمعات مستقرة تسهم إيجابا في تحقيق أهداف التنمية واستراتيجية القارة المناخية.

• وبذات القدر الذي تتحمل فيه الحكومات مسؤولية وضع السياسات المناخية وتنفيذها،  ينبغي على الهيئات الحكومية الاشتراك في رسم تلك السياسا والتفاعل مع الخطط والاستراتيجيات القومية للبلدان والإقليمية وأهداف التنمية الأممية، وهو النهج الشمولي الذي يستصحب كل أهل المصلحة في تلافي أخطار التغيير المناخي، وهذا الأمر تراجع كثيرا في قمة شرم الشيخ، إذ تم تحجيم المشاركة للمنظمات غير  الحكومية أو الاستعاضة عنها بتمثيل من كيانات مناخية اصطناعية صممتها الأنظمة الحاكمة في القارة الإفريقية، والأوضاع السياسية في مصر أثرت سلبا في مشاركة نشطاء المناخ في البلد والقارة.

• تظل مسألة المياه العابرة للحدود أكبر الاشتباكات المناخية الدولية، ومصر تعاني من تبعات صراع مائي مع دول حوض النيل من جانب، ومن جانب آخر الآثار المترتبة على سد النهضة، لذلك على الدول المشتركة في هذا المؤتمر ألا تمرر أي قرارات أو خرائط أو معلومات مناخية من شأنها تغذية الصراع في القارة الإفريقية.

• ما يؤسف له أن كثير من الدول الإفريقية وصانعي القرار فيها، والهيئات الحكومية والأحزاب  السياسية لا تملك خريطة طريق لقضية المناخ إلا قلة قليلة من الساسة المهتمين بأجندة التنمية، والذين يجدون الاستهجان حتى من القطاعات الحية عند تناولهم قضية كالاحتباس الحراري، بل تجد هذه القضية إهمالا وتبخيسا للدرجة التي يتم تغييب وزارة البيئة في بعض الدول والاستعاضة عنها بمجالس كسيحة لا تسمن ولا تغن من جوع.

• شهدت القارة الإفريقية صراعات دامية جلها في الغالب نجمت عن نزاعات حول المياه والموارد والمراعي والمظالم التنموية، واتخذ بعضها في مراحل لاحقة صبغات أيدولوجية أو إثنية أو دينية، وراح جراء ذلك ملايين الضحايا وضعفهم من النازحين واللاجئين، كل ذلك في سبيل البقاء والاستحواذ على نفوذ جغرافي أو جيوسياسي أو هيمنة على الموارد تطورت لاحاقا لبسط نفوذ سياسي وزحف نحو مستعمرات جديدة.

• إزاء ذلك لن تثمر الجهود المناخية المبذولة من ساسة يضعون استراتيجيات مناخية بيدهم اليمنى ويمزقونها ببنادقهم التي تفتك بالسلم الاستقرار خارج أروقة انعقاد القمة، فالدول العربية والأفريقية ودول العالم ترى في كثيرة من قادة العالم أخطر مهددات الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة والإقليم وأنهم جزء لا يتجزأ من الأزمات المناخية الناجمة عن الحروب، وكذلك يمثلون معيق رئيس للتنمية في بلدانهم وحائط صد أمام تدفق المنح والتمويل الخاص بالمناخ، فالسودان مثلا أهم دول القارة الإفريقية مناخيا والذي بإمكانه خفض درجة حرارة الكوكب باستزراع ملايين الأشجار ليكون أمازون إفريقيا، قطع الطريق إنقلاب 25 أكتوبر أمام مضيه قدما في الإسهام المناخي مع شركائه الدوليين، والذي كان يرجى أن يقلل من نسبة التلوث الناجم عن توليد الطاقة عبر إنشاء منظومات الطاقة النظيفة التي بإمكانها تغذية الوسط والشرق الإفريقي.

• إن العالم يشهد طفرة تكنولوجية في مجالات البيئة والزراعة والمراصد، وأحرز تقدما علميا وتنبؤيا يمكن أن يجعل من التعاون المناخي بين الدول أمرا مثمرا، ويحقق تطورا تنمويا بصورة سريعة، ويتسبب في قفزات اقتصادية في عدد من الدول، وهو ما تنشده القارة الإفريقية، ففها مكنيزمات التعويض البيئي والتكيف المناخي للكوكب، ولكنها حرمت من الإمكانيات والتكنولوجيا، ورزئت بالحكام المستبدين، والأنظمة الدكتاتورية، وهربت مواردها وأموالها إلى دول تتأثر مناخيا اليوم وتجف أنهارها وترتفع درجات الحرارة فيها.

• إن إفريقيا تنشد تعاونا نديا مع دول العالم التي تريد خفض درجة حرارة الكوكب وتلافي الآثار المناخية، وليكون ذلك كذلك على الجميع التواضع على معاهدات ملزمة للدول وإلتحاق إجباري ومصادقة على كافة البروتوكولات والمعاهدات الدولية، وبالأخص ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وعلى المجتمع الإقليمي والدولي والحكومات المحلية تكييف التشريعات والمعاهدات لتردع جميع المتهاونين في ِشأن المناخ أنظمة كانوا أو حكومات، وأن تستصحب تلك الدول تشريعات مكافحة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب وتفعل اتفاقات التعاون الأمني في تبادل أمراء الحروب ومدمري اقتصادات الدول وفرض عقوبات دولية على الشركات والأنظمة التي تغتال الأمم وتستنزف موارد شعوبها وتتسبب في كوارث مناخية وبيئية وتلزمها بتعويضات مجزية للدول والشعوب.


• ختاما:
• سيظل الحشد السياسي الدولي لقضية المناخ مستمرا فهو لم ينقطع منذ قمة بوزنان البولندية في 2008م، ومؤتمر التغيرات المناخية في نيويورك 2009م، وكوبنهاجن للمناخ في 2009م، وكانكون المكسيكية في 2010م، وصولا لمؤتمر دروبان بجنوب إفريقا في 2011م الذي وافقت فيه أكثر من 190 دولة على توسيع نطاق الجهود المنصوص عليها في اتفاق كيوتو 1997م، وأخطر التقارير الدولية التي تم تقديمها من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيير المناخ كان في 2018م والذي سلط الضوء على تأثيرات الاحترار العالمي البالغ درجة ونصف الدرجة المئوية، الأمر الذي دفع أنطونيو غوتريش في 2019 وهذا العام لمطالبة الدول بالإيفاء بالتزاماتها السابقة في خفض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة، وفي هذا الصدد التزمت 75 دولة بالتبرع بحوالي 100 مليار دولار لخفض انبعاثات الغازات إلى المستويات المطلوبة، ولكن جزء كبير من تلك الالتزامات أخرت الحرب الروسية الأوكرانية الوفاء به، لتتحول تلك الأموال إلى جهود حربية وإغاثات إنسانية أو تم دفعها لتمويل شراء حبوب وأغذية ووقود.

• ويتحتم على كل إنسان في هذه القارة الشابة أن يرفع درجة وعيه بضرورة إسقاط الطغاة وإلغاء الأنظمة الدكتاتورية في القارة وتوطين الديمقراطية وتنصيب أنظمة مدنية تهتم بمخاطر التغير المناخي، وتمكن من الضغط الشعبي للحكومات في سبيل استنان قوانيين واجتراح سياسيات مناخية عادلة وتحديد إجراءات تسهم في خفض درجات الحرارة في الكوكب،  وتكوين جماعات غير حكومية لرصد كافة المخالفات الإقليمية والمحلية والدولية المخالفة للمعاهدات والاتفاقات والصكوك الإقليمة والدولة المنظمة للمناخ، وبالضرورة السعي جماعيا لتنوير بمخاطر التغير المناخي عبر منصات التواصل الحديثة والإعلام البديل وحث صناع المحتوى والمشاهير للإهتمام بهذه القضية التي لا تشغل حتى حيزا من تفكيرهم، ويبقى واجب الحكومات المسؤولة تغيير أنماط التعليم التقليدية ونشر المعاهد والأكاديميات والكليات والجامعات المختصة بالبيئة والمناخ وإدخال السياسات البيئية والطاقوية النظيفة والمسدامة قدر الإمكان في أعمال الحكومات والمؤسسات والشركات والتوجه استراتيجيا نحو دول نظيفة.

عروة الصادق

٤. نوفمبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com








مصير البرهان بعد فوز نتنياهو

مصير البرهان بعد فوز نتنياهو
● مقدمة:
إن الإلقاء بالبرهان في سلة القمامة سيكون أولى خطوات بنيامين نتنياهو والاستعاضة عنه بجنرال آخر، لأن الأخير قد بدأ حملة الكشف عن فضيحة لقائه مع قائد انقلاب السودان الجنرال البرهان في أوغندا بدايات العام 2020م، للتطبيع بين الخرطوم وتل أبيب فقد ذكر نتنياهو في مذكراته: «في 3 فبراير 2020م كنت قد زرت أوغندا للقاء قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، أحد القادة السودانيين الذين قادوا الحركة للإطاحة بالديكتاتور عمر البشير. تم ترتيب هذا الاجتماع بتكتم من قبل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني ». وأضاف: «خلال الغداء مع البرهان ناقشت المزايا التي يمكن أن تعود على السودان من إقامة علاقات مع إسرائيل بما في ذلك شطبها من القائمة الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب. بطبيعة الحال، لم استرجع قراري بقصف مطار الخرطوم قبل سنوات قليلة. كان البرهان مهتماً بشكل واضح. ولكن مع تقدم الغداء رأيت أنه كان يواجه مشكلة في إصدار حتى البيان الموجز حول اجتماعاتنا التي تم الاتفاق عليها مسبقاً». وتابع: «”ما هي المشكلة؟” سألت الدبلوماسية الأوغندية القديرة نجوى قدح الدم التي فعلت الكثير لترتيب الاجتماع. قالت: “لديه معارضة محلية”. الشريك الآخر في ائتلافه خائف أن التطبيع مع إسرائيل سيثير احتجاج المسلمين”».


● كل هذا الأحاديث السرية نشرها بنيامين نتنياهو بعد يئس من عودته لرئاسة الوزراء، فجعل منها كرت أخير هي وعدد من الصلات الدبلوماسية والأمنية مع دول أخرى وأجهزة مخابرات في المنطقة، ليتخذ منها رافعا إنتاخبيا يحفز الداخل الإسرائيلي للتصويت له في الانتخابات العامة.


● إلا أن نتنياهو نفسه يدرك أن الممانعة الداخلية لما أسماء عملية السلام مع تل أبيب كبيرة جدا وتمثل عقبة كؤود أمام التطبيع، على عكس ما صوره له الجنرال البرهان، الأمر الذي أعاقه البرهان بنفسه بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، والذي لم يستطع تكوين حكومته التنفيذية لتكمل عملية الاتفاقية الإبراهيمية.


● بعد انقلاب 25 أكتوبر انكشف الغطاء الأوغندي عن الجنرال البرهان وتحركاته تجاه إسرائيل، فقد ظلت على الدوام أوغندا البوابة الخفية للتعاون الإسرائيلي مع جماعات سودانية سواء كانت حكومية أو معارضة كالحركة الشعبية لتحرير السودان، وبسوء علاقة الحكومة السودانية مع الاتحاد الافريقي اتخذ الرئيس موسيفيني خطوات للوراء في لعب دور الوساطة الإسرائلية السودانية وبخاصة بعد موت مستشارته نجوى قدح الدم الفاعلة في هذا الملف.

● كما أن سوء علاقات الخرطوم مع إثيوبيا، قد أعاق الترتيب للتعاون المباشر لتل أبيب مع الخرطوم، إذ يتواجد في أديس أبابا وحدها حوالي ألف من الخبراء والتقنيين والمستشارين الإسرائيلين كانوا يعدون العدة للتعاون مع السودان وتدريب بعض العناصر السودانية في أديس أبابا أسوة ببعض ملحقي البعثات الإفريقية في مقر الاتحاد الإفريقي.


● كذلك لم يعد لإريتريا ذلك الدور الفعال في استهداف عناصر سودانية حكومية ومعارضة واستقطابهم للعمل مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية في أسمرا، وقد حاولت بعض الجهات في شرق السودان التواصل منفردة مع تل أبيب إلا أن تلك المحاولات لم تثمر، ولكن الخطوات التي تسير نحو المطالبة بحق تقرير المصير في شرق السودان تتسق تماما مع توجه الإدارة الإسرائيلية التمزيقية للسودان، ومثل الجنرال البرهان أحد روافع الإحتقان واستغلال الشرق في التحضير لانقلابه المشؤوم.


● قبل انقلابه بساعات قليلة كان المبعوث الأمريكي السيد فلتمان يحلس مع البرهان في القصر الجمهوري وأكد له البرهان حرصهم على إكمال الانتقال وتحقيق الإستقرار في البلاد، وهو الأمر الذي دفع فلتمان بعد فترة وجيزة بنعت البرهان بالكاذب والمراوغ، إلا أن لإسرائل ومستشاريها الأمنيين الذين وصلوا الخرطوم دور كبير في خديعة فلتمان ومبعوثي الدول الأوروبية والمملكة المتحدة والداخل السوداني، إذ قدم أولئك المستشارون كافة التطمينات للبرهان بأنه لا البعثة الأممية ولا أي دولة من الدول تستطيع إعاقة الإنقلاب أو التدخل في السودان، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بعد تجربتها المريرة في الصومال قد اتخذت الإدارة الأمريكية قرار التوقف عن التدخل المباشر في الدول الإفريقية.


● كذلك كان هناك دبلوماسيون في طاقم حمدوك تواصلت معهم هيئة الإذاعة الإسرئايلية "كان"، وأن التطبيع مع إسرائيل سيستمر أيضا بعد الانقلاب، الذي من غير المتوقع أن يؤثر فيه بشكل كبير، لأن رجال الجيش مؤيدون للتطبيع، كانت هذه أيضا إحدى محفزات نتنياهو لدعم انقلاب البراهان، الأمر الذي جعل من الولايات المتحدة الأمريكية تلتفت للأمر وتعطل عملية التطبيع بدورها، باعتبار أنه كان من المفترض أن يتم توقيع إتفاقية سلام بين الخرطوم وتل أبيب في واشنطون، وهو الأمر الذي صرح به المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس : "أن هناك حاجة إلى "إعادة فحص" التطبيع بين إسرائيل والسودان في أعقاب الانقلاب العسكري في البلاد".

● اتخذ البرهان نقطة انطلاقه نحو إسرائيل من استراتيجية منطلقاتها تصريحات وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة "تسيبي ليفني"، التي أعلنتها في 24/05/2006م بإن حكومتها ستساعد في إيجاد حل للأزمة في اقليم دارفور خلال لقاء جمعها مع عدد من السفراء الأفارقة في تل أبيب حيث ناقشت معهم الأزمة في الإقليم، ومن وعود لاحقة بتوفير ضمانات تحصنه من الملاحقة الدولية، ومن خوف المشير المخلوع أن تستهدفه ضربات جوية كالتي استهدفت أسلحة وذخائر في البحر الأحمر وقصف مصنع اليرموك في الخرطوم.


● توافرات للحكومة السودانية في فترة سابقة عبر أجهزة الأمن الأردنية معلومات عن وجود إثنين من مهرّبي الأسلحة يحملون جوازات سفر إسرائيلية، تبيّن من التحقيقات التي تمت معهما تورّطهما في تهريب أسلحة لدارفور، وأن من بين المتهمين رجل يعمل بصورة مباشرة مع "داني ياتوم" الإبن الأصغر لمدير الموساد الأسبق، وهو الذي أدلى بمعلومات مؤكّدة تفيد بتورّطه و"شيمون ناور"، وهو صاحب شركة استيراد وتصدير إسرائيلية، في تهريب أسلحة لإقليم دارفور، الأمر الذي حاول البرهان استغلاله وتوظيفه لابتزاز قادة الحركات المسلحة وقطع الطريق أمامهم بالتعاون المباشر مع تل أبيب، وحاول منافسته في ذلك جاهدا قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حمدتي" وشقيقه عبد الرحيم.


● في الوقت الذي يعلم فيه البرهان ونائبه أن اسرائيل بغيتها في التعاون مع السودان ليس تحقيق مصلحة مشتركة مع الخرطوم، وإنما رغبة في كسر حدة العزلة الدولة المفورضة عليها وكسب قواعد للتأييد والمساندة، والعمل على تحقيق أهداف أيدولوجية توراتية خاصة بنمذجة دولة شعب الله المختار، والسعي لتحقيق مطلوبات الأمن الداخلي الإسرائيلي وتيسير هجرة اليهود الأفارقة إلى دولة الإحتلال، وبناء قاعدة استراتيجية لتحقيق الهيمنة الإقليمية لإسرائيل في إفريقيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.



● وكذلك يعلم هؤلاء الجنرالات أن إسرائل قد استندت على موروث مرير تجاه السودان في ذاكرة الحكومة الإسرائلية وضعت لتحقيق تلك الأهداف عشرة لاءات وهي تضمر لاءات الخرطوم الثلاثة، فكانت لاءاتهم:
١. لا للانسحاب الكامل إلى حدود 1967.
٢. لا لتقسيم القدس.
٣. لا لسيادة عربية كاملة على جبل الهيكل (المسجد الأقصى).
٤. لا لدولة فلسطينية ذات استقلال كامل.
٥. لا لإيقاف علميات الاستيطان أو تفكيك المستوطنات.
٦. لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين.
٧. لا لتحالف إستراتيجي عربي يضم بعض أو كل دول المواجهة والعمق العربي.
٨. لا لامتلاك أي دولة عربية برنامج نووي.
٩. لا لأي خلل في الميزان العسكري القائم حالياً بين العرب وإسرائيل.
١. لا لحرمان إسرائيل من مطالبها المائية في الأنهار العربية.


● كل ذلك مقروءا مع المحاضرة التي ألقاها وزير الأمن الإسرائيلي ( آفي دختر) في معهد الأمن الإسرائيلي 4 سبتمبر 2008 فيما يخص إستراتيجية تعامل دولة الاحتلال مع السودان، إذ قال: " كانت هناك تقديرات إسرائيلية حتى مع بداية استقلال السودان في منتصف عقد الخمسينات، أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي، لأن موارده إن استثمرت في ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب، وفي ضوء هذه التقديرات كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الإختصاص أن تتجه إلى هذه الساحة وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة، حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد، كون السودان يشكل عمقا استراتيجيا لمصر. هذا المعطى تجسد بعد حرب الأيام الستة 1967م عندما تحول السودان إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصري وللقوات البرية هو وليبيا. ويتعين أيضاً أن نذكر بأن السودان أرسل قوات إلى منطقة القناة اثناء حرب الإستنزاف التي شنتها مصر 1968- 1970م." و وعندما سئل دختر ماهي نظرته إلى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستعصية في الجنوب وفي الغرب والإضطراب السياسي وعدم الاستقرار في الشمال وفي مركز القرار في الخرطوم؟ هذا السؤال طرحه نائب وزير الدفاع السابق جنرال الاحتياط افرايم سنيه، رد دختر على هذا السؤال: هنالك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف في السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان، وكذلك إقليم دارفور على غرار إقليم كوسوفو. لا يختلف الوضع في جنوب السودان وفي دارفور عن الوضع في كوسوفو. سكان هذين الإقليمين يريدون الاستقلال وحق تقرير المصير قاتلوا الحكومة المركزية من أجل ذلك.


● كل هذه الشواهد تؤكد أن البرهان عبر خطواته وسياساته التي اتخذها بعد الإنقلاب واستعادته بتنصيب منسوبي النظام البائد في دولاب الحكومة والجهاز التنفيذي والمؤسسات الأمنية والعسكرية، وما تم ارتكابه من فظائع في غرب دارفور والنيل الأزرق وكردفان واستثارة الشرق وتحفيز النداءات الإنفصالية، يريد أن يسرع بتحفيز تلك الأقاليم للمطالبة بالإنفصال الأمر الذي ساعدته فيه بعض الإدارات الأهلية وقيادة الحركات وحكومة إقليم دارفور وزعماء العشائر، وتمت تغذية هذا الصراع بأسلحة وأدوات العنف المحتكرة للدولة إذ تسربت كميات مهولة من الأسلحة والذخائر لأيدي التحشيدات القبلية والإثنية لتستخدم في الصراع، كما تم تمويل مباشر لعدد من اتحادات شبابية قبلية تنشط في مناطق السودان المختلفة لهتك النسيج الإجتماعي والتجييش للحروب الأهلية.


● يمكن أن يفعل الجنرال البرهان للبقاء في السلطة أكثر من ذلك، ولا أستبعد أن يعقد صفقات مع أمراء الحروب في الأقاليم المختلفة وقادة المسارات المصطنعة في اتفاق سلام جوبا، ويمكنهم من حكم تلك الأقاليم على غرار إقليمي النيل الأزرق ودارفور ليصبح كل من كردفان إقليما والأوسط والشمالي وشرق السودان، وبالتالي يسهل إجراء استفتاءات تمهد لتقرير المصير ومن ثم الإنفصال، خصوصا وأن هناك مجموعات يرعاها النظام الإنقلاب تنشط تحت مسميات إنفصالية، وهو الأمر الوحيد الذي سيجعل من برهان كرتا رابحا لنتنياهو. 


● واجب السوادنيات والسودانيين العمل الدؤوب لتجاوز كافة خلافاتهم البينية وتوحيد لحمتهم الوطنية وتوطيد وشائجهم الاجتماعية، والكف عن السجال القبلي والاحتراب الأهلي والاقتتال الإثني والامتناع عن التحريض وخطابات الكراهية، وإلا لن تكون هزيمة هذا الإنقلاب وعملاءه أمرا سهلا، ولن نتمكن من تجاوز الأزمات التي تحيط بالبلاد إحاطة السوار بالمعصم.


● فلن تمكننا الحروب الأهلية والصراعات الحدودية ونزاعات الموارد وعدم الاندماج الوطني من بناء سودان الحرية والسلام والعدالة والرفاه، وستظل ثرواتنا تهرب إلى الخارج ومواردنا تهدر من بين أيدينا، وستظل بلادنا موطوءة وسيادتنا منتهكة.

●ختاما:
• لنتجاوز هذا الابتزاز السياسي الذي مارسه نتنياهو على البرهان، وتمارسه أجهزة مخابرات دول جارة وشقيقة تنشط في تقسيم الكيان الوطني لخلق تنافس خبيث بين العسكر والمدنيين، وتحاول به تحقيق مكاسب عبر إملاءات حثيثة وضغوط شديدة على الجميع، لا وصول لذلك إلا بإسقاط هذا الإنقلاب وتحجيم الدور الخارجي للقوات المسلحة وتقييده بالدستور والقانون، وكذلك إيقاف محاولات الحركات المسلحة الإنجرار في هذا المضمار ومحاولات شراء أسلحة خارج إطار القوات المسلحة السودانية من إيران أو إسرائل أو غيرها، وتوحيد قناة التواصل الدبلوماسي مع الآخر الإقليمي والدولي وأن تؤسس علاقاتنا على المصالح المشتركة.



 • ولنحدث ذلك الخروج الكبير من الأزمات ولتصفير الكوارث السودانية علينا أن ننشط لتكامل الجهود السياسية والمقاومة والمدنية والدبلوماسية والحقوقية والتقدم ببرنامج حد أدنى متوافق عليه يوصلنا إلى حكومة كفاءات مهنية مستقلة مدنية تنتشل البلاد اقتصاديا وتمهد لانتخابات حرة ونزيهة وتعقد المؤتمر الدستوري القومي لدسترة أوضاع البلاد بصورة دائمة، وليحدد الجميع عبرهم مصير البلاد في علاقاته مع الآخر ويحافظ على سيادة البلاد وحدود أراضيها.

عروة الصادق

٤. نوفمبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com