الاثنين، 9 يناير 2023

أومثلك يا عابدين يطلع على أضابير الداخلية ويومياتها؟!!

أومثلك يا عابدين يتلصص على أضابير الداخلية ويومياتها؟؟!!



● تداول عدد منا بعلم أو بجهالة تسريبات خبيثة مبثوثة يشاع أن مصدرها يوميات التحري ومرجعيتها اللواء عابدين الطاهر، لم يدهشني أن تصدر أحاجي وأكاذيب حول اعتداء وقح وقبيح وبذيء لابنة العزيز الطيب عثمان، فالأفاكون لا يتورعون عن الولوغ في الدماء والأعراض وهو عندهم أيسر من شرب الماء.


● ولكن المدهش أن يبرز أمثال هذا اللواء كمرجعية قانونية وجنائية ومهنية، وهو الذي تسبب في إزهاق أرواح أبرياء ويتّم العشرات ورمّل أمهاتهم في قضية المغدور محمد طه محمد أحمد، ومعلوم أنه الذي قاد ٩ من أهلنا الفور للمشانق في أقصر محاكمة مدنية شهدها السودان بعد إعدام ضباط رمضان العسكرية، ويتشدق ملء فيه المملوء بدماء الأبرياء.

● إن هذا المشهد الماثل الذي يديره وزير داخلية عاجز عن تأمين العاصمة ناهيك عن القرى والفرقان النائية، ومجتهد في حشد الأموال وتطاول البنيان وتقريب الصحب والمحسوبين والآل، لن يجعل من الأمر مستغربا أن يتم تسريب يوميات التحري لزميله السابق في سلك الشرطة اللواء المطارد  بأرواح الأبرياء في صقيع أمريكا.

● إن كن الذل والهوان أن يكون أمثال هؤلاء أحرار طلقاء، يتشدقون ويتلصصون على يوميات التحري، ويطلعون على أدق أسرار الدولاب ومكتب الوزير ويوميا التحري، وهم خارج البلاد، أمر يحفز صغار الضباط على الجوسسة وعدم الانضباط، والأدهى والأمر أن يتناقل ذلك ضباط مهنيون في مجموعات مفتوحة وخاصة في عوار يظهر العطب والعطن الذي خلفه أمثال هذا اللواء، وهي تركة مثقلة توجب التصحيح الجراحي المؤلم.

● هذا الوضع نتيجة حتمية للتعيين على أساس القرابة والدم والرحم والولاء للتنظيم والحزب والحركة، وهو ثمرة تزاوج السلطة والفساد، والذي جعل من بعض المؤسسات حواكير أسرية لا يغادرها كبار الضباط بالإحالة أو التقاعد إلا بعد أن يستخلف أحد ربائبه فيكون عينه الساهرة التي تحمي مصاحه وتؤدي خدماته عوضا عن خدمة المواطن والسهر على راحته وأمنه.

● لذلك انتعشت عمليات تجارية لضباط في المرور والجمارك والجوازات وغيره، بصورة تضاهي أكثر الرأسماليين مالا، وصاروا لا يخفون الأمر للدرجة التي يستعينون فيها بالفاسدين الذين شهد بفسادهم حتى وزراء العهد البائد ليجودوا لهم عمليات السلب والنهب وتهريب الذهب وشحنات الاسلحة والممنوعات والمخدرات، وهو ما جعل منهم ضباطا نهمون للمال غير مهمومين بأمن المواطن.

● ختاما: سلك الداخلية والشرطة قاده أكارم وفضلاء أمثال الأمير نقد الله والسيد أحمد النور جابر وغيرهم من الزاهدين الأكابر ولكن شابه ما شابه من قصور وضعف وهوان في عهود الطغيان، ولكن سيظل فيه ضباط أوفياء كرماء شرفاء ونزيهين تكسوهم الهيبة وتحصنهم العفة، نأمل أن يعيدوا لذلك السلك هيبته وانضباطه وخدمته للشعب لا للمال ولا للسلطة والمتسلطين، ويسهموا في إعداد خارطة طريق إصلاح الأجهزة الأمنية والقوات النظامية.


اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تنسنا ذكرك ولا تكشف عنا سترك ولا تول علينا غيرك.


عروة الصادق

الثلاثاء، 3 يناير 2023

ذكر الاستقلال واستغلال المحاور

ذكرى الاستقلال واستغلال المحاور


● السودان بلد ذات سيادة مرتبطة بنضال متسمر لعقود من جيل الآباء المؤسسين، مخضوب بالدماء ومجلل بالعناء، ولم يكن رفع العلم مجرد مشهد تمثيلي للمحجوب والأزهري، وإنما تراكم فعل متصل منذ كرري عندما سقطت الدولة وصولا لما بذله الآباء الاستقلاليون وعلى رأسهم الإمام عبد الرحمن المهدي طيب الله ثراه، ووقتئذ كان هؤلاء لهم أياد سابغات وجهود سابقات للمحيط العربي والإسلامي، ووقتها كان يضع العالم للسودان ألف حساب لما فيه من موارد وإمكانات وعنصر بشري معتز بنفسه ومعتد بكرامته تحدوه الأنفة والشكيمة وقوة المراس.



● انطلاقا من هذه الفذلكة أستطيع القول بأننا انتقلنا من البلد المعروفة في كافة المحافل إلى وطن "نكره" يحتاج إلى تعريف، ومن أن كنا يد عليا تعطي وتمنح إلى بلد تقتات على الفتات ويتسول قادتها العطايا ويتوسلون للشيوخ والأمراء والرؤساء، لذلك تجد عناصر في قلب دولاب الدولة يهربون ليعملوا كعملاء لدول جارة وشقيقة، وتمتطي ظهورهم أجهزة المخابرات كمدير مكتب الرئيس المخلوع الذي لا زال يقحم الأنوف الخارجية في الشأن السياسي السوداني.


● وهناك دول وجدت ضالتها الاقتصادية والموارد في غياب عزة النفس والقيادة القوية فاستغلوا موارد البلاد، فدولة كمصر من احتياطي ذهب لم يبلغ الطن لثلاثة أعوام خلت يقفز إلى ما زيد عن المائة وخمسين طن منذ الإنقلاب حتى تاريخه، وكذلك دولة كروسيا خاضت حرب كونية وهي تتكيء على احتياطي كبير من ذهب السودان الذي اكتسبته عبر شركاتها وعناصرها الخفية في السودان ومنظومة فاغنر.


● وكذلك دولة الإمارات التي أسست بورصة للذهب يشار إليها بالبنان وهي لا تنتج جراما واحدا من الذهب وكل ذهبها أو غالبيته يردها من السودان عبر عمليات رسمية وأخرى إجرامية، جميع هذه الدول تدخلت في عمق التحرك السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والأمني للدولة، وهذا يعني أن الوضع الحالي للسودان يرثى له، وأن هذه الأمة بعد أن كانت قاطرة صارت مقطورة تتجاذبها محاور الصراع الإقليمي والدولي.



● وأكبر عملية سياسية في البلاد الآن تعمل لإخراج البلاد من وهدتها تقودها الآلية الثلاثية الدولية وتشترك في عملياتها الرباعية الدولية وهو في رأيي الدور الدولي الحميد والتدخل المطلوب وشعرة معاوية بيننا وبين الأسرة الدولية والمحيط العربي والأفريقي التي لا ينبغي أن تنقطع، وأن تقود لحكومة مدنية تؤسس علاقاتها الخارجية على المصالح والندية لا الخضوع والإملاء والتبعية.



● ومن نافلة القول أن بعض السودان الآن ليس للسودانيين فهو موطوء من دول جارة تهيمن على معابره وأرضه وموارده وتسيطر على سكانه، وقد تم إغراق البلاد بعناصر وافدة من دول جارة وشقيقة تريد أن يكون لها موطء قدم في دولاب الدولة، وبعضهم يتطلع للهيمنة على القرار السياسي في البلاد عبر شبكات خارجية مترابطة أوجب واجبات الحكومة القادمة تفكيكها وتقنين الوجود الأجنبي في البلاد، وإعادة السودان لحضن السودانيين، والتحكم السوداني في قرار البلاد، وبسط السيادة على كامل الأراضي السودانية.


● إن قدوم مدير المخابرات المصري للخرطوم هو استكمال لدور أرادت القاهرة لعبه في الخرطوم عبر عدة أدوات، عسكرية، أمنية، سياسية، قبلية، اقتصادية، وللأسف أضحى أضحوكة الراجزات في نواحي البوادي، يعلمن ما تحيكه أيادي المصريين في السودان ضده بأيدي بنيه ومعاونة عناصرهم المخابراتية، التي أوصت في بدعم الإنقلاب في 25 أكتوبر وتعهدت لقادته بتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والأمني متى ما استلزم الأمر.


● إن الجميع يعلم أن من فتح الباب لامتهان كرامة السودان هم قادة الإنقلاب، منذ أن هرعوا لعلاقة مشبوهة مع إسرائيل، وحينما تم حصارهم في الداخل بواسطة القوى المدنية والضغط الجماهيري والإعلامي، الذي وصل لدرجة التهديد بفتح بلاغات ضد قائد المجلس وقتها بموجب قانون مقاطعة إسرائيل الذي تواضع بعض المدنيين لتشريع قانون متعجل لإلغائه وتحصين رئيس المجلس من الملاحقة الجنائية.



● ذات المجموعة الآن تسعى جاهدة لإيجاد موطيء قدم للعسكر في المعادلة السياسية بروافع داخلية وخارجية على رأسها الدور المصري العسكرتاري، الذي استخدمت كافة كروته واستنفذ كل خياراته التي كان آخرها إعادة السيد الميرغني للخرطوم لخلط الأوراق في العلملية السياسية وإرباك المشهد السياسي فيها والتي غادرها دون أن يمسع له أهلها همسا ولا ركزا.



● نحن نعلم أننا ضمن منظومة كونية ودولية وإقليمية عربية وإفريقية، ولنا علائق استراتيجية تتشابك وتتقاطع وتتكامل مع الجيران والأصدقاء والأشقاء، وأخرى تضاد مع الأعداء، وأهم الملفات التي تؤثر علي السودان، هي حروب الجوار اليمني والليبي والسوري وغيرها من النزاعات التي تصعد وتهبط في الجوار الإفريقي، وله ملفات بمثابة قنابل موقوتة مع الجيران قابلة للإنفجار كالملف الحدودي في (حلايب وشلاتين شمالا شرقيا، والفشقة شرقا، وأبيي في الجنوب)، وله مصالح في سواحل البحر الأحمر تتطلع عدد من القوى الإقليمية والدولية لمشاركته فيها أو الاستحواذ عليها.



● ولضعف آليات التعاون الحاكمة للحدود تظل تلك الملفات انفجارية، خصوصا في أوضاع الإنفجار السكاني للجارتين مصر وإثيوبيا وأزمات الغذاء العالمية، والصراع على الموارد وبالأخص صراع المياه الذي طغى على السطح واتخذت منه مصر ذريعة لعمل أنشطة عسكرية ومناورات داخل الأراضي السودانية والاستحواذ على قاعدة مروي العسكرية وجزء من المدينة السكنية ومرافقها الصحية وغيره لمدة تزيد عن الثلاث أعوام دون أن يقر ذلك برلمان أو تتخذ الحكومة الانتقالية وقتها قرار يخول لهم ذلك.



● السودان في طور نهوضه في كلا الحكومتين الانتقاليتين الأولى والثانية ظل يولي العلاقة مع الجوار الشقيق أهمية قصوى وأوفد لذلك وفود كثيرة لجسر الخلاف وتقريب وجهات النظر وتوقيع عدد من بروتوكولات التعاون والبيانات والاتفاقات المشتركة، إلا أن كل ذلك لم يشفع له عند دول لم يراوح مستوى التعامل الدبلوماسي بينها وبيننا "الدسك" الأمني في وزارة الخارجية، وهو ما يوجب تعاملا جديدا وتصورات ينبغي أن تصحح هذا المسلك المضمر للعداء.



●خاتاما: 

• الحق يقال أن هنالك ما يزيد عن حوالي الثمانية ملايين ونصف المليون سوداني في مصر جميعهم فروا من ضيق هذه البلاد إما لأسباب معيشية أو صحية أو أكاديمية وتتضاعف الأعداد في كل يوم يقضيه هذا الإنقلاب في السودان، وهو كرت ضغط إنساني يمكن أن يتم استخدامه بصورة مباشرة بالطرد أو التضييق،  أو غير مباشرة، كما حدث في منجم سيجا الذي تم تسليح قبائل المنطقة لطرد السودانيين حفاة وحرق جوازاتهم دون أن تصدر خارجيتنا أو سفارة الخرطوم في القاهرة بيانا تعرب فيه عن قلقها.



• مع ذلك لا أعرف سبيلا للتعامل المهادن مع جرائم مصرية اقترفت في حق الشعب السوداني سوى التوجه بدعاوى جنائية وحقوقية لمجلس الأمن وللمحاكم الدولية وإيداع بلاغات لدى الكونجريس الأمريكي والاتحاد الأوروبي وتحرير شكاوى ضد كل من تسبب في تقويض الانتقالي الديمقراطي وساهم في تهريب ونهب موارد وثروات الشعب السوداني، وأن تعبد الحكومة القادمة طريقها إلى حلايب وشلاتين بالهمة والعزيمة والإرادة، وإن استدعى الأمر اللجوء للشرعة الدولية والقانون والمحاكم المختصة كمحكمة العدل الدولية.



• أما إن اختارت مصر الجوار الأخوى المحترم بيننا وبينها فيمكن للجميع أن ينعموا باستقرار مستدام ومنافع متبادلة في مجالات مائية وطاقوية وزراعية وملفات أمنية كدحر الهجرة غير النظامية والاتجار في الأعضاء والبشر والمخدرات وتفكيك الجماعات الإرهابية.



• ويشكر للأحزاب المصرية التي تريد أن تساهم في حل الأزمة السودانية، ولكن خطوة كالتي يقوم بها الحزب الناصري في مصر بدعم أمني وحكومي لن تجد القبول من الطيف السياسي ولا الشعبي السوداني، لأنه إلى الآن يتراءى للجميع شبح الانقلاب الذي دعمته مصر بكل عدتها وعتادها، ويرجى أن يتأكد كل ناشط وسياسي مصري يريد الاسهام في الشأن السوداني، أن السودان غير مصر، فإذا استكان الشعب المصري مؤقتا لسطوة العسكر، واستعان على الشقاء بالله، فالشعب السوداني طوى هذه الصفحة وإلى الأبد ولن يكون مطية للعسكر أبد الدهر.


عروة الصادق

الجمعة، 30 ديسمبر 2022

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان- بعد استثماري

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد استثماري


• في أوقات المساغب تعز اللقمة، وفي أوقات الفقر يعظم الدرهم والدينار، وفي أوقات المحن تنتهز الفرص، ولا أحد يستطيع إنكار الدور الكبير الذي قامت به مؤسسات استثمارية تعليمية خاصة، وصروح شامخة يشار إليها بالبنان منحت نوابغ ومتميزين التفوق والريادة، وعظمت دور معلمات ومعلمين أفقرتهم الوظيفة الحكومية وزادتهم حوجة وعوزا.




• فانتشرت في البلاد المدارس الخاصة والاستثمار في مجال التعليم الأساس استشراء النار في الهشيم، حتى استحوذ بعض المستثمرين على أراضي مسجلة كمدارس حكومية وأقاموا عليها أنشطة تعليمية تجارية، قضت على فرصة تطور تلك المدارس الحكومية واستغلت حكر حكومي.



• ووصل الأمر لاستغلال المطابع الحكومية وتخريد بعضها (بيعها خردة)، لأصحاب الاستثمارات الخاصة، فصارت تلك المطابع تهيمن على طباعة الكتاب وتبيعه للحكومة في صورة لا يمكن أن تجد لها مثيل في أكثر الأنظمة فسادا في العالم.



• ومنحت الحكومة أصحاب تلك المؤسسات مزايا تفضيلية وإعفاءات جمركية وضريبية لم تنعكس بأي حال من الأحوال على العملية التعليمة وتكاليفها الباهظة على الأسر والتلاميذ، وصار التعليم الخاص محصورا على ذوي الدخول العالية، وتم تصميم نماذج متواضعة تتواءم ومقدرات ذوي الدخول المتوسطة، أما الفقراء والمعدمين فلا سبيل لهم إلا التعليم الحكومي والذي انتكس بعد الإنقلاب في 25 أكتوبر من المجانية إلى رسوم حكومية تحت مسميات وأوجه صرف مختلفة (كهرباء – نفايات – مجلس تربوي.. الخ)، وهذه الرسوم جعلت العشرات من الأطفال يتسربون من فصول الدراسة.



• في هذه الفترة التي تخلت فيها الحكومة عن دورها الأساسي ورعايتها المباشرة لمجانية التعليم الأساس، اغتنت بيوتات ومؤسسات وكارتيلات اقتصادية ووجوه وواجهات مالية، استثمرت في الطبشور والكراس والقلم والإجلاس والكتاب المدرسي والتشييد والمباني والترحيل وجميع عناصر العملية التعليمية وساهم إطلاق اليد الحكومية في دخول، تجار وسماسرة ووسطاء لا علاقة لهم بالتربية ولا التعليم ولا رؤية البلاد التعليمية، هدفهم الأوحد الإثراء والاغتناء الفاحش، ووجدوا أن سياسات الدولة في الفترة الانتقالية نحو المؤسسات التعليمية وإقرار مجانية التعليم يهدم عروشهم ويهدد استقرارهم المالي.



• ساهم هؤلاء مجتمعون إلا من أبى في تنظيم حملات مدفوعة الثمن وشراء عدد من الأقلام والأبواق ومنصات الإعلام، لشن هجوم ممنهج ومنظم ضد الحكومة الانتقالية وسياساتها التعلمية وأعاقوا سبل الوصول لمدارس حكومية تراصف أو تنافس مدارسهم، والتي كانت أولى خطوات الحكومة بزيادة أجور المعلمين ليتوجه جيش عرمرم من المعلمات والمعلمين نحو المدارس الحكومية ويكتفوا بالراتب الحكومي، وهو الأمر الذي لم يجد الرضا من أصحاب المؤسسات التجارية الاستثمارية.



• وفي الوقت الذي كان بعض هؤلاء المستثمرون يجدون الجد في طباعة الكتاب المدرسي في إحدى الدول والتي تعبث بخرائطنا الجغرافية والطبغرافية، كانت الحكومة تجتهد في توطين طباعة الكتاب المدرسي، فأعاقوا عبر عناصرهم الخفية في وزارة المالية والمؤسسات ذات الصلة ومجلس الوزراء طباعة الكتاب المدرسي الأمر الذي رفع درجة السخط على الوزير حينئذ ووزارته، والجميع يعلم أن هناك مخازن كبرى في العاصمة والولايات رتبت نفسها لتوزيع مخزونها التجاري للمدارس والأسر والأسواق المختلفة.




• صار التعليم والأساس على وجه الخصوص في عقود الإنقاذ الثلاثة، مدخل للثراء، فقد مكن التنظيم عناصره من خطط التعليم والمناهج، والزي، ومنحوهم توكيلات الاستيراد والتوريد، وتراخيص البناء والتشييد، واحتكروا لهم المزادات وفصلوها على مقاساتهم، وتجاوزا لهم شروط الشراء والتعاقد والمواصفات والمقاييس، ومنحوهم المساحات الحكومية والساحات العامة والمدارس التاريخية، وعكفت المنظومة الفاسدة برمتها لخدمة هؤلاء المستثمرين ومكنتهم رقاب أطفالنا وتلابيب الأسر ماليا واستنزفت الموارد الحكومية للتعليم في غير مواضعها حتى صار الصرف على التعليم في الموازنة العامة آخر أولويات الحكومة التنفيذية ومعدي الموازنة في وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي.



• وحينها صارت تلك المؤسسات الخاصة الاستثمارية قبلة النافذين وأبناءهم، والأغنياء والطبقات الميسورة، وحشر بقية التلاميذ في المدارس المقبورة، وفتحت منافذ الإعلام والإعلان لمن يستطيع إليها سبيلا بماله وسلطه، وتمايز المجتمع وأبناؤه في منافاة ومجافاة للتاريخ الذي مكن أبناء الشعب السوداني الدراسة مع بعضهم البعض في خور طقت ووادي سيدنا وسنار الثانوية وحنتوب وكوستي والدويم، دون تمييز على أساس العرق أو اللون أو النفوذ الاجتماعي.




• ختاما: إن أي توجه قادم لمجانية التعليم سيصطدم بأطماع ومصالح هذه الشبكات المتداخلة والمتدخلة في عمق العملية التعليمية، والتي تمثل بالنسبة لهم تجارة رابحة، لا خسارة فيها ولا انتهاء صلاحية لمنتجاتها، فالسوق اكتظت بتجار الطلاء للمدارس، ومصنعي الطباشير ومستوردي الإجلاس، وطابعي المنهج، ومحتكري توريد الأقمشة للزي المدرسي، وغيرهم من أوجه الهيمنة الاستثمارية والاحتكار لموارد العملية التعليمية، وهو ما يقف تجاهه بقوة معلمي ومعلمات بلادي ويطالبون بتنفيذ تلك السياسية وإيقاف تحصيل الرسوم من التلاميذ والتحايل على القرار الحكومي بافتعال ممارسات تدر أموالا وتشغل مطابع ومرافق ومكاتب وعمال لا صلة للحكومة بهم.

• وما لم يتم وقف الصرف البذخي على المؤسسات والمرافق السيادية والأمنية وتقليص أوجه صرف القصر الرئاسي والحكومات الولائية، وتوجيهها بصدق وقوة للتعليم سيتراجع الحال بصورة أسوأ وستشهد تقارير الأمم المتحدة أرقاما أضعاف التي تم تسجيلها هذا العام، بل وسنشهد جيوش عمالة الأطفال، واستغلالهم ماديا وجنسيا، وسنرى بأم أعيننا تنامي الجريمة وتزايد حالات التردي الإجتماعي والتراجع القيمي والأخلاق، وحينها ستزداد هيمنة القطاعات الاستثمارية على قطاعات التعليم وتتحكم وحدها في رسوم الاستيعات وثمن الكتاب، وستفقد الدولة سيطرتها على أجيال كاملة ينبغي ربطها منذ الميلاد في المستشفيات والدراسة في الرياض والمدارس الأساسية بالوطن ومجانية الخدمات لمن في سن الطفولة، حتى لا يلعن هؤلاء وطنهم والجيل الذي باعهم الكراس والكتاب وقلم الرصاص، وهو ذات الجيل الذي ملأ أقلامه من المحابر ودرس مجانا وصرف له الكساء والغذاء والدواء، وتم تعليمه على أيدي أميز الأساتذة الذين لم يتحملوا هذه الأمانة إلا بعد تدريبهم لسنوات في معاهد التدريب التربوية.


عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين - بعد سياسي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد سياسي

• تعلقت الأنظمة الدكتاتورية والشمولية والأتوقراطية على مر التاريخ بحبال الاستبداد وتأطير المعارف والعلوم والمرافق والمؤسسات التعليمية وفق التصورات السلطوية، وتسطير الأسفار والكتب حتى الديني منها وفق ما يتفق وهوى السلطان، حتى جلدت ظهور العلماء وحبست أفكارهم وحرقت مسوداتهم أو قتلوا جراء اجتهاداتهم الدينية والفكرية والعلمية، وتلك السياسات القاهرة كانت في الغالب تتخذ طابعا آحاديا مهيمنا إملائيا لا مجال فيه للتفكير "خارج الصندوق"، ويتم التعامل فيه مع عناصر العملية التعلمية كجنود تجسس أو ضباط تجنيد أو جنرالات في جيوش السلطة، ومع المناهج والخطب كفرمانات رسمية لا ينبغي التحريف فيها أو التفكير أو قراءة ما وراء سطورها، جميعهم يأتمرون بأمرها وينفذون سياساتها.


• وجعلت هذه المؤسسات حواضن لتفريخ شتى أنواع الممارسات السياسية الفاسدة التي أضرت بالبلاد، وبهذه المؤسسات ذات نفسها، فتم تقديم الكفاءة على الولاء، حتى صارت عدد من المدارس الصناعية والتجارية والأكاديمة جراء تلك السياسات عبارة عن بيوت خربة ينعق بومها، وتم تشريد طواقم التدريس والتدريب فيها والاستعاضة عنهم بأبناء التنظيم والحزب الواحد.




• فخرجت تلك الأنظمة السلطوية أجيالا تفكيرها قاصر لا يجاوز شراك النعال، وسهل تجييشهم للحروب الأهلية واقتيادهم للنزاعات على أساس الهوية، وهيمنت على عقولهم العصبيات، لصالح تنفيذ سياسات السلطة القابضة، وتم التمهيد لذلك للأسف من منظرين ومفكرين تم تأهيلهم في أرقى المنارات، وتذخيرهم بأنفع العلوم إلا أن طغيان الأيدلوجيا والانتماء أقوى من مراقي العلم والمعرفة.



• فيما أطلقت الأنظمة الديمقراطية العنان للتلاميذ والمعلمات والمعلمين والخبراء والمختصين ليضعوا مناهج مستقلة ديمقراطية، شحذت الهمم، وفتحت الباب للإبداع في مجالات معرفية مختلفة، فانتشرت الأنشطة اللاصفية والجمعيات الأدبية ونمت الجماعات المتنافسة في العلوم التطبيقية والفنون والرياضة، للدرجة التي بزغ فيها نجم أطفال صاروا لاحقا علامات وقامات فكرية وأدبية وفنية ورياضية وسياسية يشار لهم بالبنان.



• هذا المسعى الحر الديمقراطي لم ولن يعجب المتسلطين، لذلك سيظل الحاكم المستبد يحاول تدجين هذه المؤسسات وملأها بعناصر التخابر والجوسسة وحشوها بالمنتسبين لقواه الأمنية ومليشياته الأيدولوجية، وهو الأمر الذي تصدى له بصلابة وجلد وهمة معلمو ومعلمات بلادي الشرفاء، الذين انتظموا في سلك مناهضة الاستبداد بوسائل سلمية وراقية لتحرير مؤسساتهم من الهيمنة والتدمير والعسكرة.




• إن التعليم ومؤسساته ملف سياسي سيادي ينبغي التعامل معه بأرفع المستويات السياسية والسيادية، وأن يتم مراقبة الفاعلين فيه وأدواتهم ووسائلهم ومدخلات عمليتهم التعليمية بدقة شديدة، ورقابة متناهية عبر السلطة السيادية والسلطة التشريعية وتنفيذ محكم من السلطات التنفيذية الاتحادية والولائية، لتجنب الأخطاء الكارثية والتدخلات الخارجية التي تحاول طمس الخرائط وملامح التاريخ والسيادة الوطنية، فالجميع يرى ويسمع كيف سمح لبعض الدول شراء الأطلس الذي كان يوزع على المدارس ومحو أثره لطمس جغرافيا وطبغرافيا وجيوسياسا السودان، وكثيرة هي أوجه التدخلات السياسية التي لا مجال للتساهل فيها، أو الصفح عن مرتكبيها لأنها جرائم متراكمة في حق أجيال كاملة.



• لذلك على القوى السياسية السعي الحثيث والدؤوب لدعم أنشطة المعلمات والمعلمين، وتأهيل القطاعات الفئوية وعلى رأسها دوائر المعلمين، بالصورة التي توحد ترفع قدرات المعلمين وتعزز وعيهم سياسيا بمواثيق الأمم المتحدة وصكوكها ومعاهداتها وبروتوكولاتها ذات الصلة بالتعليم على رأسها الحق في التعليم، وأن تجعل من تصوراتهم للمستقبل قائمة على توجه قومي قوي ديمقراطي يحترم الإنسان لكونه إنسان بعيدا عن جنسه ونوعه ولونه وسنه، وأن تلزمهم بسياسات نبذ العنف والتطرف وخطابات الكراهية والعنصرية، وأن تقدم عناصر قادرة على الإدارة والتخطيط السليم لوضع استراتيجية قومية شاملة للتعليم تراعي هذا التعدد الثقافي والديني والإثني وتحقق التطور واللحاق بركب الأمم المتقدمة.




• ختاما: قوة التعليم ومؤسساته وحرية البحث العلمي وأنظمة التدريس المتطورة لا تتحقق إلا في نظام حر ديمقراطي، وساسة أحرار يملكون قرارهم الوطني، ولا يخضعون لوصاية أو ابتزاز سياسي، وكذلك لا يجعلون من كرت التعليم مدخلا للمناورة والضغط والإبتزاز، فالسياسي الحقيقي والتنفيذي النظيف هو الذي يراعي مصلحة البلاد والعباد وإن كان الأمر ضد توجهه السياسي أو الحزبي أو مصلحته الشخصية، لذلك نجد أنه في الفترة التي توحدت فيها إرادة المعلمين والمعلمات وتجردوا لصالح قضيتهم المهنية بصدق، دفعوا بعجلة التحول الشامل في البلاد، وكانوا من أوائل المؤسسات التي أحدثت التصدع الأكبر في النظام الاستبدادي ودفعوا لذلك أثمانا باهظة تعذيبا وتشريدا واعتقالا على أيدي تلاميذ درسوهم في ظل الأنظمة الاستبدادية، إلا أن بذرة الوعي التي نشرها هؤلاء المعلمون الأحرار أثمرت أجيالا استنكرت الدكتاتورية وتنكرت للشمولية وآمنت بالحرية واستشهدت في سبيلها، وتقدمهم الآساتذة في صفوف الشهادة كالأستاذ المربي الراحل الشهيد أحمد الخير.

• كما أن التعليم صار من مصادر القوة الناعمة التي تؤسس عليها استراتيجيات الدول، ونرى كيف تنظم منافسات دولية تعليمية سنوية وموسمية في شتى ضروب المعرفة، وتستحوذ على اهتمام كثير من الدول والمؤسسات والمعاهد البحثية، وتتخذ كبريات الدول من تلك المنافسات سبيلا لإظهار التفوق المعرفي وزيادة معدلات الذكاء في الأجيال الناشئة ما يعني هيمنة على المستقبل المعرفي والتكنولوجي، فصارت تلك المؤتمرات الأكاديمية ترسل رسائل سياسية أقوى من الطوربيدات النووية، وهو الأمر الذي يحتاجه السودان لردع أيادي التدخل الخبيث في مؤسساته التعليمية وكف التلاعب بالسيادة الوطنية وطمس الهوية ومحو التاريخ.



عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين - بعد ديني

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد ديني


• تمثل المدارس السودانية مغرسة الفضائل والقيم والأخلاق والأعراف والمعتقدات ومنبع التدين الراشد، لذلك نجد أنها قد تم استهدافها في كل الحقب بمحاولات التدجين أو الأدلجة القسرية التي جافت المهنية ونافت الأعراف والتقاليد وتضادت مع المعتقدات، وعليه اضطربت المناهج وثارت ثورات الرفض والتأييد الذي ضيع مصير جيل كامل بين تجديف في الدين والمعتقدات وتجريف للقيم والثوابت وتحريف لقطعي النصوص أو توظيف للدين في إثراة ثائرة الأطفال وشحنهم بمحمول ديني آحادي التوجه كما فعلت التجربة الإخوانية طوال الثلاثة عقود.



• هذا النزاع الأيدولوجي أقحم الصراع الديني في مصير أطفالنا، ما بين من يحاول علمنة العملية التعلمية وما بين أولئك الأصوليون الذي يريدون اتخاذها مفارخ تنظيمية أيدولوجية تجير لصالح تنظيماتها العابرة للحدود وأفكارهم التدميرية التي مزقت البلاد وشردت العباد.



• مع أن تلك التجربة محسوبة على الإسلام إلا أن  الدين الإسلامي لا يحفظ في قوالب معلبة إخوانية أو صوفية أو طائفية أو سلفية أو شيعية أو أي نمط ثابت وإنما هو قطعيات لا تبديل فيها، وفروع واجتهادات يجد حتى أئمتها العذر لبعضهم البعض في اتباع مناهجهم فقد قال الإمام مالك رحمه الله: ((كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ)، وكذلك التدين عملية اختيارية لا مجال للجبر  أو الإكراه فيها – فقد قال جل جلاله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ) وجاء في القرآن قوله سبحانه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ (256)، ولا ينبغي اقحام النزعات الفكرية أو النزوات الشخصية أو النزاعات الأيدولوجية في أذهان أطفال فطرهم الله فطرة سوية غير محشووة بنصوص الحشريين من غلاة التدين والدين.





• وينبغي الإعتراف والإقرار أن الفترة الإنتقالية لم تخل من تلك التوجهات الحشرية لإقحام بعض النصوص والتوجهات الأيدولوجية في المناهج، وهو ما حفز المناوئين لحشد المغالين والتزيدين لشن حروب من منابر خلافتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيقا وتكفيرا واتهاما بالزندقة والمروق عن الملة، ولم تنجح الوزارة في اتخاذ مؤسسات دينية مرجعية في أمر المناهج وحتى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية دخلت في تضاد مع وزارة التربية والتعليم، وهو الأمر الذي يوجب التأسيس لمرجعية إسلامية جامعة ومتجددة، تتولى أمر المسلمين، وتضع مناهج تعليم أطفالهم، كما يفعل الأزهر في مصر والزيتونة في تونس وغيرها في دول مماثلة.




• لذلك نجد أن هناك من يصور القائمين على هذه الاحتجاجات للمعلمات والمعلمين بأنه ضد الدين وضد القيم ومناف للأخلاق وهو دأب عاجزي المنطق وفاقدي الحيلة والسند الفكري، وهو مدخلهم للهجوم على لجنة المعلمين السودانيين ومثار تحريضهم ضدهم، ومسارهم الفكري والسياسي للوقوف ضد مطالب المعلمين، فهم يعلمون علم اليقين أن العملية التعليمية لو استمرت كما هو مخطط لها ومورست الحرية والاستقلالية والديمقراطية في التعليم سيثبت خبراء وعلماء وأساتذة السودان المنهج الذي يستقيم وجليل التقاليد، وكريم الأعراف، وعظيم الأخلاق، ورشيد القيم، وعظمة الدين المتين، وقويم الشعائر، وسليم الفطرة السوية، وهو ما لن يوجد للدين المبدل بالغلو سبيلا في تلك المناهج التي ستعتمد الدين المنزل وفق منهاج معتدل قويم.



• ختاما: سيظل التنازع الديني العلماني ماثلا في السودان، وسيستمر قادته في اتخاذ الميادين والسوح التعليمية مسارح للعبث باسم العلمانية والدين، ويجب أن يفض هذا الاشتباك الديني العلماني بعيدا عن عقول أطفالنا، إلى أن يصلوا سن التمييز والإختيار، والتفكير الحر، وتعزيز العقل الناقد فيهم، فلا الدين الإسلامي نصوصه للحفظ فقد نزل للتفكر والتدبر كما قال منزله العلي القدير: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٤٤ النحل﴾ وقال في محكم التنزيل: ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿١٧٦ الأعراف﴾ وأورد في كتابه سبحانه: (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٢٤ يونس﴾ وكرر مرارا قوله جل جلاله: ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٣ الرعد﴾، وغيرها كثير من النصوص التي أشارت للألباب والعقول والتدبر والتذكر، وهو ما يرد بوضوح على العقلانيين العلمانيين الذين يدفعون بحجج تصور أن الدين يهيمن على العقل والفكر ويمنع إعمالهما، لذلك الواجب هو مزاوجة الواقع التعليمي العلمي ومستحدثات العصر من أفكار وأطروحات ومناهج ووسائل تدريس وتدريب وتقنيات مع الواجب في مجتمعنا السوداني والمواءمة بينهما بعيدا عن الأهواء والرغبات والمحركات الذاتية امتثالا للقول المأثور لإبن القيم الجوزية: " أن على الفقيه إدراك الواجب إجتهاداً ومعرفة الواقع إحاطة ثم المزاوجة بينهم للفتوى"، وعدم تمكين شيخ أو مجموعة أو حركة أو مذهب أو جماعة من أمر المناهج التعليمية، وكذلك عدم الاستجابة للابتزاز الرافض للدين في الحياة العامة وتمكينهم من الهيمنة على مرافق التعليم ومؤسساته، لتكون تلك المؤسسات مستقلة ومهنية صرف بعيدة عما ذكرناه.

عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين- بعد صحي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد صحي


• شهدت البلاد إضطرابات وحروب وهجرة ونزوح ولجوء وتعسر ومشاكل اجتماعية وأسرية واقتصادية أدت لنزعات إجرامية ونزاعات على الهوية، وبعض أطراف العلمية التعليمية من تلاميذ وإدارات ومعلمين، تأثروا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فبعضهم ضحايا وآخرين كانوا جنودا ضمن عمليات الحروب العبثية التي انتظمت البلاد، والبعض لوردات حرب بامتياز، هذا الأمر أدخل البلاد في خلل صحي مبدأه الصحة النفسية للمعلمات والمعلمين وتلاميذهم وإداراتهم والاعاقة البدنية او السمعية او البصرية وتقطع أوصال فئات بعض الأطفال وتعرض بعض الطفلات للعنف، وما يؤسف له أن جميع الخطوات التي بدأتها الحكومة الانتقالية في تعزيز الصحة النفسية في المدارس والمؤسسات التعلمية وإداراتها.



• وقد ازدادت الأمراض والكوارث الصحية في البلاد وانعكست على التلاميذ وأساتذتهم فازدادت حالات الأنيميا الحادة وفقر الدم والتقزم والشرود الذهني وأمراض الطفولة المختلفة وقد أطل شبح شلل الأطفال برأسه من جديد، وفي فترات الشتاء تتضاعف أعداد المصابين بالربو والالتهابات الرئوية والحساسيات وأمراض الجلد (القوب)، وهو ما يوجب تكاملا صحيا وغذائيا لن يستطيع المعلمون وحدهم وضع خطته وسياساته، وإنما هو جهد حكومي إداري أهلي مع سلك التعليم والمؤسسات التعليمية والصحية الدولية.



• نجا التلاميذ من تأثير الجائحة التي مرت على العالم كوفيد19 لأن تأثير الفايروس على الأطفال ضئيل، ولكن هذا الأمر يوجب التحسب لأي طاريء يمكن أن يستشري وسط التلاميذ لا قدر الله مستقبلا، وفي الأوضاع الصحية الحالية وانعدام الوحدات الطبية في المدارس والمرافق التعليمية يمكن أن يوصل البلاد إلى مستوى مريع ودرجة عالية من الخطورة الصحية، وقد رأينا ذلك في حوداث مختلفة كحادثة تلميذات الجنينة.




• ومثل غياب الميادين الرياضية والساحات المناسبة لممارسة الأنشطة الرياضة في المدارس أحد عوامل التراجع الصحي والذهني للتلاميذ، لأن العملية التعليمية تحتاج إلى شحذ العقول وتدريب الأجسام وتأهيلها للنمو والاتقاد، فالأنشطة الرياضية تحصن التلاميذ من الأنشطة الممنوعة التي يستعيض بها التلاميذ في أوقات فراغهم، فقد استشرت المخدرات وسط التلاميذ بنسب مخيفة ومريعة وبصورة سريعة لتزايد شبكات الترويج وعصابات الاتجار في المخدرات، وهو ما يهدد سلامة عقول جيل كامل، لذلك يرى المعلمون بضرورة تهيئة الساحات والميادين والمرافق الرياضية والمسابح وتوفير الأدوات والمعينات الرياضية والبرامج التنافسية لضمان سلامة الأطفال وحرصهم على صحتهم.



• كما أن الوضع البيئي في المدارس وما حولها من مرافق وشوارع وميادين ومؤسسات لها ارتباط مباشر بالمؤسسات التعليمية، ينعكس على الوضع الصحي، فغالبية الساحات والميادين حول المدارس عبارة عن مكب للنفايات، وهناك مدارس بنيتها التحتية ليس بها أنظمة بيئية ولا صرف صحي ولا محارق للنفايات، وتلوث كبير في مياه الشرب التي في الغالب تكون مواعينها مكشوفة أو عبارة عن مياه مستجلبة بخزانات ملوثة من موارد عطنة، أو تشارك التلاميذ في وسائل وأدوات الشرب، ما يقود لانتشار أوبئة مرتبطة بالتلوث البيئي، بل حتى أن جرعات التثقيف البيئي في المدارس والمنهج تكاد تكون معدومة، وما يؤسف له أن التوجه البيئي توجه عالمي ضمن أهداف الألفية التي تواضعت عليها الأمم المتحدة وسخرت لذلك أوجه صرف كبيرة تتلقى المؤسسات التعليمية قدرا كبيرا منه، ولكن لأن أولويات البلاد مختلقة قادت إلى إهمال هذا الجانب الذي يكلفنا حياة فلذات أكبادنا.



• ومن أكبر أسباب استشراء الأمراض بين التلاميذ طريقة التخزين والنقل للكتاب المدرسي في المطابع ومراكز التوزيع والوزارة والمخازن المدرسية، إذ تعج تلك المرافق بالحشرات والآفات وتراكم الأتربة لسنوات، وهو ما يزيد من نسبة احتمال انتشار الأوبئة وسط التلاميذ، وينطبق هذا الأمر على الأطعمة التي تنتشر وسط الأطفال والتي يتم استجلاب سوادها الأعظم من دول جارة وتتنقل إلى السودان عبر طرق مخالفة للمواصفات والمقاييس وبعضها يتم التلاعب بتواريخ صلاحيتها، ويتم نقلها وتخزينها في مواعين ملوثة توجب تعيين أجهزة رقابية وأطقم صحة وسلامة في كافة المدارس للحفاظ على سلامة التلاميذ.




• ختاما: إن الأوضاع الصحية في المدارس الحكومية أوجبت أن يعلي المعلمات والمعلمون أصواتهم ويرفعوا مذكراتهم ويطالبوا بتحسين الأوضاع، استنكارا للتردي الماثل والأخطار الداهمة ورفضا لها وطلبا لبيئة أفضل، ولن يكون ذلك كذلك إلا باستئصال العناصر الفاسدة التي تهيمن على المؤسسات والإدارات التعليمية الحكومية في المركز والولايات، وأن تجتهد المجالس التربوية من الآباء والأمهات في دعم تكامل التصورات التي ينادي بها المعلمون والمعلمات، وصولا للبيئة الأفضل صونا لكرامة أبنائهم وحماية لهم من الكوارث الصحية.


عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM

إضراب المعلمات والمعلمين- بعد أخلاقي

إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد أخلاقي


• يعزي الجميع أسباب التردي في التعليم للأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد،وهو أمر مجاف للحقيقة ومناف للعقل، إذ أن العام 2022م وحده تم صرف ما يقارب الستة ترليونات بالجنيه السوداني على الصرف الأمني والاستعداد العسكري، وهو ما يعادل ميزانية التعليم لعام دراسي كامل بما فيها الإجلاس وطباعة الكتاب وإطعام التلاميذ، وهو ما يبين إختلال ميزان القيم والأخلاق عندنا كسودانين، فالتلاميذ بلغ بهم الجوع ما أوصلهم لفقر الدم والسل والأمراض المتخلفة، وجلسوا القرفصاء تحت ظل الأشجار وزمهرير البرد وهجير الشمس، يفترشون الأرض.




• أدخل هذا الأمر كثير من المعلمات والمعلمين في نزاع ذاتي، وبعضهم آثر السلامة والفرار بجلده، فلا مرتباتهم تكفي لشراء وجبات للتلاميذ الجوعى ولا يستطيعون شراء كسوة أو كتب للأيتام، ولا يستطيعون حتى تحفيز النوابغ في فصولهم بشراء هدايا، وبعضهم لا يستطيع حتى تجديد ثيابه وأحذيته للعام الجديد، هذا النزاع الأخلاقي دفع ببعض المعلمين إلى الجنون والفرار من فصول الدراسة إلى حفر التنقيب عن الذهب أو الهجرة وركوب البحار.




• العالم حولنا يتحدث عن فصول مهيئة للتلاميذ تؤهلهم لأن يكونوا بشر أسوياء لا يعانون من أزمات نفسية أو اجتماعية أو أخلاقية، ونحن تلاميذنا في الفصول، يفكر أحدهم طوال ساعات الدرس كيف يقضي حاجته إذا خرج في فترة الراحة، وأين يقضيها، والمعلمات والمعلمين بين نزاع أن يمنحوهم "مراحيضهم" أو يمنعوهم عنها لئلا تتسخ، وحتى تلك المراحيض الموصدة أمام التلاميذ عرضة للإنهيار، وقد حدثت عدة حوادث أودت بحياة معلمين وتلاميذ.




• وبعض المعلمين لا يستطيعون أن يأكلوا في المدارس، وبعضهم تتحجر اللقمة في حلقه وهو يرى أطفالا في بعض مدارسهم يجمعون فتات الطعام من المقاصف وبقايا أكل زملائهم، وهنا تثقل كواهل المعلمين والمعلمات بعبء أخلاقي ليس لهم فيه يد سوى أنهم إختاروا أن يكونوا رسلا، ولكن بلا رسالة، فكل عمليات الرسالة معطوبة ومعطلة ومثقلة بالعيوب.




• إن العوز الذي تشهده البلاد مصطنع بامتياز ومقصود، فذات المعلمين الذين يرون آلاف المعدمين في مدارسهم، يرون مؤسسات تصرف ملايين الدولارات في عمليات بذخية وأوجه صرف ترفية وحشود سياسية، ومؤتمرات تفاخرية، وتمويل لجماعات سياسية ومليشيات مسلحة، بل بعض الأنشطة التي لا علاقة لها بالتعليم تجد وزير التربية مشاركا ومباركا، وهو ما يؤكد أن لهذا الصراع في ملف التعليم أبعادا أخلاقية تتراص من أعلى سقوف الدولة وصولا أدنى مستوياتها في أقصى "كرنك" يستخدم كفصل دراسي نواحي "كُبم" في أقصى الغرب.



• ختاما: نحن من جيل تعلم في فصول الدراسة أقوال الأدباء والحكماء والشعراء وظللنا نردد ونكتب في جدران فصولنا ومدارسنا ما سطره أمير الشعراء أحمد شوقي:

    والصدقُ أرفع ما اهتز الرجالُ
          لهُوخيرُ ما عوّدَ ابناً في الحياةِ أبُ
    وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ
               فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا


• ونظل نردد على الدوام مقولة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعاليَ الأخلاقِ، و يَكرَهُ سَفْسافَها)،وهو ما يوجب الخروج من سفاسف التحشيد القبلي والتسليح ودعم خطابات الكراهية إلى دعم التعليم والمؤسسات التي تجمع أبناءنا بدون تمييز للجنس أو الدين أو العرق، ونتمثل قوله صلي الله عليه وسلم: (إنَّ أَحَبَّكُم إليَّ، وأَقرَبَكُم مِنِّي في الآخِرَةِ: أحاسِنُكُم أخلاقًا)، وهو ما يوجب نهوضا أخلاقيا وخلقيا في العملية التعليمية وأن يتسق الاحتجاج الماثل من معلمات ومعلمي بلادي وجليل الأخلاق، وأن يقابل أيضا بمسؤولية من الأهل والأسر وأهل الخير

عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM