الأربعاء، 12 يوليو 2023

الحرب: أثر نفسي قائم وخطر قادم

الحرب: أثر نفسي قائم وخطر قادم

● مقدمة: بعد النزاعات والحروب والصراعات المسلحة والاقتتال الأهلي، تتولد الكثير من الأمراض وتتخلق العديد من التأثيرات السلبية على سلوك الأفراد والمؤسسات والمجتمعات والأنظمة الإدارية والحكومات بل حتى السلطات التشريعية والقضائية، وتؤدي مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية إلى عدم الاستقرار الاجتماعي، وضعف التماسك القومي، وانعدام التواصل الإنساني وبالتالي تهديد استدامة السلام، لذلك ينبغي الاستعداد للتصدي للأمر وذلك الخطر الذي يتهددنا جميعا دون استثناء، وذلك من خلال العديد من الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتقويم سلوك الفرد والاستجابة لتلك التحديات.



● أولا: تظل أعظم مهام الأكاديميين والمثقفين والساسة والحكماء هي بذل جهود مضاعفة لدراسة تأثير الحروب والصراعات المسلحة على سلوك الأفراد والمجتمعات اعتمادا على مجموعة واسعة من المناهج العلمية والنظريات السلوكية، لتنزيل ذلك في نموذج التعافي السوداني، ومحاصرة ارتدادات الحرب وانعكاساتها السلوكية على المجتمعات التي لم تصلها نيران الصراع، وهناك عدة نماذج وأفكار قد تم دراستها وتوثيقها على مختلف المستويات في عدد من الدول التي شهدت أطول الحرب وأدمى الصراعات، ومن بين الكتاب والمفكرين الذين أسهموا في هذا المجال، ويمكن الاستهداء بتصوراتهم، هم:

1. الذين صاغوا واتفقوا على ما أسموه نموذج اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والذي يركز على دراسة التأثيرات النفسية والسلوكية الناجمة عن تجارب الصدمة الشخصية والجماعية خلال الحروب والصراعات، وهؤلاء ساهمت أبحاثهم القينة والدراسات في هذا المجال في تطوير مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة وتقديم النصح والعلاج النفسي للأفراد المتأثرين، وخلصوا لمعالجات منهجية تتدرج من المستوى الفردي وصولا للمؤسسات والمجتمعات والأنظمة، وأشهر من كتب في هذا السياق سيباستيان جونغ هيير، في كتابه كتابه "جراح الحروب الكبرى، متحدثا عن تأثير الحروب والصراعات على السلوك البشري" يعرض العديد من الدراسات والأبحاث حول تأثير الحروب على السلوك البشري.


2. أصحاب نظرية السلوك الجماعي، وما اصطلح عليه بسلوك القطيع، وهؤلاء مضوا إلى نظرية تستكشف كيف يتأثر سلوك الأفراد والمجتمعات بمحيطهم والقوانين والتحفيز الاجتماعي، وتسلط الضوء على أهمية العوامل الاجتماعية في تشكيل وتغيير السلوك البشري، ويتخذ هذا المنهج أقوى أوجه التعاون للتعافي الجماعي ويمكن أن يعزز أواصر الود بين المجتمعات التي شهدت قطيعة جراء الصراع، وهنا تجدر الاشارة للكاتبة كاثلين بتجول، وكتابها "العنف السياسي وتداعياته على السلوك البشري"، والءي يشرح تأثير العنف السياسي والصراعات على السلوك الفردي والجماعي.

3. أما من قال بنظرية التأقلم الاجتماعي فهؤلاء ركزوا على كيفية تكييف الأفراد والمجتمعات مع التحديات والظروف الصعبة، ويدرس هذا النموذج كيف يمكن للأفراد أن يتعاملوا مع الضغوط النفسية والاجتماعية ويبنوا قدرات التأقلم الشخصي والاجتماعي، وهو منهج مكلف للغاية ويحتاج لقدرات وإمكانيات عالية للتدريب والتأهيل وصولا لدرجة التأقلم.



● ثانيا: جميع تلك المناهج والكتاب والمفكرين قد وضعوا متلازمة أعراض وأمراض تعزز ما نشهده خلال فترات الصراع والحروب التي قادت تغيرات كبيرة في سلوك الأفراد والمجتمعات والمؤسسات والأنظمة، وتسببت في عدة أشكال لتغير السلوك البشري خلال هذه الفترات، ومن أخطرها:

1. حدة العنف وشدة العداء، فقد تنامى بفضل الصراع مستوى العنف والعداء خلال فترات الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت من الإنسان لا يستنكر الموت أو رؤية أخيه السوداني حريق أو مهشم الرأس أو مقطع الأوصال، وهو الأمر الذي زلد الانقسامات الاثنية والمجتمعية وشجيع على التصعيد العنيف في التعاطي بين الأفراد والمجتمعات، كما شهدنا في بعض أحباء العاصمة، ومدن كالجنينة، وزالنجي، ونيالا، وكتم، وطويلة، وعدد كبير من القرى المنسية في هذا الصراع.

2. التغير السريع في القيم والتراجع في المثل والانتكاسة في المعتقدات، فقد كذبت سلوكيات عدد من الناس خلال فترة الحرب أن كثير من أخلاق السمت والموؤة والنجدة السودانية، تخطي كومة من الجشعين وتجار الأزمات وأمراء الحروب، وتم تغيير منظومة القيم والأخلاق والمعتقدات خلال فترات الصراع والحروب للدرجة التي تساقط فيها كثير من عناصر أيدولوجية حزبية في مستنقع الإثن والعرق والقبيلة، واستشرت البراغماتية في كثير من الأوساط، وبلغ الأمر مبلغا عظيما للدرجة التي يتم الترويج لأفكار تعلي النعرات وتؤسس للعداء والانفصال بين الأفراد والمجتمعات، الأمر الذي قد يقود لتقطيع أوصال البلاد.

3. التأثير النفسي وصراع الذات والأمراض الملازمة له، فقد قادت الصراعات والحروب إلى إحداث تأثيرات نفسية عميقة على عدد كبير من الأفراد وأدخلت الكثير من المجتمعات في حالة من الذهان ورهاب الصدمة، وتعرضوا للأزمات النفسية والتوتر والقلق والاكتئاب وصولا لدرجة الجنون، الأمر الذي أثر على سلوكهم اليومي وعلاقاتهم مع الآخرين، في ظل إغلاق كافة المراكز المعنية بالعلاج وتلقي الإرشاد، خاصة المراكز الخاصة بالسيدات من ضحايا العنف. كمركز التروما في جامعة الأحفاد، مع شح شديد في الأدوية والعقاقير وفرار عدد كبير من الاختصاصصين النفسيين جراء الحرب، الأمر الذي قاد للجوء كثيرين لتعاطي المخدرات التي ينشط تجار الحروب في توفيرها وتمويل أنشطتهم عبر ترويجها.

4. سادت حالة كبيرة من القلق وموجة من الشك وضعف اليقين، وعدم الثقة، بين الأفراد فيما بينهم، وبين المجتمعات، وبين المجتمعات والمؤسسات خلال فترات سابقة إلا أنها ازدادت خلال أيام الصراع والحرب، بالصورة التي جعلت الناس يعتقدون أنهم في حالة خطر مستمر، خاصة أولئك الذين نزحوا من مناطق النيران إلى أخرى فأخرى عدة مرات، مما ينعكس على التعاطي اليومي بتزايد الريبة والشكوك وهو ما سيؤثر على العلاقات الاجتماعية الشخصية والعامة، فنماذج التشكيك والاتهام بالولاء لهذا الطرف أو ذاك تجعل من الجوار الآمن أمرا مستحيلا بين الأسر.

ثالثا: نحن جزء من منظومة كونية شهدت حروب وصراعات ونزاعات، وشوهدت فيها انتهاكات وفظاعات، قاد بعضها لانفصال البلاد وتخليق آثار غائرة لا يرجى برؤها، ولكن بذات القدر هناك من النماذج التي قدمت لإبراء الجراح الجسدية والنفسية وترميم الشروخ التي خلفتها الصراعات، وأشهرها:

1. ما فعله نيلسون مانديلا الذي قاد دولته العنصرية وقتئذ جنوب أفريقيا وأوصلها إلى التعافي بعد مسيرة التصالح الجنوب إفريقية متجاوزا بذلك نظام الفصل العنصري، وعمل على بناء جسور التعايش السلمي والتحقق من العدالة الاجتماعية، بالصورة التي مكنت المواطنيين من تقديم نموذجهم كحالات تعليمية وقدوات علاجية تستهدي بها اليوم عدد من المؤسسات ويستضافون في عدد من المحافل والمؤتمرات، وظل نويل باردي رئيس وزراء جنوب أفريقيا الأسبق الذي قاد مسعىً للمصالحة النهائية ونقل البلاد إلى نظام ديمقراطي بعد نظام الفصل العنصري، من أهم نماذج الاتزان النفسي والتعاطي المخلص.

2. لا يذكر كثيرون محمد الطيب الهاشمي، والذي كان يشغل رئيس المجلس الانتقالي في تونس بعد الانتفاضة الشعبية، وقد قاد مسار الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسسات التونسية بصورة راسخة قائمة على الحوار والتشاور، الأمر الذي جعل من تونس نموذج مؤسسي واجتماعي قوي رغم المحاولات المستمرة لضرب وإضعافه، وهيأ بتلك المؤسسية مرافق التعافي النفسي والتصافي وإبراء الجراح.

3. قد يبالغ المرء إذا قال أن أقوى نموذج تأثر بالحروب والصراعات والحملات النفسية والأذي الجسدي وأنهى حالات التصافي والتعافي بعد ارتكاب مجازر في حقه كفرد وفي مجتمعه كطائفه، هو الإمام الصادق المهدي، الذي شهد مذبحة الأنصار في المولد، ومجزرة الجزيرة أبا وودنوباوي والكرمك، مع ذلك قاد جهود المصالحة والمقاومة المدنية السلمية، وظل في كل الحقب يدعو للحل السياسي الشامل، ويربي مناصرية على منهج سماه بالجهاد المدني لتقويم السلوك وحراسة الحقوق، ومضى إلى الله وهو ينادي بترسيخ نموذج للحقيقة والمصالحة يبريء الجراح وينصف الضحايا، ويعاقب الجناة شبيه بكوديسا جنوب إفريقيا.


رابعا: من خلال ما تقدم ذكره وما يستقرأ حدوثه مستقبلا علينا بذل جهود حثيثة مسترشدين بالتجارب السابقة وطنيا وإقليميا ودوليا، لتقويم سلوك الفرد والجماعات بعد النزاع ومعالجة مخلفات الحرب النفسية والأخلاقية على التركيبة السكانية السودانية في مدن ما بعد الصراع، ويمكن استخدام أسلوب منهجي يركز على الإصلاح والتعافي الاجتماعي والنفسي الفردي والمؤسسي، تنظمه العديد من العمليات والإجراءات، هي:

1. تقوية أواصر الشعور القومي وبناء الحوار والتواصل، وذلك بتشجيع الحوار والتواصل المفتوح بين الأفراد والمؤسسات المختلفة لخلق فهم مشترك لكافة المشاكل والمخاوف والطموحات المشتركة، وتجنيب المجتمعات خطابات النعرات وتجريم وتحريم التعالي والقطيعة والاستعلاء الاجتماعي.

2. تصميم مشروع قومي ونموذج سوداني للعدالة والحقيقة والمصالحة، يشمل العدالة للأفراد، والانصاف للمجتمعات والاسترداد للمؤسسات، ويتضمن العدالة الجنائية والانتقالية وتلك الدولية، لضمان إكمال كافة حلقات العدالة والمصالحة المجتمعية وضمان الشفافية والتعايش السلمي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان عدم الافلات من العقاب لإبراء الجراح وإزالة الشروخ النفسية.

3. تأسيس أكبر المراكز وتكوين أكبر الشبكات الصحية والنفسية ومراكز الدعم لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والمادي، للأفراد والمجتمعات المتأثرة من الصراع، للتعافي من آثار الحرب النفسية والآثار النفسية الأخرى، وتمكين المختصين من أدوات التطبيب النفسي وتأهيل عدد كبير من النساء لقيادة هذه المراكز لكونهن مفتاح تعافي الأسر والمجتمعات والأكثر انتشارا في كافة المرافق والمؤسسات.

4. تكثيف أنشطة التعليم والتثقيف وزيادة أعداد المرافق المختصة بشراكات إقليمية ومحلية ودولية، ورفع مستويات التعليم والتثقيف لتغذية التغيير الإيجابي والوعي بحقوق الإنسان، والمسؤولية الاجتماعية لملاحقة الجناة على أسس قانونية تشمل القانون الدلي الإنساني والمعاهدات والبروتوكولات ذات الصلة، والمواثيق التي تؤسس لانتزاع الحقوق.

5. وتظل التجربة الإنسانية أكبر وسائل التعافي هي التعلم والنظر للنماذج الفضلى للممارسات التي تخلصت من آثار ومضاعفات الحرب كما ذكرنا في إفريقيا والعالم والمنطقة العربية، كبرامج مثل التصالح الجنوب إفريقي بعد نظام الفصل العنصري ومحكمة جنايات رواندا الدولية لمعالجة جرائم الإبادة الجماعية، وعلى صعيد عالمي يمكن الاستفادة من خبرة المحكمة الجنائية الدولية في التعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي المنطقة العربية يمكن النظر إلى جهود الإصلاح في مختلف البلدان المتأثرة بالصراعات والحروب، مثل العراق وسوريا، والنموذج الذي يعكف الليبيون على تصميمه.

ختاما:
• إن تأثير هذه التغيرات والصراعات الدموية والحروب على التعاطي اليومي سيكون خطيرًا وكبيرا، ولأن التعاطي بين الأفراد والمجتمعات والمؤسسات يعتمد على الثقة والاحترام المتبادل، والذي ينخفض وربما يتبدد بسبب تدني مستوى الثقة خلال فترات الصراع، يظل واجبنا كأفراد وكيانات التواصل البناء لحل هذه الأزمات والمشكلات والتعاون المثمر، وإلا سنشهد المزيد من حدة التوترات والانفصالات.

• لتحقيق استقرار اجتماعي مستدام وسلام دائم بعد النزاع علينا تقويم سلوك الأفراد والمؤسسات، وتنفيذ أفضل الممارسات التي تعلي من قيم التسامح والتعايش وتكفل العدالة والتعافي الاجتماعي وتسهم في إعادة بناء المجتمعات المتضررة من الحروب والصراعات.

• ولئلا ينسحب الأمر ويتمدد حتى يتأثر التعاطي بين الأفراد والمؤسسات والنظام مع دول أخرى خلال فترات الصراع والحرب، علينا الشروع في وضع مشروع متكامل لأن ذلك قد يغير النهج السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والإنساني بيننا وغيرنا، مما قد يؤدي إلى زيادة التوترات الإقليمية والدولية وتدهور العلاقات الدبلوماسية والتعاون بين السودان وجواره الإقليمي.

• إن تقويم سلوك الفرد والمجتمعات والمؤسسات خلال هذه الفترة العصيبة سيقود إلى نجاح أكيد في التعاون وبناء الثقة والمصالح المشتركة، ويمكن أن يساهم في استمرار الحوار وتشجيع العمل المشترك وتوفير الدعم النفسي والمجتمعي لاستقرار مستدام وتجاوز للصدمات.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com 


الثلاثاء، 11 يوليو 2023

خطر الحروب على الحياة والقوى المدنية

خطر الحروب على الحياة والقوى المدنية


● أولا: مقدمة؛ لقد جرفت النزاعات على مر العصور كافة أشكال الحياة المدنية ومظاهر المجتمع المدني المتماسك وغيبت فعالياته وفاعليه السياسيين، والمثقفين، والتجار، والمهنيين، والفئوين، وغيره، وهو ما يعني ان الحرب التي اندلعت بالسودان في 15 إبريل 2023م، لها تأثيرات سلبية كبيرة على الحركة السياسية المدنية والحقوقية والمجتمعات المدنية الأخرى، والتي كانت تهيء نفسها المضي في ترسيخ الأنظمة الديمقراطية، وهنا أعدد دلائل التجريف المادي والمعنوي والنفسي للحياة المدنية وما ترتب عليه من خراب وأضرار يمكن أن تنهك جسد الدولة مستقبلا ويسهم ذلك التدمير إلى استمرارية الحرب.

1. مثل تدمير البنية التحتية لمقار ومرافق الحياة المدنية والخدمية وتحطيم المنظومة المتهالكة سلفا، وهو حتمية إندلاع الحرب، لأن الحروب عادة تكون مصحوبة بتدمير كبير للبنية التحتية للمجتمعات المدنية أكثر من المرافق العسكرية، وبالتالي يتأثر القدرة على توفير الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم ومرافق الترفقه والتعاطي المدني، ونحن اليوم نكابد آثار ذلك الدمار.

2. فرار السكان من الحرب أفرغ المدن من محتواها المدني السياسي والثقافي والاقتصادي والمهني، لأن الحرب قادت إلى تشريد الكثير من السكان وقادة المجتمع ونخبه، حيث اضطروا إلى مغادرة منازلهم ومدنهم بحثًا عن الأمان في مدن أخرى أو عبر الفرار إلى دول الجوار، هذا التشتت قد أثر بصورة مباشرة على استمرار الحرب وزيادة الجرائم والانتعاكات، وحد من القدرة على القيام بالنشاطات السياسية وبناء القوى المدنية والأحزاب والمؤسسات السياسية والمجموعات المدنية والكيانات النقابية التي تسرب عناصرها مخلفين وراءهم كل ما يملكون من رصيد معرفي ومهني ومادي ومقتنيات ومستندات وموروث ثقافي أو قيمي.

3. غيبت الحرب أهم الحقوق الدستورية التي كان يمارسها المجتمع المدني، وهو غياب الحركة الجماهيرية والمظاهرات والمواكب والتجمعات السلمية والوقفات الاحتجاجية التي تناهض الاستبداد بوسائل تعكس مدنية التطلع والطموح، وقد قوضت الحرب قدرة الجماهير السلمية المدنية على التجمع والتواصل والمواكب والمظاهرات السلمية للتعبير عن آرائهم ومطالبهم السياسية، واتخذت السلطة الانقلابية في 25 أكتوبر 2021م إجراءات قمعية خانقة ضد المجتمع المدني وسلبته حرية التعبير وحق الاجتماع، إلا أنها أجهزت تماما على ذلك المجتمع المدني في ظل الظروف الحربية الحالية، بل اتخذت من شرط الاصطفاف مع أو ضد السلطة الحاكمة سبيلا لتصفية الخصوم السياسيين.

4. استشراء الخوف العام والانعدام الأمني في العاصمة وقلته في الولايات، جعل ذلك كافة المرافق المدنية والأماكن الحيوية غير آمنة، وهذا أثر على قدرة الناس على المشاركة السياسية والاقتصادية والمهنية والرياضية والثقافية والنشاط الاجتماعي، حيث يتزايد القلق على سلامتهم الشخصية وحياة عائلاتهم، وقلت فرص التجمع حتى لأداء الصلوات في المساجد والكنائس ودور العبادة.

5. اتخاذ أطراف الحرب من المرافق المدنية والمؤسسات الحيوية والحياتية ثكنات عسكرية ودفاعات أمنية وارتكازات للقناصة والقوات، الأمر الذي أدخل الجامعات والاستادات والمتاحف والمدارس والمشافي ودور الرياضة دائرة الصراع، ومنع ذلك التواجد العسكري كافة الأنشطة المدنية التي ظلت تمارس رغم ظروف السودانيين القاسية قبل الحرب.

● ثانيا: أركز هنا على نماذج إنهيار الأحزاب في فترات الحرب التي تعتمد على الظروف والسياقات الزمكانية الخاصة وعلى سبيل المثال، سيؤدي التدمير الفعلي أو التهديد بالتدمير الناجم عن الحرب إلى تفكك الأحزاب السياسية القومية علي وجه الخصوص وتعزيز الحركات الجهوية والمناطقة والإثنية وربما تزايد الحركات المسلحة المناطقية، حيث يتعذر على القوى المدنية والأحزاب السياسية تنظيم أنشطتها والحفاظ على هياكلها وتأمين قياداتها من حملات الاستهداف والاغتيال المعنوي أو التصفية الجسدية أو التشريد والإفقار وإعداد موروثاتها الفكرية والعبث بوثائقها وموقعها ومرافقها.

● ثالثا: بشكل عام تشير الدراسات المنشورة عن تجارب عربية وإفريقية ولاتينية إلى أن الحرب قادت في غالب الأحيان إلى تقويض الحركة السياسية المدنية وضعف مؤسسات الديمقراطية والحقوق المدنية، ومع ذلك فإن الإصرار الكبير لبعض القوى والاستجابة الشعبية والصمود وكثافة الجهود المبذولة من أجل إعادة بناء المجتمعات والمؤسسات المدنية القوية يمكن أن تلعب فيه تلك القوى دورًا حاسمًا في إحداث التغيير وتعزيز الديمقراطية واستعادة الحكم الراشد وترسيخ دعائم السلام المستدام.


● رابعا: نجد أن عملية تعافي الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني من آثار التدمير التي تسببت فيها الصراعات المسلحة تتطلب جهودًا شاملة ومتعددة المستويات (حكومية- شعبية- إقليمية- دولية)، وتشمل العديد من الجوانب المهمة، وهنا أستعرض بعض النماذج لأشكال تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية في بعض الدول العربية والأفريقية والعالم:

1. نموذج التعافي المرتبط بتحقيق السلام والاستقرار، إذ يعتبر بناء السلام والاستقرار أحد أولويات تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية، على سبيل المثال نجد في جنوب إفريقيا بعد زوال نظام الفصل العنصري في 1990م، شهدت المؤسسات والأحزاب السياسية والمجتمعات المدنية تعاونًا وحوارًا شاملاً لبناء نظام ديمقراطي شامل قاد إلى استقرار سياسي وترسيخ مباديء الحكم الراشد وارتفاع معدل النمو الاقتصادي والتطور في كافة المستويات المدنية والحقوقية، بل حتى التموضع الاستراتيجي في القارة الافريقية والقرار الدولي، كل ذلك بفضل تعافي المجتمع المدني.

2. نموذج إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية واستعادة الحياة في المرافق التي دمرتها أو قتلتها الحرب، فتعافي المجتمعات المدنية يتطلب أيضًا إعادة بناء وتطوير المؤسسات السياسية والبنية التحتية المدمرة. ونجد في النموذج اللبناني بعد الحرب الأهلية، نهوض سريع في تسعينيات القرن الماضي واستقرار حتى مطلع هذه الألفية، فقد قدمت المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني مساعدات لإعادة بناء وتطوير البنية التحتية للمدن المتضررة بالصورة التي جعلت من لبنان نموذج ديمقراطي في المنطقة وقبلة سياحية للعالم ووجهة للتعليم لعدد كبير من أبناء المنطقة العربية، ولا زالت الحركة النقابية والحقوقية المدنية في لبنان من أقوى الحركات في المنطقة.

3. نموذج يكفل المشاركة السياسية ويضمن إسهام الكافة في بناء الدولة وتقوية مؤسساتها، لأن الحركة السياسية والمجتمعات المدنية تعود فور مزاولة نشاطها لتأسيس مبدأ المشاركة السياسية وتنظيم الحوارات والتجمعات السلمية والاعتراف بالآخر، ففي تونس بعد الثورة التي اندلعت جراء حريق بوعزيزي لنفسه، قد تعافت أحزاب المعارضة والمجتمع المدني من خلال تنظيم الحنكة والنشاطات السياسية والتعبير عن الرأي الحر، وتم خلال فترة الثورة استعادة الحياة المدنية وقوة المؤسسات النقابية لا سيما العمالية، وظلت إلى يومنها هذا عنوان لتقويم وتقييم مؤسسات الدولة ومناهضة الإجراءات الشمولية، ويعول على تلك الحركة المدنية لا سيما الشبابية في استعادة تونس إلى المسار الديمقراطي.

4. نموذج بناء الثقة والمصالحة القائم على استعراض الحقيقة وتأسيس منصات الاعتراف، وجبر الضرر وبناء الثقة، وتحقيق المصالحة الوطنية، لتلعب المجتمعات المدنية والقوى الحية دورًا مهمًا في تعافي المجتمعات إذ يتعذر على المتحاربين أو المؤسسات العسكرية القيام بذلك الدور، ونجد أنه في كولومبيا بعد عقود من النزاع المسلح وقع اتفاق سلام تفاوضي بين الحكومة والمتمردين قاد إلى مصالحة شاملة، مما أفسح المجال أمام تعافي الأحزاب السياسية والمجتمع المدني التي تشهد تحركات مدنية وحقوقية ومهنية كبيرة هذه الأيام.

5. نموذج تعزيز الشراكات والتعاون الإقليمي والدولي لإنهاء الصراع في البلدان وانتشالها من الحروب، وربط قواها المدنية بشبكات جارة صديقة وشقيقة، تعمل تلك الشراكات على توطيد أواصر التواصل والتعاون بين المؤسسات السياسية والمجتمعات المدنية والشركاء الدوليين لرفع القدرات وخلق التعافي في المجتمعات، وهذا شهدناه في العديد من البلدان من تعاون المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية للإسهام في خلق نماذج مدنية وديمقراطية وتنموية واستقرار سياسي.

6. أما نماذج الوصاية والتدخل التي اسهمت في كثير من الأحيان إلى التخلص من طبقة مدنية وقوى سياسية واجتثاثها لصالح كيانات أخرى، كما حدث في العراق، ويحدث في اليمن، وليبيا، وما انتهت إليه افغانستان، قاد إلى تشكيل مجتمعات مدنية وقوى سياسية وطبقات اقتصادية لها ارتباطات عضوية بالخارج، أو قطيعة بينية وخصام مزق الوحدة الوطنية وقسم التراب الواحد.

خامسا: واجبنا كقوى مدنية وأحزاب سياسية ومجتمعات محلية ليس الهروب من الحرب إلى ولاءاتنا الأولية، بل بالتوجه القوى والفوري للحفاظ على القوى المدنية والمجتمعات والقطاعات الفئوية والمهنية والنقابات خلال فترات هذه الحرب. وضرورة تحييدها لصالح إنهاء الاقتتال والصراعات لأن ذلك يمثل تحديًا كبيرًا حال النجاح فيه يمكن الإسراع في إنهاء الصراع واستعادة الحياة المدنية وترميم مؤسساتها، ولن يتسنى لنا ذلك إلا باتخاذ بعض التدابير والإجراءات التي يمكن اتباعها للحفاظ على استمرارية هذه المؤسسات والقوى المدنية الحية والحيوية وضمان فعاليتها وتاثيرها، وهي:

1. رفع الوعي بضرورة المؤسسات والمؤسسية وتدريب القادة المحليين والولائيين وعلى المسوى المركزي، وينبغي التركيز على بناء قوة قدرات القيادة ورفع المهارات اللازمة للتعامل مع الظروف الصعبة في فترات الصراع المسلح والحروب والنزاعات، ويمكن توفير التدريب والاستشارة والدعم اللازم للقادة وأعضاء القوى المدنية لتعزيز قدرتهم على الصمود والعمل تحت ضغوط الحرب، وذلك بصورة مباشرة أو عبر استخدام الفضاءات الرقمية المفتوحة، وذلك بأن تعقد تلك القوى شراكات أشرنا إليها أعلاه وتنظيم شبكات محلية تضم كافة الفاعلين والمؤثرين المدنيين والحقوقيين والمبدعين وقادة الرأي ونحوه

2. ربط الجميع بسلسلة حلقات تواصل وتوسيع وتوزيع شبكات الاتصال والتعاون، فالتعاون والشراكات بين المؤسسات والقوى المدنية والقطاعات الفئوية والمهنية والنقابات سيتيح ذلك تقاسم الموارد والمعرفة والدعم المتبادل وتعزيز القوة الجماعية لهذه الجهات، ويسهل التنسيق والتحرك والتنظيم لاستعادة الحقوق ومناهضة كافة اشكال التعدي غير القانوني ورصد ومنع الانتهاكات.

3. تشكيل دروع الحماية وتنظيم أشكال مدنية لحراسة القطاع غير الرسمي (الخاص) من بطش القطاع الرسمي (الحكومي)، وينبغي أن تركز الجهود المدنية على تنظيم وحماية القطاع الخاص في التجارة والصناعة والعمل وغيرع، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والمبادرات المجتمعية، وذلك عن طريق تقديم الدعم المالي والقانوني والأمني لمثل هذه المؤسسات للحفاظ على استقرارها وسلامة أعضائها، ومنع كافة أشكال التعدي ضد أصحابها فنموذج تدمير استثمارات القطاع الخاص ومصالح بعض المدنيين وحرق ونهب مرافقهم يوجب النظر في توفير أقصى درجات الحماية لهم وأن تعكف القوى السياسية المدنية على رصد ذلك في مواقفها وأدبياتها وأفكارها لتبادل المنفعة والحماية لهذه المجتمعات المدنية التي بتعافيها يتعافى التعليم والصحة والاقتصاد وتزدهر البلاد.

4. تجاوز حالة الوجوم التي سببتها الحرب والنهوض للعب الدور المدني الحقوقي والتأثير السياسي لصياغة العقد الاجتماعي الجديد وصناعة الدستور الذي يستعيد الحياة والاستقرار في البلاد، وهو ما يتطلب إعادة بناء قوى المجتمع المدني والقوى الفئوية والمهنية والقطاعية، وتفعيل أدوات التعاطي المدني بصورة أمثل أثناء الصراعات، وسيكون لذلك تأثيرًا سياسيًا قويًا ومهما للمشاركة في التوافقات السياسية وبناء العقود الاجتماعية المطلوبة في الحالة السودانية، كما يمكن أن يكون لهذا الأثر دور حاسم في تحقيق السلام والاستقرار وتنمية المجتمعات المتأثرة بالصراع لا سيما في مجتمعات تدفعها الحرب نحو تقرير المصير الذي إن مكنوا سيكون قرارهم الفرار من الجحيم والانفصال وهذا أمر ترياقه القوى والكيانات المدنية القومية.

● ختاما:
• إن الصراع في السودان تكرر واستمر لعقود ولفترات متفاوتة، عملت فيه السلطة الدكتاتورية وعمدت على تمزيق الكيانات المدنية حتى القبائل والمجموعات الفنية وصمموا لذلك إدارات متخصصة في جهاز الأمن والمخابرات الوطني سيء الصيت، ولكن كل تلك الفترات ليست بصعوبة الوضع الحالي الذي يتخذ من الحرب الحالية واحدة من أدوات تجريف الحياة المدنية، ولا يوجد له شبيه في المنطقة أو العالم سوى نموذج لمؤسسة وحزب صمدا خلال الصراعات هو حركة المقاومة الفلسطينية (مثل حركة فتح وحماس) التي واصلت نشاطها السياسي والاجتماعي خلال الصراع الإسرائيلي، وهو نموذج مغذى بأدوات الصراع العنيفة رغم أن له أجنحة سياسية يتعذر تطبيقه في السودان لكثرة الجماعات والحركات المسلحة ذات الطابع السياسي.
• ولكن يمكن أن تتخذ القوى المدنية وبخاصة الأحزاب السياسية حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا وحزب جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية نماذج يمكن الاقتداء بها، وذلك لقدرتهما على الصمود والقيام بنشاط سياسي والمساهمة في بناء نظام ديمقراطي بعد فترات الصراع المسلح.
• وتشير هذه النماذج الاخيرة إلى أن عملية تعافي المؤسسات والمجتمعات المدنية بعد الصراعات المسلحة تحتاج إلى جهود مشتركة من الجميع وتوجه سياسي واقتصادي واجتماعي مستدام لتحقيق الاستقرار والديمقراطية، فيه تحافظ المؤسسات والأحزاب والقوى المدنية على قوميتها وأهميتها لترسيخ ورفع الوعي بالحقوق المدنية وضرورة التنظيم والتواصل الفعال والتجمع وحرية الرأي والاستفادة من شبكات المناصرة والتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين.



عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الأحد، 9 يوليو 2023

جماعات إعلامية تضليلية

جماعات إعلامية تضليلية


● لعبت الجماعات الإعلامية التضليلية دورًا خطيرا في الحروب والنزاعات على مر العصور بعضه يندرج ضمن الدعاية الحربية، وبعضه تضليلي لتثبيط همة العدو، وقد تم استخدام كافة وسائل الإعلام لنشر معلومات مشوهة وغير صحيحة بهدف التأثير على الرأي العام وتشويه سمعة الأطراف المتنازعة لبعضها في الصراع. وتم استغلال هذه الأدوات الإعلامية لتأجيج التوترات وخلق الانقسامات بين الأفراد والمجتمعات، أشهرها الحرب الإعلامية بين الروس والأوكران الدائرة حاليا، والصراع الإعلامي داخل البيت الأمريكي وخارجه ضد الصين وإيران.


● إن تأثير الجماعات الإعلامية التضليلية على الاستقرار السياسي في السودان سيكون كارثيًا. وسيؤدي نشر المعلومات المضللة إلى زعزعة الثقة في كيان الدولة وشعبها وقطاعاتها الحية والمؤسسات السيادية والسياسية، وتقويض مبدأ التعاطي الحر والتدافع المدني وإجهاض العملية الديمقراطية مستقبلا،  وستسهم هذه الأنشطة التي تمارسها جماعات التضليل في تأجيج الكراهية والتحريض على العنف ورفع شأن النعرات وخفض درجة الولاءات القونية، مما سيزيد حدة الصراعات وتعقيدها في المركز والولايات الهشة التي تتزايد فيها تلك الخطابات المقيتة.


● بالنظر والقراءة في صحائف التاريخ نجد العديد من النماذج التي تشهد تأثير الجماعات الإعلامية التضليلية في السودان وإفريقيا والعالم. على سبيل المثال، دور منصات الجبهة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول وواجهاته الإعلامية التي عبأت الرأي العام ضد الجنوب وصورت أن النزاع هو عمليات جهادوبة أوردت البلاد إلى الانقسام بعد قتل مليوني نفس، وتصوير النظام الديمقراطي في 1989م بأنه أفشل نظم الحكم وتم تكرار ذلك في شيطنة الفترة الانتقالية، واليوم يتم تكرار ذات الأمر عبر الآلة الإعلامية الحربية، وبدأت بعض المجموعات الموالية للنظام المباد تتخذ ذات الأسلوب الذي استخدم في النزاعات الدامية بدولة الصومال، حيث استخدمت الجماعات الإرهابية وسائل الإعلام للترويج لأفكارها الطائفية والعنصرية البغيضة، وتكرار هذا الأمر سيقود لذات النتائج مما يهدد الاستقرار السياسي والأمن في المنطقة ويمزق نسيج المجتمع.


● هناك العديد من النماذج والأمثلة الأخرى في العالم أيضًا، مثل تأثير وسائل الإعلام التضليلية في النزاع السوري، حيث استخدمت أطراف الصراع العديد من القنوات الإعلامية لنشر المعلومات المضللة وتشويه صورة الأطراف الأخرى في الصراع، وذلك بالاستعانة بمجموعات روسية تنشط في هذا المضمار، واليوم تنشط ذات تلك الجماعات ودول عديدة في استضافة منصات تحرض على العنف في السودان وتبث خطابات الكراهية وفتاوى القتل والتصفية السياسية للخصوم.


● في مناهج الإعلام الحربي والسياسي تعد الدعاية الحربية أحد وسائل الصراع حتى وإن لم تلتزم بمعايير مهنية وأخلاقية وقد تكون لها تأثيرات متناقضة في إنهاء النزاعات أو استمرار النزاعات، فعلى الصعيد الإيجابي قد تدفع الدعاية الحربية الشعور بالوحدة والتضامن بين الشعب وقواته المسلحة وتعرض الجوانب الأخرى للصراع بشكل مجتزأ وغير مواتٍ، كما يمكن استخدام الدعاية الحربية للتأثير على الرأي العام ورفع معنويات القوات العسكرية في الجبهة الداخلية أو الخارجية.


● وكذلك للدعاية الحربية آثار سلبية أيضًا، وتسهم في تأجيج العنف والتشفي والانتقام وعدم الثقة، وتعزز حالة من العنصرية والكراهية نحو الأطراف الأخرى في النزاع. وتاريخيًا كما أشرت أعلاه فقد استُخدمت الدعاية الحربية لتبرير العمليات العسكرية وترويج الأفكار الدكتاتورية والعسكرية وتصورات الحسم العسكري، مما أطال وعقد عمليات التفاوض وعمليات السلام ليستمر الصراع في الجنوب إلى عقدين من الزمان وكذلك في غرب السودان ولا زال في جنوب كردفان يراوح مكانه.


● وأخطر المعارك الإعلامية تلك التي تخاض بالأسلحة رخيصة التكاليف وسهلة الامتلاك، وذلك باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة من أدوات التضليل، فقد أثرت هذه الظاهرة سلبًا على المشهد الإعلامي السوداني وضللت الراي العام الإقليمي والعالمي، إذ تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي منصات سهلة وزهيدة وسريعة لنشر المعلومات، وهي في الوقت نفسه تفتقد للرقابة والتحقيق والتدقيق الصحفي المهني الاحترافي المستقل المحايد والشفاف ويتوارى خلفها مؤججوا الصراع بأسماء وهمية، لذلك يستغل كافة أطراف الصراع الوسائط الاجتماعية لنشر الأخبار المضللة والشائعات بهدف تشويه الحقائق والإضرار بالأطراف الأخرى في النزاع، وهناك ممتهنون محترفون لبث الشائعات وتصميم الحملات التضليلة وصناعة المحتوى الزائف يقتاتون من هذه المهنة وهم مع من يدفع أكثر.


● وليس السودان بمعزل عن تلك المصانع التضليلية أو الجماعات التطبيلية، إذ تعتبر الدول الأفريقية والعربية ودول العالم بشكل عام معرضة لتأثيرات الدعاية الحربية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتضليل، فما يحدث فيه هذه الأيام شييه بما حدث في حرب اليمن، التي تم استخدام الدعاية الحربية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع للتأثير على الرأي العام وتشويه الحقائق في الحرب، وانتشار انتاج ما سمي بمنصات الإعلام الحربي، يحاول المتصارعون في السودان جاهدين تصميم منتج شبيه بمنتج الإعلام الحربي اليمني، والبعض لا يجتهد كثير اجتهاد بل يقتطع بعض ذلك المنتوج ويعيد تدوي+ره.


● واجب الأفراد والجماعات والمؤسسات الإعلامية وقادة الرأي والمؤثرين العمل بجد لبذل الحقائق مجردة وبثها بصورة واضحة لا تحتمل اللبس والتأويل، وذلك للتصدي لهذه الأنماط الإعلامية السلبية التضليلية، وقد تحتاج الدولة والمجتمعات السودانية والأفراد إلى رفع ونشر الوعي والتثقيف الإعلامي بصورة عاجلة وكثيفة، وينبغي تشجيع الإعلاميين ومحترفي المهنة وصناع المحتوى لتطوير مهارات التحليل والإطلاع والقراءة النقدية والبحث عن المعلومات الحقيقية والمجردة من مصادر موثوقة، فضلاً عن تشجيع الحوار والتواصل الفعّال بين كافة الأطراف، ويتعين أيضًا مخاطبة منصات التواصل الاجتماعي والسلطات الرقابية بحملات توعوية لتبني إجراءات فعّالة في مواجهة هذه الأنماط الضارة والتضليلية التي ستضعف مصداقية تلك المنصات التفاعلية وستعصف مستقبلا باستقرار أمم وشعوب ويمكن أن تجهض حتى الأنظمة الديمقراطية، ويمكن أن ترسخ لخطابات وأنظمة دكتاتورية.


● وواجبنا جميعا كقوى وكيانات اجتماعية إدارة معاركنا السياسية والتنافسية بصدق وتجرد وأن نعمل سويا للتخلص من المنصات الإعلامية التضليلية وتحجيم أدوارها في الفضاء العام، والسير في هذا الطريق بوعي وصدق وهمة وتنافس شفاف واتباع خطوات مهمة تخلصنا من الصحائف الصفراء والمحتوى الزائف وصانعيه وذلك بالآتي:

1. رفع درجات الوعي الإعلامي بأهمية التحقيق والاستيثاق من المعلومات والتثقيف الإعلامي لدى المهنيين و الجمهور، وينبغي تعليم الناس كيفية تحليل المصادر وتقييم المعلومات بشكل نقدي وتدريب طيف واسع من المجتمعات، وفي ذلك تقوم عدد من المؤسسات الإعلامية بعقد دورات تدريبية بهذا الصدد.

2. إنشاء منصات محايدة والترويج للإعلام المستقل بكثافة، وينبغي دعم وتعزيز وسائل الإعلام المستقلة التي تلتزم بمبادئ الحياد والمصداقية والمهنية والشفافية والتي في الغالب تعاني من شح الموارد المالية في بلداننا، ودعم الحسابات الشخصية للصادقين اللامنتمين ورفدهم بالمعلومات الموثوقة لأنهم من أهم مصادر النشر فهناك حسابات شخصية لأفراد موثوقيتها عالية جدا لدى الجمهور الواجب المحافظة على استقلاليتها وصدقيتها وتوسيع دائرة انتشارها.

3. تفعيل أدوات المراقبة القانونية والمتابعة اللصيقة والرقابة الصارمة ذاتيا وفنيا وأخلاقيل، والتشديد على المنصات الإعلامية التضليلية ومراقبة نشاطها على مدار الساعة من جهات رسمية أو تطوعية أو منظمات غير ربحية كالذي تفعله منصة (جهينة) الاستقصائية، ويجب ألا تتعارض أو تتناقض هذه الرقابة مع حرية التعبير وأخلاقيات المهنة الإعلامية، فالبحث عن الحقيقة وحرية التعبير هما عماد النظام الديمقراطي وأهم شعارات الثورة السودانية.

4. واجب الكيانات الرسمية والشعبية والخاصة وجميع الأفراد العاملين في الاعلام العمل والتشبيك التعاوني الدولي، فالواجب يقول أن تعمل المؤسسات والأفراد والدول والجهات الدولية سويًا لمواجهة التحديات التي تثيرها المنصات الإعلامية التضليلية على المستوى الدولي، بحيث يسهل تبادل المعلومات وتبني استراتيجيات مشتركة لمواجهة هذه التهديدات ومكافحة الإعلام المضلل، وخلق آفاق تعاون مستقبلي.

● ومثال لذلك التعاون المهني المثمر الحيوي والفعال الذي يشير إلى  بعض النماذج المهنية والاحترافية في إفريقيا والمنطقة العربية والعالم، هناك العديد من الأمثلة، على سبيل المثال تقدم وسائل الإعلام المستقلة في تونس وشبكة تنوع الأصوات والآراء في جنوب أفريقيا قدرا عاليا من الصدقية والموثوقية والاحترافية، والتي توفر منصات إعلام مستقلة تقدم تقارير حيّة ومهنية عن أحداث متعددة بصورة احترافية في الساحة العربية والإفريقة، وهناك صحفيون ومؤسسات إعلامية متميزة تعمل على نقل الأخبار بشكل دقيق وشفاف، إلا أن الاهتمام بهذه المنصات في الغالب يكون فقط من المختصين أو الباحثين عن منصات شفافة.

● وعلى المستوى العالمي لا يمكن حصر المنصات الإعلامية المستقلة ولكن توجد منظمات غير حكومية مثل "صحفيون بلا حدود" و"مراسلون بلا حدود" التي تعمل على دعم الصحافة المستقلة وحماية حرية التعبير في جميع أنحاء العالم، وهؤلاء منفتحون للتعاون مع المؤسسات الإعلامية بصورة مباشرة أو عبر الانترنت وتقدم محتويات احترافية ومهنية وتدريبية، عملت في السودان بصورة كبيرة بعد الانفتاح إبان الفترة الانتقالية إلا أن دورها بدأ في الانحسار منذ إنقلاب 25 أكتوبر 2021م.

● ختاما: إن تحقيق السلام والاستقرار واستكمال الثورة والتغيير وإنهاء الحرب وإعادة إعمار ما دمرته وكشف الانتهاكات، يتطلب جهودًا مشتركة من الأفراد والحكومات والمجتمع المدني، والمنظمات الإقليمية والدولية والفاعلين والمؤثرين لدعم ((مشروع الحقيقة))، وحراسة مشارع الحق، وصد كافة أشكال الكذب والادعاء، ورصد جميع الفظائع المرتكبة في كل ولايات السودان، وينبغي أن تكون الشفافية والرقابة والتثقيف الإعلامي من أولويات الجميع وفي صلب الجهود المبذولة لاحتواء وتحجيم الأثر الضار للمنصات الإعلامية التضليلية، والعمل سويا على مكافحة هذه الجماعات الإعلامية التضليلية، بالتأكيد على رفع الوعي العام بالحريات وأهمية الحصول على المعلومات من مصادر موثوقة والتمكن من تحليلها وتنقيحها، حينها سيلعب الإعلام المستقل الحر وحرية التعبير دورًا حاسمًا في تحقيق ذلك الحلم الذي تنادى به ثوار وثائرات السودان.



عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


.

خطر تمكين المتطرفين من السودان

خطر تمكين المتطرفين من السودان


● مقدمة: ظل ثالوث السياسات الخاطئة، والأيدولوجيات الواهمة، والحروب الأهلية يمثل أخطر عوامل تفريخ الجماعات المتطرفة وأقصر طرق وصولها إلى البلدان المضطربة، وحينما تختل الموازين السياسية والأمنية والثقافية والاجتماعية وتعلو أصوات الدعاية الأيدولوجية أو الدكتاتورية أو الحربية أو الإعلام الحزبي الطبال، حينها ستخبو أضواء الجماعات القومية والثقافية المتزنة التي تجمع الأمة وتتقسم حينها الولاءات لصالح الانتماءات الأولية الضيقة الإثنية والقبلية والجهوية والعصبية، مما يسهل تغلغل خطابات النعرات إلى ذهن المتلقي في ظل ذلك الانحسار القومي.

● أولا: تظل الفوضى السياسية والأمنية والمواجهات العسكرية أقصر طرق انتشار الفوضى واستشراء التسلح غير المنضبط وتزايد حملة السلاح خارج الأطر القانونية وحينها تعجز الحكومة عن احتكار أدوات العنف، وتسعل حينئذ عملية تسليح الجماعات الإجرامية والمتطرفة ولنا في التجارب المحلية والإقليمية والعالمية ما يؤكد ذلك فغالبًا تتم عمليات التسليح لتلك الجماعات عبر عدة طرق، منها:

1. انخراط أطراف الصراعات المسلحة في تجارة غير شرعية بالأسلحة، والسودان يعج بالمجتميع المسلحة داخل وخارج الصراع، وهو ما يزيد من عمليات التكسب لمافيا التسلح التي تنشط في جرائم عابرة تشمل تهريب الأسلحة والثروات والآثار والذخائر والموارد والبشر عبر الحدود بطرق غير قانونية، وتمثل حدود السودان المفتوحة أكبر محفز لتلك الجماعات الداخلية والدخيلة والخارجية للتسلل والنشاط التجاري والاجرامي عبر الحدود الممتدة والمتاخمة لعدة دول مضطربة تنتشر فيها فوضى التسلح وبعضها يحتضن جماعات متطرفة ومهابط طيران لشركات أمنية أجنبية تدير أعمال قذرة في تلك الدول.

2. تزايد عمليات التمويل الخارجي الرسمي وغير الرسمي للدول التي لها صلة بمشاريع أيدولوجية وارتباطات فكربة وأخرى براغماتية، وهو ما ستلجأ إليه الجماعات المتطرفة للحصول على تمويل من الجهات الأخرى لشراء الأسلحة وتسليح أعضائها، وفي سبيل ذلك ستتبع كافة شبكات التمويل المتاحة عبر غسل الأموال والاتجار في المخدرات والممنوعات، ويمكن أن يتم تصميم منظومة مالية خاصة أو الاعتداء على مصارف الدولة الرسمية ومنظومتها المالية وهو ما سيدخل البلاد مجددا في قوائم الحظر المالي وتمويل الإرهاب وسلسلة القرارات الدولية من مجلس الأمن.

3. تنامي الاعتداء على المقار العسكرية والأمنية لسرقة الأسلحة والذخائر ما لم يتم حراستها بصورة محكمة وبقوات قادرة، فستتم سرقة الأسلحة من المخازن العسكرية ومقار القوات الأمنية الأخرى، وحينئذ سيتم استخدامها من قبل الجماعات المتطرفة، للبحث عن المزيد من ترسانات الأسلحة، وفي ذلك ينشط تجار المعلومة من بعض عناصر النظام البائد في تسهيل وصول قادة تلك المجموعات للأماكن الخفية والترسانات السرية، وقد شهدنا سرقة عدة مخازن للأسلحة في السابق وحريقها صوريا بعدها انتشر السلاح الحكومي في السوق.

4. وأخطر ما في الأمر هو استيراد الأسلحة والمواد المتفجرة عبر شركات التعدين والتنقيب عن المعادن في المناجم، وتسهيل دخول مواد تدخل في تصنيع المتفجرات، ويجدر الذكر أن أحد العسكريين من عناصر التنظيم المحلول حاول في بث مباشر تحريض المواطنين للعمل والبدء في التسلح بتقنيات التصنيع المنزلية، وهو منهج بائس يكرس للخطط التي تعتمد عليها في الأساس الجماعات المتطرفة، وتدرب عناصرها على تصنيع الأسلحة بأنفسهم باستخدام موارد محدودة وتقنيات بسيطة، وفي السودان تنتشر تلك المواد بكثافة في عدد من المنشئات والمرافق التي خرج بعضها عن سيطرة الحكومة الرسمية.

● ثانيا: إن الاستهانة بهذا الأمر، وزيادة فرص وصول السلاح لعناصر لا سجل جنائي لهم بطرف الدولة، ومع هروب عشرات الآلاف من السجون من بينهم عتاة المجرمين والمتطرفين، هؤلاء لهم جماعات منظمة داخل وخارج السجون سيجدون ضالتهم في عمليات التسليح والتجييش ولن يكون مستقبلهم سوى جماعات أيدولوجية متطرفة أو مافيا إجرامية متفلتة، وحينها ستتعذر عملية جمع السلاح بعد أي اتفاق سلام، وسيظل الجميع ممسكا بسلاحه، فإن لم يتمرد وقتها على الدولة حتما سيخرج للجوار مرتزقا أو بقي يعكر صفو البلاد ويهدد سلمها وأمنها واستقرارها، ولا أحد ينكر استشراء هذه الظاهرة في عدد من الدول حولنا:

1. ففي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشهد المنطقة انتشارا وتفاعلل مع الجماعات الجهادوية، مثل جماعة أنصار الشريعة في درنة الليبية، والقاعدة وداعش في سوريا والعراق، وجماعات إخوانية في سيناء.

2. وفي جنوب شرق آسيا تواجه دول مثل الفلبين وإندونيسيا تهديدًا من المجموعات الجهادوية المحلية والعناصر المتطرفة، التي مثلت تهديدا كبيرا لتلك الدول.

3. أما أوروبا فقد شهدت تهديدات لبعض الدول الأوروبية وهجمات إرهابية، من أفراد كحوادث فرنسا في شارلي إبدو، وكذلك من والجماعات المتطرفة في السنوات الأخيرة.

4. أما في العالم العربي ومنطقة القرن الأفريقي وغرب إفريقيا لم تنج من الأمر منطقة، وقد ازدادت في الآونة الأخيرة عمليات تطرف وجريمة هددت حتى الملاحة البحرية وتنقل الناقلات النفطية والتجارية في عدد من تلك المناطق.


● ثالثا: معلوم بداهة أن تكلفة نزع الأسلحة ومخلفات الحرب التدميرية تفوق في كثر من الأحيان تكلفة الحرب نفسها، ورغم تعذر تقديم أرقام تقريبية بدقة عن تكاليف حروب كثيرة في البلاد وخارجها نظرًا لتعقيد القضية والعوامل المتعددة المتداخلة كسرية حرب دارفور التي كانت تكلف السودان يوميا مائة مليون دولار لعقدين تقريبا، لكني أستطيع التأكيد أن تكلفة نزع الأسلحة في السودان ومخلفات الحرب ستختلف بشكل كبير عن التجارب السابقة التي تمت في الجنوب أو دارفور، ولن تستطيع الدولة دفع تعويض مقابل السلاح، لأن عمليات التوريد لن تتوقف لتسلح مجموعات جديدة تقتات من فوهات البنادق، وهذا الأمر سيظل متصاعدا اعتمادًا على قدرة الدولة أو ضعفها ونوع الجماعة المتطرفة وحجم الأسلحة المبذولة ومدى حالة استقرار دول الجوار.


● رابعا: قدم العالم تجارب مماثلة في نزع الأسلحة والألغام ومحاربة الجريمة وعلى صعيد تجارب الحرب على الإرهاب، ولم يقدوموا أرقام تقريبية دقيقة عن تلك المحاولات، بسبب التحديات الأمنية والغموض المحيط ببعض الأعمال العسكرية، وسرية عمل تلك الأجهزة الإقليمية والدولية التي ولغ بعض جنودها وضباطها في تهريب الأسلحة والموارد والثروات من البلدان التي ابتعثوا إليها عبر قرارات أممية أو تحالفات دولية أو إجراءات آحادية من بعض الدول، ويمكن الاستدلال بالآتي:


1. الحرب في أفغانستان مثلت وقتها أزهى تجليات الحرب على الإرهاب بحسب القائمين عليها، والتي تقدر الأمم المتحدة أن تكلفتها لعقد من الزمان قد بلغت أكثر من 2 تريليون دولار، وتشمل تكاليف الجوانب المالية والبشرية والاقتصادية، ولكن لم تفصح الأمم المتحدة في تقاريرها أو أي من الدول التي غزت أفغانستان عن تقارير نزع الأسلحة وإزالة آثار الحرب، ولم تفصح التقارير عن الثروات التي تم نقلها عبر أساطيل البحرية والأسراب الجوية لتلك الدول، إلا أن هربوا جميعا ليتركوها تحت رحمة طالبان.

2. أما الحرب في العراق ووفقًا لتقارير مختلفة، فإن تكلفة الحرب التي خاضها الغرب في العراق بين عامي 2003م و2011م، كانت تتراوح بين 1.7 تريليون دولار إلى 2.1 تريليون دولار، قيل أنها شمل تكاليف العمليات العسكرية وإعادة البناء والتعافي الاقتصادي، ولكن اقتصاديات الحرب ظلت خفية ومحجوبة التفاصيل إلى يومنا هذا والحديث عنها يظل (تابوه) يمنع البحث أو التنقيب عنه، فهنالك حوالي 400 ألف عنصر أمني وعسكري دخلوا العراق وخرج بعضهم يحمل في حقيبته آثار قيمتها ملايين الدولارات وغير ذلك من موارد البلاد التي نقلتها بوارج وسفن وناقلات ومقاتلات، وتركت العراق تكابد الفشل والفساد المؤسسي.

3. أما في العقد الأخير فقد شهدنا القتال ضد داعش في سوريا والعراق وتم تقدير تكلفة الجهود العسكرية للقضاء على تنظيم داعش في سوريا والعراق بمئات المليارات من الدولارات دون تحديد قطعي لأن الأمر لا زال مستمرا من الجانب الغربي في اتجاه وروسيا شرقا من اتجاه، وهذه التقديرات قيل أنها تشمل تكاليف الدعم العسكري والتدريب وإعادة الإعمار، ولكننا نشهد كيف تسربت تلك الأموال والآليات والتقنيات لتقع في يد التنظيم ليستطيع استقطاب عناصر من كافة أنحاء العالم بدفع أموال طائلة لهم، واستخدم التنظيم بعض تلك الموارد في تدريب عناصره وتأهيليها لتنتقل وتعبر الدول وصولا إلى أعماق الغرب وإفريقيا وأمريكا وأوروبا.



● خامسا: في تقديري المتواضع علينا الأخذ في الاعتبار أن هذه الأرقام هي التقديرات التقريبية لمكافحة الإرهاب وتمويل عمليات نزع الأسلحة ومخلفات الحرب ودعم مشاريع الإعمار، هي أرقام متواضعة وغير حقيقية أو صادقة رغم ضخامتها، واجبنها قراءة ذلك مع التجربة السودانية التي عشناها لمدة تناهز الأربعة أشهر خلفت دمارا مدنيا وعسكريا بجانب الانتهاكات الإنسانية والفظاعات التي تتزايد مع استمرار الحرب، ومقدار ما تم نهبه من المقلر الرسمية والمنازل والمتاجر، فالتكاليف الحقيقية قد تكون أكبر بكثير مما هو مرصود تقريبيا بحوالي 10 مليارات من الدولارات في الشهر، وذلك بسبب العوامل غير المحسوبة واللامرئية والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية اللاحقة على المدي الطويل المترتبة على دمار البني التحتية وضياع أجهزة تكنولوجية وطبية وتقنية وضياع المشاريع الزراعية والاقتصادية والتجارية والانتاجية، بل حتى الترسانة الصناعية الدفاعية.


● سادسا: لذلك سيمثل انتشار التسليح مدخلا لتسليح الجماعات المتطرفة وسيشكل تهديدًا خطيرًا للسلم في البلاد وعلى الأمن والاستقرار العالميين وتبديدا لموارد البلاد، وهو ما سيجلب إلى السودان ومحيطة الإقليمي والدولي تراكم كارثي لن تستطيع المنطقة دفع تكاليفه المادية والبشرية والنفسية، وهو ما يعني الآتي:

1. زيادة في رقعة العنف واتساع دائرة الإرهاب، ومن المؤكد سنتجه للحد الذي سيستخدم المسلحون الأسلحة لتنفيذ هجمات إرهابية وأعمال عنف مميتة داخليا وخارجيا، تزيد من التوتر وحالة الفوضى التي فاقمتها حرب إبريل على السودان وجواره الإقليمي والدولي.

2. تنامي الأنشطة الإجرامية والعمليات غير القانونية ماليا تجاريا اقتصاديا، بل حتى السلع الحياتية اليومية ستدخل دائرة التجارة السوداء بقوة السلاح، وسيستغل المسلحون الأسلحة في القيام بأنشطة إجرامية مثل السرقة والسلب والنهب والاتجار بالمخدرات، وقطع الطرقات وفرض الاتاوات لتمويل أنشطتهم.

3. وسيمثل انتشار السلاح التهديد الأول للسلم العام، والخطر الأكبر أمام أي أنشطة مدنية أو ممارسة حياتية ثقافية رياضية اقتصادية أو سياسية في البلاد، فتسليح الجماعات المتطرفة يزيد من توترات الأمن ويعرض الشعوب المختلفة والأقليات المختلفة لخطر الحروب والنزاعات المسلحة، وربما قاد للصراعات الأهلية وتنامي النعرات والثأرات.

● سابعا: واجب جميع الفاعلين سياسيا وعسكريا في البلاد الاستماع لكل الأصوات التي تحذر من خطر الحروب وتداعياتها، والترتيب خلال عملياتهم التفاوضية لوضع رؤى فاعلة وعاجلة لنزع سلاح هذه الجماعات وتفكيك خلاياها وجماعاتها الجهادوية ومحاربة مناهجها التكفيرية، واتخاذ كافة التدابير التي من شأنها منع حصول أي جهة سودانية الحصول على السلاح خارج الأطر المعروفة، وهناك عدة إجراءات وتدابير يمكن اتخاذها استباقيا:

1. فتح أبواب التعاون الدولي في هذا المجال، وذلك بدراسة كافة التجارب السابقة وكيفية انتهاج النماذج الفضلى، وينبغي على الدول التعاون معًا لمشاركة المعلومات الاستخباراتية وتبادل الخبرات في مجال نزع الأسلحة والألغام ومخلفات الحرب، ومكافحة الإرهاب لمواجهة هذه الجماعات التي تغلغلت في جهاز الدولة ودولاب الحكومة التنفيذية وأجهزة إنفاذ القانون.

2. الانتباه الشديد للتحركات الحدودية وتحسين الأمن الحدودي، بتقوية الرقابة الحدودية رسميا وشعبيا للتصدي لتهريب الأسلحة والمقاتلين الأجانب والتشوين والتموين والتمويل والتهريب وتغذية الصراع وتهريب الثروات ومنع الذين ينضمون إلى الجماعات المتطرفة من التسرب للبلاد.

3. الإسراع باستعادة منظومة الدولة لزيادة الجهود الأمنية الداخلية (جهاز الشرطة والأمن)، فما لم يتم تعزيز أجهزتنا الأمنية وتطوير قوات الشرطة والاستخبارات لكشف ومكافحة الجريمة، وأخطار انتشار السلاح وتتبع الجماعات المتطرفة، حتما ستكون أي جهود لإنهاء الحرب صفرية وستندلع الحروب والجريمة والعنف في كل مدن البلاد.

4. يتعين على بيوت الفكر والقوى السياسية والمدنية والمجموعات الثقافية والمجامع الفقهية التحالف ضد الجريمة والإرهاب والإعلان عن ذلك بمواثيق التسامح والاعتدال، وبث خطابات وخطب وإعلانات رسمية وشعبية ومنبرية تمثل الترياق السوداني الشامل للقضاء على النعرات وخطابات الكراهية والدسائس الإيديولوجية، وهو ما يوجب العمل على مناهج تربوية وروحية ودينية وتعليمية تعزز التعايش السلمي والقدرة على التسامح والوسطية ونبذ العنف والتطرف تحرم وتجرم خطابات الاستعلاءات القبلية والعرقية والثقافية والدينية.

● ختاما: واجب العقلاء افتداء البلاد، وعدم الكف ولو لهنيهة عن التوجه الفوري والتوجيه اليومي للمتقاتلين وحضهم للمضي نحو الحوار والتلاقي لوضع حد لهذه الحرب الجهولة الظلومة، التي تفتح أبواب الجحيم على البلاد والعباد يوما بعد يوم، وتمضى انتهاكاتها في التزايد، وجرائمها في الانتشار، وواجبنا قطع علاقة السودان كوطن بكل ما هو عنيف، وفتح الباب نحو مستقبل ينعم فيه أبناؤنا بنوم هانيء يحلمون فيه بوطن يستحقهم ولا يسحقهم، فيه أعدل وأفضل وأجمل وأعظم نظام حكم.

عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com

الجمعة، 7 يوليو 2023

الخطوات نحو استئناف التفاوض

الخطوات نحو استئناف التفاوض

● بعد أن تضاعفت الأضرار وتفاقمت الكوارث الإنسانية، وتزايدت الخسائر المادية، وتضاعفت الانتهاكات جراء حرب إبريل اللعينة، وتصاعد أصوات الأسلحة في الخرطوم ومدن عديدة في ولايات أخرى أهمها دارفور، عاد العالم ليتخذ مسارا جديدا داعمًا لمنبر جدة الميسر من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، فقد صمم الوسطاء وميسري التفاوض بين الفرقاء السودانيين، نهجا جديدا لاستئناف التفاوض ووسائل جديدة لضغط المتقاتلين للعودة إلى طاولة التفاوض وتحقيق السلام، وتطلب الأمر اتخاذ مجموعة من الاشتراطات التي أعلنت عنها الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض وبعض المصادر في دول أفريقية وخليجية بالإضافة لتصريحات دبلوماسين من المملكة المتحدة، وقد تدخل الجديد والعديد الأطراف المعنية من المحيط الدولي والإقليمي. وقدموا ضوابط حاكمة لاستئناف العملية:

° أولها: وقف إطلاق النار وصولا لإنهاء العنف، والتشديد على أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الأطراف المتحاربة، وأن يتم العمل على الحد من أعمال العنف لأدنى درجة ممكنة وإيقاف كافة أشكال التعدي على الحقوق والمملكة.

° ثانيها: توسيع دائرة المشاركة والدعوة للمفاوضات، حيث ستصدر دعوة دولية للأطراف المتنازعة للعودة إلى طاولة التفاوض من قبل هيئات دولية مرموقة ومنظمات إقليمية، تستوعب تلك الدعوة كافة الفاعلين والمؤثرين والمتأثرين والنافذين في الصراع وأصحاب المصلحة

° ثالثها: ضرورة إقرار إرادة السلام والتزام الأطراف بها وبكل اشتراطاتها وإجراءاتها وأن يلتزم كل طرف ويبدي استعداده للتوصل إلى حل سلمي للصراع وتحقيق السلام، وتجميد كافة أشكال التصعيد العسكري بما فيها خطابات التحشيد والتعبئة.

° رابعها: التمهيد لإجراء مصالحة شاملة ومساعدة الضحايا بالصورة التي يتم بها تصميم برامج شامل ومتكامل للمصالحة ودعم وإنصاف الضحايا حتى يتمكنوا من مسامحة بعضهم البعض وبدء عملية إعادة الإعمار والاستقرار، بصناديق دعم إقليمية وصديقة ودولية.

° خامسها: تنساب في تلك الأثناء بالتزامن عمليات تأمين المعونة والإغاثة الدولية التي سيوفرها المجتمع الدولي بتيسير وصول كافة المساعدات اللازمة لإغاثة المنكوبين وتوفير كافة المعينات المطلوبة لتحقيق السلام وإعادة بناء البنى التحتية المدمرة والمساعدة في إعادة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات المتضررة.

° سادسها: تعكف فرق المتابعة ومنصة المراقبة الأمريكية على رصد الانتهاكات التي ترتكبها الأطراف المتحاربة والتشديد على اتخاذ أقصى التدابير العقابية ضد مرتكبي تلك الانتهاكات، وتوجيه الجهات المختصة في المحيط الإقليمي والدولي باتخاذ ما يلزم من تدابير.

° سابعها: البدء في تنفيذ العقوبات المعلنة ضد الجهتين والوفاء بالالتزامات المترتبة عليها، وحث كافة الداعمين للاستقرار في السودان لاتخاذ إجراء عقابي مماثل من دول الترويكا والاتحاد الأوروبي وغيره.

° أخيرا: التشديد على التزام الجميع في الداخل والمحيط الإقليمي والدولي بضرورة الحل السياسي السلمي الدبلوماسي ومنع أي تدخلات إقليمية ودولية تعيق الوصول للسلام أو تدعم الحرب جهات كانت أو مؤسسات أو دول أو غيره.

● ختاما: أتى هذا التفاعل الدولي متزامنا مع توجه عدد من قادة العمل السياسي المدني وقوى الحرية والتغيير إلى المحيط الإقليمي، ليتضح أن تأثير التحركات السياسية المدنية نحو الإقليم والأسرة الدولية رغم ما شابها من تباطوء وتأخير إلا أنه من المؤكد ستأتي بثمار مهمة في خاتمة المطاف تسهم في تسهيل هذه العملية الداعية لاستقرار السودان، فجميعهم أعلنوا والتزموا بالعمل على إيقاف الحرب وإخراس البنادق وتقديم كامل الدعم السياسي والفني والمالي والرقابي للطرفين، وعقد اجتماعات مكثفة والشروع في عملية المفاوضات الجادة، والعمل على تسهيل الاتفاقيات والتنسيق السياسي والدبلوماسي لتحقيق السلام المستدام وصولا للتحول الديمقراطي التام. كما ستلعب هذه التحركات السياسية المدنية عامل حث للإقليم والأسرة الدولية لتلعب دورًا مهما وفعالاً في حماية المدنيين وحراسة حقوق الإنسان وإعادة الاندماج الاجتماعي للمجتمعات المتضررة، ودعم عمليات الوصول لجيش سوداني واحد وتمويل عمليات الإعمار ومعالجة أوضاع النزوح واللجوء.


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 6 يوليو 2023

الحملات الإعلامية بعد فشل محاولات التصفية الجسدية

الحملات الإعلامية بعد فشل محاولات التصفية الجسدية


جاء في الأثر:  «اللّهمّ كثّر حُسّادنا»

● مقدمة: استخدم نظام الإنقاذ وأبناؤه الفجور في الخصومة للدرجة التي شرعوا فيها قوانين مخصصة لإعدام غرمائهم، وتمزيق تلك القوانين بعد تصفيتهم مثلما حدث لمجدي محجوب وجرجس، والامثلة كثيرة، واستمرأوا التصفية والقتل بدم بارد في كل المستويات الشبابية والطلابية والعشائرية والسياسية، واستخدموا أسوأ الأقلام لتشويه صورة الأنظمة والأشخاص والكيانات، وانتجوا أسوأ المواد الإعلامية لاغتيال الديمقراطية في 1989م، واتجهوا لشيطنة النظام وقادته ولم يدخروا جهدا في اغتيال من وصلوا إليه أشهرهم كوادر الحركة الطلابية، واستمر الأمر كذلك إلى أن وصلوا ذروة محاولاتهم في إنقلاب أكتوبر 2021م وحرب إبريل 2023م، بعد أن فشلوا في استغلال الأسماء الضرار للحرية والتغيير (الوفاق)، (الكتلة)، .. الخ.

□ إن هذا النموذج السياسي مثل جماع الممارسات السياسية السيئة الغادرة التي مورست عبر التاريخ فمثلما تم اغتيال الزعيم الهندي مهاتما غاندي، أحد أبرز زعماء الاستقلال الهندي والمدافع عن السلام والعدل، عبر الاستهداف ةالاغتيال في 30 يناير 1948م على يد ناتورام غودسي، أحد الناشط الهندوس المتشددين، وقد استقدم النظام السوداني أسوأ المتطرفين لعمليات التصفية والاغتيال ورصدت صحائف التاريخ الحديث العشرات من عمليات التصفية بدم بارد وخاصة الآونة الأخيرة التي شهدت تصفية جسدية وحملات إعلامية تضليلية ضد خصومهم السياسيين ولجان المقاومة وقادة المجتمع والمؤثرين.

□ فمثلما تم اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي، في 22 نوفمبر 1963م، خلال زيارته لمدينة دالاس في ولاية تكساس، تمت محاولات اغتيال لعدد من الساسة بصورة غادرة منها ما نجح ومنها ما فشل، مثلما فشل سيناريو شبيه باغتيال كنيدي في 1996م لاغتيال الرئيس حسني مبارك. في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والمدهش أنهم قاموا بتصفية خلية تنفيذ العملية الفاشلة بشهادة الشيخ حسن الترابي.

□ وكذلك محاولة اغتيال الزعماء السياسيين على نسق عملية اغتيال الزعيم المدني الهندي راجيف غاندي في 21 مايو 1991م، رئيس الحزب الشعبي الهندي ونجل رئيس الهند السابق راجيف غاندي، الذي اغتيل عندما قامت امرأة تدعى دانثائي سوزا بإطلاق النار عليه، متزامنا ذلك التاريخ مع محاولة اغتيال الإمام الصادق المهدي، بعد اقتياده من سجن كوبر إلى جهة مجهولة.

□ وعلى ذكر الراحل  الإمام أذكر هنا عملية اغتيال السيدة الباكستانية بنازير بوتو في 27 ديسمبر 2007م، رئيسة حزب الشعب الباكستاني ورئيس الوزراء السابقة لباكستان، في مدينة راولبندي على يد مهاجم انتحاري، أذكر أن الراحل خاطبها برسالة خطية في أكتوبر من نفس العام محذرها بأنك ستتعرضين للاغتيال ونصحها باتخاذ ما يلزم من تدابير، ولكن المقدور سبق المسطور، وكان شديد الخوف والرفض لانتقال هذا النموذج إلى السياسية السودانية وظل يكرر أن استنان هذه السنة في السودان سيحيلها إلى جحيم.


● لذلك نجد أن الحملة ضد الحرية التغيير أتت بعد محاولات لا زالت محتملة للتصفية والاغتيال، وانزعج معدوها من خروج قادة الحرية والتغيير إلى الخارج، وهي حملة المتوارين خلف البندقية ممن فلول النظام البائد، وكتائب ظله وسدنة انقلاب 25 اكتوبر 2021م، وبتتبع أول من نشر الهاشتاق المناهض للحرية والتغيير نجد أنه بدر من كوادر التنظيم المحلول في واحدة من دول الخليج، ومعلوم أن هؤلاء استخدموا سلاح الاعتقال ومحاولات التصفية الجسدية والمعنوية واغتيال الشخصية التي عانيت منها شخصيا ولا زلت، وبفشلهم في استخدام أدوات العنف وجر الحرية والتغيير للاصطفاف في الخنادق والبنادق استخدموا أسلحة فتاكة أخرى ومعلوم هناك عدة أدوات واستراتيجيات يمكن استخدامها لإدارة الصراع السياسي وسحب التفويض الشعبي من السياسيين غير المرغوب فيهم وتشويه صورتهم لدى الجماهير. منها:

• اولا: النشر الإعلامي الكثيف المتزامن مع خروج قادة الحرية والتغيير للقاء قادة دول الجوار الأفريقي والعربي والفاعلين الدوليين، وفي ذلك تم استخدام وسائل الإعلام للتأثير على الرأي العام وتوجيهه بطرق معينة وخلق حالة من الشحن العاطفي. ومؤكد أن هذا ستجابهه الحرية والغيير بتحركات متضاعفة توضح خطر الحرب ومساعي الحل وسيتم إصدار بيانات صحفية ومقالات تلقي الضوء على أخطاء وسلوكيات هؤلاء السياسيين الموتورين المتوارين خلف البندقية وتوضيح تبعات حملاتهم السلبية.

• ثانيا: استخداموا وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة  ونشطوا في منصات مثل تويتر وفيسبوك وإنستغرام وتك توك لنشر محتوى سلبي عن قادة الحرية والتغيير والهجوم عليهم وتسليط الضوء على أفعالهم وتصويرها بأنها غير مؤهلة لأي تحرك رغبة منهم في استمرار الحرب وإمعانا في حجب الآراء الرافضة للحرب والحقائق التي يفضلون إخفاءها عن عامة الناس لأن ما نمضي نحوه سيكشف كيف كانت أدوار هؤلاء في تأجيج الحرب وكيف حضروا لها.

• ثالثا: خلوقوا طيف من التحالفات (قوس قزح) والتنسيق مع المنظمات والواجهات الحزبية للحزب المحلول والحركة الإخوانية وجماعاتها الجهادوية الناشطة في الحرب وبث خطاباتها، للعمل سويًا في إشاعة الأكاذيب والترويج التضليلي وتصميم حملة بهذا الوسم محشوا بتضليل حول سلوكيات نشاط السياسيين الذين لا يحملون سوى اصواتهم وأقلامهم وتنظيم حملات ضغط لسحب التفويض الشعبي منهم ليتواصل تفويض البندقية.

• رابعا: ناسين أو متناسين بذلك القاعدة الشعبية التي حاولوا تفتيتها بتقسيم تكوينات الحرية والتغيير التي حشدت الجماهير حولها في ندوات وفعاليات جماهيرية في مختلف ولايات السودان حتى قبل أيام من الحرب، وحاولوا حجب ذلك التأييد بسحب الأكاذيب والتضليل، ولكن ذلك ارتد عليهم بقوة التفاعل مع الحربة والتغيير والاستجابة التي أضحت أكثر تماسكا وبصورة قوية منذ اليوم الأول للحرب والذي شارك فيه الجميع بصور قوية في وسم لا للحرب الذي أصدرته منصاتنا، والقيام بذلك الدعم بصورة فعلية من خلال تنظيم فعاليات عامة مؤيدة ووقفات احتجاجية رافضة للحرب.

• خامسا: لذلك لا مجال لسحب التفويض من الحرية والتغيير إلا بنشاط سياسي مكثف وموازي وبصورة موضوعية ونزيهة وشفافة، وتقديم ما يمكن أن نسميه أدلة إدانة قوية وموثوقة على أخطاء وممارسات وسلوكيات قادة الحرية والتغيير الذين خرجوا من تلفيق انقلاب 25 اكتوبر وسجونه بصحائف بيضاء رغم اتهامات الإنقلابيين لهم بأخطر الإدعاءات. فحينها فقط يمكن استخدام هذه الأدلة في أجواء الحوار العام لهدم جدار الثقة لدى الجماهير واستخدامه كحجة في سحب التفويض الشعبي منهم، وحال فشل ذلك فالطريق الأوحد هو انقلاب أو إعلان حرب كما فعلوا في أبريل 2023م


● ختاما: إن ما يحدث ضد الحرية والتغيير وقادتها جميع الفاعلين في الشأن السوداني. سيستمر ولن يتوقف ضد قادتنا أو لجان المقاومة أو قادة المجتمع المؤثرين، فهو نموذج متواضع لأمثلة قليلة من سلسلة حلقات الاغتيالات السياسية والتخوين في التاريخ القذر للتنظيم والحركة المحلولين. ويهدف استخدام هذه الأفعال إلى إضعاف القادة السياسيين وضرب موثوقيتهم وصنع شروخ نفسية بينهم والجماهير وتبديد الحياة المدنية، وإحداث تغييرات في الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينة والاقتصادية والأخلاقية، لذلك تجدر الإشارة إلى أن القتل والعنف والاغتيال السياسي سلوك العاجزين وأنه ينبغي حل النزاعات السياسية من خلال الحوار والديمقراطية وسبل سلمية أخرى ليس من بينها بذاءات هذه الحفنة الموتورة المأجورة من "المتبلبسين"، المفلسين المبلسين.


عروة الصادق 
orwaalsadig@gmail.com

الثلاثاء، 4 يوليو 2023

العودة إلى جدة

العودة إلى جدة

● بعد أن اعتذر الميسران لحوارات جدة بين وفدي الجنرالات المتقاتلين في الخرطوم، لأنه أضحى حوار طرشان دون اكتراث لمآلات الوضع في السودان، وخروج الوفد الأمريكي ليعود بخطة أسمتها السيدة مولي في بالمغايرة، وارتفاع أصوات مطالبة بالتدخل الدولي الذي ستقف دول كثيرة للحيلولة دونه أولها المملكة المتحدة وعدد من الدول الغربية وكذلك الروس الغارقين في وحل أوكرانيا، وتصريحهم بذلك للسيد مالك عقار عند زيارته موسكو، في الأثناء التي خرج فيها عقار من إفريقيا بمبادرة الايقاد التي شارك في تصميمها ورفضتها عناصر التنظيم الإخواني في الخارجية السودانية، لذلك يهيء الجميع أنفسهم للعودة إلى جدة مرة أخرى.

● فمنبر جدة تعثر ولم يفشل ولم ينجاز لطرف لتمتع المملكة بعلاقات جيدة مع الجميع، وكذلك كل الأطراف تخطب ود الولايات المتحدة، ولكن شأنه شأن أي عملية تفاوض حول الصراعات المسلحة قد يواجه العديد من العقبات التي يمكن أن تحول دون تحقيق النجاح المرجو والمطلوب. ومن تلك العقبات التي ينبغي التخلص منها:

1. الحساسية المفرطة من الأطراف تجاه بعضهم وعدم الثقة، فمن المهم أن توجد ثقة بين الأطراف المتنازعة، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال بناء علاقات جيدة واحترام الأطراف الأخرى الوسيطة والميسرة، وشهدنا تقدم خجول لتلك العلاقة في أواخر أيام التفاوض قبل موسم الحج.

2. لا زالت الانتماءات والأجندة السياسية هي المتحكمة في القرار "الجداوي"، ومعلوم أن للأطراف المتنازعة ميول وانتماءات سياسية وللبعض مصالح خاصة وقيود أيدولوجية، يعتقدون أنها تستحق الدفاع عنها حتى الاستماتة و"الحسم العسكري"، لذلك يجب تحقيق التوازن بين الاحترام والتفهم لهذه المصالح وتلك المخاوف وبين تحقيق المصلحة العامة والسلام الدائم لشعب يرزح تحت وطأة النيران والانتهاكات.

3. تعذر الاتصال والتواصل المباشر بين الأطراف إذ يقتصر التفاوض بواسطة ممثلين عن المتصارعين وبصورة غير مباشرة لذلك يجب توفير قنوات فعالة للتواصل بين الأطراف المتنازعة وضمان تبادل المعلومات والانفتاح للحوار والنقاش دون اشتراطات أو قيود، وهذا لن يتأتى إلا بخفض التوتر وفتح المجال الجوي لوصول الوساطة إلى الخرطوم للقاء الجنرالات وأخذ كلمات من أفواههم كفاحا.

4. لكل طرف أجندته الخاصة فوق الأجندة والثوابت العليا، مما أدي إلى التشتت وعدم التوصل إلى صيغة اتفاق شامل كما قالت مولي في، أو حتى الالتزام بما اتفق عليه من إعلانات سابقة، الأمر الذي أغضب الميسرين وجعل بعضهم يلوح بعصا العقوبات التي شملت عناصر وشركات وقوائم حظر، لذلك يجب العمل على تحقيق التفاهم وتوحيد الأهداف المشتركة والمضي قدما نحو الالتزام بها.

5. العنف المستمر في شوارع وأزقة الخرطوم ومدن أخرى، تحديدا في دارفور وما صاحبها من بشاعات وفظاعات، أعاق تحقيق التفاهم وإقامة حوار بناء، والواجب التركيز على الالتزام بالهدن وصولا لوقف إطلاق النار واحترام حقوق الإنسان ومعاهدات الأسرى والحرب وبروتوكولات حماية المرافق المدنية والأطفال من جميع الأطراف والامتناع عن الانتهاكات وضبط المسؤولين عنها وتقديمهم لمساءلات وفتح تحقيق دولي في ملف حرب السودان.

● لذلك نجد أن هنالك خطوات تتخذها الوساطة والميسرين بشركة إقليمية دولية لجعل الجولات القادمة أكثر انتاجا ونجاحا، شانها شان مؤتمر الدعم الانساني للسودان الذي أمه العالم بأجمعه دعما للحالة السودانية، وصولا لبناء منبر حوار فعال ووساطة مثمرة تضم كل المحيط الإقليمي والدولي، تجمع ولا تفرق وتتسم بالحياد المطلوب وتلك الاجراءات هي:

1. اتخاذ اجراءات بناء ثقة وتطوير العلاقات بين الأطراف المتنازعة للخروج من الحوار حول الهدن الإنسانية وصولا إلى وقف إطلاق نار دائم.

2. توفير بيئة مواتية للحوار والتفاهم المتبادل ترضي الطرفين، وتشجعهما على مواصلة الحوار، وتمكن جميع المبادرات الإقليمية والدولية من الاشتراك في الأمر.

3. إيجاد صيغة حلول موضوعية ذات موثوقية متوافق عليها من الجانبين تلبية لمصالح المواطنين الذين يكابدون جراء تلك الحرب، تلزم الأطراف الموقعة عليها.

4. توفير الدعم اللازم للسودان (فنيا، تقنيا، انسانيا، سياسيا، دبلوماسيا)، وتمكين أدوات الرقابة الفعالة وإعمال آليات التقصي لتحقيق المصالح وتجنب المخاوف وتعزيز التعاون وصولا لاتفاق شامل، يمهد لاستعادة السلطة المدنية وفق إجراءات سياسية وعملية متكاملة تتزامن والحوار الأمني والعسكري.

5. ترقية التمثيل للميسرين والدور الرقابي ورفع درجة تمثيل الوسطاء ورفدهم بعناصر ذوي خبرة وبأيدبهم أدوات ضغط فعالة للمساعدة في التوصل إلى حلول مقبولة للجميع، وهو الأمر الذي يحتاج إلى صبر وحكمة واهتمام بمصلحة السودان العامة قبل المتصارعين.

6. استبعاد التدخل العسكري في السودان حتى لا يلوح شبح الإرهاب الدولي والتطرف العنيف وانفراط عقد الأمن في البلاد التي ستكلف تضاريسها ومساحتها أموالا وجهودا طائلة للسيطرة الدولية عليها وعلى حدودها وجماعات التخريب التي ستنشط كالشياطين في كل أركان البلاد.



ختاما: منبر جدة هو نفاج صغير يمكن ومرن ومنضبط، يمكن توسعته لضم الجميع وإلحاق كل من تمنع وإدماج العملية السياسية اللاحقة والمبادرات الرامية لإنهاء الصراع في السودان، وهو المنبر الذي لم يرفضه إلى الآن أي من طرفي الصراع، بعد تحفظ أحدهما على كينيا، ويرجى ألا تمانع القوى الافريقية من مواصلة مساعيها عبر منبر جدة لبلوغ نهايات هذا الصراع الدامي، وتمهيد الطريق لاستعادة السودانيين لبلادهم ومكتسباتهم وأمنهم واستقرارهم.



عروة الصادق 
orwaalsadig@gmail.com