الخميس، 15 ديسمبر 2022

خطاب البرهان في المعاقيل والسيناريوهات والأحابيل

خطاب البرهان في المعاقيل والسيناريوهات والأحابيل


• مقدمة:
• أهم ما جاء في حديث البرهان أن القوات المسلحة لن توافق في مرحلة الاتفاق النهائي للعملية السياسية على أي بنود يمكن أن تنال من ثوابت البلاد، وفي اعتقادي أن هذه ذات الفزاعة التي ظل يستخدمها طوال العام المنصرم وهي محض أحابيل لجأ إليها سلفه المشير المخلوع، وهو يعلم علم اليقين أن الاتفاق الإطاري الذي وقع عليه يحمل ملامح الاتفاق النهائي، والذي لا يوجد به ما يمس بسيادة السودان وثوابته الوطنية، بل على العكس نحن نرى محاولات استباق التوقيع النهائي بتمكين دول من مياه السودان وأراضيه وسيادة موانيه.

• كما أن قوله: " إنه ليست هنالك تسوية سياسية بالمعنى الذي يفهمه البعض، وإنه لا ينبغي أن تحاول أي جهة أن تختطف الاتفاق الإطاري لمصلحتها الذاتية دون الآخري"، كل هذا أسميه خطاب تماسك لأنه قال به أمام أفراد وضباط وصف ضباط للقوات المسلحة في منطقة المعاقيل العملياتيه، وبعض عسكر السودان حينما يرى جنوده تأخذه  الحماسة، ويقول ما يشاء، ولكن المتفق عليه أن هذا الاتفاق أطرافه معلومة ومشهودة، ومحدد المعالم، إذ لا يوجد هيمنة فيه لأحد أو استئثار بمفاصل الحكم فيه لحزب وقد أقر الجميع تكوين حكومة كفاءات مستقلة دون محاصصة حزبية، أما محاولات إغراق الإتفاق بجماعات يرى البرهان ويعمل على إدراجها ضمن الإتفاق من شأنه نسفه وإرجاء الجميع إلى نقطة الصفر، وهو ما لن يستطيع البرهان ولا جماعاته دفع ثمنه. 

• أما تأكيده بالقول: " أن القوات المسلحة لن تمانع في المستقبل أن تعمل تحت إمرة حكومة شرعية ومنتخبة يختارها الشعب طبقا لانتخابات حرة وشفافة" فهو من نافلة القول، ولكن هو يعلم أن القوات المسلحة منذ الآن حال تم اتفاق نهائي ستعمل تحت إمرة رئيس الوزراء الذي سيحكم الفترة الانتقالية وهو ما وقع عليه وما ستؤسس عليه الفترة الانتقالية، ولن يكون للقوات المسلحة أي دور سياسي وسقتصر دورها على ما تم النص عليه في الدستور والقانون.

• أما الحديث عن الإصلاح الحقيقي للقوات المسلحة وأنه يشمل التعديلات والإصلاحات في النظم واللوائح المنظمة للعمل، وأنها هي قادرة على ذلك ومستمرة فيه بما يضمن مصلحة البلاد وقواتها المسلحة، نؤكد أن هذا ليس كافيا، فالبرهان يعلم أن التنظيم يستحوذ على مفاصل هذه القوات ويهمن على إرادة جنرالاتها وهنالك جنرالات بالاسم وبقوائم كاملة ضمن عضوية التنظيم الإخواني والحركة ويأتمرون بأمر قيادتهم الداخلية والدولية، ويعمل هؤلاء على أدلجة القوات المسلحة، كما أن هنالك عناصر فاسدة في القوات المسلحة ولها صلة بتجارة ممنوعات وتهريب موارد البلاد وتعاون مع جماعات خارجة عن القانون، كل هؤلاء يسئيون لتاريخ القوات المسلحة، والواجب تنقية هذه المؤسسة من جميع هذه العناصر الفاسدة وإعادة جميع الضباط المهنيين الذين تمت إقالتهم في عهد الإنقلابين البشيري والبرهاني، وإكمال عمليات الدمج والتسريح وصولا لجيش مهني واحد يؤمن الديمقراطية والحرية ويحرس تطلعات الشعب السوداني.



• السيناريوهات المتوقعه لمسار التحول الديمقراطي بالبلاد:
بدراسة وقائع التاريخ السوداني ونماذج الانتقال عقب الثورات يمكن قراءة السيناريوهات المحتملة والتي يسهل الوصول إليها ، فالناظر لما يجرى يعلم أن هذا الإنقلاب حدث بسبب تحالف إرادات ديكتاتورية مع أخرى سياسية وقوى مسلحة وبنذر يسير مع ممثلين من المجتمع المدني والإدارات الأهلية وهو التحالف الحاضن لإنقلاب 25 أكتوبر 2021م والمؤكد أن هذه الحاضنة تمزقت للدرجة التي دفعت العسكر للبحث عن طريق العودة للحل السياسي الشامل ، وفي ذلك تعمل عده جهات على تغيير الأفكار والاهتمامات والسياقات والمؤسسات، فقوى الانتقال الديمقراطي تتوجه نحو تنقية الحياة السياسية واستكمال مهام الانتقال وتحقيق شعارات الثورة، فيما تشد قوى الردة مؤسسات الدولة وقياداتها نحو التقهقر إلى النظام الدكتاتوري بصورة أعنف مما كان عليه الوضع في 1989م، وهي محاولة حثيثة لم يكف عنها عسكريو ومدنيو التنظيم الإخواني الذين يجتهدون في إضعاف الحراك الجماهيري والبطش به واختراق احزابه ولجانه وتنسيقياته، والمتوقع هو:

• أولا: إما أن تمضى العملية السياسية إلى نهاياتها لما فيها من ضغط دولي كبير يمكن أن يصل إلى التلويح بالعقوبات الدولية والتدخل بموجب الفصل السابع وهو ما سيعجل بالوصول لاتفاق نهائي ويؤمن انتقال بصورة تؤسس لحكم مدني وسلطة قوية بقيادة قادرة على إيصال البلاد إلى انتخابات حرة ونزيهة، وهذا يتطلب لاحقا إيجاد المؤسسات المناسبة لإدارة النزاعات بين النخب والاستعداد لجميع الجهات الفاعلة الرئيسية لقبول الديمقراطية خيارا أوحدا لإدارة البلاد.

• ثانيا: أما السيناريو الأكثر قتامة وسوءا وله دوافعه الذاتية والموضوعية هو انتكاسة عملية الحل السياسي الشامل، ومحاولة (العسكر) الرجوع إلى آحادية قابضة، وهو ما سينجم عنه اصطراع سياسي شديد، وربما اتخذ طابعا مسلحا قاد إلى فوضى وحروب أهلية تلوح نذرها في كل أطراف البلاد.

• ثالثا: أما التوجه الأخير والخطير هو استمرار التماطل في الوصول لاتفاق سياسي ومد الفترة الانتقالية لفترات طويلة لا ترغب كثير من القوى السياسية والمسلحة في التوجه نحو انتخابات، وهو ما سيؤثر سلبا على الحراك الجماهيري، ويسهل عودة الفلول إلى مفاصل الدولة كما رأينا بعد الإنقلاب، واتسمرار الأوضاع في التراجع سياسيا واقتصاديا وأمنيا وإكتمال العزلة الدولية.



• ختاما: 
• مطمح ومطمع البرهان هو العودة إلى ما قبل الإنقلاب والاكتفاء بامتيازاته الشرفية في مجلس السيادة حتى قيام الانتخابات وهو أمر تستحيل العودة إليه، فقد أوصد رأس الانقلاب منذ اليوم الأول الباب للعودة إلى ما قبل 25 أكتوبر بتقسيمه للتحالف الحاكم ودعمه لمجموعة التوافق الوطني وزجه للشركاء في السجون والمعتقلات، وتمزيق الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية، وتلطيخ تلك الصفحة بدماء الأبرياء من ضحايا الإنقلاب، ونسف عملية الحكم المؤسس على شراكة مدنية عسكرية، لذلك لا مجال لإعادة عجلة التاريخ والمرجو هو التقدم إلى الأمام بجرأة وتأسيس حكم مدني يبعد العسكر عن الممارسة السياسية، وسلطة كاملة تقودها كفاءات مهنية مستقلة تستعيد مكاسب البلاد الانتقالية وتفكك التمكين وتحقق العدالة، وتضع السودان في موضعه الرئيس وترجع له ما فقده من مكتسبات دولية ومالية ودبلوماسية وعون للأسر الفقيرة.



عروة الصادق
16. ديسمبر 2022م
البقعة

الأحد، 11 ديسمبر 2022

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل( ٣)

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل

 (3)

·   صور البعض الاتفاق الإطاري بأنه تعاقد مع الأوليغارشية وقادة الإنقلاب لتعيين الأوليغارشيين الجدد في مؤسسات الدولة المدنية، وهو محض إفتراء، وليس هناك تمييز سياسي حتى للقوى التي عكفت على صياغة وطرح الاتفاق بتسميتهم تسمية تمييزية يمكن أن يتذرع الآخر برفضه لهم واحتكاره لمسمى "الحرية والتغيير"، على سبيل المثال، بل العكس مضى الاتفاق لتجريد أي صاحب امتياز منه ليكون الامتياز الأوحد لأصحاب المصلحة الحقيقة وتمكين السودانيين بصورة فيدرالية من الولوج إلى مضمار تصميم نظام الحكم مستقبلا، والمشاركة في القرار السياسي بصورة حقيقية، على كل الأصعدة والمستويات، مركزيا، وسياديا، وتنفيذيا، وبالضرورة ولائيا، وهو تجاوز لأنماط التعليب السابقة التي يتم إرسالها من المركز، وتجريد الخرطوم من امتيازها الاقتصادي والسياسي والديمغرافي، والتعامل معها صنوها صنو أي إقليم من أقاليم السودان، ورأينا كيف تفاعلت مؤسسات حزبية وجهات ولائية مع الاتفاق إيجابا، ومنهم من أبدى ملاحظاته مسبقا وتم تضمينها في الاتفاق الإطاري، ومسودة الدستور الانتقالي، جاء ذلك في لقاء مشهود جمعت له كيانات ولائية من كل ربوع السودان في المركز العام لحزب الأمة القومي.

 

·   لذلك نجد أن هناك محاولات لتصميم أجسام جديدة لتقف ضد هذا الاتفاق أو التسلل إليه كواجهات خفية لتنظيمات تقف ضده، وهو ما اتضح بجلاء في صدور أكثر من خمسة عشر بيانا عشية توقيع الاتفاق الإطاري جميعها بصيغة مختصرة وبشكل واحد وكأن من صاغها شخص واحد، حملت اسم عدد من التنسيقيات الولائية والفرعية في المدن والأرياف، وهو نوع من التضليل برعت عدد من الكيانات العقائدية في ممارسته، تشاطرهم إياه أجهزة مخابرات واستخبارات.

 

 

·   رغم أن هذا الاتفاق عمل على إعادة الاعتبار للشعب السوداني وإعلاء شأنه بتمكينه من السلطة قاعديا صعودا، وليس مركزيا، وجعل السودانيين هم المرجعية له، بالجلوس مع نحو 5000 جسم قاعدي مع الآلية الثلاثية، والتي ترى في الاتفاق الإطاري ومسودة الدستور الانتقالي أساسا خاطب كل قضايا تلك الجماعات، إلا أن هناك جماعات لا تعنيهم إلا أنفسهم، مجهولي الأطماع، محط للريبة والتوجس، ومحاطون بالكثير من الشبهات، يسعون لتأمين أوضاعهم في الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية والولائية، أو إجهاض هذا الاتفاق الذي تحدث عن الكيف ولم يتحدث عن الأشخاص بل مضى إلى الحديث عن ضرورة تأسيس سلطة مدنية من كفاءات مستقلة، وهو ما يخيف بعض القوى التي تخشى أن تكون الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة، باعتبار أن ذلك خطر داهم يهدد بقاءهم ككيانات سياسية محدودة  الأثر وقليلة التواجد والانتشار وضعيفة الحظ الانتخابي.

 

·   وهناك آخرين لهم من الإخلاص ما يؤهلهم لاحتكار الثورية وتوزيع صكوكها ولكنهم اتسموا بالسطحية وعدم المقدرة على الإنجاز، فلا زال بعضهم يحاول (النسخ واللصق)، لتصميم تجربة سريالية لم يسبق لها مثيل حتى في تصوراتهم، وهؤلاء لن يجدوا بدا في آخر المطاف من انتظار نتائج هذا الاتفاق الإطاري، وما سيفضي إليه من إجراءات تمهد للوصول إلى الاتفاق النهائي الذي يرجى أن يشترك الجميع في تصميمه وصياغة ملامحه ومناقشة قضاياه المؤجلة.

 

·   إن هذا الاتفاق نسف نظرة التشكيك في مقدرة السودانيين على إدارة مصيرهم، ففي كل العمليات واللقاءات التي انتظمت الوصول إليه، تعجب القادة الإقليميين والدوليين من الثلاثية والرباعية والترويكا من درجة وعي وإدراك المجتمع السوداني في كل الصعد الريفية والحضرية  وتنسيقيات اللجان وقادة العمل المجتمعي والسياسي والنخب، ومدى إدراكهم لقضيتهم وتعظيمهم لمواردهم، وعزة أنفسهم، وأيقنوا جميعا أن هذا الشعب لن تحكمه سلطة استبدادية، وإلى الأبد، وأنهم مجمعون على التخلص من هيمنة العسكر على السلطة وينشدون التحول الديمقراطي ، ويرغبون في تفكيك أعتى المنظومات الاستبدادية التي حكمت السودان.

 

·   أعلم أن هناك مشاريع تتخلق تحاول امتطاء صهوة هذا الاتفاق للوصول إلى غاياتها، كما فعلوا في الفترة الانتقالية الأولى، وهؤلاء معلوموا التوجه والأهداف، ومن أهم مشاريعهم تفكيك منظومة ما أسموه "السودان القديم"، عبر السلطة التي يرون في هذا الاتفاق بوابة لها، وهي تجربة خاسرة إذ حاولها نظام الإخوان لمدة ثلاثين سنة، إلا أنها ارتدت عليه وفككته فأضحى شذر مذر، ومحاولة تجريب تلك التجربة في اتخاذ السلطة وسيلة للهيمنة على القرار السياسي في البلاد  واتخاذه عصا ترهيب وتفكيك لكيانات وجماعات تاريخة أوالتحكم في الموارد الاقتصادية واتخاذها جزرة ترغيب للانتماء لهذه الكيانات الوليدة، سيكون وبالا على البلاد والعباد، ولا سبيل لتفيكيك وتغيير وإعادة صياغة المجتمع السوداني إلى عبر آلية واحدة وهي الانتخابات الحرة النزيهة التي يعمد فيها الشعب السوداني من يشاء وينتصر فيها صاحب البرنامج المقبول.

 

·   في هذه الأثناء فتح الباب لجماعات عسكرية متقاعدة لتكوين كيانات تتبنى قضايا سياسية واقتصادية وتنموية، واستقطاب قطاعات واسعة من الشعب السوداني، باستخدام خطابات إثنية وعنصرية تم التأسيس لها بناءً على أخطاء الانقلابيين وبالأخص الأزمات التي سببتها وزارات تتبع لمجموعات سلام جوبا، وعكفت آلة إعلامية مكثفة للتعبئة ضدهم، ومضى قائلون بضرورة إلغاء الاتفاق برمته، وهو ما يعني العودة للحرب التي فقد امتيازها هؤلاء الجنرالات المتقاعدون، لذلك نجد أن الاتفاق الإطاري حافظ على مكتسبات سلام جوبا، وقال بضرورة مراجعة بعض الأخطاء التي أثبتتها الممارسة خلال الفترة الانتقالية وفترة الانقلاب، وهو أمر انطبق من قبل على الوثيقة الدستورية فنصوص الاتفاقات السياسية صنع بشري قابل للخطأ والتصويب، ولكن هناك من يشي لقادة سلام جوبا بأن هذا الاتفاق يستعديكم ويستقصد إقصاءكم وهو في اتجاه آخر يعبيء ضدهم تحت نداءات عنصرية وصلت حد المناداة بالإنفصال، ويسعى بعضهم لفتح معسكرات تجنيد في وسط السودان بولاية كولاية سنار.

 

الخميس، 8 ديسمبر 2022

القمة العربية الصينية

القمة العربية الصينية

• لفت انتباهي في هذه القمة ما سبقها من قمة واجتماعات ثنائية بين وزارات البلدين، والاتفاقيات الكثيفة التي أبرمت بين المملكة والصين، وعلى رأسها الاتفاقات التكنولوجية، وهو رسالة للعالم بأن هناك دول تحتكر التكنولوجيا ولا تبيعها إلا للحلفاء، فرغم العلاقات الراسخة بين الخليج العربي وخصوصا المملكة العربية السعودية بالولايات المتحدة، إلا أن الآخيرة لم تمكنها من ميكانيزمات تكنولوجية مهمة وأسرار التطور على رأسها الذكاء الصناعي و الحوسبة السحابية وغيره.



• المستقبل يقول بأن الهيمنة التكنولوجية أضحت أقوى عناصر قوى الدولة الشاملة، والصين مضت في هذا المضمار بعيدا، وتمتلك من الأسرار في الأرض والفضاء ما تنوء بحمله العصبة أولو القوة، لذلك سعي المملكة العربية السعودية للشراكة في هذا المجال بوجه استراتيجي يضعها في قمة الدول التي حجزت موقعها في المستقبل ولا أحد سيستطيع منافستها إلا من يمتلك تلك الأسرار.



• اهتمامي بهذه الجزئية مقروء مع اهتمامات قادة المنطقة العربية الآخرين، وعلى رأسهم رئيس السلطة الإنقلابية في السودان، والذي اجتمع على هامش القمة مع الوفد الصيني، والذي نحا كعادته منتحيات سلفه نظام المخلوع عمر البشير، وانصب الأمر في مطلوبات مادية ومنح وقروض أثقلت كاهل الدولة السودانية، وغيره من أوجه التعاون الأمني والدعم السياسي والدبلوماسي لسطلة قائمة على البطش والتنكيل.



• هذا التوجه القاصر لرأس الانقلاب ووزرائه، وغيره من القادة العرب يجعل من السودان أضحوكة العرب، والمنطقة والعالم، وسيؤكد للصين أن هذه المنطقة أهل للاستحمار والاستحقار والاستعمار، ويمكن الاستيلاء على ثرواتها بسهولة بعد إغلاقها عن الغرب وإغراقها في الديون، بأثمان زهيدة وبأقل التكاليف.



• إن سعي السودان بسلطته الحالية سيجعله في ذيل الأمم يتسول ويقتات من نفاياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية وربما النفايات التكنولوجية والمضار النووية المسرطنة، وهذا مرده لغياب المشاريع التي تطرحها حكومة مسؤولة مؤمنة بمقدراتها ومواردها ومصادر ثرائها وقوتها الاستراتيجية، والتي تضعها في منضدة التعاطي الدولي بتقدير واحترام.



• أعود لأقول لو أننا ظفرنا فقط باتفاقية مسؤولة مع الصين تمكننا من امتلاك برامج تطوير تكنولوجية متقدمة لحزنا فرص المستقبل في القارة والمنطقة والعالم بامتياز، وعلى رأس تلك البرامج منصات التدريب على التطور التكنولوجي والتقني والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والحوسبة السحابية وانترنت الأشياء، وهي لوحدها قوة توازي قوى الدولة الشاملة التي يمكن أن تنهض بالسودان في غضون عام واحد فقط.



• ختاما: إن هذه القمم فرض لتقديم الذات واكتساب صداقات حقيقية تحقق مصالح الشعوب، فالسودان يمكن أن يقدم للصين فرصة لأن تدخل لإفريقيا بسلاسة وبسهولة وهو أهم دول طريق الحرير الأمر الذي يجعل له أهمة خاصة واستراتيجية للمصالح الصينية في إفريقيا والعالم العربي وهو ما يستوجب مد السودان بأسرار صيد الأسماك لا منحه سمكة ليأكلها ويأتي من جديد ليسأل عن سمكة أخرى.

عروة الصادق
8. ديسمبر 2022م
البقعة

الأربعاء، 7 ديسمبر 2022

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل(2)

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل (2)

• ينظر كثيرون للعملية السياسية الجارية في البلاد لإبرام اتفاق نهائي ينهي الأزمة الخانقة في البلاد جراء انقلاب 25 أكتوبر على أنها فرصة لتصحيح مواقف تاريخية جلبت عداء لبعض الجماعات مع الشعب السوداني، والبعض يراها آخر سانحة يمكن أن تمنح السودانيين أملا في الانفراج السياسي والاقتصادي والمعيشي، ويراها آخرون أنها نزاعة للشوى ستقتلع سطوتهم وتنتزع سلطتهم وتجردهم من المال، وربما تزجهم في غياهب السجون، ويراها البعض خيانة لدماء الشهداء واجب إجهاضها، وأنا لا أراها سوى عملية سياسية تحتمل النجاح والفشل وقد بينت في مقام سابق ما يمكن أن يدفعها نحو النجاح وأمضي لتبيان مجهضاتها.



• أفضل الدروس السياسية التي يمكن التعلم منها هي الاستلهام من التاريخ والاعتبار من أحداثه، وفي هذا المضمار سياسيا استغل كثيرون الأزمات لجعلها زانات للقفز على الواقع ومدارج للصعود على أكتاف الجماهير والمنكوبين وتضحيتهم، ومنهم من اعترض على الحلول أشد الاعتراض لأنه يستبدل تموضع نافذين ويبعدهم عن أماكنهم بآخرين، وغامرت عدد من الدول لتصنع قادة من ربائبها في الدول التي شهدت صراعات، تاريخيا نظرت بريطانيا في عدد التسويات السياسية الممكنة، بما في ذلك تقسيم أفغانستان بين عدة حكام أو وضع أيوب خان شقيق يعقوب على العرش، ولكن في النهاية قررت تثبيت ابن عمه عبد الرحمن خان أميرا بدلا من ذلك، وحديثا نصب الأمريكان حامد كرازاي رئيسا للبلاد واتجهت مؤخرا لفتح الباب على مصراعيه لعودة طالبان للسلطة.



• الشاهد أن لبعض الدول أطماع في السودان دفعت بعضهم لدعم الانقلاب والتآمر على السلطة الانتتقالية، وهناك جهات تريد تكرار ذات التجربة البريطانية والأمريكية في أفغانستان واستنساخها في السودان، ولكن أدركت جماهير الشعب السوداني منذ 11 إبريل 2019م ذلك الأمر وإلى اليوم، وبدأوا في هندسة مستقبلهم وفق تصورات سودانية خالصة، دون إملاء أو ركون لأي جهة من الجهات رغم محاولات حثيثة من السلطة العسكرية التطبيع مع إسرائيل والركون لأجندة خارجية.



• كما أن البعض يريد أن يصبج كرمز لهذه العملية السياسية الجديدة، ويتخذ منها منطلقا لتنقية سجلاته الدامية أو لتنصيب نفسه وصيا على الشعب السوداني، وبخاصة جنرالات الإنقلاب، والذين لم يصدروا مرسوماً يقرّر إيقاف عمليات التعيين وإبطال قرارات الإنقلاب والتشديد على عدم المضي قدما في استعادة المنظومة الإخوانية لدولاب الدولة، كدليل على توجه صادق نحو سياسة واقعيه تقود للحقيقة والمصارحة وتؤسس لعدالة انتقالية.




• رغم وجود الإرادة الوطنية القوية والصادقة لإنهاء الصراع في السودان وما تحظى به من دعم خارجي إلا أن الضغوط  الدولية والتشديد الإقليمي متى ما تراجعت وتقلصت مساحة الحراك الشعبي والسياسات الوطنية فإن العلمية السياسية ستشهد تراجعا وربما انهيارا سريعا، لأن البعض لا يسير في هذه العملية السياسية عن قناعة راسخة وإنما قاده خوفه للاختباء بهذه العملية وكذلك هنالك من قادتهم الظروف للاحتماء وراء منصب تسوية سياسية سابقة، ينازعهم نزغ السلطة ذواتهم للانخراط في هذه العملية.



• ودون أدنى شك تنشط أجهزة مخابرات محلية وإقليمية ودولية وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، في مراقبة العمليات السياسية في المنطقة والإقليم والعالم، وقد رأينا ذلك في أوكرانيا وليبيا وسوريا وليبيا واليمن بصورة مباشرة، لم يتطور الأمر في السودان ليتدخلوا كتلك التي حدثت في تلك الدول، ولكن هناك دول دخلت بعمق في دولاب الدولة بانتداب موظفين وتدريبهم لاختراق دولاب الدولة، ويعمل هؤلاء على إعاقة العملية السياسية في السودان، وتنشط أذرع مخابراتهم في محاولات تصميم البدائل السيادية والتنفيذية والوزراية في الدولة، وهذا الأمر سلاح مدمر للعلاقات وللدول على حد سواء، وربما يكون أخطر معاول هدم العملية السياسية من الداخل السوداني عبر مؤسسات الدولة ودولابها التنفيذي.



• تمثل هذه العملية السياسة هدنة لأطراف الصراع يمكن الاستفادة منها لفتح الباب على مصراعيه للاحتجاجات التي تقمعها سلطة الانقلاب وحمايتها وتمكينها من الوصول إلى نقاط الالتقاء دون احتكاك أو خسائر أو دماء، وعدم اعتراض الأنشطة المقاومة من ندوات ووقفات احتجاجية واعتصامات وإضرابات تطالب بمدنية الحكم والسلطة والدولة، وهي هدنة قابلة للإنهيار حال استغلها بخبث أصحاب الأجندات المشبوهة والأيادي الملوثة بدماء الأبرياء.



• ظلت عدد من دول الإقليم والمنطقة والعالم تدعم بسخاء جهود السودانيين وبالأخص قوى المعارضة المدنية والمسلحة ويأتي على رأس تلك الدول الحكومة الألمانية ومؤسسات ألمانيا الاتحادية ويجيء الاتحاد الأوروبي ودول ألترويكا أيضا في مقدمة الدعم لهذه الجهود إلى أن تلك الجهود تكاد تذهب أدراج الرياح للاتفاف بعض القوى الثورية في عباءة السلطة الإنقلابية ما خلق اضرابا في القرار الدولي وجعل بعضهم يتردد في دعم العملية السياسية أو الالتزام نحو السودان، وهنا يأتي دور القوى الموثوقة والتي ظلت على جادة التنادي للدمقراطية ولم تلوث يدها بمشاركة في نظام قمعي أو شمولي، لتفتح الأبواب الدولية الموصدة لأن تلك الدول تعد مصدر التمويل الأكبر لنهضة السودان ووقفهم بعيدا عنا سيعجل بانهيار العملية السياسية وعدم استقرار النظام الديمقراطي القادم.



• ولما لتلك الدول من صوت عالي في مجلس الأمن الدولي، هذا يحتم عليهم الإسراع بالدعوة لاجتماع خاص بالسودان يستصدر بيانات داعمة للعلمية السياسية في السودان، تحث الأطراف على المضي قدما نحو استكمال الاتفاق وليضع المجلس بدوره كافة الأطراف أمام مسؤولياتهم ويستصدر عقوبات ضد معيقي عملية التحول الديمقراطي في السودان، وهذه المرة لا اعتقد بإمكانية عرقلة الأمر بواسطة الفيتو خصوصا وأن روسيا الاتحادية داعمة لهذه العلمية السياسية، والتي في رأيي مثل موقفها عامل إدهاش لكل المراقبين، فلم يتوقع إنسان أن تجتمع الإرادة الدولية من موسكو إلى واشنطن في رأي واحد، ولكن الخرطوم مدينة العجائب.



• كما أن هناك أنشطة تقود إلى تخفيف حدة الاحتقان وتبين جدية الأطراف في تحقيق حل سياسي شامل يقع عبئها الأكبر على السلطة الحاكمة وهي إيلاء العناية القصوى لمسألة الأمن والاستقرار، وتوقيف كافة عناصر التخريب والتحريض الذين تسببوا في إحراق مناطق في كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وجمع كافة عصابات النهب والسلب التي أطلقت أيديهم منذ فجر الإنقلاب فعاثوا في البلاد فساد,




• ويمكن أن يشكل الاتفاق السياسي الحالي أساسا متينا للتواصل مع قادة العمل العسكري والمسلح في جنوب كردفان ودارفور الذين لم يلتحقوا بعملية سلام جوبا، وهؤلاء بالإمكان أن يرجحوا كفة العقل والاتزان والموضوعية في تلك الأقاليم التي اشتط قادتها في معارضة استعادة الانتقال للدرجة التي خططوا فيها للانقلاب مع العسكر، واتخذت مجالسهم القيادية قرارات داعمة لما سمي بالقرارات التصحيحية لقائد الجيش، كما أن هذا الاتجاه سيخلص شعوب تلك المناطق من العوز والحرمان ويسهل وصول شرايين الحياة لهم من صحة وتعليم ودعم.




• وبدوري أحذر من اتخاذ العلمية السياسية مدخلا لعودة العملاء الذين ظلوا طوال حياتهم جنودا لأجهزة مخابرات خارجية، ويخدمون أجندة دول وأحلاف، فبعض الداعمين للعملية السياسية لهم علاقات وثيقة مع بعض أولئك العملاء ويتواصلون معهم، سواء كانوا في عواصم خليجية أو إفريقية أو غيره، وهؤلاء ينبغي الحذر منهم أشد الحذر فلربما شكلوا حصان طروادة لتسهيل دخول الطغاة مجددا كما عاد الاسلامويين للحكم بعد انقلاب البرهان.


• إن العلمية السياسية التي لم تصل لللاجئين والنازحين في معسكراتهم، وتخاطب تنسيقياتهم سيكون مصيرها الإنهيار، ولا ينبغي أن تكون المخاطبة صورية ديكورية أو ترميزية، بمخاطبة ممثلين لتلك القطاعات في العاصمة أو حواضر الولايات، بل ينبغي الوصول العاجل بتسهيل لوجستي حكومي إلى مناطقهم، والحديث معهم بصورة مباشرة في دارفور والنيل الأزرق ومعسكرات اللجوء في إثيوبيا والجنوب وتشاد وإفريقيا الوسطى، وذلك لضمان إشراكهم في القرار السياسي القادم والانتخابات المزمع قيامها بعد أربعة وعشرين شهر.




• لهذه العلمية السياسية روافع اجتماعية ففي تكوين القائمين عليها كيانات لها اتصال قومي بكل ربوع السودان، من شأنها تجديد ربط أواصر التواصل بين مكونات الشعب السوداني، وإبرام مصالحات اجتماعية تعيد آلاف المهجرين إلى مناطقهم، ليسهموا بدورهم في عملية الاستقرار المنشود، وهذه أهم موانع إجهاض الحل السياسي الشامل، وفي حال تقاعس الجميع في استغلال وجود هذه الكيانات السياسية والاجتماعية والدينية سيستمر استقطاب الجماعات الربيبة للنظام البائد وقوى الردة في مخاطبة الكيانات القبلية والمجموعات الإثنية بخطابات تحريضية تبث نزعات الكراهية والصراع المؤدي للحرب الأهلية وحينها ستبدأ الخطوات نحو الانهيار.




• ختاما: إن كلمة السر والقوة الدافعلة لعلمية الحل السياسي الشامل في البلاد وإنجاح التسوية السياسية الجارية، هي استقالة وتنحي قادة الانقلاب، من العملية السياسية وتقدم وجوه غيرهم لاستكمالها، وذلك للامتثال لإرادة وقرارات الشعب السودان، وذلك لاعتقادي الجازم أن الجنرال البرهان، ليس أهلا للثقة، وهو عرضة للاضطراب وتغير القرار والعبث بكل المشهد الحالي وإفساده، وهو يمثل أكبر تحديات الانتقال نحو الاستقرار في البلاد، وكذلك الجنرال دقلو رغم دعمه الظاهر والبين للعملية السياسية إلا أنه مشوه بمحمول سياسي دامي يجعل منه العدو الأول لحداة التغيير في البلاد، وهو الأمر الذي يتطلب تنحيه عن المشهد، أما بقية الجنرالات فقد انزووا بمحض إرادتهم إلا أن استقالاتهم لم تعلن، ولكن ظل أنشطهم الفريق جابر الذي لا يؤمن جانبه على الإطلاق وهو من فتح الباب ليتنفس الاسلامويين داخل الخدمة المدنية وينشط كوادر التنظيم في الجيش والأجهزة النظامية والأمنية، هؤلاء جميعم لهم عناصر تقتات من فتاتهم وتحتمي بظلهم، يحرضونهم على البقاء والتمسك بالسلطة، ليس حبا في سلامة الجنرالات وإنما لتأمين مواقفهم وحماية ثرواتهم التي أسسوها في فترة الانقلاب، ومنهم قوى الردة من جماعات النظام المباد.

عروة الصادق
7. ديسمبر 2022م
البقعة

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل (١)

التسوية السياسية للأزمة السودانية والحل السياسي الشامل (١)

● النزاعات السياسية في الصراع المحلي والإقليمي والدولي، إما أن تحل بطرق قضائية في ظل أنظمة مستقرة وبها مؤسسات عدالة راسخة، أو عن طريق سلمي وسليم للحد من النزاعات وفك الاشتباكات بطرق وأنماط متعارف عليها، إما عن طريق التفاوض الذي يتخذ المفاوضات والمساومة للخصوم، أو الاقناع للرافضين، أو النقاش للمستفهمين، أو المباحثات مع الحلفاء، أو الحوار مع المختلفين، أو الاتفاق على قضايا حد أدنى مع الشركاء، ويتخذ التفاوض أنماط كثيرة ثنائية، جماعية إقليمية دولية، إما أن تكون بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما حدث في السودان بمساعي حميدة من الثلاثية الدولية والرباعية، اللتيم مثلتا وساطة وميسرة للنقاش والحوار ومسهلا للتعاطي البيني بين الفرقاء، وكليهما الآن تتخذان نهجا توفيقيا بين الفرقاء ومحاولة تطوير كل المسودات والمبادرات والرؤى والآراء المطروحة لتوضع كأساس للوصول للحل السياسي الشامل، وفي ذلك تم بذل جهود سياسية مقدرة من قوى داخلية ومطلبية، ودفع دبلوماسي من الأصدقاء والأشقاء في المنطقة والإقليم والعالم، كل هذا بعيدا كل البعد عن الإملاء بقرار دولي من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن وهو أمر كان ممكنا ومحتملا وواردا في حالة كالسودان، ويمكن أن يكون تحت قرارات قسرية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك ظلت أرضية التواصل سودانية داخل السودان على أراضيه بتجرد سوداني، على عكس كل الاتفاقات السابقة التي مرت على تاريخ السودان.




● مثل الدور الدولي أقوى تجليات التسيير للعملية الجارية فالأمم المتحدة لها تجربة كبيرة في إدارة مثل هذه العمليات، منها ما تم تحقيق نجاح فيه ومنها ما فشل ومنها ما نجح ثم انتكس، ويعمل معها الاتحاد الإفريقي الذي بادر بتجميد عضوية السودان عقب الإنقلاب كأول وأقوى الإجراءات الإقليمية ضد الإنقلابيين، فيما غضت الجامعة العربية كالعادة الطرف، ومثل الضلع الثالث منظمة الإيقاد أحد دعائم الإسناد الثلاثي ولكن هيمن على قرارها العسكر فجعوها سكرتارية تنفيذية لرأس الإنقلاب، وأقول بصراحة دوما يظل الدور العربي والإفريقي من عوامل إجهاض التحولات السياسية نحو الديمقراطية لهيمنة كثير من دكتاتوريي القارة على القرار الإفريقي، فإلى الآن لم تصل القارة للالتزم واضح وعملي بمعاهدة عدم الاعتداء والدفاع المشترك، ولم تفلح في إنشاء قوة إفريقية مسلحة مشتركة، ولم تواصل أنشطتها فعليا في مكافحة الإرهاب بل سمحت التمدد إلى بعض الدول عبر أراضي بعضها، كما هو الحال في مالي وموزمبيق ونجيريا وغيره، ولم تر استراتيجية النيباد للتعامل مع الأزمات النور بالصورة الفعالة، كما أن التعاون الإفريقي مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة والمنظمات الإقليمية الفرعية يشوبه بعض الغموض في كثير من الأحيان إلا أن الحالة السودانية الآنية أرغمت المؤسسات الإفريقية للتعاطي الجاد والمشترك والشفاف والواضح مع المحيط الإقليمي والدولي.




● فالقارة الإفريقية شهدت الكثير من حالات التدخل المماثل للحالة السودانية كالتي حدثت في أزمة دارفور بتسهيلات دولية وكالتي أجريت في مراحل سابقة بشقدوم وأروشا وأبوجا ونيفاشا وماشاكوس وناكورو وجيبوتي والقاهرة وغيره وصولا لأديس أبابا وجوبا، كما الحالة في الصومال وجزر القمر والحالة الليبية والصراع الاثيوبي وحديثا نموذج الوساطة لتشاد في الدوحة، وعدد لا حصر له من التدخلات من أجل إحداث التسويات السياسية وإبرام اتفاقات السلام والتي كان يتخذ بعضها طابعا مسلحا أو نجمت عنه حروب أهلية.




● لذلك أرى أن الاتفاق الإطاري الذي تشرف عليه عدد من الجهات الإقليمية والدولية وتقف على خطواته عدد من القوى السياسية والمدنية السودانية في الخرطوم، هو أقصر جسور العبور نحو الانتقال الآمن المستقر المفضي لتحول ديمقراطي كامل وسلام عادل شامل ومستدام، ويمكن أن يمهد لتحقيق العدالة الجنائية والانتقالية وعدم الإفلات من العقاب ومحاسبة الجناة، إذ أحسنت إدارته وتم توفير عوامل إنجاحه من جميع الفاعلين وتتعدد عوامل النجاح من ممكنة وضرورية وتلك الحرجة.




● فالسياسات العامة للحكومة ما بعد الاتفاق ينبغي أن تتسق والتوجه العام في كل مرافق ومؤسسات الدولة سيما الإعلامية التي يحاول فيها قادة التلفزيون القومي والإذاعة السودانية من فلول النظام السابق إجهاض الاتفاق بكل قوتهم، يشاطرهم في ذلك أذرع التنظيم في الأجهزة الأمنية والسلطات العدلية، كذلك أنشطة الحكومة الداخلية والخارجية توضح مدى جدية السلطة الإنقلابية في المضي قدما نحو اتفاق سياسي شامل، ولأن الأساس المنطقي الذي بني عليه الاتفاق الإطاري يوجب إيقاف إجراءات القمع تحت عباءة النائب العام وإجراءات كيدية من الشرطة السودانية، عليه ما لم تتخذ إجراءات فورية وعاجلة تحد من سطوة الفلول في هذه الأجهزة سيكون هذا الاتفاق مداد على ورق.




● أما أكبر الضمانات لحراسة الاتفاق هي المشاركة الشعبية والتأييد من القوى الثورية وتنسيقيات الحراك المقاوم، وتعمل كضامن للاستقرار والاستدامة وهي أهم روافع التحصين للتجربة القادمة، وتظل القوى الموقعة على الاتفاق وجماهيرها المقاومة في كل ربوع السودان والمهاجر من أهم أذرع الاتفاق التنفيذية، في هذا الصدد نشط مختطفون جذريون لعزل الاتفاق من قيادات التنسيقيات التي أصدر بعضها بيانات ناقدة أو متحفظة أو مؤيدة أو حذرة، وهو أمر مفهوم في كل عمل سياسي ومن المحتملات التي توقعها من اقتحموا مضمار التسوية السياسية.



● ولأن الموقف الدولي حاضر بقوة أتوقع صمود شديد للاتفاق حال استمر الشركاء الدوليين في دعمهم وتأييدهم وتحفيزهم للفرقاء ولجماهير الشعب السوداني، والعبرة بالخواتيم فالاتفاق محددة الأهداف والتي أهمها مدنية كامل السلطة والحكم والدولة، وإبعاد العسكر من العمل السياسي وتحقيق شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة واستعادة مكتسبات الفترة الانتقالية، وهي أهداف محددة يمكن على ضوئها محاسبة من وقعوا الاتفاق.



● لذلك نجد أن هناك من يناور بغية اكتساب المزيد من الوقت لربح المعركة وهناك من يريد الصمود وصولا ومثولا للمستقبل مهما كانت النتائج، وهناك أيضا فزاعة التوجه نحو إغلاق البلاد بأذرع السلطة وجماعات الضغط وعصابات الإجرام، كل هذا يهدد الاتفاق ويجعله عرضة للإنهيار، الواجب الذي لا غنى عنه هو الامتثال لكل ما يترتب عليه الاتفاق وإبداء الإذعان لكل نتائجة مهما كانت.




● كما أن الشخصيات المتقدمة لهذه العملية مصداقيتها على المحك ومستقبلها السياسي ومستقبل كياناتهم وأحزابهم رهين بنجاح هذه التجربة، والتي من واجبها اسقاط كل من في الحكومة ويقف ضد الاتفاق، وأن تكون السرعة حاضرة بقوة في تنفيذ استحقاقات تهيئة المناخ وكسب التأييد الشعبي.



● أستطيع القول أن هذا الاتفاق محدد القيادة اسما ووصفا وواضح المعالم شكلا ومضمونا، فلم يتم بليل أو بشخوص مجهولين تحت جنح الظلام وتحلى قادته بالشفافية في كل مراحله، وظل الصدق حاضرا في أحاديثهم وأنهم قد تحلوا وتحملوا المسؤولية ولهم استفادة من الخبرة والتجربة المريرة الماضية كما أن الاتزان ظل حاضرا ونائيا عن الشطط، وكما للعسكر خطة لإدراة الصراع في السودان، أقول أن التخطيط حاضر في هذه العملية في كل مراحلها واحدة تلو الأخرى وليس هناك جهة تستطيع أن تثني قيادة الاتفاق من توجههم الرافض للشراكة أو عسكرة الدولة، و هناك تصميم شديد لإنهاء الإنقلاب قبل حلول العام 2023م وفق خطة واضحة، والعنصر الرئيسي في هذه الخطة هو التسوية السياسية للصراع في السودان المدني منه والتمهيد لإنهاء المسلح..




● ميزة هذه العملية السياسية أنها إلى الآن تتحدث عن كيفية إدراة العملية السياسية وكيفية حكم البلاد وإدراة الفترة الانتقالية، ولم تدخل في أجندتها أي حديث عن شخوص، وصرح قادتها بأنهم مجتمعين ضد أي محاصصة سياسية تؤسس لتقاسم سلطة وثروة وهو الأمر الذي أسست عليه كل الاتفاقات السابقة وأورد البلاد إلى ما نحن فيه من انقسام واستئثار بالسلطة والثروة، لذلك نجد أن أعلى الأصوات رفضا لها هي لمحاسيب السلطة والمقتاتين من أموال الشعب السوداني والمنتفعين من موارد ومكاسب ومناصب أمنتها لهم إما الصدفة أو اتفاقات سابقة.




● كما اتجه العالم في السنوات الأخيرة لانتهاج سياسة حل النزاعات السياسية والمسلحة بنمط مشابه لما يحدث في السودان فنجد أن الأمين العام للأمم المتحدة الحالي والسابق وقفا على كثير من النزاعات كالحالة في ميانمار التي قادت لامتناع السلطة عن استخدام القوة والبحث عن تسوية سياسية، ونذكر اعتماد خطة التسوية السياسية لكوسوفو وميتوهيا، ومواصلة الموفاوضات مع زعما بوغانفيل، وبروتوكول لوساكا لحل النزاع في أنغولا، والتسوية السياسية للصراع الجورجي – الأبخازي، كل هذه العمليات مجتمعة وغيرها كثير تمت وفق منهجية دولية معتمدة شأنها شأن أي عملية تعليمية أو علاجية لمرض من الأمراض أو جائحة من الجوائح، اللهم إلا بعض التخصيص الشكلي والفني لمناطق لها خصوصية، واجترح السودانيون طريقتهم الخالصة لخارطة الطريق الماثلة.



● ما يحمد لهذه الجهود أنها ظلت على الدوام داعمة لوحدة البلادن وسيادة أراضيها، إلا اتفاق سلام جنوب السودان الذي تم تفخيخه بمعاني وبروتوكولات حصد السودانين إنفصالا مرا أضر بالبلاد الموحدة وبالبلدين بعد الإنفصال، وهذه العملية السياسية الجارية في السودان، ما يميزها أنها أبعد ما تكون عن تأسيس توجهات إنفصالية أو انتهاك للسيادة الوطنية، فقد ظلت الأجندة داخلية ومصممة في السودان ونابعة من قوى أصيلة في التاريخ السياسي والاجتماعي والمدني السوداني.




● دون أدنى شك الأروقة السياسية والاجتماعية في السودان تشكو افتقارها إلى ثقافة التسوية السياسية، وفي مايو 2022م حينما كتبت عن ضرورة إحداث تسوية سياسية شاملة ناهضني كثيرون ووصموني بما وصموا، وحينها بينت وجهة نظري في مطلوبات تسوية الصراع في السودان، قبل إن نصل إلى مرحلة انهيار السلطة المركزية انهيارا مفاجئاً سيقود البلاد إلى درك سحيق من الصراع الدامي والفقر المدقع والدمار الشامل، أو ربما تدخل مجلس الأمن كما فعل في عهد البشير تحت غطاء البند السابع.




● لم يكن هناك أحد يستبعد أن تتم في هذه الجولة مناقشة إعلان مبادئ يرسي أسس تسوية سياسية أو أن يتم التوقيع عليه، لذلك جاءت ردود الأفعال متباينة تتسم تارة بالحد وتارة بالموضوعية وتارة بالتأييد، وما يعزز من نجاحها هو إحراز تقدم جاد وسيقود ذلك بدوره إيجاد تسوية سياسية وطنية شاملة تهيئ البلاد والعباد لانتخابات حرة نزيهة. و هو ما يوجب التوقف عن استخدام لغة القوة والتعنيف التي انتهجها قادة الإنقلاب قبل وبعد إنقلاب 25 أكتوبر 2021م، والعودة إلى مسار التسوية السياسية والدبلوماسية المتحضرة التي تشمل كل السودانيين إلا من أبى أو استثنته أجندة الثورة.



● ولم يكن الوصول لهذا الأمر سهلا وإنما قلصت الموجات الجماهيرية والحراك المستمر منذ فجر الإنقلاب وضغوط الأسرة الدولية والأزمات الاقتصادية وجهود الثلاثية والرباعية وألترويكا والاتحاد الأوروبي من مساحة الشقة السياسية بين القوى الوطنية وقادة الانقلاب، وتغيرت معالم الساحة السياسية كليا وتبدلت أجندة الصراع بشكل حاسم لصالح مشروع الحل السياسي الشامل، بعد أن عجزت السلطة الانقلابية في تكوين حكومة ذات مصداقية أو المضي قدما في إكمال الإجراءات الانقلابية.



● كل ذلك أكد أننا نحن بحاجة ماسة إلى مقاربة جديدة للصراع السياسي في السودان حيث توجب على السلطة الانقلابية تسويه سياساتها التي تولد الأزمات باستمرار وذلك بأسرع وقت ممكن وإن لم تستطع مواجهة الأزمات واتخاذ الخيارات والقرارات الصعبة والمنضبطه والتي يحتاجها الوطن وتدعمها الأسرة الدولية فسيكون مصير البلاد قاتما وسينتهي المطاف بجميع قادتها إلى السجون والملاحقات الدولية والمطاردات الجنائية، فلم تنح السلطات إلى المناورة وعدم التوقيع على هذا الاتفاق واتجهت نحوه بعضها راغب وآخر راغم، وهو ما يعني أننا خطونا نحو جحر للأفاعي السامة لاستخلاص عقاقير تداوي وتبريء جراح الوطن، فإما ظفر السودانيون بالعلاج وداووا الوطن أم قضت تلك الأفاعي بسمها الزعاف على العملية السياسية وعلى من يقف عليها من قيادات وكيانات.




● سأواصل في تشريح هذه العملية السياسية مستصحبا العديد من الآراء والنظريات والتصورات، آملا أن أكون من الذين يسهمون ولو بالقليل في المسار السياسي تقييما وتقويما، فالحاجة ماسة لتكاتف الجهود، وليس بالضرورة أن نتفق على الوسائل أو الطرق للوصول إلى غايتنا المشتركة، وهذا الطريق السياسي من الطرق المجربة وتحتاج أن نعمل نقدنا لها أو نقلها للسودان بوعي وتجرد.



يتبع

عروة الصادق
7. ديسمبر 2022م
البقعة

الأحد، 27 نوفمبر 2022

حميدتي ... رسالتي الأخيرة له ولمن معه

حميدتي .. رسالتي الأخيرة له ولمن معه



● قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾ [سورة إبراهيم الآية:24-27]



● وقال السيد المسيح عليه السلام: " بثمارها تعرفونها"، ولله الحمد والمنة رأينا وسمعنا وذقنا مرارة ثمار صنيعكم، وجمعنا عطن وقبح اتهامكم وتشويهكم لصورة شرفاء هذا الشعب، فحقق كل سعي منكم مقاصده بالتمام والكمال، وجرد الانقلاب الشعب تماما من سلطته، وجرد حياته الاجتماعية والسياسية، وأحال حياته المعيشية ومنظومته الاقتصادية الي صحراء قاحلة جرداء.



● قال حميدتي في اجتماع مشهود قبل اليوم .. والتزم وأقسم بالله وبشرفه وبكل عزبز وغال لديه، على حماية الثوار والدفاع عن الديمقراطية ومضى في ذلك في ١١ إبريل ولكنه سرعان ما استمع لأصوات من جندهم لصفه من سواقط الحركة والتنظيم المحلولين وأجهزة أمنهم، من مرافيت المخابرات والذاتي والاستخبارات وعدد ليس باليسير من كتائب الظل وأمن القبائل، وحاول الحفاظ على قسمه لكنه حنث وانقلب على عقبيه ملطخا أياديه بدماء الأبرياء.
● بل شاركت قواته وقادة مباشرين تحت إمرته بأرتال مدججة، وعناصر مدربة، وسيارات مرقمة وارد (الإمارات)،  في عمليات التنكيل والاعتداء والقتل والاغتصاب تحمل لوحات (ق د س) والقدس منهم براء.
...



● أتى اليوم ليناور بما يمليه عليه مستشاروه وسُماره وندماؤه ظنا منهم أنهم سيغسلون ذلكم العار، وهم من أوردوه (الكونيكا) وجعلوا منه أضحوكة، وقد قال حديثا طربت له بعض (الآذان الشفيفة) و(القلوب الرهيفة) ولكني سمعته وسمعت أكثر منه شدة وحدة وجدة بأنه سيتصدى لأي انقلاب ضد النظام الانتقالي، وقالها ياسر العطا من قبله أن نظام الإنقاذ لن يأتي (صاد)، ولكن لم تتم إجراءات الانقلاب في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م إلا بعد أن أعطى هو الضوء الأخضر وشاركت استخباراته في تسور بيوتنا واستباحة حرمات أسرنا، وشاركت في اعتقال الشباب واحدا تلو الآخر، لذلك لن أصدق له قولا ولو تعلق بأستار الكعبة ولو أتى بالمحمل مصاحفا مخطوطة باليد وأقسم عليها.
....



● فهو شأنه شأن البرهان محض مراوغ ماكر أشر لا تؤمن بوائقهم.
...
● كلمتنا لك واحدة تنح أنت ورئيسك وتعاركا بعيدا بعيدا عن قطرات لبن الصغار وفتات لقمة الجوعى وأرواح الأبرياء.
....



ووالله ووالله.


● ستلقون الله وأنتم عاضون على أصابعكم من الندم يوم لا ينفع، ولات حين مناص، تلاحقكم لعنات الأبرياء ودعوات أمهات الشهداء وصرخات الأطفال اليتامى ونواح الأرامل، ولو وزعتم شهادات الجنان وصكوك الغفران لا شاشاتكم الرخيصة الرديئة، فإن ذلك لن ينسي الدمامل والجراح،  لذلك اتخذوا السبيل الأشجع والأقصر لإنهاء هذا الانقلاب واعلان ذلك جملة واحدة لا بالقطاعي والمناورة والمراوغة كما تفعلون.

● ختاما: إن العملية السياسية لا تحتاج إلى خطبكم وخطاباتكم التنافسية الكذوبة لا منك أنت ولا من البرهان وإنما تحتاج لبيان عملي وأنتم (مترددون) في تنفيذه و(متمردون) على إرادة الشعب، وانت تحاول بذكاء المناورة بتحشيده أمام القصر  وفتح الطريق له وحماية مواكبه، ونقولها لك وبوضوح هذا الشعب اختار طريق الوضوح والشرف والوفاء والصدقية ولن يتخذ من عطاياك وسيلة لبلوغ مراميه، فافهم وليفهم مستشاروك أن إرادة الشعب غلابة وهي من أمر الله، الواجب ثم الواجب الذي يجب أن نلتزمه جميعا نحن وانت على حد سواء الإذعان لها والقبول بها، والمثول بصغار أمام مؤسساتها العدلية فالحق أحق أن يتبع، ولو أن في البسيطة أشرف من بنت محمد لضرب رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم المثل بها لأخذ الحقوق وإنشاء الحدود.
...



● عصب هذا الكلام موجه بصورة أخيرة ومباشرة لك أيها السيد حميدتي وللفريق أول البرهان ولزملائكم:
١. السيد الفريق العطا (تنح).
٢. السيد الفريق كباشي (تنح).
٣. السيد الفريق جابر (تنح).



● تنحوا وسلموا البلاد من الفتن والويلات والمتعاب والمساغب والموت الزؤام.
واعلموا ان الله لا بهدي كيد الخائنين.



● صورة معنونة لكل من يثق في هؤلاء.
عسى الله أن يحدث بعد ذلك أمرا.


● هذه الكلمة لها ثمن وستظل أرواحنا أغلى شيء سنبذله لأجل الكلمة، فالكلمة أمانة وشهادة ونصيحة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه.

والسلام على من أراد السلام

عروة الصادق
٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢م
البقعة

الخميس، 24 نوفمبر 2022

الفساد الشامل مهدد لعملية الحل السياسي الشامل

الفساد الشامل مهدد لعملية الحل السياسي الشامل

• تقديم:

يضع مستشارو البرهان وسدنة الانقلاب العراقيل أمام عملية الحل السياسي الشامل التي انتظمت البلاد، ويقدم لهم البرهان في العلن ومن وراء ستار الدعم الاستراتيجي المعيق لاستعادة الانتقال والذي سيقود لعمليات الإصلاح الأمني والسياسي والإقتصادي، ويسعون بحرص شديد لتهديد الجهود الدولية التي تسعى لإحداث إختراق سياسي يحقق التسوية السياسية الشاملة للنزاع في السودان بأسس دستورية جديدة تحقق مدنية السلطة والدولة وتقود لنظام ديمقراطي كامل وسلام عادل شامل، وذلك باستدعاء جماعات متطرفة لحرم البعثة الدولية وتهديد رئيسا بقطع رأسه أسوة بتشارلس غورودون.



• أولا: انتهجوا إعاقة الإصلاحات والوصول لحل سياسي شامل بالآتي:

1. استمرأ النظام الانقلابي تهاون الأسرة الدولية والإقليم في التعامل معه بالجدية المطلوبة، فمع كل تصريح يصرح به قادة تلك المؤسسات والدول بأنهم لن يسمحوا بأية عرقة للحل السياسي للأزمة في السودان نجد أن النظام موغل في مواصلة القتل والاغتيالات السياسية والأعمال الإرهابية، وآخر تلك الآحداث عمليات الخطف لـ(كوجونكا)، وقتل الشهيد محمد عمر .

2. تهشيم الواقع الاجتماعي واجتثاث أواصر المحبة والتعايش وإحالته إلى هشاشة أمنية مزعجة، أخرها الأحداث التي حدثت في النيل الأزرق ومن بعدها في غرب كردفان ولا زالت تجري هناك، بأن مجموعة مسلحة على خلاف مع بعض السكان تسببت في حرق إحدى القرى ونهب المواشي يوم السبت الموافق: 19 نوفمبر 2022م، ووصلت إلة المنطقة 6 تاتشرات وقفت على الأحداث مشاهدة ثم قفلت راجعة، لتعاود المجموعة المسلحة الكرة يوم الأحد ليتم حرق قريتين بالكامل ونهب المحاصيل المحصودة وحرق التي لم تحصد في حقولها ونهب المواشي، والاعتداء على المواطنين.

- هذا العمل تقوده بقايا دفاع شعبي وقادة كائب الظل والمجموعات التي تم تنظيمها أيام الاعتصام لفضه، وهؤلاء تعرفهم السلطات بالاسم، ومدونون ضمن مضابط وقوائم العمل الخاص، وبعضهم له سجل إجرامي، يتم استخدامهم لتغذية وتعميق الصراع بين أهلنا المتجاورين لمئات السنين، وبينهم مصاهرات ونسب.
- هذه الحوادث في غرب كردفان ليست وليدة اللحظة وإنما هي استمرار لسلسلة وقائع منذ معركة الجفور (ريفي المحفورة) منذ مايو 2021م، استمر الوضع والتحشيد والاستقطاب والقتل والتهجير.
- جميع هذه الأحداث والكوارث يتولى كبرها ويقف على رأسها قلة قليلة جدا تحسب على أصابع اليد خلفوا بخبثهم هذا تهجير قسري لمئات الأسر، ونزوح لآلاف النسمات وتسببت في إزهاق أرواح عشرات القتلى.
- المدهش أنه ومنذ ذلك الحين إلى الآن لم يتم القبض على شخص واحد ولا مشتبه به، ولا حتى مخاطبة الإدارات الأهلية بتسليم المشتبه فيهم، والذين يحظون بدعم وحماية من بعض البيوتات القبلية.

3. تبديد موارد البلاد وتمويل عمليات العنف الحكومي ضد المحتجين، ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد سوء الأوضاع المعيشية، نجد أن الحكومة تتخذ إجراءات قتل ممنهج للاقتصاد والمرافق التجارية وتنشط مجموعات موالية لها في شراء المرافق والمؤسسات والعقارات بصورة لم تكتمها حتى أجهزة الإعلام الرسمية في الوقت الذي تشهد فيه البلاد ركودا تضخميا حادا، فضلا عن تهريب الموارد والثروات، وإغراق البلاد بالسلع الفاسدة والمهربة والوقود المحظور من دول كروسيا وإيران.

4. تعطيل كافة مؤشرات النمو (سياسيا، إقتصاديا، اجتماعيا، أمنيا، ... الخ)، وذلك بمحاولات الهدم للمؤسسات السياسية الراسخة من أحزاب وتنظيمات وجماعات، وحتى الأجهزة الحكومية ذات الطابع السياسية تم تجريفها منذ أن انقلب رئيس الانقلاب على زملائه ساسة السيادي المدنيين، واستمر ذلك ليصل محاولات الاختراق للأجسام السياسية وتنسيقيات المقاومة وتنظيمات القوى المدنية والمهنية والفئوية والحرفية، وأوقف الإنقلاب كافة عمليات الدعم الاقتصادي التي من شأنها إحداث النمو كتعطيل عمليات تمويل الموسم الشتوي وعدم إتمام عمليات شراء محصول الموسم السابق، والذي كان بإمكانه الإسهام في خفض مستويات الفقر ودعم الانتاج والمنتجين، وصولا للتنافس الخبيث بين كارتيلات الوقود والذهب والسلع الاستراتيجية التي انتهجت طريق التهريب والعمل خارج أروقة الحكومة الرسمية المعلنة.



• ثانيا: مارسوا صناعة الزيف
فقد نشطت سلطة الانقلاب في تخليق شرانق سياسية جديدة وكيانات هلامية، تتضخم وتتقزم، وتظهر وتختفي بأمر السلطة وأجهزة المخابرات الخارجية، ووصلت لدرجة التحكم في قرار الكتل السودانية لتنصيب من تريده رئيسا لأحد التحالفات المنشقة عن الحرية والتغيير، فيكون بذلك جعفر الميرغني رئيسا لتحالف ما سمي بالكتلة الديمقراطية، وهو كيان خديج ظل أعضاؤه يناوئون عمليات الإصلاح حتى تحالفوا مع سلطة الإنقلاب للإجهاز على الحكومة الانتقالية، ومهدوا الطريق لتهريب وتسريب ثروات البلاد وصمتوا عن عمليات الاغتيال والتصفية التي تمت منذ الانقلاب حتى تاريخه.
كما استحدث الانقلاب وجوه سياسية وإعلامية وخبراء وأئمة تضليل، ونشطوا لذلك آلة إعلامية من ضمنها أجهزة الدولة الرسمية التي خصصت لتزيف الحقائق وطمس كل ما من شأنه تقديم حل للبلاد.



• ثالثا: عمدوا إلى تشويه الوقائع
انصرفت سلطات الانقلاب لتشويه كافة الوقائع منذ اليوم الأول حتى يومنا هذا، ولا يخفى على أحد الاتفاق الذي أبرم بين حمدوك والبرهان،  والذي دس فيه مستشاروا البرهان نصا أدى إلى نسفه وهو "تأسيسا على قرارات القائد العام"، واستمروا حتى اليوم وهذه اللحظات لتسخير آلتهم الإعلامية لإعاقة العملية السياسة التي تجري بدعم من المجتمع الدولي وتسيير من الآلية الثلاثية ورعاية من الرباعية، وصوروا أن هذه العملية هي سعي لاستعادة مكاسب ومكاتب تم الانقضاض عليها في 25 أكتوبر وسلطة تم اغتصابها، وظل يردد رأس الانقلاب أنه لم يوقع على تسوية ثنائية مصورا الحرية والتغيير بأنه تريد حلا محصورا ثنائيا، وهو التشويه المتعمد والممنهج الذي سيغتال كل مساعي الحل السياسي الشامل، والدرس المستفاد هو أن أي عملية سياسية يصحبها تشويه يقتلها في مهدها.



• رابعا: انتهاج تغييب السلطات
النهج السياسي السلطوي الممارس في الدولة قضى قادته بقتل مؤسسات الدولة وأجهزة الحكومة التنفيذية وتغييب السلطات والإجهاز عليها لا سيما النيابة العامة، والقضاء، والشرطة المهنية، وهو الأمر الذي يستوجب النظر إلى توسيع آفاق التعاطي في الشأن الحكومي لإحداث عملية إصلاح ديمقراطي شامل وهيكلة كبيرة تطال تلك المؤسسات بصورة عاجلة تعزز ثقة المواطنين فيها، وتمهد الطريق لتحقيق العدالة، وهو لن يكون وقد سلم البرهان زمام مؤسسة القضاء للتنظيم المحلول، وجرد النيابة العامة من أي استقلالية وجعل شقيقه حسن البرهان يتدخل في عمليات الفك وإطلاق للسلاح وتهريب عناصر فاسدة كعبد الباسط حمزة وغيره، ولم يقف البرهان عند هذا الحد وإنما أحال ضباط الشرطة إلى التقاعد ليرفع إلى هيئة القيادة من يثق في ولائهم لشخصه لا لقسم الوطن وخدمة الشعب.



• خامسا: انتهاك الحريات
لن أعدد الحوادث المباشرة، وإنما فقط أحيلكم لما يقوم به النظام بصورة شبه يومية، من عمليات قمعة ومصادرة للحريات العامة على مر عام ويزيد، وما مورس من تضييق على النشطاء واعتقال لبعضهم تحت غطاء قانوني، بتهمة قتل عناصر نظامية، في الوقت الذي لم يستطع النظام القبض على حتى مشتبه به واحد في جرائم قتل طالت ما يزيد عن الثمانمائة شخص بحسب تقارير الأمم المتحدة في كل ربوع البلاد، وكمم النظام أفواه الصحفيات ومكن صحفيي الخوب المباد وعناصر الأمن من مرافق اعلامية استراتيجية من التلفزيون القومي وإذاعات قومية وولائية وخاصة كإذاعة بلادي التي يشرف عليها بصورة مباشرة ضابط من الذين كانوا قد اتهموا بقتل الشهيد محجوب التاج، والمخزي أن كل هذا لم يلفت نظر المؤسسات الحكومية العاملة في حقوق الإنسان، وترك الأمر برمته لمكتب المفوض السامي، وظل البعض يردد أن هذا لا يخرج من ضمن أحلاف تلك المؤسسات.



• ختاما
- هناك تحالف بين كونتونات فساد وإفساد عسكرية مدنية تخشى المساءلة عن الدماء المقترفة والأموال والمغترفة من قوت الشعب السوداني وهو ما يبين مدى الحوجة لعمليات طواريء سياسية، تقف حاجز صد أمام حفنة اللصوص والفاسدين وتبين بصورة مستمرة خطورة بقائهم في السلطة، وأن أي عملية سياسية لا تكفل مغادرتهم مواقعهم ومساءلتهم ستفتح الباب لمواصلة استنزاف أرواح وموارد الشعب.

- الخطوة التي تؤمن الطريق للوصول للحل السياسي الشامل هي إفصاح شفاف وواضح عن مسؤولية السلطة عن الضحايا والجناة، والكشف عن عمليات التعذيب وأعداد المحتجزين في مقابيء ومخابيء السلطة الانقلابية، والكف الفوري عن إغلاق المدن وعزلها عن بعضها أيام الحراك، وتجفيف موارد التمويل التي تسهل تحركات قوى الردة وسحب الحراسات والأسلحة والأموال التي تمثل غطاء لهم.

- التصريح العلني وإبداء الاستعداد التام لإكمال عملية الحل السياسي الشامل في فترة زمنية وجداول محددة وملزمة، على أن يكون ذلك من أفواه جميع القادة العسكريين، ياسر، كباشي، جابر، الغالي، وألا يتركوا الأمر لدقلو والبرهان، وإتباع التصريح بالعمل (بيان بالعمل)، وإلا فلن يتجاوز قولهم حناجرهم، ولن يأمن الشعب خناجرهم.

- تهامست بعض الأوساط عن مجريات محاكمة لخلية إرهابية وتطورات خطيرة عنها إلا أنها ظلت حبيسة الأضابير وطي الكتمان، الواجب هو كشف العمليات الإرهابية التي تمت خلال هذه الفترة منذ محاولة اغتيال حمدوك ونشر مداولاتها وعلنية المحاكمات في قضية (الخلية) وغيرها وتبعاتها، حتى يكشف للجميع من من العناصر الحالية في حراك ما سمي مبادرة أهل السودان كان ضمن المخططين لتنفيذ عمليات إرهابية في السودان.

- هناك اهتمام لصيق من بعض الدول للأموال والموارد السودانية وعمليات تمويل الإرهاب وغسل الأموال، وتهريب الذهب بواسطة عصابات دولية وشركات وهمية، توفر لها قيادة الانقلاب غطاء التحرك عبر المعابر والمواني والمطارات، وواجب الدول والمؤسسات الدولية المراقبة للعملية السياسية في السودان  الاضطلاع بدورها بصورة أقوى وأكبر، وإطباق الحصار على عصابات الفساد والإفساد التي تتحكم في مصير العباد والبلاد.


عروة الصادق
25. نوفمبر 2022م
البقعة

orwaalsadig@gmail.com