الخميس، 29 ديسمبر 2022

إضرابات المعلمات والمعلمين في السودان- بعد تقني

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد تقني

• مثلت الأنشطة الصفية هي وسيلة التعليم الفضلى الوحيدة التي يستخدمها السلك التعليمي وهو الأمر الذي ترتب عليه لجوء التلاميذ لأنشطة لا صفية، مع توفر التقنيات الحديثة والمتنوعة، والتي لم تخل من جوانب سلبية وأنماط تدميرية للسلوك البشري، وهو الأمر الذي أوجب اتخاذ سياسات تعليمية جديدة وأنماط حديثة تستوعب رغبات التلاميذ وإشباع نهمهم التكنولوجي.


• منذ وقت مبكر التفتت وزارة التربية والتعليم في الفترة الانتقالية للأمر، ووضعت خططتها لتلافي واقع التعليم المفتقر الي أساسيات التعليم التقني، وسوء وتردي أوضاع المدارس وبيئة العمل التي تنعدم فيها أساسيات الحياة من كهرباء ومباني سليمة تحمي التلاميذ والمعلمين ووسائل تعلمهم.



• وظلت المدارس الجرداء تستخدم الأساليب التجريدية العقيمة في التعليم ونأت عن المنهج الحسي والوصفي، لتخرج تلاميذ لا يعرفون من معارف العصر إلا أسماءها التي يحفظونها عن ظهر قلب ولا يجدون إلى استخدامها سبيلا.



• بالرصد والإحصاء وجدت الوزارة أن حوالي 90% من المدارس في السودان تخلو تماما من وسائل التعليم الحديثة وخالية من المعامل التجريبية وحتى المدارس الصناعية لا ورش تأهيل وتدريب فيها، وهو الأمر الذي يعني أن هذه المؤسسات عديمة الجدوى وبما هو متاح للتلميذ من فرص إطلاع على المنطقة والعالم حوله، سيتمرد على تلك المدارس والمؤسسات ويتمرد، وينطبق هذا الأمر على المدارس الفنية والتجارية، وهو سبب رئيس في ازدياد معدلات التسرب من المدارس، وأيضا من أسباب عزوف المعلمات والمعلمين عن التدريس، لأن التعليم رسالة وأمانة وهم بتقصيرهم غير المقصود يجدون أنهم يخونون تلك الأمانة.



• يعمل في سلك التعليم معلمات وأساتذة جامعات وكبار موجهين ومعلمين وخريجين حديثي التخرج من مختلف الكليات، وكل هذه الفئات إما اضطرت للعمل إرغاما، أو لأن التعليم بالنسبة لهم وظيفة ثانية لتقاضي المزيد من الأجور أو أنهم ملاك لمدارس خاصة، وهو ما جعل العملية التعليمية تشهد اضرابا في طرق وأنماط التدريس، لأن التدريب للمعلمين والمعلمات خصوصا من خريجي كليات التربية تضاءل بنسبة كبيرة إن لم يكن معدوما.




• إن الحلقات التعليمية لا سيما الحلقة الأولى تحتاج إلى تأسيس متين يعين التلاميذ على التقدم في تعلمهم، وهو ما لن يحدث بالإهمال الذي نراه هذه الأيام وتردي البيئة المدرسية، وعدم تمكين المعلمين من أدوات التعليم المطلوبة والضرورية، وتمكنهم من التأهيل الكافي بالتقنيات الحديثة.




• لذلك تأتي احتجاجات المعلمين في شتى المراحل، حتى لا يلاموا على تقصير هم أضعف حلقاته، لأنه يتكامل مع دور أهلي وحكومي ومنظومة تعليمية أممية، وهو ما يعني أن احتجاجات المعلمين والمعلمات في الأساس هدفها تطوير المنظومة التعليمية بما فيها أداؤهم هم كأساتذة وهو ما يوجب التوعية بضرورة العناية الفائقة بالمؤسسات التعلمية ومعلميها، حتى يوفروا الجرعات الكافية لأبنائنا، والعمل الحثيث والضغط للاستجابة غير المشروطة لمطالب العملية التعلمية التي قدموها في مذكرتهم والتي في أولوياتها بيئة مناسبة لأبنائنا التلاميذ.



• ختاما: إن هناك ضرورة فائقة لتكامل الجهود الأسرية والمجمتمعية مع المعلمين،وضرورة الاستجابة الحكومية لمطلوبات المؤسسات التعليمية والمعلمات والمعلمين، والشروع في إيقاف كافة الإجراءات والقرارات التي عطلت أوجه التعاون الدولي في ملف التعليم، واستئناف كافة العلميات المطورة للعملية التعليمية، بما في ذلك التوعية الكافية عبر خبرات وعناصر مؤهلة، ورصد الموارد البشرية والمالية لعلمية التطوير والنهوض بالتعليم، ومواصلة إنشاء مراكز التعليم والتدريب المستقلة التي لا تتأثر بالسياسات الحكومية، وأرى أن تؤسس مفوضية مهنية للتعليم من خبرات والسودان ذاخر بهم، ليتثنى لها استقطاب التمويل دون انقطاع لتطوير المنظومة التعليمية والبيئة والمناهج ودعم التلاميذ.



عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

مقدمة إضرابات الفئات( المعلمين والمعلمات)

مقدمات إضرابات الفئات (المعلمين المعلمات)
• إن الإضرابات الفئوية والمهنية والعمالية والقطاعية، جزء من منظومة العمل في الأنظمة التي تتطلع لبيئة عمل أفضل ومستوى أجود من الخدمات التي يقدمونها وبطبيعة الحال أجور مجزية تتسق مع جهودهم المبذولة، وواجب الأنظمة السياسية الحاكمة إذا اتسمت بالرشد الاستجابة لهذه الاحتياجات المطلبية التي تصاعد من المذكرات المطلبية مرورا بالوقفات الاحتجاجية وصولا إلى الإضراب ووارد جدا أن يتصاعد الأمر إلى عصيان شامل، حينها ترتفع السقوف المطلبية وتعجز الدولة عن سداد أدنى الفواتير.




• قالت اليونيسيف: " أدى عدم الاستقرار السياسي والجائحة إلى إغلاق المدارس لفترة طويلة، مما أدى إلى تعطيل تعليم أكثر من 8 ملايين طفل سوداني منذ عام 2019م، وإلى تدمير سنوات من التقدم الذي تمّ تحقيقه."، وهو حقيقة من الحقائق التي أقرتها حكومة الفترة الانتقالية وسعت لتحسين بيئة التعليم والمعلمين ومجانية العملية التعليمية ورفع مقدار الصرف عليها في الموازنة العامة وللأسف يتجاهلها وزير التربية والتعليم المكلف الحالي، بل وينكرها هو وطاقمه  الوزاري في المركز والولايات، وعطلوا تضامنا مع الإنقلاب الخطط الطموحة التي تم إعدادها للعملية التعليمية في البلاد.



• مع تفاقم الكوارث في عدد من الولايات جراء الكوارث الطبيعية والحروب والنزاعات الأهلية تزايدت أعداد الأطفال خارج أسوار المدارس بنسب مطردة الأمر الذي فاقم من نسبة المتسربين من المدارس، وراكم أعداد الملتحقين في الفصول الدراسية، وسبب ضغطا كبيرا على السلك التعليمي ومعلميه والعاملين فيه وفاق سعة المدارس والمؤسسات التعليمية.



• وهو الأمر الذي بدأت الحكومة الانتقالية لمعالجته عبر زيادة فرص الحصول على التعليم من خلال برامج التعلّم البديلة (ALPs) التي تلبي حاجة الأطفال الأكبر سنًّا غير الملتحقين بالمدارس، وهو أحد البرامج التي اعتمدتها الأمم المتحدة وحاولت حكومة الفترة الانقالية تنفيذها في السودان لسد الخلل والنقص وتوفير الحوجة التعليمية خصوصا في مناطق الهشاشة، وبفضل الإنقلاب ورعونة قادته، تم إغلاق هذا الباب وتعليق المنح والمساعدات المتعلقة بالأمر، بل حتى تلك المساعدات التي وصلت من هذا البرنامج تم الإجهاز عليها وتبديدها وصرفها في غير مواردها.



• بالتزامن مع هذا البرنامج أصبح السودان في 20 أكتوبر 2021م أي قبل الإنقلاب المشؤوم بأربعة أيام، وبشكل لافت، البلد الرابع عشر الذي يهيئ جواز السفر التعليمي ويطلقه للاستخدام. لقد تمّ تعديل منصة التعلم الإلكتروني لتلائم اللغة العربية السودانية والتي تضم نسخًا من الكتب المدرسية الحكومية بصيغة ملفّات المستندات المنقولة (PDF) وما يزيد عن 1400 وحدة سمعية وبصرية وأكثر من 2200 نشاط تعليمي تفاعلي بالإضافة إلى تقييمات لقياس تقدم التعلم، وقد بدأ تركيب الشاشات الذكية في حوالي 20 مدرسة في الخرطوم وتدريب الأساتذة عليها كانت التقديرات الوصول إلى حوالي 5000 مدرسة بحلول نهاية العام الذي أجهضة الإنقلاب، ويبقى السؤال لصالح من تم قطع هذا الطريق أمام التعليم الحكومي؟؟!!



• وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في بيان مشترك مع منظمة "أنقذوا الأطفال" إن "واحد من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة، لا يذهبون إلى المدرسة في السودان"، هذه وحدها كافية لنعلم أن جيل اليافعين من هؤلاء الأطفال انخرط بعضهم في أنشطة عمل وأخرى تجارية والتحاق بقوات ومليشيات مسلحة وعمالة غير مقننة وأنشطة إجرامية، ومن أنعم الله عليه بفرصة تعليم خارج الأطر الرسيمية سيلتحق بخلاوى وأنظمة تعلمية تقليدية ظروفها قاسية جدا إلا ما رحم ربي من الخلاوى التي تجد الإهمام والعون من أهل الخير، ويقف عليها شيوخها.



• ختاما: الوضع الذي سنسترسل في الكتابة عنه تعدادا لما خسرناه من مؤسسات ومكاسب تعليمية وحصرا لمن شردناهم من أبرياء، استوجب أن ينهض أصحاب المصلحة في هذا الملف، ولكن النهوض كان حصرا على المعلمات والمعلمين الذين تكبدوا عناء الاحتجاج عنا وعن أبنائنا وعن آباء وأمهات هؤلاء التلاميذ، وما يؤسف له أن الاستجابة لمطالبهم من الحكومة المركزية وحكومات الولايات نراها مزيدا من الصرف الأمني والقمع والتشوين العسكري، في صورة توضح أن أولويات البلاد اختلت تماما مما كانت عليه وما تم التخطيط له في الفترة الانتقالية، وهذا يوجب التضامن التام مع المعلمات والمعلمين، والوقوف معهم في هذا الخندق لصالح جيل كامل مهدد بأن يكون فاقدا تربويا من أبنائنا وبناتنا.

عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

السبت، 24 ديسمبر 2022

يسألونك عن ذكرى الميلاد

يسألونك عن ذكرى الميلاد

مقدمة:
إن التأريخ للمناسبات الدينية والسياسية والوطنية والإجتماعية والإنسانية غاية في الأهمية، وضرورية لكل من يريد أن يتعلم من ماضيه الشخصي وتاريخ قومه والأمم من قبله، ومن نعم الله علينا أننا أمة قدر الله لها الاهتمام والإلمام بالتواقيت الزمانية والمواقيت المكانية، وجميع مناسكنا ومشاعرنا المقدسة ترتبط بالتوقيت، فكذا الميلاد والوفاة والعبادات والمعاملات كالدين والعلاقات كالنكاح، ومواعيد الزيارات الإجتماعية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النور (58)، والتغذية الروحية والأذكار:﴿ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ الحج (28)، لذلك تمثل بالنسبة لنا التواريخ والتوقيتات والذكريات أمر مهم نستلهم منه الدروس والعبر، نتعبد به ونعبد به الطريق لتجنب أخطاء الماضي، ونشحذ به الهمم لمقابلة المستقبلة برؤى السابقين وتجاربهم الوضيئة المضيئة.



أولا: نجد أننا من أمة تهتم بالقمر ومنازله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ يس (39)، وهذا أمر كوني مرتبط بالعلم والمتعلمين والعالمين، ولا تخطئه إلا أعين الجاهلين الرمداء، فقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يونس (5) ، وأكتب اليوم وقد رأيت هلال جمادى الآخر للعام الهجري 1444هـ، والذي يتزامن مع ليلة 24 ديسمبر ونهار 25 ديسمبر في التقويمين الغريغوري واليولياني  التي توافق ميلاد السيد المسيح عليه السلام.

واحتفاؤنا بميلاده عليه السلام نابع من محبة سرمدية لإنسان بشر سوي تقي نقي هدي رضي، لم يكن جبارا ولا شقيا، وقد كانت أمه صديقة نحبها لنقائها وصفائها وطهرها وصدقها، السلام عليه وعلى أمه البتول،﴿ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ مريم (15).


ثانيا: من أسباب محبتنا الشديدة لهذا التاريخ ميلاد الإمام الصادق المهدي، والذي تطابق ميلاده في العام 1935م في ديمسبر مع ذكرى ميلاد المسيح عليه السلام، وغرة شوال 1354هـ، ومثل هذا الميلاد، نقطة تحول في قناعاتنا الشخصية بجدوى الاحتفاء بذكرى ميلادنا، إذ تعلمنا منه الآتي:
1. أن تكون لحياة الإنسان قيمة ومعنى، يعيشها لذاته ولغيره، دون إفراط أو تفريط، كما كان يردد صاحب الذكرى عليه الرضوان: " "حُبُّ التَّنَاهِي غَلَطْ خَيْرُ الأُمُورِ الْوَسَطْ".

2. أن يعظم الإنسان ذاته ويرفعها من الحطة الطينية أو الدناءة الحيوانية إلى المصاف الذي ميزه به الخلاق العليم بثلاثة أشياء عددها الحبيب: هي: العقل، وحرية الاختيار، والروحانية.

3. أن يلتزم الإنسان بحياة بعيدة عن الاستهتار بهذا البنيان المكرم من رب العالمين وذلك باتباع روشتة من خمس معنويات عددها صاحب الذكرى وهي: الإيمان، والمحبة لمن حولك، وألا تغضب، ولا تحقد، ولا تحسد. وستة حسيات: لا للخمر، ولا للدخان، ولا لزيادة الوزن، وممارسة الرياضة، والنوم ست ساعات في الليل، وتناول الإفطار بانتظام.

4. أن يتصف الإنسان بالتوازن في احتياجاته العشرة التي فصلها الحبيب تفصيلا في كتابه أيها الجيل والذي أنصح الأطفال والصبية والشباب والكهول بقراءته، وتلك العشرة الكاملة هي: الروحية، الخلقية، المعرفية، المادية، الاجتماعية، الفنية، العاطفية، البيئية، الرياضية، الترفيهية. والتي ينبغي إشباعها بصورة متوازنة.

5. أن تكون لحياة الإنسان قيمة مضافة في فكرة، وثقافته وتثقيفه، وتطويره، فقد كانت حياة الراحل توثيقا للأحداث وتدوينا للأفكار وتطويرا للقيم والمعاني بل حتى الملبوسات التي نتزيا بها، فجعل من مظهر الزي السوداني تحفة فنية ومن مجرد العامائم "الدلقان" على رؤوس أحبابه "تيجان".

6. أن يسر الإنسان بامتنانه لمن حوله ويعلن ذلك، فقد كان الحبيب في كل عام يعدد مآثر واجتهادات من حوله ومن يتبارون في عونه على الصعيد الأسري والخاص والعام، وظلت إشاداته بأبنائه في مكتبه الخاص أنصع صور الوفاء فعرف الناس عنقود الخدمة والوفاء المتصل من العم إبراهيم علي والأحباب محمد زكي وأحمد يوسف والحبيبات رباح الصادق وإنعام الجمري وسامية يعقوب، وكثر ظل يذكرهم من الأقارب والأغارب.

7. أن يظهر الإنسان وفاءه للراحلين ومواساته لأهلهم وذويهم، فقد كان الحبيب في كل عام يذكر من رحلوا عن حياته ويواسي أهلهم بكلمات تخفف الآلام والأحزان، وها نحن اليوم هذا العام لا نجد من يواسينا في فقدنا الأليم ولا من يضمد جرحنا الذي لن يلتئم.



ثالثا: إن هذا الحبيب كانت حياته محبة وسلام، لأنها كانت لها قيمة أضافت للمجتمع الأنصاري والإسلامي العريض والإنساني قاطبة، فقد عزز قيما عز أن تتوافر في مجتمعات اليوم، وأذكر منها:
1. أن الوصول إلى الحقيقة لا يتأتى إلا بالمثابرة، فقد سمعت أحدهم يسأله عن اسم الله الأعظم، فرد له قائلا: اسم الله الأعظم هو همة المؤمن، متى ما علت همة المؤمن أدرك اسم الله الأعظم.

2. أن قيمة الإنسان كونه من بنوة آدم عليه السلام ذكرا كان أو أنثى طفلا كان أو كهلا، توجب تكريمه: ﴿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ الإسراء (70)، وقد حرم علينا ترديد كلمة "شافع" التي تقال للأطفال لأنها تردد أصداء الموت، ومنعنا من ترديد كلمات "عوين، وحريم، أو مرا"، وشدد على أن نصفهن بما وصفهن به الله ورسوله الكريم، إما إمرأة أو نساء أو سيدة.

3. أن الحسنى والتعامل بها ينبغي أن تكون للجميع، فقد رأيناه يحسن لمن ناصبوه العداء ومن مكروا به مكر السوء، فعنده الدين المعاملة، وعنده تتدرج من المماثلة إلى الإيثار، ولكنه لم يقابل مسيئا بإساءة.

4. أن العضلة التي بين فكي الإنسان، ينبغي أن تصان وتسخر للخير والفضائل والطيبات، وألا تنجر للتسفل والسفاهات والتفاهات، فقد حاول أحدهم أن ينتزع منه إساءة لفظية ردد بأني لن أقول ذلك.

5. أن التعالي والكبرياء من المحرمات التي متى ما تركها فهي ما يرفع قدر الإنسان وظل يردد:" الارتفاع بالاتضاع"، فرغم رئاسته لأكبر حزب في السودان وإمامته لأكبر كيان ديني تجده، يجالس الجميع ويخاطبهم وكثيرا ما سمعته ورأيته يطلب الفرصة من رؤساء الجلسات ويرفع يده طلبا للحديث شأنه شأن أي عضو في تلك المؤسسات والمجالس عندما يرأسها غيره.

6. أن الديمقراطية ليست شعارات سياسية، وإنما هي نظام حياة يحترم الآخر وخصوصيته وحريته، وتقبل وجهات النظر المخالفة برحابة صدر، وتحمل نتائجها التي كثيرا ما توغر صدور المهزومين، فقد ارتقى بهذه الممارسة الديمقراطية إلى ما عرف عنده بالتوافق، وظلت جميع مواقفه الجماعية والمؤسسية وقرارته تتخذ طابعا توافقيا، ولم يرغم يوما أحد على الالتزام برأيه المخالف وكثيرا ما تنازل عن قراره لصالح قرار الجماعة.

7. إن الحكم ليس غاية وإنما قيمته السامية تتجلى عند تحقيق العدالة والمساواة والشفافية والمساءلة وسيادة حكم القانون، وأن حوكمة كافة المؤسسات في كل مرافق الحياة ومراحلها ينبغي لها أن تلتزم بهذه الأركان الرشيدة.



رابعا: حرم هذا الجيل من القرب الوجداني والفكري والوطني والسياسي والإجتماعي من الإمام الصادق المهدي، لعوامل كثيرة، منها الذاتي كالحسد والغيرة، ومنها الموضوعي كالتنافس والتدافع السياسي والديني، وأتى الوقت ليتجردوا جميعا من تلك النزعات الذاتية والموضوعية، للاستبصار في مسيرة الرجل الذي مضى إلى ربه راضيا مرضيا، أفنى زهرة شبابه من الركاب إلى التراب في خدمة الدين ونجدة الوطن، لا يبتغي الأجر إلا وجه ربه الأعلى عله يرضى، وواجبنا اليوم الذي لا غنى عنه هو الإنصاف والإقرار بما تم اقترافه من ضلالات فيه حقه، وذلك بالآتي:
1. أن يبذل أنصاره كل جهدهم لرفع راياته الدينية والوطنية والبيئية والإنسانية والأخلاقية، ويتابعوا مشاريعه الوطنية والإقليمية والدولية مساعيه حتى بلوغ تمامها.

2. أن يراجع جميع من صمموا الحملات المدفوعة بأجندة سياسية وأمنية ضده كتاباتهم وأقوالهم ويعتذروا عن ممارساتهم التي وصل بعضها محاولات التصفية والإغتيال.

3. أن يطلع الذين ناصبوه العداء دون علم أو فهم لمشروعه على ما تركه من كتابات مسطورة ومنشورة في كل المواقع والوسائط، عسى ولعل تذوب تلك الجفوة المصطنعة.

4. أن يسعى السودانيات والسودانيون ويصروا على استكمال المشروع الذي أكد رجاحته "الديمقراطية عائدة وراجحة"، وأن يؤسسوا ذواتهم في وطن أجدادهم ومنبت رزقهم.

5. أن تفتح تحقيقات شفافة حول المؤسسات والشخصيات الأمنية والسياسية التي حاولت مرارا اغتياله، لردع كافة المحاولة الماثلة لاغتيال آخرين ماديا ومعنويا.

6. أن تصان المعاني التي جسدها في حياته حتى مماته، وتحرس كما حرسها سلفه الأوائل مهما كلف الحرص، وأن تبذل التضحيات لبلوغ الغايات.

7. وأعظم العرفان أن يلتئم من تفرقوا بعده، فالوفاء له يستحق الاجتماع في داره الدينية ومقره الحزبي وقطيته العامرة، وخلف نصوص ومسودات ومشروعات كد لصياغتها وإنضاجها.



ختاما: فضلا وتكرما لا تلومونا في محبتنا له ولفكره ولنهجه، فقد حفنا باللطف، وغذى عقولنا بالفكر، وفتح ألبابنا وقلوبنا للنقد وتحمل الأذى، وجعل منا تواقين للحق، مناصرين للضعفاء والمظلومين، حماة وحراسا ونجادين، عزز فينا المروؤة والنجدة والشهامة وأوصانا بالصلاة والزكاة ما دمنا أحياء، وحببنا في ديننا ووطنا وبعضنا فترك فينا مفردة (حبيب) التي لها استحقاق واحد وهو المحبة الخالصة لأخووة الوطن والمحبة في الله والدين الحنيف.

تهاني للجميع بذكرى الميلاد المجيد، ولكل المحتفين بميلاده وميلاد السيد المسيح عليه السلام، ولكل أحبابه وأصحابه وجيرانه وعارفي فضله، وأن يربط الله على قلوبهم لفقده ويلهم زوجه وأهله وذريته من الدم والروح الصبر والهداية والرشاد، وأن يرزقنا وإياهم حسن العزاء،﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ البقرة (156).

• اللهم أنر وجه الحبيب الإمام الصادق بنور وجهك الكريم وارزقنا وإياه لذة النظر لنور وجهك يا رحيم وتفضل علينا بجود منك وصحبة نبيك عليه الصلاة وأفضل التسليم.

عروة الصادق
25 ديسمبر 2022م
البقعة

الخميس، 22 ديسمبر 2022

البشير من الآلهة إلى الآلة

البشير من الآلهة إلى الآلة
● ظللت طوال سنوات حكم الرئيس المخلوع أسميه الآلهة عمروت، فقد تجلت فرعونيته واتسامه بصفات المتألهين طوال فترة حكمه، فهو هامان الذي انقلب على الفرعون، وهو الرئيس الواحد الأوحد لكل شيء، رئيسا لمجلس قيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس الحزب الحاكم ورئيس الحركة والإمام المبايع، للدرجة التي أوصلت بعض كوادر التنظيم للسجود له على مرأى ومسمع العالمين، فاستحق أن يكون آلهة معبودة من دون الله بامتياز يردد مقولة سلفه فرعون لعنه الله: (ما أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) غافر(29)، ويردد كوادره في مقابيء الاعتقال والقمع والتعذيب أن هذا البشير خالدا أبدا وأنه سيسلم الحكم للسيد المسيح، تعالى الله عما يأفكون.



● إلا أنه استحال باستغلال دهاقنة الحركة والتنظيم إلى آلة، تم تثبيت برمجة جديدة لها تأتمر بأمر التنظيم وشيوخ الحركة، وتتوجه بتوجيهاتهم عبر التسيير من على البعد، فضرب به مثل الجنرال الأغبى، والأكذب، والأجبن، ممن مروا على القوات المسلحة السودانية، فها هوى يمضي في ذات الغي سادرا دون أن يكبحه وازع دين أو أخلاق أو قيم أو حتى شرف الجندية السودانية الذي مزقه يوم أن انحنى للإخوان ليمتطوه وصولا إلى السلطة.




● مضى في الأمر وكأنه قد أغشي عليه، حتى قتل خيرة زملائه من ضباط القوات المسلحة، بدم بارد ودفن بعضهم أحياء كما أفاد الشهود، وهذه وحدها كافية أن تجعله إن كان بشرا بدم ولحم أن يرتجف وترتعد أوصاله، فمن بين الضباط زملاء آووه في منازلهم وأطعمنهم نسوته وناداه أطفالهم بـ (عمو عمر) إلى أنه لم يقدر لا شرف الجندية ولا خووة السلاح ولا لقمة العيش ولا الثقة التي أولاها له زملاؤه وأسرهم، ليستمر المخلوع في التبجح السافر وليثبت على أقواله لأنه سيواجه خصوما جدد من ضحاياه في محاكم قادمة لن يقو على مواجهتها وسينهار باكيا كلما رأى إحدى زوجات أو بنات أو أبناء زملائه الذين أعدمهم.



● هذه المحاكمة التي تجري في الخرطوم أكدت أنه لا زال الإخوان يستخدمون الدهاء والمكر لإدارة المشهد السياسي، والعبث بتفاصيل الأوضاع الحالية، بما فيها محكمة المخلوع، وكما تم التمويه يوم تكوين مجلس الثورة ومجلس الوزراء في 1989م، بتعيين من أسموهم تكنوقراط وهيمنوا على وكالات الوزارات بكوادرهم وعبر لجان سياسية وأمنية واقتصادية على رأسها جنرالات يديرهم كوادر التنظيم والحركة، هاهم يكررون ذات الأساليب بالتسربل بثوب الدين والتأصيل لذلك بأن: "الحرب خدعة"، وما رسوا ذلك التضليل إلى أن حصلوا وقتئذ على الإعتراف المصري بالإنقلاب والتأييد والترويج له في الدول العربية ودول الخليج التي منحت الإنقلاب دفعة معنوية وسياسية ودبلوماسية كبيرة جدا، وهو ما يرجون الحصول عليه هذه الأيام من تعاطف إنساني وعربي وحقوقي مع رأسهم المخلوع (الآلة عمروت).




● أذكر أن عثمان أحمد حسن عضو مجلس الثورة، رئيس اللجنة السياسية بعد الإنقلاب، عكف مباشرة على الاتصال بالملوك والرؤساء في المنطقة العربية والإفريقية، وشملت السعودية ليبيا تشاد وكينيا وارتريا واثيوبيا وغيره، قال لهم بأن "الثورة" قومية وليس لها توجه سياسي أو حزبي أو جهوي.
• ولكن اللواء الفاتح عابدون كان رئيس الجبهة الإسلامية في الخرطوم، وأمين التنظيم في السودان ضمه اجتماع في مدرسة خاصة في شارع جبرة بالشيخ الترابي، ويقول: " بعد الغداء أخبرني الشيخ حسن الترابي بأن هناك أمر سيضطرنا لاعتقالك"، فأجاب: " ما يجري عليكم يجري علي".



• أما محجوب فضل وهو ضابط إسلامي متقاعد قال: " عندما بدأنا التحرك لتأمين المواقع، والناس متجهون للحفلات، وكنت أعلم أننا ننفذ إنقلابا، وتسلمنا كلمة سر الليل التي تغيرت في منتصف الليل "بالوطن الغال"ي، وكانت بطاقة مرورنا للداخل، والأمر الذي لم يحتج لكثير من التعقيدات.




• أما مالك دفع الله، أحد الضباط الإسلاميين له شهادة مهمة وقد برر للانقلاب بأن هناك 60 عسكري ماتوا جوعا في الجنوب، وذكر هناك فتاة اسمها جمال أبو القاسم تعمل في التلفزيون أتلفت التسجيل الأول الذي تم تسجيله في منظمة الدعوة الإسلامية، ما اضطررهم للعودة للقيادة العامة لتسجيل البيان مرة أخرى في استديوهات التوجيه المعنوي بالقيادة، وقال له البشير منفعلا بعد التسجيل:" البيان لو ما اشتغل أقراه انت يا مالك"، وأعطاه النسخة الأصلية التي قرأ منها، وأفاد مالك بأن الشيخ حسن الترابي هو من طلب الإعتقال ليكون بمثابة تمويه و"كوموفلاش"، وشدد على ألا تظهر "دقن" في الإنقلاب، حتى أن هنالك ضباط حلقوا لحاهم قبيل الظهور بقليل وهم حضور لبيان رئيس مجلس قيادة الثورة، وأفاد بأن محمد إبراهيم نقد إطمأن بعد أن وجد الترابي معه في المعتقل بأن الإنقلاب ليس إخوانيا، وانطلت عليه الخدعة بحسب مالك..





• وفي الإفادة عن القوة التي سيطرت على الخرطوم قيل أنها لم تصل إلى 300 شخص في غضون ساعتين نفذت الخطة التي اشتملت على اعتقال جميع الوزراء والرموز، بمن فيهم بعض قيادات الجبهة الإسلامية، وقد تلقى بعضهم التدريب في ليبيا وقد شارك في العملية بعض الأفغان العرب.




• كما أسلف للتمويه تم اعتقال قيادات الحركة الإسلامية، وقد نفذ الضابط إبراهيم البطحاني من اعتقل اللواء عابدون الطاهر وهو صديق لابن اللواء وأخبره أن هناك إنقلاب وأنك مطلوب حمايتك، بدأت المجموعة تتوالى في محطة التجميع الأولى للإعتقال، الترابي أحمد عبد الرحمن السنوسي، وتم نقلهم إلى سجن كوبر الاتحادي.




• وبحسب إفادة محجوب فضل أن وصول السفير الأمريكي في ساعة الصفر (2:00) وملاحظة الأمريكان لحركة الجيش غير الطبيعية في شوارع الخرطوم والوضع المعلوم هو أن الخرطوم بها نظام مدني ديمقراطي، لم تفت تلك الملاحظة على عناصر الـ(CIA) وطاقم حماية السفير الأمريكي، وأن تلك الصدفة هي من أعاقت اعتقال مبارك الفاضل وآخرين.




• وقال فضل أن مصر كانت تعد لانقلاب مغاير لما قامت به الجبهة الإسلامية وقتها مع بعض الجهات في الجيش وقد التبس عليها الأمر وظنت أن عناصرها هم من نفذوا الإنقلاب، لذلك سارعت في تأييده وتقديم الدعم الدبلوماسي له، وهيأت الرؤساء والملوك العرب لدعمه والإعتراف به.





• أكبر الأكاذيب التي يتخذها الإخوان ذريعة للإساءة للحكومة الديمقراطية والحكومة الانتقالية المنقلب عليها في 25 أكتوبر وحراك الحرية والتغيير أنها عميلة للغرب وتتلقى توجيهاتها منه، ولا يذكرون أنه وفي صبيحة اليوم التالي للإنقلاب قد التقى العميد عمر البشير بالسفير الأمريكي مرتجفا يتصبب عرقا يرتجم له أحد كوادر التنظيم، قائلا للسفير أن تحرك القوات المسلحة جاء لإنهاء نظام فاسد، وقد حكم البشير لمدة 30 عام ولم يستطع إلصاق تهمة فسادة واحدة في أحد قادة النظام الديمقراطي في 1989م.




• كما أكد للسفير أن الثورة لن تدخل في محاور ولن تقف ضد أي دولة، ورحب بالسفير وطالبه بتقديم شكره للإدارة الأمريكية على المساعدات والعون الذي تم تقديمه إبان أزمة الفيضانات وأكد على الصداقة بين الشعبين، بل ومضى إلى أكثر من ذلك بأنهم سيزيلون كافة العقبات والعراقيل التي وضعها النظام الديمقراطي أمام الأمريكان في السودان، وهنا الإشارة لرفض رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي إقامة قاعدة الأفروكام العسكرية في سواحل البحر الأحمر.




• وما ردده البشير عن فشل الحكومة تكذبه عملية شريان الحياة التي كانت من أكبر المشاريع السياسية والأمنية والإنسانية المدهشة التي سمحت بمرور الإغاثات بين المتاحربين وخطوط التماس، وسمي الأمر "بنموذج السودان" وكان المقرر تطبيقه في أفغانستان ودول أخرى لتسهيل مرور العون والغوث الإنساني عبر خطوط التماس.




• الوثائق العسكرية التي صدرت والأوامر التي حكمت الفترة الأولى للإنقاذ وحدها تفضح صلة التنظيم وهيمنته على الإنقلاب فنجد أن محمود عثمان الفاضل أصدر أوامر عسكرية في الإقليم الشرقي وهو قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية، بموجب قانون الطواريء، وزج بأسماء مدنين تبين لاحقا أنهم عناصر للجبهة الإسلامية.




• ومن ضمن الشواهد والشهود معتمد العاصمة وقتها (حسان) الذي اجتمع بقيادة الإنقلاب وأفصح عن الإحتياطي من السكر والدقيق محل الأزمة التي قادت للانقلاب والكميات التي وفرها له تجار الجبهة القومية الإسلامية، والتوجيهات التي صدرت له لفتح معارض للبيع المباشر بعد ترهيب وغيب التجار بنقل ما في مخازنهم إلى حدائل السادس من إبريل بعد يوم من الإنقلاب لبيع السلع بأسعار محددة وفق ضوابط لجنة كرار.





• وكرار هذا هو صلاح الدين كرار الذي برر للإنقلاب بأن كتيبة الضفادع البشرية كانت تحمي طلمبات الوقود في كنانة دلالة على دنو التمرد من مدينة ربك وأن ذلك وحده كان مبررا للإنقلاب ليرأس اللجنة الاقتصادية في مجلس قيادة الثورة وبحكم يتم علاقته بالاقتصاد كان  مقرر تلك اللجنة بابكر محمد توم وهذا الاسم ليس عسكريا وليس من المصادفة أن يكون لاحقا هو رئيس اللجنة الإقتصادية في برلمان النظام المباد ورئيس اللجنة الاقتصادية للحزب المحلول، تلك اللجنة (الكرارية الدولارية) شكلها مجلس قيادة الثورة للتحكم في الثورة الجديدة، لتكون عين على العمل الإداري والتنفيذي، اللجنة الأمنية رأسها الزبير وتحته عناصر إخوانية تولت فيما بعد إدارة المخابرات كقطبي المهدي ونافع علي نافع وغيرهم، اللجنة الإعلامية رأسها سليمان محمد سليمان وتحته مجموعات إخوانية، والقانونية ترأسها التجاني آدم الطاهر الذي حشد تحته قانونيو الحركة والحزب.





• المدهش أن جميع هؤلاء من مجلس قيادة الثورة إما تمت تصفيتهم أو ماتو بحسرتهم أو تم ضرب حجاب بينهم وبين المخلوع، للدرجة التي جعلت صلاح كرار يجأر بالشكوى ويستجدي مدير مكتب المخلوع وقتئذ حاتم بخيت للقائه وحثى الثرى ليلتقي طه عثمان الحسين ليهيء له لقاء مع البشير، وصرح بأن بكري حسن صالح عجز عن ترتيب مقابلة له مع رئيسه المباشر قائد ثورتهم الموؤودة.





● ختاما: أعتقد أن أهم شهود المحاكمة الحالية إن لم يكن من المتهمين بالإنقلاب هذا الكرار الذي تحدث عن الأمر مرارا وتكرارا ووصف قرارات رمضان بأنها كانت عسكرية، ومحاكمات تمت لمن خالفوا قانون القوات المسلحة، وكأن انقلاب البشير على القائد فتحي أحمد خليل كان بموجب صحيح القانون!!! وقال بأن محاكمة مجدي محجوب كانت بموجب القانون وأن المسؤول عنها جلال علي لطفي الذي طالب من رئيس مجلس قيادة الثورة المصادقة على إعدام مجدي، هذه الشهادات المنشورة والمسطورة يجب أن تجمع ويستنطق قائلوها الأحياء حتى تستبين شجاعة هذه الزمرة التي زجت البلاد في جحر الدماء والدمار والخراب وفرطت في الثروات والتراب.




عروة الصادق
23. ديسمبر 2022م
البقعة

الأربعاء، 21 ديسمبر 2022

البشير أن يكون معتوها فلا أما كذابا فنعم.. وسيكتب كذابا

البشير أن يكون معتوها فلا أما كذابا فنعم.. وسيكتب كذابا


• مقدمة:
كل دلائل التاريخ وأحاديث التنظيم الإخواني الأحياء والأموات بمن فيهم الشيخ الترابي تبيّن أن التخطيط للانقلاب  في 1989م، تم بواسطة الحركة الإسلامية (الجبهة الإسلامية)، وبدأ منذ العام 1976م بعد المصالحة مع الرئيس الأسبق جعفر نميري، وأن التخطيط استمر حتى تنفيذ الانقلاب بواسطة كوادرها المدنية والعسكرية في القوات المسلحة في يونيو 1989م.


• ومعلوم أن كوادر الجبهة الإسلامية شاركت في التخطيط والتنفيذ، وتحديد ساعة الصفر معلومون بالإسم والوصف واللقب والسن وقتها وهم حسن عبد الله الترابي، علي عثمان محمد طه، يس عمر الإمام، عبد الله حسن أحمد، علي الحاج، إبراهيم محمد السنوسي، عوض أحمد محمد الجاز، أحمد عبدالرحمن جميعهم يرأسهم حسن الترابي، وليس من بينهم وقتئذ المخلوع حتى، وقد قال الترابي في شهادة مسجلة ومنشورة بالحرف: ((مساء الثلاثاء خطفناه من جنوب كردفان وجبناه الخرطوم وهو ما عارف أي حاجة لحدي ما لاقاني مساء الأربعاء وما كنت بعرفه .. وبسبب أنه الاعلى رتبة بقى هو الرجل الأول في التنفيذ .. قلت ليه الموضوع إتحسم نحن رتبنا كل شيء ، تعليماتك بكرة الصباح تمشي تسجل البيان وبالمساء تنفذ التحرك ، وما كان عارف أسماء الضباط الحيشتركوا معاه في التنفيذ)).



• لاحقا تم إدراج بعض  العسكريين الذين شاركوا في التخطيط ونفذوا الانقلاب وهم، عمر حسن أحمد البشير، بكري حسن صالح، عبدالرحيم محمد حسين، الطيب إبراهيم محمد خير، عثمان أحمد، محمد محمود جامع، أحمد عبد الله النو، محمد الخنجر الطيب، عبد الله عبد المطلب، محمد عوض الكريم بدوي، يوسف عبد الفتاح، عثمان عبد الله يوسف، صديق فضل، الهادي عبد الله، صلاح كرار، يونس محمود، فيصل علي.



• وقد تخلص الإنقلاب مبكرا من القادة العسكريين الذين كان بالإمكان أن يشكلوا تهديدا للحركة والإنقلاب، وتوفوا في أحداث مريبة كـ(إبراهيم شمس الدين، محمد الأمين خليفة، الزبير محمد صالح، محمد عثمان محمد سعيد، جمال الدين محمد مختار، بيو يو كوان، دومنيك كاسيانو).


• وقد أقر المخلوع؛ في مقابلة أجراها معه التلفزيون السوداني إبان فترة حكمه؛ بمشاركته في العام 1989م مع تنظيم الإخوان - الذي كان يعرف آنذاك بالجبهة الإسلامية القومية بزعامة الترابي -  في تخطيط وتنفيذ الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المنتخبة في العام 1986م.



• وقد اصطلح على مجموعة تدعى (السواقين) قادت الانقلاب وهي فئة غير عسكرية وإنما كانت تقوم بربطهم بالمدنيين في الانقلاب، وهذه الفئة كان دورها تحديد الاجتماعات المتعلّقة وأماكنها وتأمينها، مع تنفيذها كافة الأوامر المتعلقة بالانقلاب.



• وقد بين البروفيسور الطيب زين العابدين وهو رئيس مجلس الشورى الذي فوض الترابي للتخطيط لانقلاب 1989 الذي نفذته الحركة الإسلامية بمسمياتها العديدة ، أن الحركة قد استعانت فيه بالأفغان العرب في التنفيذ ، وهو ما لم تتحدث عنه قياد الانقلاب ولم يرد في يوميات التحري إلى اليوم، بل تنسب الأمر لأبنائها العسكريين وطلاب الجامعة المدنيين.



• ولأن البروفيسور الطيب زين العابدين ظل يردد أنه ضمن ثلاثة رفضوا فكرة انقلاب الجبهة الإسلامية القومية، ولكنه آثر الصمت إلى أن جاء العام 1992 ، وبدأ صوته يعلو منتقداً أهل الإنقاذ ، ورويدا صعد من النقد غير المباشر إلى الخلاف والمعارضة، مما حدا بأركان النظام منعه من الكتابة في الصحف، واختار الهجرة إلى باكستان ملتحقا بالجامعة الإسلامية العاليمة.


• وقد أشرفت مجموعة (السواقين) على عقد أكثر من اجتماع للتخطيط للانقلاب في أم درمان والخرطوم وبحري بحي الصبابي، وآخرها كان بمنزل المرحوم (على الروي) الواقع بضواحي بحري وتم خلاله تغيير كلمة السر للانقلاب من “آخر الليل” إلى “الوطن الغالي”، فضلاً عن عقد اجتماع بمنزل المرحوم (الزبير أحمد الحسن) بمنطقة الحلة الجديدة.



• وظل سر الإنقلاب مكتوما بين أبناء التنظيم في الدرجات القيادية إلى أن بدأ يتم الحديث عنه إلى الوافدين الجدد للحركة فالترابي قد أدخل عددا من معارفه وأصحابه وبالذات ممن تمت تسميتهم بالمؤلفة قلوبهم، أمثال عبد الباسط سبدرات، وسعود البرير، حتى أن أبو القاسم محمد إبراهيم وسارة أبو كانا عضوين في مجلس الشورى، وهؤلاء الآن خارج دائرة الإتهام وأحدهم محامي للمتهمين، ولكن يمكن استدعاؤهم للشهادة وأن يقسموا على ما عرفوه عن الإنقلاب، فضلا عن أحد الممولين للإنقلاب بالمال والأهل من أبناء قبيلته.



• وكما رأينا وسمعنا الفريق أول، هاشم أحمد بريقع، قد أشار إلى علاقته بالانقلاب والتخطيط له في جلسة المحكمة برئاسة القاضي حسين الجاك، وذلك بعد قبول مثوله كشاهد اتهام، وقال: إن الفريق أول محمد محمود جامع -المتهم رقم 14 في القضية- أول من تواصل معه من العسكريين قبل أشهر من الانقلاب وذلك برفقة الراحل المهندس عبد الوهاب محمد عثمان، وتمت دعوته للانضمام للعمل والتخطيط والتنفيذ للعمل العسكري.



• وأضاف: توالت الاجتماعات في مواقع متعددة معظمها في بيوت المشاركين، وكان الهدف المتوافق عليه هو العمل على تغيير نظام الحكم وإقامة دولة دينية، مشيرًا إلى أن تلك الاجتماعات كانت بحضور قيادات الجبهة -اسم الحركة الإخوانية في ذلك الوقت- وعلى رأسها الراحل د. حسن عبد الله الترابي. وقال الشاهد إنه شارك في اجتماع بمنزل الراحل الزبير أحمد الحسن، الأمين العام للحركة بالحلة الجديدة، شارك فيها من العسكريين كل من الرئيس السابق عمر البشير، عثمان أحمد الحسن ومحمد محمود جامع، صلاح الدين كرار، وعبد الله عبد المطلب، ومن المدنيين على نائب البشير الأسبق، عثمان محمد طه، ووزير الطاقة عوض أحمد الجاز، وأحمد محمد على الفششوية وعبد الحفيظ الدنقلاوى.



• وأوضح أنه لم يكن جزءًا من قيادة الانقلاب العليا في القيادة العامة، ولم يشارك ضمن قوة الاعتقال، وأضاف: كنت أتلقى التعليمات والمعلومات عبر الراديو مع الشبكة المركزية للاتصالات.




• بعد كل هذا يأتي المخلوع ليقول: إنه المسؤول الوحيد عن انقلاب 30 يونيو 1989م، وإن أعضاء المجلس العسكري الذين تولوا الحكم وقتها، لم يشاركوا في التخطيط أو التنفيذ لانقلاب الإنقاذ. 


• وبرأ البشير، خلال شهادته كذلك المدنيين المتهمين بتدبير الانقلاب وتقويض الحكومة الديمقراطية مبينا أنه «استند في تحركه على المادة 15 من دستور السودان المعدل لعام 1965، والتي تحمل القوات المسلحة مسؤولية حماية ثورة 1985»، مشيرا إلى مذكرة الجيش التي حذر فيها من تدهور الأوضاع في السياسية والعسكرية في البلاد، ونوهت إلى تدهور الاقتصاد، فضلا عن الأسلحة المتهالكة التي كانت تمنح للجيش الذي كان يخوض معارك ضد حركات متمردة في جنوب السودان، وتلك المذكرة معلوم أن من صاغها وتولى كبرها هم اسلاميو الحركة والتنظيم ولا علاقة للجيش بها، إذ أن قيادة الأركان وقتها ووزارة الدفاع عكفت على توريد كميات من الأسلحة والمهمات للجيش. ولم يرف له جفن وهو يكذب ويصرح بفشل الحكومة الديمقراطية التي أنجزت خلال تلك الوزارة في الفترة من ابريل 1986 حتي يونيو 1989م، كان الوضع: 
- اقتصاد منهار ينمو بمعدل نمو سالب 12.8% .
- ديون خارجية بلغت 14 مليار دولار .
- كل المشاريع القومية و المصانع تعمل بالخسارة .
• وباشرت الحكومة عملها لتقوم بالآتي:
- باعادة تاهيل كل المشاريع و المصانع القومية و حولها من الخسارة إلى الربح.
- قامت ببناء 2000 كلم من الطرق منها:-
1. طريق كوستي الأبيض الدبيبات.
2. طريق الأبيض الدلنج.
3. طريق الجبال الشرقية.
4. طريق سنار سنجة الدمازين.
5. طرق أخري.
- قامت ببناء صوامع غلال بحري . الرهد . الدبيبات  وتم استيراد عدد من الصوامع لتخزين الغلال للأمن الغذائي، تم تحويلها إلى (كباسيل) بسط الأمن الشامل في عهد حكومة المخلوع.
- قامت ببناء كباري سنجة . نيالا . السنجكاية .
- قام ببناء المطارات الاقاليم منها: مطار دنقلا . حلفا . كسلا . كادقلي . الدمازين . نيالا .
- قامت بتوزيع التقاوي المحسنة و الأسمدة للمزارعين.
- قامت بتطوير التعليم و العلاج مع مجانيتهما.
- قامت بإعادة تأهيل طريق الخرطوم بورتسودان .
- قامت ببناء شبكة اتصالات هي الاحدث في العالم في حينها لإدارة مشروع الجزيرة وإعادة تأهيل مشروع الجزيرة .
- إعادة شركة شيفرون للتنقيب عن النفط وتم حفر 90 بئر  واكتشاف نفط في 42 بئر.
- قامت بسداد 2 مليار دولار من ديون السودان  المتراكمة.
- حولت نمو الاقتصاد من سالب 12.8 الي موجب 12.8%  أي بمعدل نمو بموجب 24%. خلال ثلاثه سنوات دون منح أو قروض دولية.
- توصلت لاتفاق سلام مع الحركة الشعبية عبر اتفاقية السلام السودانية  و حدد له يوم: 14 سمبتمر من نفس العام موعدا لتوقيعة بالخرطوم عطل ذالك الانقلاب.
- تم التعاقد مع شركتين امريكية و فرنسية لتعلية خزان الرصيرص و ادخال مليون فدان لمشروعة الجزيرة عطل ذالك الانقلاب .
- وقعت مع اليابان اتفاقية شراكة استراتيجية كانت سوف تجعل السودان اليابان الثانية عطل ذالك الانقلاب.
- حققت أعلي انتاج زراعي في تاريخ السودان حتي اليوم في موسم 1988م- 1989م.
- الدولار يساوي 12جنيها وهذا دليل علي صحة الاقتصاد.
- انفتاح دولي وعلاقات خارجية قائمة على الإحترام والندية.



• ختاما: كل هذا اللف والدوران يوضح أن الحركة الإخوانية لا زالت تهيمن على عقل البشير وتريد أن تجعل من هذه المحاكمة صك براءة لها من شبهة الإنقلابات العسكرية وتبرئة قادتها وشيوخها وتنقية تاريخهم، لئلا يتم إدراجها ضمن الكيانات الإرهابية أو المقوضة لدساتير الدول، وهو أمر برع فيه قادة التنظيم، ولكن قبل أن يمضوا في هذه الخطة طويلا، عليهم تصفية بقية الشهود ممن نظموا ومولوا وخططوا نفذوا الإنقلاب، كما تمت تصفية السابقين، وأن يعمدوا إلى الأسافير والأضابير لمحو الشهادات المنشورة والمسطورة عن تخطيط الحركة تنظيما وقيادة في هذا الإنقلاب الذي أورد البلاد موارد الهلاك.

عروة الصادق
21. ديسمبر 2022م
البقعة

الاثنين، 19 ديسمبر 2022

ذكرى 19 ديسمبر

ذكرى 19 ديسمبر 


● تزامنت ذكرى استقلال السودان والثورة المجيدة هذا العام مع أهم حدث عالمي شد أنظار المعمورة إليه في دولة قطر، تجلت فيه مشاهد إنسانية واقتصادية وتنموية وسياسية وتكنولوجية، جميعها بينت أن الإنسانية يمكن أن ترتقي لمصاف التعايش والتسامح والتآخي والمحبة والتواضع، فقد رأى الجميع كيف نال فقراء من أمريكا اللاتينية شرف نيل أعظم جائزة عالمية ككأس العالم، فتقدموا بأسرهم ليحملوا الكأس إلى عاصمتهم ليحيوابه جماهيرهم في أحياء الصفيح، وتبين كذلك كيف تثنى لأبناء القارة المستصغرة والمستضعفة أن تبرز أعظم هدافي المونديال وأقوى لعيبة المستقبل القادمين، ورأينا كيف لرئيس دولة كبرى كفرنسا ينحني ويجلس مواسيا ومقبلا رؤوس لاعبيه الحاسرة، وطمأنهم بأن المستقبل قادم وهناك فرصة، فترانا ونحن ننطلق من عذه الأجواء إلى حلم يجمع السودانيين على قلب إنسان واحد، ويطوروا بلدهم تنمويا، ويحققوا التأخير بينهم، ويمنعوا جرثومة العنصرية والبيضاء من الاستشراء بينهم ويخلدوا ذكرى سلفهم كما فعل أولئك.



● لا تنفصل هذه الذكرى عن النضال الاستقلالي ضد الاستعمار وإعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م، وهذه الثورة باستمراريتها منذ ديسمبر 2018م حتى اليوم أثبتت أنها أعمق من أن تجتث بسطحية الإجراءات القمعية والاستبدادية وأن أقبية الاعتقال والحجز التعسفي بل حتى القبور التي ضمت الشهداء أقل وأضيق من أن تستوعب كل هؤلاء المثابرين من حداة الثورة، وأنها بتراكم فعاليتها وأنشطتها أوجدت وعيا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا ونفسيا بقضايا وهموم الشعب السودان، وإلماما ببواطن الشأن السوداني وارتباطاته بالخارج.




● ومثلت تلك الاستمرارية حجر العثرة أمام الأطماع الإقليمية والدولية في ثروات وموارد البلاد، وسدت وتصدت لكل محاولات البيع التي حاولتها حفنة من الانتهازين، وبينت ذلك العناد الثوري السلمي أنه أقوى من قرارات الرؤساء وإرادات الدول وأجهزة استخباراتها ومخابراتها، وأن بنات وأبناء السودان إما أن يتم التعامل معهم باحترام وندية تقدر عزة النفس السودانية أو ألا صداقة مع الشعب السوداني لأي من الشعوب التي تحاول استصغاره واستغفاله.




● كما استمر الوفاء للشهداء والضحايا وتضحياتهم وظلت مقولاتهم وخطاباتهم ودماؤهم وصورهم حاضرة في كل الأنشطة والفعاليات ومثلت أهم ثوابت الثورة السودانية، ولا يستطيع أحد أن يقول بأن الإذعان العسكري للاتفاق السياسي قد أتى بغير تلك التضحيات وتلك المثابرة الثورية.




● وأؤكد أن السودان لن تركن قواه الثورية الحية وجماهيريه إلى أي خيارات لا تحقق شعارات الثورة المجيدة في الحرية والسلام والعدالة وتحقيق نظام ديمقراطي مستدام ينعم مواطنوه بالرفاه ويفككون دولة الحزب الواحد ويقيمون علاقة قائمة على المصالح مع شعوب وحكومات الدول الأخرى، هاهي المواكب تخرج من كل فج عميق كما حدث في العام 2018م وكأن الثورة في طور الانفجار الأول، هذا يرسل برسائل للداخل والخارج وكل متربص بإرادة الشعب السوداني وثرواته وجب الاستجابة العاجلة لتلك الرسائل من الساسة والحاكمين والمراقبين والداعمين للحل السياسي الشامل في الإقليم والمنطقة والعالم.




● ختاما: أمامنا العالم حولنا ومعالم ستغير الحياة السياسية والاجتماعية بل كل المشهد الماثل لتستحيل الحياة إلى نمط جديد للعيش، ربما لن يجد فيه المكاسلون موقعا، ولن تطأ أقدامهم أرض المستقبل، ستظل تنهش لحومهم الأنظمة المستبدة، وتسيطر على ثرواتهم الدول الطاغية بأنظمة استعمارية واستحمارية جديدة، الواجب أن تتوحد إرادة هذة الجيل لاستنقاذ البلاد والإسهام في تقدم الإقليم والمنطقة والعالم.






عروة الصادق
19. ديسمبر 2022م
البقعة

الجمعة، 16 ديسمبر 2022

نتائج حتمية للانتقال المدني في السودان

نتائج حتمية للانتقال المدني في السودان
مقدمة:
خضنا تجربة انتقالية لها وعليها من المزايا والرزيا، استطاع السوادنيون خلال تلكم الفترة تغيير حكومتهم الانقالية بعد عملية تقييم لآداء الوزارة الأولى، وقد كانت فرصة كبيرة للإيمان بأن التداول السلمي للسلطة في السودان ممكن ومتاح ومرغوب، وأن محاولات التسور على سياج إرادة الشعب الحرة يصطدم بعنفاونه الرافض للاستبداد والدكتاتورية وحينها تثور ثائرة الجماهير رفضا لأي إجراء مدني أو عسكري أو مختلط يسلب إرادة الشعب كما حدث في فجر 25 أكتوبر 2021م.
انطلاقا من هذه التجربة ومن التجارب السابقة والموروثة استطيع القول بأننا بإمكاننا إنجاح الفترة الانتقالية وفتح الباب أمام استدامة الديمقراطية وتحقيق الاستقرار في السودان، كما أيضا بالإمكان هدم هذه التجربة وفتح الباب على مصراعيه لقوى الردة والهيمنة والفساد والإفساد، وإجهاض التجربة الانتقالية وإيصاد الباب للأبد أمام التطلع نحو الديمقراطية، وربما مزقنا وطننا إلى طرائق قددا.
مما سبق من تجارب نستطيع استقراء التوقعات الحتمية للانتقال بنسب عالية تحدد سمات التطور السياسي للسودان وأنماط الانتقال التي يمكن أن تؤهله للعودة للعالم والإقليم والمنطقة، وأهم تلك العوامل المؤثرة في الانتقال:
1. هوية الفاعلين الذين يقودون عملية الانتقال: بأي حال من الأحوال لا يمكن توقع نتائج جديدة من ذات الفاعلين الذين قادوا التجربة الانتقالية الأولى في طوريها الأول والثاني، وذلك على مختلف الصعد والمستويات التنظيمية والسياسية والمدنية، بل حتى قادة البيوتات الأهلية والدينية لا يمكن أن يخاطبوا جيل وقضايا الانتقال بذات المنطق المتبع منذ الاستقلال وحقب الثورات المتلاحقة، لذلك لا بد من الآتي:
‌أ. تغيير الفاعلين وتقديم وجوه وأسماء جديدة وعدم التفكير في استخدام ذات الأسماء والشخصيات.
‌ب. تقديم عناصر لها ارتباط مباشر بالقطاعات الحية الشبابية والطلابية والنسوية والفئوية والمهنية والحرفية والمهجرية وسودان اللجوء والنزوح.
‌ج. التخلص من التركة السالبة التي خلفها بعض الشخوص ممن هدموا التجربة الانتقالية.

2. الاستراتيجيات التي يستخدمها الفاعلون الجدد: لا يمكن توقع نتائج جديدة باستخدام ذات الخطط والاستراتيجيات المعهودة، ولا يمكن أن تحدث الهياكل الموروثة والمؤسسات القديمة نتيجة ذات قيمة ترجى، ولا يمكن أن نتوقع إحداث تغيير كبير في الدولة، ما لم نضطلع بالآتي:
‌أ. أن تحدث المؤسسات المدنية والعسكرية قيادتها وتطور برامجها وأفكارها وأطروحاتها.
‌ب. أن تغير الأجسام المدنية المتحالفة سياقاتها التكوينية المعارضة إلى أخرى تؤسس لدولة وحكم قادم بعد 24 شهر على أسوأ الفروض.
‌ج. أن تغير القوى السياسية خطتها كليا وتعتمد استراتيجيات غير تلك التي تم تجريبها طوال سنوات الانتقال وسنة الانقلاب.
‌د. تقييم فعلي وحقيقي لجدوى مؤسسات الدولة الحالية ودراسة عميقة للقائمين عليها والسياسات المتبعة ونظام العمل والتشغيل لدولاب الدولة.
‌ه. الانخراط في وضع ملامح استراتيجيات حكومية عبر بيوتات خبرة محلية وعالمية وتبني أفضل الخيارات.


3. النمط التنافسي بين الفاعلين: اتخذ التنافس السياسي في السودان طابعا قد يكون محفوظا للكل، عسكري مدني، وعسكري عسكري، ومدني مدني، وظلت الحركات المسلحة متواجدة في هذه المسيرة طوال كل مراحل الانتقال المتعاقبة، يشارك في هذه العملية التنافسية مجموعات ظلت تأتمر بأمر السلطة وترغب في التواجد الفعال في المشهد في كل الحقب تتخذ طوابع إثنية ودينية واجتماعية مختلفة وللأسف جميع طرق التنافس لا زالت متخلفة تنحصر في الاستقواء بالبندقية والسلاح أو القبيلة أو الشعارات الأيدولوجية أو الإغراءات السلطوية، وهذا يوجب الآتي:
‌أ. نأي الجميع من ساسة المؤسسة العسكرية والمؤسسات الحزبية من الحكومة الانتقالية والاكتفاء باختيار عناصر ذات كفاءة ومهنية تمكن الشعب من اختيار من يحكمه في نهاية الفترة الانتقالية.
‌ب. اتخاذ التنافس البرامجي والطرح الرؤيوي لقيادة البلاد، وذلك بالنشر الإعلامي والانتشار الفعلي على ربوع السودان، وأن يكون التنافس وجها لوجه لا خلف جدران السلطة والقبيلة والسلاح.
‌ج. إعمال الشفافية في المؤسسات الحزبية المتنافسة، حتى يكون المواطن السوداني على علم ببواطن هذه المؤسسات وصلاحيتها وأهليتها لنيل صوته.
‌د. أن يكون التنافس منضبطا بمعايير موضوعية وقومية ومدنية تعلي من أصوات الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وتردع كل من يريد التنافس عبر فوهة البندقية أو الشيكات البنكية أو الواجهات القبلية أو الإغراءات السلطوية.

4. طبيعة النظام السياسي الذي يرتضيه الفاعلون: عدد كبير من القوى السياسية في السودان، تناور بالديمقراطية كنظام حكم، وجزء منها ارتضاه واحتكم إليه وجاءت به الانتخابات إلى السلطة إلى أنه سرعان ما امتطى ظهر الدبابة لينقلب على نظام الحكم الديمقراطي البرلماني ويؤسس تجربة دكتاتورية شمولية ثيوقراطية أوتوقراطية، وهو ما يعني أن النظام الذي نرتضيه للحكم سيحدد نجاح تجربتنا أو فشلها، وقد حددت ملامحه مرجعيات أهمها:
‌أ. مسودة الدستور الانتقالي التي طرحتها اللجنة التسييرية للمحامين.
‌ب. الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه تأسيسا للمرحلة الانتقالية القادمة.
‌ج. تجارب حكم لدول ديمقراطية في المنطقة والقارة والإقليم والعالم.
‌د. فشل الأنظمة السياسية الاستبدادية الآحادية على مر تاريخ السودان.
‌ه. فشل أنظمة الحكم الآحادية في المنقطة وما خلفته من خراب ودمار وحروب أهلية في الكثير من الدول.
‌و. تطلعات الشعب السوداني في تحقيق الفدرالية والديمقراطية في دولته المدنية البرلمانية.

5. السياسات لما بعد الانتقال: اقتصر دور الحكومة الانتقالية السابقة لوضع سياسات آنية للفترة الانتقالية ولم تتحسب لما بعد الانتقال، وهو ما سيجعل الحقبة الانتقالية منفصلة عضويا من الفترة الديمقراطية، وربما تحدث تلك القطيعة ردة عن النظام الديمقراطي، لذلك أتصور الآتي:
‌أ. في الوقت التي تعد فيه قوى الثورة والانتقال سياسات الحكومة الانتقالية، تأخذ في الحسبان وضع ملامح سياسات النظام الديمقراطي.
‌ب. أن تضطلع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية بتدريب عناصر مؤهلة في وضع السياسات لترفد بهم النظام الديمقراطي.
‌ج. أن تفرغ الجامعات وكليات العلوم السياسية والتخطيط الاستراتيجي جزء من طلابها وسلكها الأكاديمي في رسم ملامح أكاديمية ومنهج سياسي يسترشد به الساسة في البلاد.
‌د. أن يشترك في وضع ملامح السياسات في الحكومة الديمقراطية كل مكونات الشعب السوداني وفئاته المؤمنة باستدامة الديمقراطية.

6. القواعد المؤسسية التي تم إنشاؤها خلال الفترة الانتقالية: خير معين للنظام الإنتقالي وأعظم ممهد لاستقرار النظام الديمقراطي هو القواعد والقيود التي يحتكم إليها البناء المؤسسي للدولة وأحزابها ومؤسساتها وبنياتها التنظيمية ومواعينها الشعبية، وهو الأمر الذي يستدعي:
‌أ. مراجعة كافة القوانين والتشريعات التي تؤسس عليها الأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية والمنظمات والمراكز والهيئات والجمعيات، وتعاير بتلك المعايير المتبعة إقليميا ودولية ويكون الالتزام بها صارما.
‌ب. أن يحظر بالقانون النشاط المناهض للسلام والديمقراطية وحرية الإنسان، وتمنع الكيانات والجماعات التي تنشط على أسس عنصرية وعرقية ودينية.
‌ج. أن تمول الحكومة وتستقطب التمويل الدولي لكل المؤسسات المدنية الداعمة للانتقال وتهيئتها للنظام الديمقراطي القادم.
‌د. أن تشرف الحكومة الانتقالية على أنشطة ومؤتمرات المؤسسات المدنية وتمكن الهيئات المستقلة والجهات الرقابية من تقييم مدى ديمقرطة تلك المؤسسات.
‌ه. إعمال الفحص المؤسسي في دولاب الحكومة الانتقالية في كل مرافقها السيادية والتنفيذية والتشريعية والولائية ومؤسسات القطاع الخاص واتخاذ التدابير اللازمة في موجهة عمليات السطو والتسلط والفساد المؤسسي.


7. استعداد الفاعلين: تمثل درجة الاستعداد والقابلية للتفاعل مع المعطيات السياسية أهم عوامل نجاح أو فشل النظام الانتقالي، وهو ما يعني أن الفاعلين يمكن أن تتغير مواقفهم وتتبدل آراؤهم، وتتحول تكتيكاتهم، وقد تتباين المواقف وتختلف الرؤى، ولكن هذا يوجب الآتي:
‌أ. التشديد على ضرورة التزام الجميع بمباديء عامة وثوابت لا يمكن الحياد عنها كمدنية السلطة والدولة والحكومة، وتحقيق مطلوبات الانتقال وشعارات الثورة وعدم الافلات من العقاب.
‌ب. يقبل جميع الفاعلين آليات بعضهم المختلفة طالما التزمت بالسلمية ومعايير حقوق الإنسان، ولم تجنح إلى العنف أو الاستقواء بالأجنبي أو السلاح.
‌ج. إبداء درجات المرونة في التلاقي الوطني وعدم إحداث قطيعة بين القوى الفاعلة كالتي شهدناها الفترة السابقة (كيان لا يقبل بلقاء كيان)، ما لم يشب ذلك مجرد شبهة التآمر ضد الانتقال أو النظام الديمقراطي.
‌د. جاهزية الفاعلين لتقديم الاسناد الفعلي سياسيا وفنيا وقانونيا ودبلوماسيا للحكومة الانتقالية الممهدة للنظام الديمقراطي.
‌ه. أن تكون الحجة هي معيار التفاضل في المواقف السياسية بين الفاعلين وأن يتخذوا لتثبيتها المنصات الإعلامية المفتوحة في الفضاء العام واللقاءات الجماهيرية على الأرض.


8. الالتزام بالقواعد الجديدة للعبة: دوما ما تتمرد النزوات ونزغ الشخصيات ونزوع الكيانات إلى السلطة على قواعد اللعبة المتوافق عليها، وهو ما يقود إلى إعاقة مسير الانتقال وإجهاض حلم التحول الديمقراطي، ففي الوقت الذي يبحث فيه الجميع نحو تأسيس تجربة انتقالية تؤسس لنظام ديمقراطي يجنح كثيرون لتأسيس ذوات وتنظيمات وأحلاف على حسب حلم الجماهير، والواجب هو:
‌أ. بذل الوسع كله لخدمة أجندة الانتقال المتفق عليها ولو كان ذلك على حساب الأجندة الحزبية.
‌ب. الترفع عن التكسب والتنافس من أجل الاستقواء الآني واللجوء إلى سبل تطوير بعيدة عن دولاب الحكومة.
‌ج. التقيد التام بما يتم الاتفاق عليه من مواثيق ونصوص طوال الفترة الانتقالية وأن يكون الخروج عنها معلنا.
‌د. الامتناع عن اللجوء لوسائل التمرد التاريخية أو المستحدثة على النظام الانتقالي عبر الإنقلاب أو التآمر أو غيره، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية الحقيقة.


• ختاما: بقراءتنا لتاريخنا واستلهامنا الدروس والعبر وعدم تكرار الأخطاء وتحديث أساليبنا وأنماط ممارستنا السياسية ومواعينها حتما سنصل إلى نتائج غير مكرورة وربما أكثر إبداعا واتساقا مع واقعنا، ولكن الإصرار على تكرار ذات الأخطاء من ذات الأشخاص في ذات التوقيتات سيجلب لنا ذات الفشل وربنا الأسوأ، وجبنا المضي للأمام وعدم التراجع إلى مواطيء الأقدام السابقة، وعدم الركون للنصوص الماضوية إلا تلك التي تضيء لنا المستقبل وتلهمنا عدم تكرار الأخطاء، ما لم يحدث ذلك ستجد القوى القديمة والأنظمة الموروثة سبيلها للهيمنة على القرار السوداني بـوجوه وواجهات جديدة ومستحدثة.