الثلاثاء، 4 يوليو 2023

لإنهاء الحرب

لإنهاء الحرب

● مقدمة: ثبت للجميع أن استمرار الحرب في الخرطوم أدى لتمددها خارجها، وربما قاد لتوسعها عبر الحدود، وهو ما يمثل حاليا خطورة كبيرة على الاستقرار المحلي والإقليمي والدولي. فقد استيقن الجميع بصحة رفضنا للحرب منذ يومها الأول أو قل قبل اندلاعها، وتحذيرتنا المستمرة من حشد الجنود والوقود وحشو الخرطوم بالبارود، الأمر الذي أدى للإنفجار ومثل اليوم أهم وأخطر شواغل السودانيات والسودانيين وما جاورهم من شعوب المنطقة والإقليم ومن شاطرهم الخوف من شعوب العالم.

1. مثلت حرب الخرطوم أخطر تجليات تهديد السلم والأمن الدولي، إذ تسبب استمرار الحروب واتساعها في عدم استقرار العديد من الأقاليم وتأثر عدد من الدول التي باتت تخشى من زعزعة أمنها واستقرارها، وهو الأمر الذي فاقم من احتمال حدوث صراعات أو حروب جديدة في المستقبل المنظور في منطقتنا الافريقية وقرنها ومحيطها العربي، وتأثر أجواء البلاد وملاحتها البحرية.

2. قادت تلك الحرب بصورة مباشرة لإحداث تأثير سلبي حاد على الأشخاص والمجتمعات، إذ يعاني السكان المدنيون والمجتمعات السكانية والتجمعات المدنية من آثار الحروب بشكل يومي وبصورة مباشرة، جراء القتل والجرح والنزوح القسري والانتهاكات والفظاعات، فضلاً عن تدمير البنية التحتية والبؤر الخدمية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والزراعية والصناعية وخروج المرافق والأسواق التجارية وتفكيك الرأسمالية التي توفر مطلوبات الحياة، وتكلفة عالية للمعيشة والاحتياجات الحياتية والدوائية والصحية والبيئة وتراكم ملوثات الحرب وأطنان القمامة ومخلفات الحرب في شوارع المدن وحواريها.

3. شهدنا جميعنا تفاقم الاستقطاب القبلي والجهوي الذي قد يؤدي للتصعيد العنيف والانخراط في الصراعات ويقود إلى زيادة الاستقطاب بين المجموعات السكانية المختلفة، مما سينمي النعرات والتوترات القبلية والجهوية ويقوض تكامل الدولة والمجتمعات، وهو أمر مالم يتم تداركه سيقود لانقسامات وتشظي نواة المجتمع القبلي الواحد إلى ولاءات أضيق من العشائر وخشوم البيوت والبطون والفخوذ.

4. تزايد بصورة كثيفة وغير مسؤولة انتشار وتداول الأسلحة، حتى في مناطق خارج دائرة الصراع، والشروع في تشكيل ترسانات مسلحة جهوية وقبلية ومناطقية واستقطاب مدنيين للتسلح، الأمر الذي ترتبت عليه المزيد من الحروب وتوسعها وزيادة انتشار الأسلحة وتداولها بشكل غير قانوني في عدد من الولايات والأقاليم المختلفة، وهناك مجموعات تنشط في تجارة السلاح بمختلف أنواعه الخفيف والثقيل والمتوسط والمدفعي والمسير تريد الانخراط في الصراع السوداني كسوق جديد، الأمر الذي سيؤثر سلبًا على الأمن الإقليمي والدولي وقد يزيد من احتمال استخدام الأسلحة في أعمال إجرامية أخرى كتجارة البشر والمخدرات والأعضاء والجريمة المنظمة والعابرة للحدود.

● أخيرا: لإيقاف هذه الحرب العبثية وتجنب هذه المخاطر التي مثلت أمامنا ورأينا مضاعفاتها تتزايد يوما بعد يوم، لا مفر من تحلي قادة الحرب وجنرالاتها بالشحاعة والتنازل لقبول الحوار المباشر وغير المشروط، فالحوار والتفاوض وجهود حل النزاعات السلمية والتعاون الإقليمي والدولي هو وحده الأمر الحاسم للصراع في السودان، وينبغي على الفاعلين بكل أطيافهم في المسألة الوطنية السودانية، ونافذي القوات المسلحة المنخرطين في الصراع ومقاتليهم من الدعم السريع العمل بسرعة وبدعم من المجتمع الإقليمي والدولي والمنظمات الدولية العمل معًا للوصول إلى نقاط التفاهم وتهدئة التوترات وإيقاف العنف بصورة فورية، ومحاولة إنهاء هذا النزاع الدامي وهو في مراحله المبكرة قبل أن تتفاقم وتؤدي إلى نتائج كارثية تؤجج الحرب الأهلية وتقود لتحقيق نبوؤة ومخطط خافي دختر مدير الموساد الذي قال بانقسام السودان لخمسة دويلات في محاضرة ألقاها العام ٢٠٠٨م، ولبلوغ ذلك السلام المنشود أضع سبعة أعمدة يمكن أن يشيد عليها صرح السلام المستدام، وهي:


1. تحديد المناطق المتنازع عليها في العاصمة وولايات الصراع الأخرى، وإلزام كل من يسيطر على منطقة تحمل تبعاتها التي تدخل في حدود مسؤوليته التقصيرية أو الجنائية لتحميل المسؤولية وفق مقتضاها مستقبلا، قبل انسحاب جميع المسلحين من تلك المناطق إلى معسكرات ومناطق تجمع منضبطة.

 2. الشروع في تشكيل حكومة انتقالية مدنية من كفاءات وطنية مستقلة متسقة مع مشروع الثورة السودانية، تمثل جميع مكونات المجتمع المدني والسياسي والمقاومة والشبابي والنسوي والنازحين واللاجئين والمهنيين في البلاد، وذلك بشكل مؤقت لا يتعدى العامين حتى يتم إجراء انتخابات ديمقراطية.

3. إعادة بناء النظام الإداري والحقوقي والقضائي والمالي والسياسي والمحاسبي في البلاد وتفكيك دولة الحزب لصالح الوطن على أسس متفق عليها بين الكافة بصورة لا يهيمن عليها أحد أو تسيطر عليها جهة.

4. إلغاء قوانين وحل جميع الميليشيات والتكوينات المسلحة (الدعم السريع، حركات الكفاح المسلح، أي قوى مسلحة أخرى)، وتفكيكها لصالح جيش قومي مهني موحد يستوعب كافة أبناء الوطن، يتم فيه إعادة دمج وتسريح منسوبي تلك التكوينات في إطار ترتيبات أمنية متفق عليها زمانا ومكانا وكيفا.

5. إقرار واعتماد والمصادقة على كافة قوانين ومعاهدات حقوق الإنسان والعدالة والمحاسبة وتفعيل المساءلة والشفافية وإقرار مبدأ عدم الافلات من العقاب لمحاسبة الجناة وجبر الضرر الجماعي والفردي لتضميد وإبراء جراح الحرب والعنف.

6. تعزيز الحوار والمحادثات المباشرة بين الأطراف المتحاربة لتحقيق استدامة السلام عبر مؤتمر السلام الشامل، وتحديد أمهات القضايا الدستورية في المؤتمر الدستوري الجامع.

7. بحث كافة سبل التعاون والالتزام الدولي لدعم عملية السلام بجانبيه المالي والفني، ودعم عمليات حفظ وبناء السلام، وتمويل عمليات إعادة الاعمار، وتمويل اقصاديات الحرب والاستمرار في إعفاء دين السودان الخارجي، والالتزام بإبقائه خارج قوائم الحظر المالية والقوائم السوداء.

● ختاما: عل هذه النقاط السبعة الأخيرة تمنحنا فرصة للشروع في استعادة وطننا الذي ينزلق من بين أيدينا للحرب الأهلية والتمزق، فنحافظ على ما تبقى منه ونستعيد ما اقتطع منه، ونسترد ما نهب منه، ونعيد من فر عنه، ونصد كل عادٍ نحوه بسوء، ونقطع دابر كل معتد أثيم، هذا أو شبح التقسيم والعياذ بالله.

 
والله ولي التوفيق

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الاثنين، 3 يوليو 2023

خطر الاصطفاف القبلي

خطر الاصطفاف القبلي
● فقط يمكننا النظر إلى حروب السودان جميعها لندرك خطورة الاصطفافات القبلية، فقد ظلت البلاد تعاني من صراعات مسلحة طويلة الأمد بين القبائل المختلفة على أسس عرقية أو جهوية أو عشائرية أو مناطقية أو على الموارد. وهذه الصراعات قادت إلى تدهور الأمن والاستقرار في البلاد وتعرقل عملية البناء والتنمية وتمزيق اوصال الوطن والمواطنين.


● لذلك ثبت أن انخراط القبائل في الصراعات المسلحة وتشكيل اصطفافات عرقية أحد القضايا الحساسة التي تؤثر على استقرار واستقلال الدول وتزيد من احتمالية نشوب الحروب الأهلية. وبين أيدينا بعض الأمثلة الماثلة في السودان والقارة الأفريقية ونماذج معاصرة أخرى لا تحصى ولا تعد، فمن الأمثلة التاريخية في السودان والقارة الأفريقية، يمكن ذكر الحرب الأهلية في السودان (1983-2005م) والتي بدأت نتيجة لصراعات بين الحكومة السودانية المركزية والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان SPLM/A، واستمرت لعقدين مع تداعياتها الواسعة على السكان المحليين وخلفت صراعا قبليا داميا استمر حتى بعد انفصال الجنوب في 2011م، ما يعني أن أي اصطفاف قبلي في وقت الحرب سيتمزق فور زوال أسبابه وتنفض التحالفات المؤقتة أو التكتيكية.

● أما فيما يتعلق بالأمثلة المعاصرة، يكفينا فقط النظر إلى النزاعات القبلية والعرقية في دول مثل نيجيريا والصومال والكونغو الديمقراطية. هذه النزاعات تتسبب في تدمير البنية التحتية لتلك البلدان لبلدان وتهجير المدنيين وتقوض استقرار الدول، وتمخضت عنها كافة الشرور التي لا زالت تعاني منها وأخطرها تولد جماعات قبلية متطرفة واحتكار أخرى للجريمة وعصاباتها المنظمة.

● للخروج من مأزق القبلية الذي زجتنا فيه إدارة نظام المخلوع البشير عبر أمن القبائل في جهاز المخابرات وتعزيز الاستقرار، علينا الآتي:
١. الإسراع في اتخاذ عدة إجراءات بالضرورة أن تشمل هذه الإجراءات نداءات مباشرة لملوك، ومكوك، ونظار، وعمد، وشراتي، وأمراء، وفرش، وسلاطين تلك القبائل تعزيزا للمصالحة والحوار بين الأطراف المتنازعة؛
٢. وتعزيز مفاهيم السلم والتعايش والعدالة وحقوق الإنسان؛
٣. وتشجيع الحكومات الولائية على توفير خدمات عامة عادلة ومتساوية لجميع المواطنين؛
٤. وإبعاد تجنيد القبيلة لصالح محور من محاور الصراع؛
٥. والشروع في صياغة ميثاق شرف اجتماعي يجرم ويحرم الاستعلاءات القبلية؛
٦. ويحث على أن تكون السمات العامة للمجتمعات التعايش والتكافل على نحو يحقق أن تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات ويعترف ذلك الميثاق بالتعددات الثقافية والدينية والإثنية وحفظ الحقوق الإجتماعية لتلك الشعوب وحماية حضاراتها وموروثها الثقافي.

● بالإضافة إلى ذلك لا بد من الاهتمام بملف الخدمات وخصوصا إعلاء قيمة العناية بالتعليم والتوعية لرفع مستوى الفهم المتبادل والتسامح بين الثقافات المختلفة، وتشجيع الشباب على المشاركة في أنشطة اجتماعية لتدارك آثار الحرب، وأن يؤسسوا منصات جامعة للطواريء والغوث الإنساني والدعم الاجتماعي عابرة للقبائل والتكوينات المناطقية الضيقة.

 

● خلاصة: فقط يكفينا النظر إلى حروب الصومال، التي تركت بلادهم تعاني من صراعات قبلية ومذهبية أدت إلى انهيار الحكومة المركزية ونشوب حروب أهلية مستمرة، وها نحن نسير على ذات الخطى التي تعجل بظهور جماعات قبلية على شاكلة حركة الشباب أو نجمع القبائل، وهذا سيورثنا خرابا ودمارا وجب تحلي قادتنا في الإدارات الأهلية بالحكمة والروية والرؤية الثاقبة لتدارك مخاطر تلك الاصطفافات.


● ختاما: ليس لنا سبيل للخروج من مأزق القبلية، إلا بتوفيق أوضاع المظالم المتراكمة وتوفير كافة مقومات الوحدة الوطنية والمصالحة بين القبائل المختلفة، وإعمال حكم القانون والعدالة وكفالة المشاركة السياسية المتساوية لجميع الأطراف بما يحقق التكامل والتوازن. ولا ينبغي أن تتوقف منصات الحوار والتفاهم بين أبناء وشباب تلك القبائل المختلفة لتشجيع العيش المشترك والتمسك بالكل وليس الجزء وبالأصول وليس الفروع، فالسودان أصل والقبيلة فرع، وهو السبيل الوحيد لكفالة المشاركة في صناعة القرارات السياسية والاقتصادية وإدارة المستقبل، وإلا فستدور رحا الحروب وستستمر دوامة الدماء وفقد الأعزاء.


عروة الصادق 
orwaalsadig@gmail.com

الأحد، 2 يوليو 2023

سنن الانقلابات وطموح الجنرالات

سُنن الانقلابات وطُموح الجنرالات


● مقدمة: في سوداننا أرض أجدادنا ومنبت رزقنا، شهدت البلاد العديد من الانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية على مر العقود منذ الاستقلال في 1956م وحتى يومنا هذا، منها المذكور ومنها المنسي ومنها ما تم حفظه في الصدور وبين السطور.

• وأعدد أمثلة لبعض الأحداث الرئيسية في تلك الحقب وتأثيرها على الاستقرار السياسي والأمن الإقليمي والدولي مقروءا مع حاضرنا لاستشراف مستقبلنا مقبل الأيام، وذلك بالاشارة لانقلاب الجيش (نظريا) والجبهة (فعليا) في 30 يونيو 1989م، في هذا التاريخ تحديدا حدث انقلاب من قبل جماعة عسكرتارية أمنجية أيدولوجية تعرف بـ"الجبهة الإسلامية"، تطورت إلى أن عرفت "المؤتمر الوطني" بقيادة العميد وقتئذ عمر البشير وزمرة من الجنرالات الذين تباهوا في فترات الحكم بانضمامهم للتنظيم الإخواني، واعتزازهم  بانجاز انقلاب يونيو، وانكارهم الشديد والتام للأمر برمته لدرجة أذهلت حتى المقربين منهم في محاكمات مدبري الإنقلاب التي شهدتها محاكم العاصمة الخرطوم في (2021- 2022م).

• وقد أثر هذا الانقلاب على الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي فى السودان وأدى إلى تغيير جذري في الهيكل الاجتماعي والقيمي والديني والسياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد، وكبل وجهة الوطن وجهوده الدبلوماسية فصار السودان كالأجرب في الحظيرة الدولية مضروبا عليه حصار اقتصادي ووضع في قوائم رعاية الارهاب وانتهاكات الحريات الدينية وطولب مسؤولين رفيعي المستوى على رأسهم الرئيس المخلوع للمحكمة الجنائيةالدولية لارتكابهم فظائع في حق شعبهم.

• فقد بدأ وقتذاك الانقلاب الدموي المشؤوم بكذبة وخديعة (اذهب إلى القصر رئيسا وسأذهب إلى السجن حبيسا)، بها تحلل الجيش من أي ارتباط بأيدولوجيا وتحرره من أي قيد تنظيمي، وأنه لا يوجد أي ارتباط لجهة داخلية أو خارجية بالإنقلاب إلى أن تبدت ملامحه الإخوانية الجهادوية بسفور، ومزقت إمكانية الوصول لاتفاق سلام شامل في سبتمبر 1989م وختضت حرب عبثية سميت بالجهادوية نجم عنها انفصال السودان في 2011م إلى دولتين.

• وفي تلك الأثناء بدأت التوترات في إقليم دارفور في عام 2003م عندما اندلعت صراعات مسلحة بين الجماعات المتمردة والحكومة وقيل وقتها أن حسم التمرد لن يتطلب وقتا كثيرا أو جهدا كبيرا لأنه محدود من قلة قليلة، إلا أن الأمر استفحل للدرجة التي شهد فيها السودانيين حريق كامل لقرى ومدن ومحو جماعات سكانية ومجمعات سكنية من الوجود في مناطق كمجر وشطايا وبليل ومهاجرية وبندسي وغيرها، وتم تكوين نواة الجيوش القبلية التي تحفزها النعرات العنصرية والجهوية وتخليق مشاريع عنصرية أسهمت لاحقا بصورة كبيرة في إحداث جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وشهد السودان لأول مرة التطهير العرقي للدرجة التي وجدت فيها مقابر جماعية بشهادات محلية وإقليمية في مناطق كوادي صالح، جميع تلك النيران ألهبت أوضاعنا اليوم وهي محركات تجدد الاقتتال في دارفور سيما حريق الجنينة وزالنجي واشتباكات نيالا واجتياح كتم وطويلة وغيرها في يونيو 2023م.

• ومن ثمرات ذلك الانقلاب أن قعت حروب واسعة النطاق وانتهكت حقوق الإنسان بشكل خطير في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق سببها اصطراع على السلطة واتخذ مؤخرا صراعات على الموارد والهوية وتم اقحام الأجندة القبلية فيه، مما أدى إلى نزوح الكثير من السكان وانتشار الفوضى وحدوث انتهاكات مروعة بعضها رصد وبعضها الآخر لم يتمكن أحد من رصده أو تدوينه إلى في صدور الناجيين من لهيب الحرب.

• تمدد الأمر ليشكل الانقلاب وشعاراته الجوفاء تهديدا للمنطقة والإقليم، فقد شرع التنظيم في تدبير محاولة فشلت لاغتيال الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك بإثيوبيا عام 1996م، وانخرط كذلك في استقطاب ودعم الجماعات المتطرفة، بما في ذلك حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة وأسامة بن لادن الذي دخل البلاد بأموال طائلة أخرجوه منها خالي الوفاض، ومن بعده استمر الأمر لاستجلاب جماعات إخوانية من المنطقة وتدريبهم وتسليحهم ومحاولة تصدير الأسلحة إليهم في فترات مختلفة الأمر الذي جعل من البلاد هدفا عسكريا وتهديدا جيوسياسيا لبعض دول المنطقة على رأسها دولة الاحتلال التي أجبرت النظام على قطع علاقاته مع إيران وقفل حسينياتها وطرد بعثتها، ومهدوا للقاءات سودانية اسرائيلية قادت مباحثاتها الراحلة نجوى قدح الدم.

• من الإجحاف أيضا تحميل ذلك النظام فوق طاقته وإدعاء أن تأثير هذه الأحداث على السلم والأمن الدوليين كان بليغا، ولهذا يتطلب المزيد من الدراسات العميقة والشفافة التي ليس لها محمول سياسي أو عداء وتنميط من غرماء ولذلك خير من يفيد في الأمر، تلك الشهادات التي نبعت من داخل البيت الإسلاموي في الداخل والخارج من شخصيات كالراحل بروفيسور الطيب زين العابدين، وخالد التجاني النور، والمحبوب عبد السلام، وعبد الوهاب الأفندي، والمفكر الموريتاني محمد مختار الشنقيطي ولا توجد شهادة أقيم في هذا الصدد من شهادة عراب الحركة والتنظيم الراحل الشيح حسن الترابي.

● إن تحليل انعكاس الصراع الداخلي في السودان على الاستقرار الاقليمي والدولي عتمد على تفاعله مع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية ويمكن رصد قائمة من المنظمات والجماعات والحركات والأنظمة وأجهزة المخابرات التي لها ارتباط عضوي ومادي وتنظيمي بجماعة الانقاذ. وقد أدرت تلك الارتباطات وذلك الانعكاس السلبي للاضطرابات في السودان إلى زيادة التوترات الإقليمية وتمدد الجماعات المتطرفة التى تم تفريخها لتشارك في أنشطة هدامة وعدائية في دول الجوار على رأسها عناصر مسلحة ارتزقتفي ليبيا وأخرى متطرفة في سوريا والصومال وغيرها. 


● أما أخطر ما تم استنانه من الانقلاب وانتهاجه كممارسة ضد الخصوم ومن قبلهم الحلفاء هو تصفية الحسابات السياسية والعسكرية بعد الانقلابات وإقالة العسكريين الذين نفذوا الانقلابات والبطش والتنكيل بهم وبالسياسيين أو تصفيتهم أو نفيهم، واعتبرت وقتها قضية معقدة ولها تأثير كبير على الاستقرار السياسي في البلاد الأمر الذي جعل الملايين يفرون بجلودهم من البلاد هجرة ونزوحا ولجوءا او اعتزالا للعمل العام. 


• فمثلا رأينا بعد الثورة المصرية في 25 يناير 2011، تم إقالة العديد من القادة العسكريين وتم تشكيل مجلس عسكري لإدارة البلاد. ومع تصاعد الاحتجاجات المدنية والاضطرابات، تمت إقالة المشير حسين طنطاوي في 12 أغسطس 2012 يليها العديد من تغييرات القادة العسكريين. تأثر استقرار البلد في الفترة التي تلت الثورة بسبب تقلبات السلطة والقيادة التي تعرضت لها البلاد، في السودان تم فعل الأمر بصورة شبيهة بالتخلص من قادة انقلاب 1989م تباعا بالاقالة أو النفي أو الاغتيال والتصفية، واستمر الأمر ماثلا في الممارسة السياسية في السودان ليتكرر بعد إنقلاب أكتوبر 2021م الذي تخلص قائده من كافة الجنرالات الذين نفذوا الانقلاب في مختلف الوحدات.

• وأسوة بالمشهد الذي حدث بعد محاولة الانقلاب في تركيا في يوليو 2016م، وكيف تمت تصفية العديد من الحسابات العسكرية وإقالة آلاف العسكريين. وكيف تأثر الاستقرار السياسي في البلاد في مناطق محددة ولكن احتفظت تركيا في المجمل بقوة استقرارها السياسي، حاول قادة الإنقلاب في السودان في 2021م تكرار أمر مماثل بشراء الوقت واستنساخ التجربة التركية واستدعاء واجهات مصنوعة لخلق حاضنة اجتماعية وسياسية لدعم الإنقلاب ولكن قاد الأمر لاندلاع حرب ضروس بين رأسي الانقلاب في أبريل 2023م

• وعندما حاول البعض العبث بالثورة السودانية التي اندلعت في ديسمبر 2018م، وتكرار نموذج زيمبابوي الذي تمت فيه إقالة الرئيس روبرت موغابي عندما تعرضت البلاد للانقلاب من قبل الجيش في نوفمبر 2017م. تم احتجاز العديد من العسكريين المشاركين في الانقلاب وتم تنصيب إيمرسون منانغاجوا رئيسًا جديدًا، وبعد إقالة البشير تم تنصيب الفريق ابن عوف لساعات ويخلفه الجنرال برهان على ذات النسق الزمبابوي. وعلى الرغم من تأثير ذلك الأمر على الاستقرار السياسي في زمبابوي، إلا أن البلاد تعمل على تجاوز تلك الظروف وتحقيق استقرار أفضل، أما نحن اخترنا المضي نحو طريق الحرب وحريق المراحل للهيمنة على القرار السياسي في البلاد.


● خطورة تلك الانقلابات وعقلية القائمين عليها أنها إلى يومنا هذا لم تتدرك او تع تنامي الوعي بالديمقراطية في إفريقيا وفي السودان على وجه الخصوص وهو أهم عامل في تعزيز الاستقرار وبناء دول مستقرة خالية من الحروب والصراعات وجماعات التطرف، يحاول الجنرالات وأد ذلك العقل ليتمدد شبح الجهل والأمية والفقر ويعشعش عقل التمجيد للدكتاتورية وعسكرة الدول. والشاهد أنه على مر العقود الأخيرة، شهدت القارة تطورًا ملحوظًا في هذا الصدد، والسودان مثل النموذج الثوري السلمي الامثل والأنصع، إذ شاركت فيه جميع القطاعات الفئوية والمهنية والنوعية وقاد جذوة وعيه شابات وشباب لن يتخلوا عن حلمهم في الحرية والسلام والعدالة.

● ولأن تعزيز الديمقراطية يعني تعزيز المشاركة الشعبية وحكم القانون وحقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. ما يتطلب في هذه العملية تحقيق توازن بين السلطات المختلفة وتنمية مؤسسات قوية ومستقلة مثل البرلمان والقضاء والمؤسسات الرقابية، تتواءم والجهاز التنفيذي، قطع الطغاة غي كل الحقب تكوين تلك المؤسسات، فإما صنعوا مؤسسات تمكين أساسها الولاء قبل الكفاءة وعمادها الطاعة العمياء، أو قطعوا الطريق أمام تكوينها بالانقلاب على السلطة التي تريد تكوين تلك الأجهزة وتفكيك بنية التمكين التي ضربت عماد الدولة واستوطنت في كافة مرافقها.

● ولا زال البعض يعقد جازما أن تجارب الديمقراطية الناجحة في العديد من الدول الأفريقية قد تكون نموذجًا يمكن استنساخه لتحقيق الاستقرار في السودان. فعلى سبيل المثال، بوتسوانا وغانا والسنغال هي بلدان أفريقية، قد مرت جميعها بظروف أشد مرارة مما مر به السودان ومع ذلك تشتهر بنجاحها في تحقيق استقرار سياسي واقتصادي عبر التحول الديمقراطي. وقد تمكنت هذه البلدان من بناء مؤسسات قوية وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتعزيز حقوق الإنسان وتنمية الاقتصاد، وما يؤسف له أننا كنا على شفا هنيهة من بلوغ ما بلغته تلك الدول.


● عملت جميع تلك الدول على ضو حقيقة مؤكدة وهي أن تاريخ إفريقيا الحديث شهد العديد من الأمثلة لطموح وجموح الجنرالات والطغاة والسياسيين والدكتاتوريين في الهيمنة على السلطة واحتكار القرار السياسي والاقتصادي، والعبث بمقدرات البلاد ومع ذلك، وقظةتعافت إفريقيا بشكل عام من هذا الداء الدكتاتوري خلال العقود الأخيرة، ومع ذلك يريد البعض تصوير أن السودان لن تصلح فيه أي ممارسة ديمقراطية وجعلوا من ذلك الحلم كابوس مليء بالأكاذيب والأباطيل التي جعلت من التطلع للحكم المدني والحرية هو دعوة للسفور والمجون والمثلية والشذوذ ودعاوي الانحلال.

● وهذه الأصوات مع أنها مستوطنة في قلب القارة الافريقية إلا أنها مشدودة لأشواق دكتاتورية مشيخية وملكية وأميرية أو عسكرية تحكمها الأقطاب الآحادية التي لا شريك لها في السلطة، مع العلم أنهم لو أعادوا الكرة ونظروا لما اقترفوه من آثام في حق شعبهم ودرسوا كيف خرجت بعض دول المنطقة من هذه الدوامة لوجدوا أن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الحكم في إفريقيا كانت فترة الحكم العسكري في العديد من البلدان خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات حينما قام الجنرال جوزيف موبوتو سيسي سيكو بالانقلاب في جمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 1965م وحكم البلاد لمدة 32 عامًا، وخلال هذه الفترة تعرضت البلاد للاستغلال والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، وفي غينيا قام الجنرال لانسانا كونتي بالانقلاب في عام 2008م وحكم البلاد حتى وفاته في عام 2020م وقد تميزت حكومته بالقمع والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، مع ذلك، عرفت إفريقيا تحولًا هامًا نحو الديمقراطية والحكم الشرعي خلال العقود الأخيرة. شهدت العديد من البلدان إصلاحات سياسية واقتصادية تهدف إلى تعزيز الديمقراطية ومكافحة الفساد. تم تعزيز قوة المؤسسات الديمقراطية مثل البرلمان والقضاء، وتم تنظيم انتخابات حرة ونزيهة في العديد من البلدان، ونحن نصر على قراءة ألواح موبوتو ولانسانا.

● ختاما: من الضروري النظر للماضي واعتبار الدروس والمضي بالعبر نحو المستقبل للعبور الحقيقي الذي يحقق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل، ولبلوغ ذلك لا مفر من تنفيذ القرارات والتصورات التي خلصت إليها جهود الوساطة التي تبذلها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية والاستجابة الفورية لكافة المبادرات التي تريد استقرار السودان وإنهاء حرب إبريل اللعينة، ومساعدة السودانيين لأنفسهم قبل أن يساعدهم غيرهم لتهدئة الوضع وتحقيق السلام والاستقرار في السودان، فاستمرار الحرب يعني نتائج أفظع مما حدث في تاريخنا الحديث وأسوأ مما أشرت إليه من تجارب جوارنا الإقليمي، فهل من رشيد؟!!


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

السبت، 1 يوليو 2023

تعليقا على دعوة البرهان لعسكرة المدنيين

تعليقا على دعوة البرهان لعسكرة المدنيين

● ألقى قائد الجيش كلمته ولم يلق لها بالا لتلقي بالبلاد في سعير الحرب الأهلية والتسلح العشوائي، خصوصا وأن الأمر يأتي بعد سبعين يوم من الحرب والسودانيون ينتظرون ما أسماه الجنرال الحسم في غضون ساعات استمرت لأيام وأسابيع وشهور، فاستنفار المواطنين للتسلح في الصراعات المسلحة له ما له من مثالب وخطورة وضرر كبير على العباد والبلاد، وأبلغ تلك المضار:

1. عدم التدريب الكافي لمن يتم استدعاؤهم واستثارة الحمية فيهم ومخاطبتهم بنداءات العصبية، فأفضل المتمرسين على حمل السلاح عهده به معسكرات الخدمة القسرية، فغالبًا ما يكون لدى المدربين المهنيين الخبرة والمعرفة اللازمة لتدريب الجنود وتحسين قدراتهم العسكرية. على العكس من ذلك، يفتقر المواطنون إلى المعرفة والمهارات الضرورية للتعامل مع أسلحة عادية تقليدية ناهيك عن أخرى متقدمة، مما يزيد من فرص وقوع حوادث أو استخدام خاطئ للأسلحة.

2. في حالات شبيهة بحالات تحشيد سابقة وحاضرة في الذهن الجمعب سنشهد عدم وجود رقابة وانقلاتات وعدم سيطرة على ااسلاح، ففي الجيش المنظم يتم فرض قواعد وإجراءات صارمة لضمان أمن وسلامة الجنود والمدنيين مع ذلك رأينا العديد من المخالفات. ومع ذلك نشهد تصويبا خاطئا لكثير من الأسلحة التي أودت بحياة مدنيين عزل، يمكن أن يفتقد التسلح الشعبي لهذه الرقابة والإجراءات الواجبة، مما يؤدي إلى تهديدات بحياة المواطنين الأبرياء واتساع دائرة النار.

3. تنامي الاصطفافات وتفاقم العنف والانقسامات، يمكن أن يزيد استنفار المواطنين وتسليحهم في الصراعات المسلحة من مستوى العنف والانقسامات في المجتمع. قد يتحول المواطنون المسلحون إلى ميليشيات ومجاميع مسلحة كالتي يتم قتالها، وجماعات متناحرة تؤثر بشكل سلبي على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

4. اتساع رقعة التسلح يترتب عليها اضطراد العنف وزيادة انتهاكات حقوق الإنسان، وبسبب قلة الجرعة التدريبية وانعدتم الرقابة، قد يرتكب المواطنون الذين تم تسليحهم انتهاكات لحقوق الإنسان انتقاما لما مورس عليهم من انتهاكات دون ضوابط، سواء عمداً أو بشكل غير مقصود. هذا قد يؤدي إلى مزيد من الضحايا المدنيين والمعاناة الإنسانية.

● لم يقرأ الجنرال العظيم من سفر التسليح الشعبي تراكمات المضار التي تتوارثها بعض الشعوب والامم، وكانه نسي أن التسليح والتجييش الذي مورس لعقدين من الزمان في السودان أسهم في انقسام البلاد وتمزيق وحدها وتشتيت سكانها، هناك العديد من الأمثلة للتسليح الشعبي في الصراعات المسلحة، مثل:

1. نماذج الحروب الأهلية، ففي الحروب الأهلية قد يشارك المواطنون في مجموعات مسلحة للدفاع عن أنفسهم أو القتال من أجل أجندة معينة كما حدث في دارفور ٢٠٠٣م، التي من ثمارها الجنجويد وحرس الحدود والدعم السريع وغيرها من الجماعات المسلحة. ومثال على ذلك أيضا حرب البوسنة الهرسك في التسعينات، والتي لا تزال جيوبها المسلحة تطل برأسها مهددة استقرار المنطقة.

2. الثورات الشعبية في بعض الحالات، يستخدم المواطنون التسليح الشعبي للتمرد ضد حكومة قمعية أو ظروف اقتصادية صعبة. مثال على ذلك هو ثورتي ليبيا واليمن الشعبييتين في عام 2011م والتي انتهت إلى حرب متواصلة لأنها حادت عن سلميتها وقسمت ليبيا لدولتين شرقا وغربا، اليمن إلى دويلات وكليهما تصرف مئات الملايين من الدولارات لنزع الألغام، فضلا عن تحول سوريا إلى بؤرة من جحيم الغلو والتطرف وسوق للمخدرات والاتجار بالبشر ونهب الثروات واستقطاب العصابات وجيوش العالم.

3. أما التجربة الاثيوبية تعاملت مع الأمر باحترافية عسكرية وتقدم رئيس وزرائها وقتئذ صفوف القتال وتموضع في الجبهات، وبالرغم عن ذلك ركن إلى طاولة التفاوض وجلس مع غرمائه في جنوب أفريقيا، ليبرم اتفاق سلام.

● خلاصة: البرهان بدعوته البلهاء هذه مدفوعا من سدنة التنظيم المحلول ومنطلقا من أجندة الحركة الإخوانية يريد تحويل الصراع من نزاع سلطوي مع غريمه قائد الدعم السريع غايته استعادة دولة "الانقاذ"، فيتحول الأمر إلى حرب أهلية يصطف فيها أبناء الشعب السوداني خلف راياتهم وولاءاتهم الأولية ويفتح بذلك باب الجحيم للسودانيين والمنطقة حولهم.

● ختاما: ينبغي أن نوقن أن هناك العديد من الصراعات والأزمات الحقيقية حول العالم التي قادت بالفعل إلى استنفار المواطنين والتسليح والتجييش الشعبي، ولكنها جميعا تلجأ في نهاية المطاف إلى حلول تفاوضية، حيث يتعذر على هذا النمط الشامل تجاوز جوانب الأمان والاستقرار التي تتطلبها تلك البلدان. لذلك، يفضل العمل على تحقيق الاستقرار السياسي بالحوار والحلول السياسية لبلوغ الأمان وحفظ حياة الإنسان وفتح نفاج للتنمية الاقتصادية وحماية حقوق الإنسان ومنع حدوث تلك الصراعات المسلحة مجددا، إلا أن الأمر يحتاج شجاعة تخرج صاحبها من مخبئه ليخاطب العالم بتلك المعاني.

عروة الصادق
٢٩ يونيو ٢٠٢٣م

تكتيكات الحوار ورفضه ثم العودة

تكتيكات الحوار ورفضه ثم العودة
● مقدمة: تمنع أطراف الصراع الدامي في الخرطوم وقادة الحرب العبثية طوال الأيام الأولى للحرب عن الحوار، فاحدهما يريد أن يحسم الأمر في ثلاث ساعات وأيام قليلة لإنهاء التمرد، والآخر يريد القبض على قائد الجيش وتقدبمه للعدالة، وحول كلا الرأيين انطفت الجموع تأيدا لهذا ضد ذاك، إلى أن اكتشف الجميع أن الجلوس إلى بعضهما بصورة مباشرة أو غير مباشرة أمر حتمي، وجلسا إلى بعضهما عبر وساطة سعودية أمريكية في مدينة جدا، أغراض الجلوس المعلنة أنها إنسانية ولكنها تستبطن إنهاء الحرب والجريمة المقترفة في حق الشعب السوداني، واستمر الأمر لفتح نوافذ أخرى إفريقية عبر الايقاد، وعربية واقليمية ودولية، وآخرها التصريحات السيادية لرئيس مجلس السيادة عن قبول أي مبادرة تركية، وطلب نائبه عقار لدور روسي في حل الأزمة السودانية، وفي كل ذلك نجد أن الحوار هو السبيل الحتمي للخلاص من ورطة الحرب وجرائمها التي أوقعنا فيها جنرالات الإنقلاب.

● أولا: إن ما يمكن تسميته ممارسة التكتيك السياسي برفض الحوار والتفاوض في النزاعات المسلحة وكسب الوقت للتقدم العسكري والعودة مرة أخرى للتفاوض، هو عملية لا أخلاقية لا تقل شناعة عن جرائم الحرب والانتهاكات المستمرة والفظائع التي تخلفه الحرب لأن ينعكس بصورة مباشرة على الاوضاع في الأرض ويتسبب على مدار اليوم والساعة بأضرار عديدة وبالغة منها:

1. زيادة التكلفة الإنسانية ومفاقمة الكوارث وزيادة الخسائر البشرية، وعدم اللجوء إلى الحوار والتفاوض يعني استمرار الصراع المسلح، ما يعني تنامي تكلفة الصراع واتساع رقعته وازدياد انتهاكاته وفظاعاته.

2. كما يعني استمرار الصراع والتقدم العسكري من أجل كسب الأراضي العملياتية، تدمير المرافق والمؤسسات الحيوية والاستراتيجية والبنية التحتية في المناطق المتصارع عليها، وازدياد رقعة التدمير لمساكن المواطنين ودخول إحياء وربما مدن جديدة حيز الصراع، ويمكن أن يكون هناك تأثير طويل الأمد على المستوى الاقتصادي والاجتماعي سيهزم اي خطط تنموية لتدارك آثار الحرب والدمار الذي خلفته.

3. بتأخير الحوار والتفاوض والتماطل وتزايد أيام الحرب ستتنامى نبرات الاعتداد بالنفس والخطابات العنترية واللغة الحربية الامر الذي سيعيق إيجاد حل دائم للنزاع، حيث أن المشكلة الأساسية لن يتم استيضاحها أو حلها بشكل كامل من خلال السيطرة العسكرية فقط، لما لها من جوانب إنسانية وامنية وسياسية واقتصادية تغيب عند العملياتيين، وكذلك ليست من أولويات أبواق الحرب ونافخي كيرها وداقي طبولها.

4. كما أن استمرار الصراع وعدم التوصل لحل سلمي في الخرطوم ومدن السودان الملتهبة سيؤدي إلى تعقيد بيس الوضع في البلاد فقط بل كل الوضع الإقليمي وسيقود لحدة التوتر وزيادة الاستقطاب بين الدول المجاورة للسودان والتي لها ارتباطات جيوسياسية أو مصالح أو مطامع أو مخاوف وهي كثيرة لا تحصى ولا تعد على الصعيد الإقليمي والدولي.

5. كل ما ذكر حتما يؤثر على ثقة الأطراف المتضررة ويجعلها صعبة التعاون في عملية إعادة البناء وبناء الثقة، وستكون نيران الحرب تحت الرماد متى ما سنحت السوانح لانقضاض طرف على الآخر لن يدخر جهدا في ذلك.


● ثانيا: واقع الأمر يقول أن هناك مؤسسات أمر واقع على رأسها قائد الجيش متوليا زمام الأمر في القوات المسلحة ومانحا تفويضا سياديا للسيد مالك عقار، وبما سمعناه من السيد عقار في حركاته وسكناته الأفريقية وطلبه للحكومة الروسية أستطيع القول، نعم، هنالك إمكانية لإجتماع الخصوم المتحاربين في طاولة حوار، ولقد تم استخدام هذه الطريقة في العديد من النزاعات حول العالم بنجاح. قد تكون هناك تحديات في الوصول إلى اتفاقية سلام شاملة، ولكن الحوار يمكن أن يوفر فرصًا لتبادل الآراء وتحقيق تفاهم أعمق بين الأطراف المتحاربة وتمهيد لوقف إطلاق نار دائم، ولا يخفى على الجميع أن الطرفين يجلسان إلى بعضهما عبر ممثلين في مدينة جدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

● ولنا رصيد كبير من التجارب السودانية التي تمت في مدن وعواصم كأبوجا ونيفاشا وجيبوتي والقاهرة وجميع تلك التجارب السابقة في إفريقيا والعالم العربي والعالم بشكل عام قد وفرت قدرًا كبيرًا من المعرفة والتعلم لأطراف الصراع المسلح الحالية إلا أن هناك أصحاب أجندة حربية يحولون دون الجلوس المباشر لإنهاء الصراع منذ الساعات الأولى للحرب، ونشروا الفوضى في كل مدن السودان للحيلولة دون تحرك الوساطة السياسية التي كانت تعمل حتى ساعات الفجر الأولى يوم ١٥ ابريل ٢٠٢٣م، لذلك استطيع القول أنه يمكن استخدام تجارب نجاح الحوار التي تمت في بلادنا وفي محيطنا بهذه المناطق كنماذج للاسترشاد والتعامل مع الصراعات المسلحة الحالية في الخرطوم ومختلف مدن السودان، وذلك من خلال تحليل أسباب النجاح والعوامل التي ساهمت في تحقيق التوافق سابقا.
وأجزم أن أقصر الطرق لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، يعتمد على الظروف الفريدة لكل صراع وأطرافه. ومع ذلك، هنالك بعض النقاط التي يمكن أن تساهم في إنهاء الصراع، مثل:

1. غلبة إرادة الأطراف المتحاربة للعمل من أجل السلام وتحقيق الاستقرار، وتغليب مصلحة الوطن العليا على رغبات الانتصار الشخصية.
2. الالتزام بقيم ومباديء حقوق الإنسان والعدالة وإيجاد اتفاقية سياسية مبنية على المبادىء السلمية والأجندة الديمقراطية.
3. التفاوض النزيه والشفاف، بمشاركة جميع الأطراف المتضررة وذوي النفوذ في الصراع وأصحاب المصلحة الذين شملهم الصراع بصورة مباشرة أو غير مباشرة كالضحايا وذويهم واللاجئين والنازحين والفارين من ويلات الحرب.
4. تدعيم الوساطة الفعالة والمستقلة من قبل أطراف موثوقة ومحايدة، وجعل منبر جدة محطة جامعة لكل المبادرات التي تقدمها دول واهيئات وأحلاف إقليمية ودولية.


● ثالثا: ومن وقائع التاريخ المنظور والمسطور نجد أن عدم الالتفات إلى الحوار السياسي، واستمرار النزاعات المسلحة، ورفض الحل السلمي والتفاوض أدى إلى مشاكل وأزمات وحرائق جسيمة في الدول المحيطة والمناطق وأمن العالم. وهناك العديد من الأمثلة للقادة الذين تمنعوا ورفضوا الحوار وتسببوا في تدمير بلدانهم وتهديد السلم والأمن الإقليمي والدولي، ومن بين هذه الأمثلة لا الحصر:

1. صدام حسين (العراق): رفض الحوار وشن حرباً على الكويت في عام 1990م، مما أدى إلى العديد من التداعيات السلبية على العراق والمنطقة إلى أن تم غزوها في 2003م، وتولدت فيها جيوب ومجاميع مسلحة تهيمن على القرار السياسي وتعبث بمقدرات العراق لمدة عقدين من الزمان.

2. معمر القذافي (ليبيا): على الرغم من مبادرات التسوية العديدة التي قدمت له والدعوات المشفقة التي لم يلق لها بالا، رفض الحوار وشن حرب أهلية في عام 2011م حفزت القبائل والشباب للتسلح، مما ألحق أضرارًا كبيرة بليبيا وأدى إلى انهيار البنية التحتية وانعدام الأمن وآلت الأوضاع لبلاد واحدة بحكومتين وثلاث رؤوس متنازعة ومتمحورة حول أحلاف خارجية متخالفة، وانفتحت ليبيا لتجارب متطرفة وعنيفة وجريمة منظمة وعابرة للحدود.

3. بشار الأسد (سوريا): رفض الحوار مع المعارضة السورية، مما أدى إلى نشوب الحرب الأهلية في سوريا منذ عام 2011م وتسبب في دمار هائل ونزوح الكثير من السكان.

إن هذه الأمثلة تُظهر الأهمية القصوى للحوار والتفاوض لحل الصراعات السياسية والعمل على تحقيق السلام والأمن في الدول والمناطق المختلفة.


● ختاما: لذلك بشكل عام يعتبر الاعتماد على التكتيك السياسي المحدود دون اللجوء إلى الحوار والتفاوض سابقة خطيرة ومدمرة للفاعلين على المشهد وللبلاد، حيث يؤدي ذلك إلى استمرار الصراع واستمرار الخسائر البشرية والمادية ودخول شياطين الجماعات الإرهابية والاجندات الدولية. لذلك يجب أن يكون هنالك استعدادا لتقديم تنازلات متى ما لزم الأمر من كل الأطراف، والاستفادة من الدروس المستفادة من النزاعات السابقة والأفكار المبتكرة في حل النزاعات بمعنى أن نبتديء من حيث انتهى العالم وليس باجترار الماضي، ولربما استطاع السيد عقار نقل التجربة الروسية في التعامل مع جماعة فاغنر. لأن تجربة الحوار والتفاوض هي عملية طويلة ومعقدة وقد تتطلب صبرًا وإرادة حقيقية للتوصل إلى اتفاق مستقر ومستدام.



عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الجمعة، 30 يونيو 2023

فزاعة الحرب بالإشاعة

*فزاعة الحرب بالإشاعة*

● انتشار حرب الشائعات وسيطرتها على وسائل الإعلام والسوشيال ميديا جزء من أدوات الحرب وهي ليست بالأمر الجديد في السودان فقد انتهجته جهات وجبهات عديدة كانت تناويء الحكومة الانتقالية التي اغلقت بدورها عدد من مراكز الإشاعة ومنصات الأخبار الكاذب وخاطبت شركة ميتا في العام ٢٠٢١م والتي أغلق بدورها ما يزيد عن الثلاثة ألف حساب تبث أخبار كاذبة وخطابات كراهية في المجتمع السوداني، ويعود ذلك الانتشار السيء والكبير والمضر للإشاعة بشكل رئيسي إلى توظيف كافة الأطراف المتحاربة بفعالية لتأثير القوة الشاملة للإنترنت وتوسع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من جميع أنحاء العالم لصالح الدعاية الحربية بصورة تلقائية أو عبر منصات مدفوعة الأجر.


● وذلك لأن الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي مجالٌ لا يتلاءم حتى الآن مع الضوابط التقليدية التي تنظم وسائل الإعلام الرسمية وتحكم إجراءات النشر بل تعدى الأمر لتجاوز حتى عدد من الصحفيين العاملين بالمهنة لتجاوز الضوابط والأعراف المهنية وشارك بعضهم في حملات التضليل.

● وفي ظل غياب الإعلام الحكومي الرسمي طوال أيام بداية الحرب وإغلاق كافة الصحف ومحطات التلفزة والاذاعة التي بلغ عددها ٣٣ اذاعة وعدد من اجهزة التلفزة الولائية في ظرف العالم الذي نعيش فيه يعتمد بشكل كبير على المهارات والخبرات الشخصية وانطباعات الناس بدلاً من الوسائل الرسمية المعتمدة. 

● لذلك ينشر الأشخاص المعلومات والشائعات التي تناسب آرائهم ومواقفهم من حالات الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك والتي ارد في الغالب من مواقع الكترونية لأشخاص دون سياسة تحرير او مقار او التزام بضوابط العمل الإعلامي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء أولويتهم هي جذب المزيد من المتابعين والتفاعلات وجني بعض الأموال التي يتم استلامها نظير الإعلان في بعض الصفحات أو كعمولات من أطراف الصراع.

● ومثل غياب الإعلاميين والأقلام الصادقة والرصينة طوال فترة الحرب أحد عوامل تعزيز هذه السلوكيات الخاطئة والفاسدة والخطيرة التي قادت إلى فقدان المنابر والمصادر الرسمية للإعلام والتوعية وتضييق الحيز الذي تحمل فيه المنابر الرسمية ذلك الثقل لـتعزيز الدور الحيوي للصحافة والإعلام في إعادة تصوير الواقع بصورة مجردة وانحيازه للرسالة الانسانية في رفع الوعي ورفض خطابات الكراهية والعنصرية ورفض الخروب ودعم التحول المدني والعملية الديمقراطية.

● كان أن المتابعين للشائعات يتعمدون لبثها لجهل منهم او لعلم ظنا منهم أن قادة العمليات يعتمدون على هذه المعلومات الخاطئة في اتخاذ القرارات التي قد ترجح كفة أحد الأطراف، وهذا يمثل خطراً حقيقياً قاد إلى تفاقم بعض الظواهر المعقدة وتشويه صورة الأشخاص أو الجماعات والعبث بوثائق ومسكنات ومظهر الحكومة الرسمية.

● ختاما: لذلك ينبغي العمل على استعادة المنصات الإعلامية الرسمية وتمكينها من البث وفتح استديوهاتها للإعلاميين وقادة الرأي ولو في مدن السودان الآمنة التي لم يصلها الصراع، وتوجيه النصح للإعلاميين والمشاركين في تنوير الرأي العام بضرورة الظهور والاسهام في تبيان الحقائق وتحجيم الشائعات والمعلومات المروجة والمضللة، والنظر بجد في كيفية تتبع المعلومات الصحيحة، والتحلي بالتحليل النقدي المسؤول لإنتاج القصص والتقارير الاستقصائية الدقيقة، على أن تضطلع المؤسسات والمنظمات الإعلامية الرسمية والخاصة بأقصى درجات الشفافية والحياد، والاستماع إلى جميع الأصوات لإعادة بناء ثقافة الإعلام واستعادة الثقة فيه واستقاء المعلومات من مصادر موثوقة لقتل آلة الحرب الإعلامية المضللة.


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 22 يونيو 2023

تحويل الصراع الدموي وتجنب التدخل الأممي

تحويل الصراع الدموي وتجنب التدخل الأممي
مقدمة:

● الصراع المسلح في السودان هو من الصراعات الأكثر دموية وديمومة في أفريقيا، ويعود لعقود من الزمن، متمحورا حول الصراع على السلطة والثورة والموارد واتخذ في بعض الأحيان طابعا اثنيا ثقافيا دينيا أدى لانفصال جنوب السودان على تلك الأسس، وهو يتطور على مر السنين ليشمل عدة مناطق في السودان ويتمدد بصورة تدار عبر أيادي منها الخارجي المخابراتي أو الداخلي الاستخباراتي.

● منذ احتضان السودان لأول ديمقراطية برلمانية في الخمسينيات، واجه البلاد صراعاً مسلحاً استمر لأكثر من نصف قرن عم كل أراضيه حتى وصل الخرطوم في ١٥ إبريل ٢٠٢٣م، فمنذ أن بدأت أنانيا الأولى في ١٩٥٥م الفترة الإستعمارية البريطانية، وصولا لانفجار الأوضاع في الستينيات ما حدا بالسيد الصادق المندي وقتها بكتابة ما أسماه مسألة جنوب السودان في ١٩٦٤م. وصولا لما حدث في ١٩٧٣م و١٩٨٣م مرورا بالإجراءات التسكينبة التي اتخذتها الحكومات في تلك الفتراة وصولا لمؤتمر السلام الشامل الذي كان مقررا له أن ينعقد في سبتمبر ١٩٨٩م وقطع الطريق أمامه انقلاب الجبهة الإسلامية القومية وقتئذ تحت دعاوى الشريعة والدين مثلما حدث في الأعوام الأخيرة التي شهدتها حكومة الفترة الانتقالية بانقلاب أكتوبر٢٠٢١م، ومثلما أدى الفقر والتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي إلى انتشار أعمال العنف في إقليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق هانحن نشاهد اندلاع الحرب في قلب العاصمة القاصمة الخرطوم وفي احيائها وحواريها ومدنها.

● لكن هل يمكن إيقاف هذه الحرب ومنع حدوث تلك الحروب مجددا في تلك الأقاليم؟ الجواب هو نعم، ومن أجل ذلك ينبغي على الكيانات السودانية والمجتمعات المحلية والإقليمية والمجتمع الدولي العمل معاً على حل المشكلات الجذرية وتأمين مصادر الخطر مثل العنصرية و"التغبيش" والتجييش والتهميش الاقتصادي والتغبين الاجتماعي والتفاوت الطبقي وعدم الحصول على الموارد. وذلك من خلال توفير الدعم والموارد للصمود القادم وتشكيل حكومة انتقالية قادرة وفاعلة وجامعة ومانعة للانزلاق في مثالب الفترات السابقة، حان الوقت لتتبع مسار السلام والتفاوض وإعادة الهوية الوطنية المفقودة للسودانيين وصياغة الحلم الوطني.


● أولا: ليس من واجب القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنخب الاجتماعية إنهاء الصراع المسلح وإنما تحويل الصراع العسكري إلى حل سياسي وهو أمر بالغ الصعوبة ويحتاج إلى الكثير من الجهود والتفاوض من قبل جميع الأطراف المتحاربة فيما بينها، ومن ثم مع كافة أصحاب المصلحة. ولكن يمكن القيام ببعض الإجراءات لتسهيل الحوار السياسي وتفادي التصعيد العسكري، وذلك عبر عدة خطوات:

1. بحث مشترك لا عزل عنه أحد ولا يستثنى منه أحد غايته حث الأطراف للوصول إلى حل سياسي دائم ومنصف للصراع الحالي يحقق سلاما مستداما ويقود لتحول ديمقراطي تام.

2. إيجاد منصة شاملة ومحايدة ومرضية لجميع الأطراف المتحاربة للتفاوض والتقارب تستوعب كافة أصحاب المصلحة والمتضررين من آثار الصراع.

3. الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي والعمل بشفافية عند التفاوض والاستجابة لمبادئ العدالة والحقوق الدولية والالتزام بكافة التعهدات والإيفاء المتبادل بجميع الالتزامات.

4. تعزيز الحوار والتواصل بين الأطراف المتحاربة، وتفادي التصعيد العسكري أو تحريك ميليشيات أخرى.

5. توفير دعم إنساني واجتماعي ونفسي وصحي عاجل للمناطق المتضررة بشكل فوري يتجاوز بيروقراطية الأنظمة الإدارية المتهالكة في الدولة.

● ثانيا: بالنسبة لتجنب دعوات سدنة التنظيم المباد والحركة الإخوانية للاستمرار في الحرب وصولا لما أسموه الحسم العسكري، فينبغي العمل على تجاوز تلك الدعوات الجهولة بالركون لطاولة التفاوض وتقوية أي حوار سياسي يجري بين الأطراف المتحاربة وتحديد القضايا التي لا تزال معلقة أو غير محسومة، كما يجب تعزيز السلوك الإنساني وحقوق الإنسان في المناطق المتأثرة لتخفيف الضغط والتوتر ومنع تزايد الانتهاكات وجرائم الحرب. كما يجب أن يكون الحوار السياسي المشترك هو الطريق الوحيد للتقارب وإنهاء الصراع بأسرع وقت ممكن، وبتعاون الجهود والإرادة السياسية لجميع الأطراف المتحاربة وصولا لعقد اجتماعي جديد يؤسس لسودان الغد الآمن.
ومعلوم أنه توجد عدة عوامل ومعيقات تؤثر على الوصول لعقد اجتماعي جديد وعقبات كئاد أمام الوصول لما يسمى بالتسوية السياسية الشاملة، ومن أهمها:

1- انقسامات المجتمع والقيادات السياسية، حيث تؤدي الخلافات السياسية والانقسامات الداخلية إلى عدم توحيد الرؤية والهدف الوطني، مما يجعل من الصعب الوصول إلى عقد اجتماعي جديد، وهو ما يستوجب صياغة مشتركات القوى السياسية المدنية الفاعلة وتقديمها كمرجعية لأي حوار محتمل.

2- ازدياد واتساع رقعة الحرب ترتب عليه عدم وجود بيئة سياسية مناسبة، تتعلق هذه العوامل بالقدرة التنظيمية للقوى المدنية وفعاليات على الأرض، وهو ما يتطلب نمطا جديدا للممارسة السياسية إضافة إلى المساندة والدعم الدولي والإقليمي الذي يمكن أن يخلق بيئة مناسبة لعملية التسوية السياسية.

3- يشكل تضارب المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية والأمنية للمنتفعين المحليين والاقليميين والدوليينةمن الصراع أكبر معيقات الوصول للعقد الاجتماعي حيث يؤثر التوتر وعدم الاستقرار المتزايد على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لتلك الجهات والجبهات مما يولد عوامل استقطاب جديدة في الصراع تتعدى الحدود.

4- الأنماط الاجتماعية والعادات والتقاليد والموروثات والأعراف إذ أنها تلعب دورًا كبيرًا في شكل الحياة المجتمعية، وقد بلغ ذلك ذروته بالحرب في الخرطوم التي خلفت تباينا اجتماعيا واصطفافات على أسس عرفية محلية وقبلية واختفى المستوى القومي، الأمر الذي حال استمر فإنه سيصعب الوصول إلى عقد اجتماعي جديد وتحقيق إصلاحات سياسية شاملة.

5- انعدام الثقة بين الناس والحكومات والقيادات السياسية المختلفة، حيث إن الثقة هي المفتاح للنجاح في أي عملية تسوية سياسية، وعدم وجود الثقة يؤدي إلى عدم تمكن الأطراف المختلفة من التفاهم والتعاون مع بعضها البعض وهو الأمر الءي سيتم استغلاله لخلق اصطفافات تتدرج من مستويات عمرية أو قبلية أو جهوية أو مناطقية.

6- في حال استمر الوضع الأمني والعسكري كما هو الحال أو تفاقمت تأثيراته في المركز والولايات سيستحيل الوصول إلى عقد اجتماعي جديد في الوقت الذي تشهد فيه البلاد صراعات عسكرية وتدخلات خارجية.

● ثالثا: إن صياغة مشروع سياسي مشترك وعقد اجتماعي جديد بعد الصراعات الدامية كالتي نشهدها هذه الأيام يحتاج إلى عدة خطوات، ومن بينها:

1. تشكيل الرأي العام ويتطلب التشكيل لمشروع سياسي مشترك الاطلاع الشامل على رأي العامة واحتياجاتهم الضرورية، استنادا على الأفكار والطموحات العامة، وذلك يمكن تحقيقه عبر إجراء استفتاءات واستطلاعات رأي عام عن طريق النشر عبر وسائل الإعلام والوسائط الاجتماعية، وهيئات المجتمع المدني والمنظمات ذات الصلة والتنظيمات غير الحكومية.

2. ينبغي الترتيب لعقد مؤتمر جامع، فيمكن عقد مؤتمر سياسي تشارك فيه جميع الأطراف المهتمة بالمشروع المشترك وهيئات المجتمع المدني والتنظيمات غير الحكومية، والأكاديميين و المحللين السياسيين والخبراء، وذلك لمناقشة وصياغة فكرة المشروع المشترك وتحديد مكوناته واحتياجاته يمكن أن يتم ترتيبه في إحدى الدول حال تعذر انعقاده داخل السودان.

3. تحديد الأهداف الرئيسية للمشروع السياسي وثوابته الوطنية التي يهدف إليها المشروع، وأهمها تحديد حقوق الفئات الأكثر تضررا من الصراع وضمان تلبية احتياجاتهم وجبر ضررهم وتحقيق كافة مستويات العدالة، وتحديد المسار السياسي الذي يؤدي إلى إنهاء الصراع وتحقيق السلام.

4. إنشاء فرق العمل التي ستشارك في إنشاء، تطوير، تحديث، وتطبيق المشروع القومي المشترك وتعكف على صياغته، وهذا يتطلب تمثيلا شفافا وكافيا لكافة القطاعات الاجتماعية والفئات المهنية والنوعية والعمرية.

5. العمل على إيجاد مصادر التمويل فصياغة وتنفيذ المشروع المشترك يحتاج إلى تمويل لتغطية تكاليفه، وهو السبب الرئيسي وراء فشل العديد من مشاريع النهوض والسلام والتنمية التي أبرمت في عدد من الدول. يجب على فرق العمل العمل على تحديد مصادر التمويل والبحث عن طرق لدعم المشروع وتوفير الموارد المادية لتحقيقه من الموارد المحلية والاقليمية ودعم الشركاء الدوليين.

6. أهم ما يمكن أن يقال في النهاية، يجب أن يكون المشروع المشترك مبنيًا على قيم حقوق الإنسان والعدالة والتكافل والتضامن، ولابد من تحقيق هذه القيم لكي يتحقق السلام والاستقرار.

● رابعا: ما لم نسر نحو إنهاء الخرب فسيتعذر علينا إيجاد وطننا الموحد، ولن نحظى بالاستقرار واستمرارية الحياة ولنحافظ على سلامة بلادنا وأراضيها وحدتها واستقرارها علينا اتباع بعض الإجراءات الداخلية التالية:

1. الحوار السياسي الذي يتضمن البحث عن حلول سياسية للنزاعات القائمة والتفاهم على نظام دستوري يحترم حقوق الجميع في الدولة والذي قطعت فيه القوى السياسية شوطا كبيرا يحتاج إلى استكمال حلقاته.

2. تعزيز مفهوم العدالة والمساءلة وهذا يتطلب وضع تصورات محكمة بإنشاء مؤسسات قضائية وعدلية ومنظومة حقوقية مستقلة وقوية وتفعيل دورها في حماية حقوق الفرد والحفاظ على حقوق الإنسان بعد ما شهدته البلاد من انهيار تام لمنظومة العدالة والحقوق.

3. بحث سبل دعم الاقتصاد القومي ودخول الأفراد بعد انهيار مؤسسات كبيرة وهو ما سيقود للاستقرار ويسمح للحكومة بتقديم الخدمات العامة والمرافق الأساسية للمواطنين، وما سيحفز الاستثمار والتنمية الاقتصادية ويزيد من مستوى الاستقرار في الوطن وإلا فسنشهد انتكاسة وعودة عنيفة للصراع واندلاع الاحتجاجات في كل مدن البلاد.

4. علينا تجنب التقسيم السياسي والابتعاد عن التمييز السياسي والعرقي والديني والمناطقي، وتشجيع العيش المشترك بين جميع أبناء الوطن، وتحترم الثقافات والأديان والعادات والتقاليد المختلفة للشعب وإخراس كافة الأصوات التي تعلي من العصبيات وتعظم خطابات الكراهية.

5. إعمال الشفافية التي ينبغي أن تكون حاضرة في كل الأنشطة التفاوضية والعمليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بصورة شفافة، وضرورة عدم إخفاء المعلومات وإظهار الحقائق للكافة بكافة سبل الوصول والاتصال.

6. رفع الحس بالتضامن القومي من خلال التركيز على المصالح المشتركة للجميع وتغليب مصلحة الوطن على أي مصالح شخصية أو حزبية أو طائفية أو مناطقية والتمهيد لخلق قيادة قومية جامعة مستقلة للبلاد.

7. اتباع أرفع وأكفأ أنماط الحوكمة والإدارة الرشيدة ويتطلب هذا الإجراء توفير القدرة التنظيمية للحكم والإدارة، والحوكمة الرشيدة على جميع المستويات لضمان تطبيق القوانين واللوائح بصرامة ودون تمييز أو محاباة وتطهير منظومة التمكين الحزبي والمناطقي لصالح أهل الكفاءة والمهنية والتميز.

● خامسا: هناك فرصة تلوح جراء هذه المحنة التي شهدتها البلاد وهي إمكانية العودة القوية للحياة والاستقرار والاستفادة من نداءات إقليمية ودولية كثيفة لإنقاذ السودان آخرها مؤتمر الاستجابة الإنسانية للسودان الذي عقد بجنيف في ١٩ يونيو الجاري، ولتحقيق الاستفادة القصوى من الدعم الإقليمي والدولي بعد الصراعات المسلحة نحتاج القيام بعدة إجراءات، منها:

1. تحديد الأهداف والأولويات الحقوقية والإنسانية والأمنية والصحية والاقتصادية التي تريد الحكومة تحقيقها من خلال دعم الدول الإقليمية والدولية، إلى جانب تحديد الأولويات في المرحلة الراهنة والمناسبة للتدخل الدولي.

2. الاستعداد لذلك بتشكيل فريق عمل محلي وإقليمي ودولي من الخبراء والمتخصصين للمساعدة في تحديد الأولويات وإعداد الخطط والبرامج المناسبة لتنفيذ الأهداف المرسومة، لتسهيل مسارات الاستجابة الفورية والسريعة والإسهام في الترتيب للمستقبل.

3. الاستفادة من الخبرات السابقة في إدارة الصراع من خلال االاستفادة من التجار السابقة لمحيطنا الإقليمي والدولي في تطبيق الحلول السلمية وتحقيق الاستقرار وهناك تجارب ناجحة إفريقية وآسيوية ولاتينية يمكن الاسترشاد بها.

4. العمل الدبلوماسي الحثيث بتكثيف التواصل مع الآخر الدولي وتفعيل العلاقات الخارجية والتعاون الدولي بين الدول الإقليمية والدول الكبرى لدعم الانتقال الديمقراطي والتنمية الاقتصادية وحماية حقوق الإنسان، وذلك عبر دبلوماسية رسمية حكومية وأخرى شعبية.

5. التلويح بفرص الاستثمار، فينبغي التركيز على جذب الاستثمار الدولي لتنمية البنية التحتية والقطاع الخاص وتشغيل الشباب، وذلك باستكمال الخطوات التي بدأتها الحكومة الانتقالية في مجالات الزراعة والطاقة والتعدين والسياحة وغيره.

6. ضرورة الاستفادة القصوى من التكنولوجيا ويجب إيجاد الفرص للتعلم وتحسين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتسهيلات الأخرى، لأن جميع فرص الاستقرار صارت مرتبطة بالتطور التكنولوجي.

7. التدريب والتطوير والتنمية البشرية بصورة متزامنة مع عمليات إنهاء الصراع،و ينبغي الاهتمام بالتنمية البشرية والإنسانية، بما في ذلك التعليم والصحة لتوفير فرص العمل في المستقبل القريب وتطوير المهارات للاستجابة لاحتياجات البلاد.

● سادسا: من أشد الأخطار المحتملة على البلد حال استمرت الحرب، هو التدخل الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتسليط يد العقوبات على رقاب السودان والسودانيين، ولتجنب العقوبات الدولية والتدخلات السلبية الخارجية علينا المضي بجد وحرص نحو الخطوات التالية:

1. إيقاف الحرب فورا والحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، ما يوجب على الحكومة المركزية والحكومات الولائية العمل على تحقيق الأمن والاستقرار الداخلي والحفاظ على سيادتها، ومكافحة الجماعات الإرهابية والمتطرفة.

2. الالتزام الصارم بالقوانين الدولية والاتفاقيات والمعاهدات الموقع عليها، والتي تتضمن منع دخول المجموعات الإرهابية والمتطرفة للبلاد ومكافحتها، والكف عن الانتهاكات الإنسانية الجرائم والفظاعات.

3. الالتزام بمبدأ التفاوض السياسي والدبلوماسي، الذي يمكن تحقيقه بفعالية مع الدول والمنظمات الدولية المختلفة لتجنب العقوبات والتدخلات السلبية، والعمل على إقناعهم بأن الحكومة قادرة وراغبة وتعمل على إنهاء الحرب والوصول إلى سلام مستدام يقود لمدنية الحكم والسلطة ويمكن من استعادة مكاسب تنموية للبلاد وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.

4. ينبغي العمل على التكامل الإقليمي وتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول السبعة المجاورة والأخرى الصديقة والمنظمات الإقليمية، وذلك للحد من التدخلات الخارجية وتحقيق الاستقرار والحفاظ على السلم والأمن الإقليمي.

5. ضرورة تعزيز الحوكمة الرشيدة والشفافية في جميع المجالات المهنية والسياسية والإدارية والأمنية والعسكرية الاتحادية والولائية، وتحقيق مباديء العدالة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون، وذلك سيسهم في تقليل الاحتمالات المرتبطة بالتدخلات السلبية الخارجية.

6. التخطيط الجيد لتحقيق الازدهار الاقتصادي، ويجب العمل على ذلك بواسطة الخبراء والمختصين، وتخطيط ملامح المشروع الاقتصادي للبلاد واقتصاديات ما بعد الحرب لتوفير فرص العمل للشباب والتخفيف من أي ضغوط اجتماعية تؤدي إلى انتكاس الأوضاع السياسية والأمنية السيئة لما هو أسوأ فيندلع الصراع وتتدخل القوى الدولية.

7. أمامنا أهم تحد للحيلولة دون التدخلات الدولية وهو تعزيز قدرات الأمن الداخلي وتحسين الإدارة الأمنية وتحديث وتطوير المنظومة الأمنية، وتطوير القوات العسكرية والشرطية، وذلك لتحقيق الأمن والاستقرار الداخلي وتحقيق مهام دستورية لحماية المواطنين والحفاظ على السيادة وصون وحدة التراب.

● سابعا: الوطنية واستشعار الحس القومي تظل هي أهم دوافع السعي لتحقيق السلام وتجنب الحروب، ومتى ما تجرد القادة من ذلك وتخلوا عن أعراف القبيلة وتحلوا بروح قطاع الطريق قادوا بلادهم إلى حتفها.

• فمن خلال الحرب العبثية الدائرة تم إهلاك الحرث والنسل وتشرد المواطن وانتهكت حرماته ونهب الوطن ومقدراته، وتعرض الاقتصاد القومي لأضرار كبيرة نتيجة الانفاق الضخم على الجيش وشراء الأسلحة والذخائر والتي سبقتها إجراءات وزارة المالية برفع الضرائب وغيرها من الإجراءات اللازمة للحرب. وقد تم إلحاق الضرر بالبنية التحتية للبلاد والزراعة والصناعة والتجارة والسياحة، مما أدى إلى تدمير الاقتصاد وزيادة معدلات البطالة والفقر وحتما ستترتب على عمليات التعويض الفردية والجماعية مضاعفات اقتصادية تطلب حسا وطنيا وشعورا قوميا لعدم الاستمرار في الحرب يوما واحدا.

• علاوة على ذلك، فإن الحرب الحالية قادت إلى نهب الثروات والمقدرات الوطنية من قبل العابثين وغيرهم من المتدخلين الإقليميين والدوليين ومهدوا الطريق لإغراق البلاد بسلع ومستهلكات ستدمر الاقتصاد القومي. وبما أن هذه الثروات والمقدرات هي مصدر الثراء والنمو الاقتصادي للسودان، فإن نهبها يؤدي إلى فقدانها نهائيا وبالتالي تبخر الفرص الاقتصادية للبلد، لذلك علينا الحفاظ على ما تبقى من ثروات وموارد ومنع الوصول إليها من جماعات الجريمة المنظمة وعصابات دولية تجتهد لنهبها ونهب حتى موروثنا التاريخي وتدمير ما تبقى.

● ختاما: لكل ما سبق، لابد من تحقيق السلام والعمل على تجنب الحروب مستقبلا وتخفيض التكلفة الإنسانية والصحية والسياسية والأمنية والاقتصادية لها. ومن أجل ذلك، يجب على المتحاربين وقادة المجتمع من أكاديميين وساسة وإدارات أهلية ومجمعات دينية والقادة العالميين العمل معًا على تعزيز الحلول السلمية والفرص الدبلوماسية وتعزيز التفاوض بين الفرقاء والضغط الدولي وتحفيز الحوار والتفاهم لتجنب الصراعات وتقليل الحروب إن لم نقل إنهاؤها. ومن خلال إنهاء الحروب وتحقيق السلام، يمكن استعادة مكاسب إقليمية ودولية للسودان واستعادة فرص بددها انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م وحرب أبريل ٢٠٢٣م وتحسين الاقتصاد وتوفير فرص النهوض والنمو والثراء للسودان والسودانيين.



عروة الصادق 
٢٢ يونيو ٢٠٢٣م 
orwaalsadig@gmail.com