الأربعاء، 22 نوفمبر 2023

تضاد (منطق القوة) و(المنطق القوي) ينهيه التكامل المتوازن

تضاد (منطق القوة) و(المنطق القوي) ينهيه التكامل المتوازن
● من واقع الحرب في السودان وتحشيداتها واستعداداتها، ومن قبلها اصطفاف القوة للقوى الأوروبية مع أوكرانيا، واليوم استحضار أعتى الأساطيل القوية في البحر الأبيض المتوسط، لحماية دولة الاحتلال القوية أو المستقوية على فلسطين والفلسطينيين، يتبن لنا جليا أن القوة ليست في فعالية العنف والسلاح، والحياة لا تُوجد بالقوة، بل الحياة هي التي تصنع القوة المطلقة المستمدة من الأحياء الذين هم الشعوب، وقد رأينا كيف قتلت القوة والعنف المدن، وجردت الحواري والحارات والأحياء من أصوات الشعوب والكائنات جميعا، وكيف دُمرت الحياة بقوة باطشة، فانتزاع الدماء من الشرايين الحية بالقوة يقتلها ويفجرها، وضخها فيها بقوة أيضا يسلبها الحياة، لذلك الواجب هو تنازل القوة لصالح التوازن، لذا هناك ضرورة قصوى للتكامل والتوازن بين القوة والمنطق القوي.

● وعندما ننظر إلى العالم من حولنا، نرى أن القوة والعنف وأدوات القهر تتصدر الكثير من الأحداث والتفاعلات هذه الأيام، في كثير من المناطق والبلدان وفي العديد من الحالات، ويستخدم الناس العنف والجهل والسلاح للوصول إلى أهدافهم حتى من قبل الأنظمة التي تدعي التطور وبلوغ أقصى مراقي العلم والمعرفة الأكاديمية والتكنولوجية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ومع ذلك فإن القوة الحقيقية ليست في هذه الأشياء السلبية، بل في المعرفة والحكمة التي تصنع القوة بصورة أكثر اتزانًا.

● حقيقة الأمر في هذا العبث الذي نشهده والحروب التي نشاهدها، أننا نشهد نمذجة جديدة لتخليق العديد من الأمثلة والأنماط الحديثة للتدليل على كيفية تدمير العنف والقوة للمدن والحواضر والحياة المستقرة والمنارات العلمية ودوائر التفكير والتخطيط، وهو تنفيذ شائه حتى لتصورات (الفوضى الخلاقة)، ومحاولات لتحقيق تنظير فرانسيسكو فوكاياما (نهاية التاريخ)، وتطبيق رؤى صامويل هنتجتون (صدام الحضارات)، ولدينا محليا نظرية (وسع قدها) ولدى دولة الاحتلال اسرائيليتهم (الشمسون وهد المعبد)، حيندئذ يتبن أنه عندما يتم استخدام القوة للقمع والتسلط والبطش يتلاشى العقل ويتبدد التفكير ويندثر الحوار والتعاون وتنفجر الأوضاع، وعند تهمش أصوات الحكماء بل الكائنات الحية في وحول المجتمع، بالصورة التي يتم فيها تدمير الحياة بوحشية، ويسلب الأفراد حقهم في الحرية والكرامة الإنسانية، تتلاشى كل النظريات ويتأثر بالصدام حتى عرابوها.

● لذلك من الأهمية بمكان أن نسعى لتحقيق توازن بين القوى التي تهيمن على القوة وتلك المستندة على المنطق القوي، ويتطلب هذا أن نعترف بذواتنا وحقوقنا في العدالة والمساوة والتكريم كوننا من بنووة آدم عليه السلام، وأن نقر بأن القوة ليست غايتنا أو الهدف النهائي، وإنما هي وسيلة فقط لتحقيق أهداف معينة، في الغالب يستخدمها الجهلاء والطغاة والمفسدون لسلب الآخرين حيواتهم، وإشباع تعطشهم للدماء، وتلبية رغباتهم ونزواتهم، ولكن عندما نستخدم القوة بمنطق وحكمة، يمكننا تحقيق التوازن الذي نسعى إليه والحصول على نتائج إيجابية، تؤسس لأوضاع سوية نقية وقوية مفعمة بالحيوية، وواجبنا استخدامها لإحياء الناس ومن حولنا كائنات لخلق التوازن الكوني المطلوب وتشاركية مسؤولة لكوكبنا.

● في حالة الانغلاق التي تشهدها بلادنا والمنطقة العربية والأفريقية والشرق الأوروبي مع روسيا والعالم، سادت حالة التجهيل والعودة بالعقول إلى تجارب كررتها الإنسانية وقوى القوة الدولية بعنف في (WW1& WW2) ونحن نسعى بهمة وجهل لتكرارها بالتوجه نحو إشعال (WW3)، ومفتاح إخمادها قبل اندلاعها هو الركون (لقوة الحجة) و(منطق العلم) للجم قوى الهيمنة الامبريالية، فهما مفاتيح التوازن والتكامل بين القوة والمنطق القوي، ولاحتواء الأمر ومنعه أن يتجاوز حدوده الحالية لئلا يقود إلى دمار شامل مستدام في العالم، وتدارك انزلاق بلادنا لحرب أهلية، علينا نمذجة عملنا وقراراتنا وفق الحقائق الموثوقة، والمعرفة العلمية، والأسس الأخلاقية، والمعايير المنطقية، حينها تتحول القوة إلى قوة منظمة وفعالة ومنضبطة ومحتكرة بقانون، تشرعه وتنفذه مؤسسات الحوكمة الرشيدة وسلطاتها المستقلة، التي تحمي الاستقرار وتحافظ على وطننا ولا تدمره، وتصنع الحياة فيه ولا تنهيها، وتصبح قوتنا موجهة نحو العدالة والإنصاف تحيي الموتى والناس جميعا، وتكفل التعاون والتطور في المجتمع ودول المنطقة.

● العالم اليوم يقوده عرابوا الخراب، وغربان الشؤم، وهؤلاء منهم علماء وخبراء وأكاديميون وحقوقيون وإعلاميون واستراتيجيون وتجار الحروب، ولكنهم يستغلون جهل العامة لزجهم في المحارق، واستنفارهم للقتال، ينشط هؤلاء في استبطان الحكام لهم لتزيين الباطل وتمكين سلطتهم، والتطفيف في الحقوق للكيل بمكاييل عدة لإثبات نظرياتهم الداحضة، تكرارا لتاريخ يتجدد منذ عقود كثيرة، وكأن الإنسانية لم تتعلم من ماضيها، إذا فلنتعلم من التاريخ ولنعتبر من الماضي ولنستلهم دروسنا من الأخطاء التي ارتكبتها أيدينا، وصنعتها أفعالنا، وصاغتها نخبنا، ووقع فيها قادتنا، ورسمتها البشرية في الماضي، فكل دروس التاريخ تؤكد حتمية أن تحقيق التوازن بين القوة والمنطق القوي هو الأمر الحاسم لبناء وطن آمن وعالم صالح وكون أفضل وكوكب أكثر ازدهارًا.

● إن أجلى مظاهر القوة وأعلى درجات الاستحواذ المطلق عليها ما يعرف اليوم بالقوى النووية، بمختلف أشكالها الذرية والهيدروجينية، وعلى أقل تقدير تلك القوى الباليستية أو النيتروجينية أو قنابل الفسفور وللغرابة ٩٩% من أجسام هذا الكائن الضعيف تتكون من (الهيدروجين، والأكسجين، والنيتروجين، والفسفور، والكالسيوم، والكربون) ومع ذلك لا يستخدم هذه الجزيئات الذرية لتحفيز الحياة والمنطق، ولكنه يحفزها بقوة الطرد المركزي ليصنع منها الجحيم، وهذه المصائب الذرية تهيمن عليها دول متضادة فيما بينها، تسعى كثير منها للتمدد على رقعة (الشطرنج) أو التموضع في المسرح العالمي للعبة الاستحواذ والنفوذ ولو على حسابنا نحن في (دول الجنوب)، وفي سبيل ذلك مثلا تتسارع الجارتان الصين والهند في التسابق للتمدد غربا، وتسبقهم روسيا للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، والتي بدورها تحاول قطع الطريق الذي يسلكه المعسكر الغربي نحو الشرق الأوسط وإفريقيا، وتسابق القوى القوية النووية هذا سيكون بمثابة (صراع الأفيال) الذي ستضرر منه أمم وشعوب لن تنال إلا الحصرم، أو بعض (فتات) المفاعلات الصغيرة للأعمال السلمية، والتي ستكون كألعاب (البالغين) في أيدي (اليافعين)، لا يتم اللعب بها إلا بوجود الكبار وإشرافهم، وهو منطق استرقاق دولي جديد لسلب الشعوب حريتهم، ونزع الدول سيادتها، واحتكار القوة والنفوذ والهيمنة، وحد لتطلعات الشعوب والتحكم في محدودية تفكريهم.

● ولكي نلحق بالعالم القوى من حولنا ونلزمه الاستماع لمنطقنا القوي، ونزيل الغشاوة التي وضعت على أعيننا وجعلتنا في ذيل الأمم، ولنتحرر من قيود القوى العظمى لنمضي سويا نحو الغد، متجاوزين مرارات الأمس الموروثة، ولنثبت أن هذه البلاد محروسة، ليس أمامنا إلا أن نتجرد من النوازع الذاتية، ولنتخل عن الأجندة الضيقة، ولننبذ النزوات والأهواء، ولنتحل بالحكمة والتفكير النقدي للذوات قبل الآخرين، ولنجرد أنفسنا من الجهل والأفكار الضيقة، سيما تلك الأيدولوجية الواهمة التي دمرت البلاد، ولنجرم الاستعلاءات، ولنحاكم السياسات الخاطئة، ولنرصد انتهاكات الحروب الأهلية، ولنستعد للركون للمساءلة والمحاسبة تمهيدا لتحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب، ولنتعالى على صغار الإثنية، والمناطقية، والنوعية، والجهوية، والأنا والذوات، ولنتواضع مهما ارتفعت درجاتنا، وسمقت قاماتنا، وسمت هاماتنا، لنتعلم من خبراتنا وخيباتنا وكبواتنا، ولنستخدم اتزان العقل، ورجاحة الوعي، وفيض الحكمة، ونور المعرفة، لتوجيه قوتنا نحو أهداف تستند إلى العدل والتعاون والتوازن والتكامل، لا أن نترك القوة هي التي توجهنا وتتحكم في مصيرنا وقرارات أمتنا.

● كذلك علينا إعمال القوة المطلقة وهي قوة الشعوب، والتي هدمت وهزمت النازية وجدار برلين، وغيرت مفهوم العالم للحرب، إذ لم يتم تدمير الاتحاد السوفيتي بالقوة وإنما بالقوة المطلقة التي تم استخدامها في الحرب الباردة، ورأينا كيف للقوة المطلقة للشعوب أن تنهي أسوأ أنظمة الفصل العنصري في العام ١٩٩١م لتحمل تلك القوة نيلسون مانديلا من السجن إلى قيادة الدولة، كما أن لنا في الثورة السودانية المكررة في ١٩٦٤م، و١٩٨٥م، و٢٠١٨م، وما بينها من هبات شعبية قوية جسدت الإرادة المطلقة للشعوب نحو الحرية والانعتاق، ونرى في عالم اليوم تأثير الشعوب على قرارات الحكومات، وتحدي العقبات وتسور سياج العقوبات، لتنفجر موجات السخط والغضب الشعبي في كل أركان المعمورة احتجاجا على استخدام القوة المفرطة ضد العزل المدنيين في فلسطين المحتلة في مواكب رفض تجسد الإخاء الإنساني، رغم أن هذه الحرب تقف خلفها أعتى الدول وأقوى الجيوش وتسندها حكومات قوية بتشريعات وعقوبات وإجراءات تمنع أي نشاط مناهض للكيان المحتل، ولكن القوة المطلقة تظل هي المتحكم في العالم والمهيمن على قراراته وهي وحدها التي تستطيع خلق حالة التوازن المنشود.

● هذه القوة المطلقة موجودة داخل دولنا وكياناتنا ومجتمعاتنا، والاستماع لها هو ما يخلق التوازن، وهذا المنطق ينبغي أن ينسحب أيضا على آليات الحسبة الداخلية والمظلومية وأجهزة الثواب والعقاب المحلية قبل الإقليمية والدولية، فلا تتم مساءلة الضعفاء وجلد ظهور الفقراء، وترك المجرمين طلقاء لأنهم أثرياء أو أقوياء، فتحقيق مبدأ المساءلة لن يكون قائما في منظومة الحكم الرشيد التي تتكيء عليه كركن من أركانها، إلا عندما يصبح القوي ضعيفا حتى يؤخذ الحق منه، وأن يشعر الضعيف بالقوة حتى ينتزع الحق له، فالوضع الحالي مختل يضع (الفيتو) في يد المستبد والطاغي والغازي والمحتل، ويحجب الإدانة عن المجرم لأنه يحظى بمحاباة أهل القوة فيذل، ويُدان الضعفاء ويصنفهم العالم جماعات إرهابية لأنهم بلا قوة فعالة أو هم في موازينها أقل، وهذا يحفزهم للبحث عن القوة وأدواتها واستكمال مفاعيلها وإنشاء مفاعلاتها، ولو كان الوصول للأمر بصورة غير شرعية، يأتي في مقدمة ذلك منع الضعفاء من تقديم مسائلهم ومساءلة منتهكي حقوقهم، وشرح مطلوباتهم حتى يظفروا بحقوقهم، تدرجا من تخفي المسؤولين عنهم، فهذا الاحتجاب وإسدال الحجاب يستخدمه اليوم حتى قادة المسلمين الذين في تراثهم، ما قَالَه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، فَاحْتَجَبَ عَنْ أُولِي الضَّعَفَةِ وَالْحَاجَةِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، لَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ".

● ختاما: علينا أن نستذكر دوما وأبدا أن التكامل والتوازن بين (منطق القوة) و(المنطق القوى) ليسا مجرد مفهومين فلسفيين، بل إنهما فلسفة حياة كاملة متكاملة متوازنة تنبض بالقوة والحيوية، وتؤسس لمفاهيم الحرية والانعتاق، والكرامة الإنسانية، والسلام والاستقرار، والعدالة الاجتماعية، والتوازنات الجهوية، والوثبات التنموية، وتلبية المطالبات الحياتية للشعوب، وتقود لمساواة الأمم، والتعايش والاحترام، وتلك الفلسفة تعد نهجا منقطع النظير لصنع فرص جديدة للسلام والاستقرار وتغيير إيجابي في وطننا المكلوم، وإقليمنا ومحيطنا والعالم من حولنا.

عروة الصادق
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

السبت، 4 نوفمبر 2023

أبطال الحرب: بوصلة التغيير والاستقرار للمستقبل

 أبطال الحرب: بوصلة التغيير والاستقرار للمستقبل

● هذه الحرب اللعينة المقيتة العبثية الظلومة الجهولة، التي ترتكبت فيها الجرائم البشعة والفظاعات والانتهاكات وتسببت في دمار هائل وإزهاق للأنفس البريئة حتى تاريخ اليوم تجاوزت الأعداد المعلنة والمرصودة عشرة آلاف نفس جلهم أبرياء مدنيون عزل نساء وأطفال وكهول، إنه تاريخ مؤلم لا ينسى ولا يرحم ولا يغفر لمرتكبي مجازره وفظاعاته، ومع ذلك فإن هناك فئة من الأشخاص لا تلقى الاهتمام الكافي ولا يلقى لهم بال، إذ يعتقد البعض أنهم ضحايا فقط أو مجرد رقم في التقارير المحلية والأممية والدولية، يتحاجون لرقم يوازي احتياجاتهم الإنسانية وتكاليفه المالية، فيعقد لهم العالم مؤتمرات للاستجابة لم تف حتى الآن باحتياجهم، ولكن الحقيقة أن هؤلاء ليسوا أرقاما يتم الاستجداء بها أو التسول لموائد الأمم واستثارة عاطفتهم، هؤلاء ليسوا كذلك فإنهم أبطال الحرب في السودان.

● إنهم الفارون، النازحون، اللاجئون، المهجرون، المتضررون، المتطوعون، العمال والموظفون، أولئك الذين نشطوا في التنسيقيات، اللجان، المبادرات، الأطباء، المحامون، النشطاء، الشباب، النساء، المصابون، المعاقون، الطلاب، الزراع، الذين عاشوا ذلك الجحيم بكل معانيه، وذاقوا ويلاته، وتجرعوا مراراته، وشهدوا بأم أعينهم على انتهاكاته، ولكنهم لم يستسلموا أبدا فلا زالوا يتوقون لحلم العودة وأمل البناء لوطنهم، إنهم من يمثلون بوصلة حقيقية غير معطوبة للتغيير والاستقرار لتشير للاتجاه الصحيح للمستقبل، وهم يشكلون السواد الأعظم لكتبة التاريخ المشهود الذي ينبغي أن تلهمنا دروسه وعبره، فهم لا يريدون أن يكونوا مجرد ضحايا، بل يسعون جاهدين لإنهاء هذه المأساة وأن يكون لها نهاية تليق بكرامة السودانيات والسودانيين وتنهي شبح الحروب والدمار والانقسام.

● إن صمودهم الأسطوري في وسط الحرب والدمار آية تستحق أن تدرس وتخلد في سفر التاريخ، فقد تمكن هؤلاء الأبطال من البقاء قويين وثابتين، استطاعوا الصمود في ظروف قاسية وقارعوا الصعاب بكل شجاعة، رغم المعاناة التي تحملتها أجسادهم وأرواحهم، فإنهم استمروا في النضال من أجل بلدهم ولأجل مستقبلهم، يداوون الجرحى ويطعمون المسغب، ويقيلون عثرة العاثر، ويحرسون بيت أهلهم وجيرانهم، ويشيعون الموتى ويتبرعون بدمائهم بعد أن فقدوا أموالهم، وينتظمون في المعسكرات، ودور الإيواء، وغرف الطواري، ومجموعات التدخل النفسي والإنساني والعون الطبي، والرصد الحقوقي، يطببون الجراح والأرواح.

● لم يكن لديهم مهلة للشكوى أو التذمر أو التأفف أو التحطيم، بل قرروا رفع رؤوسهم عالية والانتقال إلى الأمام رغبة في الخروج من هذا الحطام، وأدركوا أنهم يمتلكون القوة اللازمة للقيام بتغيير حقيقي، وأن إرادة وأيادي الحرب لن تحكم حياة السودان إلى الأبد، وأن أي محاولات لتحطيم آمالهم وأحلامهم في الحرية والسلام والعدالة هي التي سترتد على أصحابها، وبذلك هزموا جحافل التجييش والتضليل ودعاية الحرب، وأسكتوا صيحات نافخي كيرها، ليختفي ناعقوها وينزوي إفكهم.

● اتحدوا يحدوهم الأمل والتطلع للمستقبل متجاوزين ألسنتهم وألوانهم وأعراقهم وأديانهم، فقد صمم هؤلاء الأبطال عزمهم، وأعملوا عقولهم وقلوبهم لتوفير كافة الإمكانيات المتاحة واجتراح أفكار جديدة وابتكارات خلاقة تسهم في إعادة الحياة لما حولهم ووضع تصورات لبناء مناطقهم وأحيائهم وحاراتهم وبلدهم، ومن خلال متابعتي لجهود كثيرين منهم على الأرض والمجموعات الإسفيرية أجد أنهم يعملون بلا كلل لأجل السودان الآت، حيث يسود الاستقرار والازدهار والنمو والتطور، تصوروا مستقبلا بهرم التحول والتقدم يهزم مصفوفة التدمير والانقسام، ويعملون في ذلك زرافات ووحدانا بلا كلل من أجل تحقيق تلك الرؤية.

● هم الصوت الأعلى اليوم الذي يلعن الحرب وموقدي نيرانها ويعلن عن الحقائق المؤلمة التي قد يفضل البعض تجاهلها من المتقاتلين، أجهدتهم سبعة أشهر من الإعياء والرهق والضنك، إلا إنهم اجتهدوا كثيرا ولا زالوا يلتقطون أنفاسهم ويخاطرون بكل شيء من أجل الحقيقة والعدالة، فهم يدركون أن الحرب لا يمكن أن تصنع التغيير الحقيقي، ولكن الاجتماع على رفضها، والعمل المشترك على إنهائها، هو السبيل الوحيد للخروج من حفرة الحرب إلى فكرة السلام والاستقرار.

● ما يميزهم هو الاستقلال الفكري والبعد عن التحيزات الجهوية والاثنية والايدولوجية والمناطقية والاصطفافات التي خلفتها الحرب وغذتها دعاية الأبواق، فتجد أن أهمية هؤلاء الأبطال ليست فقط في قدرتهم على التحمل والعمل الشاق، ولكنها ترتكز أيضًا على قدرتهم وقدراتهم الذاتية والاستقلال الفكري التام الذي لا يغذيه انقسام، والاستغلال لكل ما هو متاح، فهم يتحدون الأفكار التقليدية والممارسات القديمة والأنماط الكلاسيكية في التعاطي مع الأشياء، ويسعون جاهدين لتحقيق التغيير الحقيقي وتحقيق الشفافية والعدالة في المجتمع ويرسمون ملامح الغد الأفضل للسودان وإنسانه وفق تصورات مستوحاة من واقع يومي يعاش.

● ختاما: 
• إن هؤلاء الأبطال من الفتيات والصبية والنساء والرجال، الذين جاهدوا في تحمل آلام الحرب وزحزحة الأوضاع الصعبة عن كواهلهم، ومضوا في طريق مضنٍ لتضميد جراحهم، هم من اتحدوا في الحارات والأحياء والفرقان والقرى والمدن والمعسكرات، تحدوهم الآمال ويمتلكون مفتاحا من مفاتح التغيير والاستقرار في السودان، وذلك ما يدلل عليه إصرارهم على تحد عقبات وعقوبات وعسف سلطة الطواريء والتضييق والاعتقال والتعذيب والتصنيف والتخوين، وإن تفانيهم وقدرتهم على الصمود والعمل الجاد واستدامة التغيير، سيمكنهم أن يصنعوا مستقبلًا يسوده السلام والازدهار.

• لذلك علينا أن نستمع إلى أصواتهم وندعمهم في رحلتهم نحو إعادة بناء فرقانهم وقراهم وأحيائهم ومنازلهم ومرافقهم وأحلامهم ووطنهم السودان، ولا يجب أن نهملهم بل يجب أن نمد لهم يد المساعدة ونعمل بجد لتمكينهم وتمكين أفكارهم ورؤاهم وأن نمهلهم أن يجربوا ويقودا دفة الخلاص والتغيير التي سيطر عليها لعقود مجموعات ترى أن الخلاص لا يمكن أن يكون إلا عبرهم.

• هؤلاء الشباب في التنسيقيات وغرف الطواري، ودور الإيواء ولجان الأحياء، وقادة معسكرات اللجوء والنزوح، والناشطات في المجموعات النسوية، وكيانات الحقوقيين والقانونيين، ومجموعات المناصرة، ومتطوعي القطاعات الطبية والصحية، وغيرهم، إنهم ليسوا مجرد ضحايا، بل هم أبطال يستحقون التمكين لصنع مستقبلهم ومستقبل السودان بأكمله، لذلك دعوتي الخالصة لهن ولهم أن تقدموا كما فعل يوسف عليه السلام: (۝ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ۝)، ودعوتي الصادقة للجميع، دون استثناء حتى لأولئك المتجلببين بثياب أيدولوجية راديكالية وينشطون كواجهات لتعطيل الأنشطة المدنية، أقول لهن ولهم: "فلنتوحد ونعمل بتفانٍ وتجردٍ وصدقٍ بلا كللٍ أو مللٍ من أجل ردم حفرة الحرب ودفن مشعليها فيها، وننهض من الركام كما العنقاء بفكرة الوحدة لإحلال السلام الذي يستحقه الجميع ونبني وطننا وفق ما نهوى ونبتكر أو كما قال ود المكي علي السلام".

• سورة يوسف- (الآية: ٥٥).


عروة الصادق
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

الاثنين، 30 أكتوبر 2023

دور معاشيي القوات النظامية في عملية السلام

دور معاشيي القوات النظامية في عملية السلام

• مقدمة: 
صرح القائد العام للجيش بعد لقائه مبعوث سويسرا مطلع هذا الأسبوع بأن المؤسسة العسكرية لن تلعب أي دور سياسي مستقبلا، مكررا ذات أقواله قبل وبعد إنقلاب أكنوبر 2021م، وهذا يتطابق تماما مع ما ظلت تنادي له كل القوى السياسية والكيانات المقاومة والأجسام المدنية، وكذلك ظلوا يرددون أنه من الضروري إبتعاد القوات النظامية عن كافة الأنشطة الاقتصادية و تفرغه لمهامه العسكرية المعلومة و المنصوص عليها دستوا، فقد اتضح أن القوات النظامية ولفترات طويلة ظلت منشغلة بالإستثمار و الإستيراد و التصدير ما انعكس سلبا على قوة كيان تلك المؤسسات وضعف بنيتها، وأدى لتمكين أنشطة عسكرية موازية لها قادت لما نحن فيه من صراع وحرب مقيتة، ولأن القوات النظامية (جيش أمن شرطة) من أهم أجهزة الدولة المسؤولة عن حماية الوطن والمواطنين، ولكن الأنظمة التسلطية والاستبدادية استخدمت عناصر تلك الأجهزة من في الخدمة والذين في التقاعد لأغراض خبيثة، وحصن طروادة لهدم الأنظمة المدنية والتسعير للحروب الأهلية، لذلك يتعين على تلك المؤسسات تقديم دور فعال في السلام والاستقرار، ولأن الحرب والصراعات الدائرة في السودان قد أدت إلى تدمير المدن وتشريد الملايين، فإن دور المعاشيين الرافضين للحرب يأتي في مقدمة المأمول فيهم لقيادة عمليات الإصلاح وفي المرتبة الأولى للجهود المبذولة لتحقيق السلام.

● أولا: يعد المعاشيون الرافضون للحرب من الأشخاص الذين يفهمون جيداً ما يعنيه الصراع المسلح، وما يترتب عليه من دمار وخسائر بشرية واقتصادية، وذلك من خلال تجربتهم الميدانية، وأنهم يشعرون بالمسؤولية الكبيرة عن الحفاظ على السلم والاستقرار، والعمل على تحقيق السلام والمصالحة عبر الآتي: 
1. التواصل مع المنظمات الحقوقية والمدنية والسلمية المحلية والدولية، والعمل معها على بث رسائل عن مرارة الحرب وتجاربهم وخطورة تمددها لتصبح حربا أهلية.
2. المشاركة في الأنشطة المدنية السلمية كالمؤتمرات والتحركات والاحتجاجات والمسيرات والندوات الحقوقية والسلمية المنددة بالحرب وانتهاكاتها، وذلك لنشر الوعي حول أضرار الحرب وأهمية السلام.
3. التواصل المستمر مع وسائل الإعلام المحلية والدولية، والعمل على نشر رسالتهم حول أضرار الحرب وأهمية السلام، ليسمعوا صوتهم لزملائهم وللعالم وللمواطنين بأن هناك صوت نظامي رافض للحرب.
4. التواصل مع السلطات المحلية والفاعلين من قادة الحرب والمؤسسات الإقليمية والدولية، والعمل على إقناعها بأهمية دعك عملية السلام في السودان والعمل على تحقيقه.
5. التواصل مع المجتمع المحلي والإدارات الأهلية والعمل على نشر رسالتهم ورفع الوعي حول أضرار الحرب وأهمية السلام وحثهم على عدم التحشيد القبلي والجهوي والمناطقي لدعم أي من طرفي الحرب.
6. العمل على توفير الدعم اللازم للضحايا والمصابين والمتضررين، سواء من خلال المساهمة في الجهود الإنسانية أو التبرع للمنظمات الخيرية والإغاثية أو صناديق الزمالة.
7. العمل على تحقيق السلام والمصالحة، وذلك من خلال التواصل مع الأطراف المتحاربة والعمل على إيجاد حلول سلمية للصراعات.

● ثانيا: يمكن للمعاشيين أن يقوموا بدور فعال في دعم عملية السلام، من خلال التحرك للتواصل مع زملائهم في الفريقين المتحاربين، والعمل على إقناعهم بأهمية وضرورة إيقاف القتال والعمل على تحقيق السلام، كما يمكن لهم أيضاً العمل على تسهيل إخلاء الأعيان المدنية وتبادل إطلاق سراح الأسرى، والعمل على وضع خطط لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، من خلال مسارين هما:

‌أ) ويمكن للمعاشيين المساهمة في عمليات المراقبة والحماية والرصد للانتهاكات عن طريق الاتي:
1. الانضمام إلى المنظمات والهيئات والمراصد الإقليمية والدولية والمحلية التي تعمل على هذه القضايا.
2. العمل مع المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمؤسسات العامة لتحقيق هذه الأهداف.
3. العمل مع المنصات المجتمعية على توعية المجتمع بأهمية الحفاظ على السلم والأمن وحماية المدنيين، وتشجيع الحوار والتفاهم بين الأطراف المتحاربة.

‌ب) أما بالنسبة لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة، يمكن للمعاشيين المساهمة من خلال:
1. وضع الخطط والتصورات المطلوبة لهذا الغرض عبر مختصيهم وخبرائهم.
2. العمل مع المنظمات والجهات المعنية لرسم ملامح المنظومة العسكرية والامنية والدفاعية والاستخباراتية في السودان.
3. العمل على توفير المساعدات اللازمة للمصابين وأسر الشهداء، والضحايا والمتضررين من الحرب والمساهمة في إعادة بناء المرافق الخدمية والعسكرية والأمنية والدفاعية التي دمرتها الحرب.

● ثالثا: من خلال الدور الفعال والمرجو للمعاشيين النظاميين، يمكن وضع تصورات لاحقة لهيكلة القوات النظامية ووضع التصور الأمثل للجيش الموحد المهني الاحترافي، الذي يعمل على حماية الوطن والمواطنين بدون اللجوء إلى الحرب والصراعات، ويمكن للمعاشيين وضع تصورات لاحقة بعد السلام، للإصلاحات القانونية للمؤسسات والأجهزة الشرطية والأمنية وجهاز الأمن الداخلي باتباع الخطوات التالية:
1. البدء بتحليل الوضع الحالي للقوات النظامية وتحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات وأسباب ورودنا هذا المورد المهلك.
2. تطوير رؤية واضحة للجيش الموحد المهني الاحترافي وتحديد أهدافه ومهامه والموارد المطلوبة لتحقيقها، وبقية المؤسسات الأخرى.
3. وضع خطط عمل مفصلة لتحقيق هذه الأهداف وتحديد المراحل الزمنية المحددة لتنفيذها.
4. تطوير مقاربة شاملة للتدريب والتطوير المستمر للقوات النظامية وتطوير قدراتها في مجالات مثل القيادة والتكنولوجيا واللوجستيات والتخطيط الاستراتيجي.
5. بناء شبكة دفاعية ووقائية وأمنية قوية حديثة ومتطورة وفعالة تعمل على حماية الوطن وحدوده وموارده والمواطنين ومقدراتهم.
6. تحديد سياسات وتشريعات ونظم وقوانين وإجراءات فعالة لتحقيق الأمن والاستقرار ومنع اللجوء إلى الحرب والصراعات.
7. توطيد العلاقات الدبلوماسية والعسكرية مع دول الجوار والدول الصديقة والشريكة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والاستفادة من علاقات الزمالة لقدامى النظاميين.
8. إدارة الموارد المتاحة بكفاءة وفعالية لتحقيق الأهداف المحددة وتحقيق الاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

● رابعا: الواجب أيضا الاستعداد الجماعي لكل قوى الدولة والفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، لتوظيف المعاشيين في مجالات الإعمار والتطوير والإعادة الإعمارية للبنية التحتية والمنشآت الحيوية المتضررة جراء الحرب، كما يمكن توظيفهم في مجالات الأمن والدفاع والحفاظ على الاستقرار في المناطق المتضررة وإنشاء الشركات الأمنية الحكومية والخاصة، وفي مجالات الإغاثة والتموين والرعاية الصحية للمتضررين من الحرب، وفي مجالات التعليم والتدريب والتأهيل المهني للشباب والشابات الذين فقدوا فرص العمل جراء الحرب، وفي مجالات الإدارة والقيادة والإدارة العامة للدولة والمؤسسات الحكومية المتضررة، ولعب دور مهم فيما يلي:
1. إعادة الإعمار والتنمية بتوظف الجيوش الجرارة من المعاشيين في مجال الهندسة المدنية والمعمارية والإنشاءات لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة خلال الحرب.
2. العمل الإنساني والإغاثي، حيث يمكن للمعاشيين العمل في مجالات الطب والصحة والإغاثة لمساعدة النازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب.
3. في مجال التدريب والتعليم والخبرات التي يمكن للمعاشيين العمل كمدربين ومستشارين لتدريب الأفراد الجدد في الجيش والشرطة والأمن بعد الحرب، لا استغلالهم كما فعلت الأنظمة السابقة كخبراء استراتيجيين للتحريض والتعبئة المضادة.
4. العمل القانوني للخبراء والمراجع القانونية العسكرية، إذ يمكن للمعاشيين العمل في مجالات القانون والعدالة والحقوق لإعادة بناء النظام القانوني في البلاد، والإسهام في إصلاح مؤسسات كالقضاء العسكري، والآلية الشرطية، والاستشارية القانونية للمخابرات العامة.
5. العمل الإعلامي والاتصال والعمل في مجالات الإعلام لتوفير المعلومات الحقيقية والمهنية المجردة والتواصل مع الجمهور والمجتمع المحلي بشأن السلم والاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية.
6. المشاريع التجارية والاقتصادية حيث يمكن للمعاشيين العمل في مجالات الأعمال والاستثمار لتنمية الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص ومشروعات حكومية تستوعب مسرحي القوات النظامية بعد الحرب، والاستفادة من خبراتهم في تأسيس شركات تأمين للأفراد والمنشئات.

● خامسا: قبل المضي في تلك الخطوات علينا التأكيد أن الولاء للثورة والموثوقية وحدها ليست كافية بالنسبة للتحديات التي تواجه البلاد في الوقت الحالي، فمن المهم أن يتم اختيار الضباط الذين يتمتعون بالكفاءة والخبرة والتدريب الجيد، وأن يتم إعادة تدريبهم وإعدادهم لمواجهة التحديات المعاصرة، وينبغي أن يتم توظيفهم بناءً على الإنجازات والقدرات بعيدا عن الولاءات السياسية أو العقدية، وهذا يتطلب إجراءات واضحة وشفافة للتوظيف وإعادة الخدمة والترقية والتقييم، وتوفير فرص التدريب والتطوير المستمر للضباط والموظفين، وإذا تم تحقيق ذلك من المؤكد أننا سنحظى بقوات نظامية موحدة مهنية قوية ومتجانسة ومؤهلة لحماية البلاد وتحقيق الأمن والاستقرار للجميع، وسينشغل الجميع بأدوار ثانوية في هذه الفترة والفترات اللاحقة سيطغى الملف السياسي، إلا أن هذه المهمة العظيمة للمعاشيين تحتاج إلى تدقيق ودراسة جيدة، ويجب أن يتم اختيار الأفراد الذين لديهم الخبرة والكفاءة في المجالات المختلفة المذكورة والحساسة وبالأخص ملف الحدود وقضايا الأمن القومي والتعاون الدولي، ويجب أن يتم توظيفهم بناءً على الآتي:
1. وضع معايير واضحة وشفافة لا محاباة فيها أو تجاوز للضوابط الصارمة التي لا تقل صرامة عن اختيار رئيس الوزراء وترشيحات حكومته التنفيذية.
2. أن يتم تجنب أي تدخل سياسي أو عقائدي أو أيدولوجي في هذه العملية وإبعاد كل من عليه شبهة انتماء لغير مهنته أو اتهامات فساد وانتهاكات أو مشاركته في أعمال تقويض النظم المدنية.
3. أن يتم توفير الدعم والتدريب اللازم (الآني، المتقدم، الاستراتيجي) لكافة المؤهلين للمشاركة في مشروع البناء القادم، لتمكينهم من العمل بكفاءة ومهنية وفعالية.
4. أن يتم تقييم أدائهم بانتظام لضمان أن يستمروا في تقديم الخدمات بأفضل شكل ممكن يؤهلهم للمساهمة بفعالية في مسيرة الاستقرار والسلام والبناء في السودان والمساعدة في استكمال الثورة.

● سادسا: بعد حريق وإتلاف المرافق والمؤسسات والأكاديميات العسكرية والأمنية يعول على الاستفادة النظرية من مشاركات هؤلاء المعاشيين وبحوثهم العلمية ودراساتهم وتقاريرهم ومساهماتهم الأكاديمية في المؤسسات العسكرية والأمنية، فهي على المستوى الإستراتيجي كفيلة بإيجاد كثير من الحلول اللازمة لكل الأزمات الماثلة والمحتملة، وذلك لارتباط بعضها بالإستراتيجية و السياسة، الجيوسياسي، والحروب واستمراريته، والسلام وبنائه، والفساد ومحاربته ونحوه، وبعض الذي أتلف من تلك الوثائق والملفات لا زال موجود في عقول وأضابير هؤلاء الخبراء، لذلك لابد من اتباع خطوات محكمة تمكن من الاستفادة القصوى من هؤلاء المعاشيين في استعادة ذاكرة الدولة أمنيا وعسكريا وتخطيطيا، بالإضافة لتسخير علاقات المبتعثين العسكريين والأكاديميين والمرتبطين بأرقى الأكاديميات في أطراف العالم المختلفة، لتنفيذ خطط التعاون والتنمية المستدامة، فلا يمكن لأي دولة تحقيق الأمن والاستقرار دون الاعتماد على خبراء عسكريين وأكاديميين متميزين في جميع المجالات العسكرية والأمنية والإستراتيجية، ومن أجل ذلك علينا توفير جميع الدعم والموارد اللازمة لتحسين الأكاديميات والمعاهد والكليات العسكرية وزيادة الاستفادة من خبرات ومعارف الخبراء في هذا المجال، وهذا مجال يرجى المساهمة فيه بقوة وتجرد من هؤلاء الخبراء.

● ختاما: 
‌أ) يرجى أن يضطلع المعاشيون السودانيون في القوات النظامية بوضع تصورات آنية لوقف الحرب، وأخرى لاحقة بعد السلام من خلال العمل على تطوير القوات النظامية وبناء الجهاز الدفاعي والوقائي والأمني الذي يعمل على حماية الوطن وموارده والمواطنين ومقدراتهم ومنع اللجوء إلى الحرب والصراعات، على أن تكون هذه التصورات مستندة إلى تحليل شامل للوضع الحالي وتحديد الأهداف والمهام والموارد المطلوبة لتحقيقها وتطوير خطط عمل مفصلة لتنفيذها.
‌ب) وينبغي على كافة المعاشيين الرافضين للحرب المؤمنين بدولة المؤسسات والحقوق، أن يعوا أن تحقيق السلام يتطلب جهوداً مبذولة من الجميع وهم ليسوا استثناء فقط هم في استراحة محارب أملتها الظروف، وأنه لا يمكن تحقيق السلام والاستقرار والعدالة إلا بالتنسيق والتعاون بين جميع الأطراف المعنية، ومن خلال دورهم المميز والفعال في تحقيق السلام، يمكنهم أن يصنعوا فارقاً حقيقياً في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السودان.
‌ج) وعليهم العمل بروح المسؤولية والتعاون والانضباط المعهود لديهم، والتحلي بالصبر والإصرار لتحقيق الأهداف المنشودة، وأن يكونوا على استعداد لتقديم التضحيات اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار في المناطق المتضررة من الحرب، فالتضحية والفداء في أوقات السلم أقسى منها في أوقات الحرب وإبراء الجراح أصعب من صناعتها والتدمير أكثر إرهاقا وتكلفة من التعمير.

عروة الصادق
30 أكتوبر 2023م

الأربعاء، 25 أكتوبر 2023

رسالتي في ذكرى انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م

رسالتي في ذكرى انقلاب ٢٥ اكتوبر 
● في ذكرى إجهاض حلم الوطن ووأد بناته وقتل بنيه، اتقدم بتحيةً لكل السودانيات والسودانيين مضوا وقضوا بفعل آلة الانقلاب لهم الرحمة والمغفرة ولآلهم وذويهم وعارفي فضلهم الصبر الجزيل، لأولئك الذين تصدوا للانقلاب المشؤوم منذ وهلته الأولى، ونادوا (بهبوا لحماية ثورتكم) منذ تصفير مؤقت الانقلاب الزمكاني، للذين حاول الانقلاب دمغهم بالفساد والاجرام وعجز، للذين ما انقلب العسكر إلا لعزلهم وإبعادهم، للذين كانوا يستخدمون سلاح (الكلمة) فاستخدم (السلاح) ككلمة ولكمة في مواجهتهم.

● للمواكب والتنسيقيات واللجان، للطواريء والمحامين والأطباء وللحراك والطوفان، للذين يعملون جاهدين الآن لوقف الحرب اللعينة في أركان المعمورة كلها، لأولئك الذين لا يسكنون السودان وإنما يسكن السودان بين حناياهم، لأولئك الذين لم يستكينوا لأصوات الإرهاب الفكري والتهديد والوعيد، لأولئك الذين مضوا في رص الصفوف وتوحيد الرؤى، وضم الجميع لمنصة الانطلاق نحو استعادة المستقبل الذي سلبته الانقلابات وحرب أكتوبر ٢٠٢٣م، 

● لأولئك الشباب والنسوة والشيوخ والعمال والصناع والزراع والخبراء، للجوء والفرار والنزوح، للمصابين للمكلومين للأرامل والأطفال والأيتام والجروح، للذين شردتهم الحرب وآلتها، وبطشت بهم أيادي الظلم وآذتها، لتلك الأواصر التي غذتها العنترية والعنجهية والعنصرية ومزقتها، وللكل معوز في دار إيواء، ولكل مريض حرمته الحرب من جرعة دواء، ولكل تلميذ أو طالب هددت الحرب مستقبله التعليمي والأكاديمي وقطعت دراسته العليا.

● للذين قالوا كلمتهم منذ اليوم الأول رفضا للحرب ومنطق (القوة) وانحازوا لقوة (المنطق)، لهم وهم يسعون ويتكبدون عناء ورهق السفر والترحال والتواصل المضني مع بعضهم والعالم، بعد أن فرقتهم السبل وسدت أبواب أوطانهم عنهم بدعاية الكذب والتضليل وبروبوغاندا الحرب، تحياتي لهم وهن وهم لا زالوا متمسكين بسلمية الأدوات ومدنية القنوات لإقامة دولة الحرية والديمقراطية، ولم يتوانوا عند النضال لتحقيق الأهداف التي نادت بها ثورة ديسمبر المجيدة، فالحرية والسلام والعدالة هي الأسس الرئيسية التي يجب أن تقوم عليها الدولة السودانية الجديدة، ولا يمكن الاستغناء عنها أبدا بأي حال من الأحوال.

● ومن هنا (أم درمان) فإنني أحثني وهن وهم والجميع على العمل بروح الوحدة والتضامن والترفع عن الصغائر، وأحضني وهن وهم والجميع على ترك الخلافات الشخصية والضغائن والأحقاد، وأحرضني وهن وهم للعمل بروح البذل والعطاء والتضحية والفداء، والتفاني في خدمة الوطن وبنيه وبناته، الذين أصلت ظهورهم نيران الحرب، وأدخلت حزنها في كل وجدان، وسلبت سعادة كل إنسان، فمن خلال العمل المشترك وحده والتنسيق بين جميع الأطراف الني قادت وحدة الطريق نحو الثورة وحققت خلاصها من اعتى دكتاتوريات القرن والقارة، يمكن أن نخرص أصوات البنادق ونغلق أبواق الحرب، ونردم برك الدم، ونواري رفاة الشؤم، ونبني دولة جديدة تحترم حقوق الإنسان، وتحقق التنمية المتوازنة والمستدامة، وتوفر فرص العمل والرفاهية للجميع.

● ومن المهم أن ندرك جميعاً أن العمل الجاد والمثابرة هي الأساس الذي مكنتا من الانتصار على الأنظمة الدكتاتورية في كل الحقب، وهو ما سيجعلنا قادرين على تحقيق الأهداف التي نسعى إليها سويا وجميعا، فلا يمكن أن نتوقع النجاح إذا كانت الأفكار متشتتة، والجهود مفرقة، والجماعات متشظية، وإذا لم يكن هناك تفاهم وتعاون بين الجميع، فلا يرجى الوصول إلى غاية أو نيل هدف.

● ولذلك فالجميع يرجى منهم العمل بروح وثابة تواقة قوية تدفعها الإيجابية، حتى أولئك الذين تمنعوا عن التواصل مع إخوانهم وزملائهم من رفاق الطريق، واجبنا إيجاد العذر لبعضنا والمضي قدما إلى الاستمرار والاصرار بالاعتماد على الحوار والتشاور سبيلا أوحدا للتعاطي في الشأن السوداني، والتأكيد على أن يكون التعاون المثمر هو الوسيلة التي نبلغ بها سويا وجميعا غاياتنا، وعلى مساندة بعضنا البعض في هذا المسار الطويل الذي ينتظرنا محفوفا بالألغام والآلام، فإننا نثق بأننا قادرون على تحقيق الأهداف التي نصبو إليها بوحدتنا وقوتنا وتماسكنا وتمسكنا بحلم الثورة، وبفضل الإرادة القوية لهذا الشعب والعمل المستمر والمحبة لله والوطن وللإنسان.

● فلنعمل جميعاً بروح الثورة وأدبياتها، ونعمل ونُعمل أدواتها السلمية بالوحدة والتضامن والحوار والتشاور، ولنتحد في سبيل بناء دولة الحرية والديمقراطية التي يستحقها الشعب السوداني والتخلص من شبح الأيدولوجيا الواهمة والسياسات الخاطئة والحروب الأهلية، لنحقق سيادة شعبنا ووحدته، متكاملا متوازنا عادلا متطورا، متصل بمحيط الإقليمي والدولي.

● ختاما: فلنكن أبناء وطن واحد في كل جهاتنا وجبهاتنا وتحالفاتنا وأحزابنا وكياناتنا ومنظماتنا وجماعاتنا، تفرقنا ألواننا وألسنتنا وأدياننا تنوعا موحدا لسوداننا ووجداننا، وتجمعنا وحدة الحقوق والواجبات والاعتراف بكوننا سودانيون نستحق أن نتعايش بإخاء في أرض أجدادنا ومنبت رزقنا، ولنعمل بكل قوتنا وجهدنا وعزيمتنا، لتحقيق الأهداف التي نصبو إليها سويا وجميعا، فالنجاح لن يأتي بالانفراد والعناد والفساد، ولا سبيل إليه إلا بالعمل المضني والجاد والنصر لن يتحقق بغير التضحية والتفاني.

𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔

orwaalsadig@gmail.com
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٣م 

الاثنين، 23 أكتوبر 2023

إنهاء الحرب: تحدٍ للصعاب وشغف للشجعان وفرص المحن

إنهاء الحرب: تحدٍ للصعاب وشغف للشجعان وفرص المحن
● نعيش والبشرية من حولنا في عالم مليء بالتحديات والكوارث والحروب والأزمات القاسية، ولكن الحقيقة المثيرة للفكر، والمعملة للتأمل، والشاحذة للعقل، والمعلية للهمم، هي قدرة الإنسانية على تجاوز تلك الصعوبات والمتاعب والخروج منها بنجاح مهما استطالت أيام محنتها، وذلك عندما يتحدى البشر الأقوياء الأسوياء الكرماء غربان الشؤم ورعاة الظلم، ودعاة البطش، وغلاة الفكر، ودعاوى الموت، حتما سُطر في التاريخ أنهم يدحرون جحافل المحن، ويصدون جيوش البلايا، وينيرون أيام الغم والنقم، ويتمكنون من تجاوزها وتحويلها إلى نعم وفرص ومزايا ذهبية للتطور والنمو والرقي، كما قال الإمام المهدي عليه السلام: (المزايا في طيّ البلايا، والمنن في طيّ المحن، والنعم في طيّ النقم).

● أولاً: وقبل كل شيء علينا أن نفهم أن كوامن تحريك أبناء وبنات السودان لوضع لبنات الجبهة المدنية لوقف الحرب، وهي الثقة بالنفس والتفاؤل، وهما مفتاحا نجاح التحديات والمجسران لتجاوز العقبات، فعندما يكون لدى البشر الإيمان بقدرتهم على التغلب وتحقيق النجاح، يصبحون حينها قادرين على إزالة العقبات والتغلب على المصاعب بشجاعة وإصرار وحسم وحزم وتجرد.

● ثانيًا: يمكن أن يكون للإنسان دور محدود في التغيير، ولكن قوة العقل البشري الجماعي تلعب دورًا حاسمًا في تحدي الصعاب، وتجاوز الأزمات، واجتراح الحلول، وتكامل الرؤى، وذلك من خلال اليقين الجازم بأن لديهم الإمكانيات الفكرية والذهنية والقدرة على تغيير هذه الظروف السلبية، وباستطاعتهم سويا وجماعيا العمل بجد وهمة وابتكار للتغلب على العراقيل التي تقف في طريقهم، وحتما سيستطيعون تحويل هذه الأزمات إلى فرص من خلال استغلال المشاكل كمحفز للتطور والابتكار وتعلم الدروس والاعتبار.

● ثالثًا: غاية هذه التحركات البشرية الفردية والجماعية هي إيجاد الحلول المناسبة والإيجابية وسيلتها الحوار والأدوات السلمية المدنية الديمقراطية التي لا تنازل عنها، وهو أمر آخر يساعد البشر على تحدي الصعاب، فبدلاً من الركون لاحباطات الحرب وانغلاق الرأي وتحجيم الدور المدني في البلاد، حرك الجميع التفكير في العقبات والمشاكل كمصادر للإحباط، وانصب تركيزهم على البحث عن حلول مستدامة وجذرية ومبتكرة وإيجابية، وجعلوا من هذا التحدي للحرب فرصة ذهبية أخيرة لبناء السودان، واستعادة استقراره، ومأسسة حكومته، وترشيد حوكمته، لتعمل على رفاه مجتمعه، وتطوير مهارات بنيه وفق أسس جديدة واكتساب خبرات وخيرات مفيدة.

● رابعاً: إن التعاون اللامشروط والتفاني اللامتناهي في سبيل الوطن، والدعم المتبادل الذين تشهدهما أروقة اجتماعات القوى المدنية هما أيضًا من أهم الأدوات القوية التي ستمكننا من تجاوز الصعاب، وعندما يتحد البشر معًا ويسيروا سويا سيتحدون أمل أمر عسير، ويمكنهم عندئذ بتبادل الخبرات والمعرفة ثقب الصخور، وبتقديم الدعم المتبادل والتشجيع لبعضهم البعض يجعلهم يضعون أفضل الخيارات الفكرية والسياسية والمعارف المحلية والإقليمية والدولية أمام أمتهم، وهذه الروح الجماعية تعطينا القوة اللازمة لمواجهة التحديات بشكل فعال والنهوض بأنفسنا من كبوة الحرب والخروج من قمقمها، وإلى الأبد بحول الله.

● خامسًا: يظل العزم والتصميم على عدم الاستسلام هما جوهر النجاح في هذه المهمة التي تعد أعسر خطوات تحدي الصعاب الوطنية لما اعتراها من تخوين وتشويش وتشويه للقائمين عليها، وما نراه من تلك المجموعات وتحليها بكل هذا العزم والتصميم والتجرد، فمن المؤكد أنهم يستطيعون التغلب على المصاعب بسهولة، لأنهم يدركون أن الفشل هو أحد أشكال النجاح، وأن الاستمرار في المحاولة سوف يؤدي في النهاية إلى تحقيق الأهداف، وأنه لا بد من صنعاء وإن طال السفر.

● سادساً: للسودانيين وحدهم القدرة على تغيير مصيرهم وتحدي الصعاب وإنهاء الحرب عن طريق الشجاعة والإصرار والتفاؤل، وعندما يرفعون رؤوسهم للأعلى ويعلقون آمالهم بالثريا ينالةنها ويتجاوزون العقبات، ويحققون نجاحاً حقيقياً ويصنعون مستقبلاً أفضل لأنفسهم وللعالم من حولهم.

● سابعاً: استعادة الشرعية المدنية الديمقراطية السلمية، وانتزاع مشروعية الحرب العبثية وكبت أصوات وأبواق الحرب، وكبح جماح أدوات العنف، وتحجيم منظومته الإخوانية (حزب الشيطان) القائمة على التضليل والأكاذيب والمتعطشة للدماء، ووضع الأسس والرؤى المتكاملة الملبية لتطلعات وأشواق الشعب السوداني، تحقيقا لرغبته وتنفيذا لشعارات ثورته (حرية سلام وعدالة).

● أخيرا: مع كل ذلك لا أحد يستطيع التكهن أو الجزم بنجاح تكوين الجبهة المدنية الموحدة لإنهاء الحرب، إلا أن كافة العوامل التي يمكن أن تساهم في نجاح العمل الجبهوي التحالفي المدني للقوى السياسية والمجتمعية السودانية في إنهاء الحرب أضحت متوافرة في هذا المنبر الذي تنعقد جلساته بأديس أبابا في ٢٣ أكتوبر حتى ٢٦ منه، ومن بين هذه العوامل:

١. الرغبة الأكيدة في الوحدة والتعاون بين القوى السياسية والمجتمعية والتي تعد أمرًا حاسمًا لتحقيق نجاح أي عمل جبهوي تحالفي، وكافة المشتركين وممثلو المبادرات متعاونون ويعملون معًا لتحديد أهداف مشتركة وصياغة استراتيجية فعالة لإنهاء الحرب.

٢. كذلك الشراكة الكبيرة بين القوى السياسية والمجتمع المدني، والدور الفعال للشخصيات القومية والمنظمات غير الحكومية والمجموعات العاملة في المجالات الاجتماعية ولجان المقاومة والمجموعات النسوية والمهنية والفئوية والحرفية والقطاعية ومنظمات حقوق الإنسان، التي تلعب دورًا هامًا في توفير الدعم والتوجيه والموارد للعمل الجبهوي التحالفي.

٣. على غير كثير من الانشطة السابقة لهذا التحرك رؤية واضحة وخطط استراتيجية للتوجهات التي نسعى لتحقيقها، وهي موضوعة بصورة محكمة وخطوات عملية للتحقيق يرجى التوافق عليها.

٤. هناك دور كبير يعول عليه وهو الروافع الإقليمية والدولية التي تساعد في دعم التحركات المدنية السلمية عبر الاتحادين (الافريقي) و(الأوروبي)، ومنظمة (ايقاد)، ودول جوار السودان و(الترويكا)، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وهناك تعاون وتفاعل مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية التي تهتم بالسلم وحقوق الإنسان واستقرار المنطقة، ومن بين هذه الروافع:

أ. التضامن الدولي الإنساني من الدول والمنظمات الداعمة والعاملة في مجال حقوق الإنسان والسلم والتي تساهم بشكل كبير في دعم الحركات المدنية السلمية، وتشارك تقديم الدعم المعنوي والمالي والتقني والقانوني للسودان عبر منصات مختلفة أهمها سياسيا الامم المتحدة وقرارات الدول الكبرى، وإنسانيا مؤتمر الاستجابة الإنسانية بشان السودان.

ب. تغير الأجندة الدولية وسيادة التوجهات الرامية لتعزيز السلم والأمان وحقوق الإنسان، خاصة بعد استطالة أمد الحرب في أوكرانيا، واندلاع حرب غزة في فلسطين المحتلة، وجميع الدول الآن تسعى لأبرام اتفاقيات ومعاهدات دولية تعمل على إرساء السلم والاستقرار وحماية السكان المدنيين وتنشط فيما تسميه (Zero Conflict Zone) منطقة خالية من النزاع.

ج. هناك دعم إنساني ومالي كبير متعهد به وملتزم به حال تحقق استقرار في السودان، يحفز الجميع للوحدة لجبر ضرر السودانيين، فستقدم الدول والمنظمات الدولية دعمًا ماليًا وإنسانيًا للسودان، ولتحركات وأنشطة منظماته وقواه المدنية السلمية الديمقراطية، وتلك الناشطة في مجالات الغوث، وسيشمل ذلك تقديم المساعدات الإنسانية ودعم العمليات الانتقالية وتعزيز الديمقراطية، والحوكمة الرشيدة، وحقوق الإنسان، وعمليات العدالة ، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، وإعادة الإعمار، وعمليات حفظ وبناء السلام واعادة اللاجئين والنازحين والفارين من الحرب.

● ختاما: تعتبر هذه العوامل والخطوات والروافع مهمة لتحدي الصعاب ولبلوغ سدرة منتهى التوافق السوداني المدني لإنهاء الحرب واستقرار البلاد، وهي كذلك ضرورية لضمان نجاح العمل الجبهوي التحالفي المدني ودعم التحركات المدنية السلمية في إنهاء الحروب، ومع ذلك فإن تحقيق النجاح يعتمد أيضًا على تكامل بقية الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السودان والقدرة على تجاوز التحديات العالمية والمحلية المرتبطة بالحرب في السودان.

عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
orwaalsadig@gmail.com

الجمعة، 20 أكتوبر 2023

دعاة الحرب والظلام والخوف من نور السلام

دعاة الحرب والظلام والخوف من نور السلام
● مقدمة: تبين أن الحرب من أخطر الظواهر الظلامية التي تؤثر على سلوك الإنسان وفطرته السوية وأنها أخطر مسببات أمراض الفرد والمجتمع، حيث أدت حرب السودان إلى تدمير الحياة الإنسانية والمادية والمهنية والاخلاقية وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وخلقت منظومة من أصحاب الأقنعة والخفافيش وتجار الحروب والأزمات، ولذلك تحرك أهل الفطرة السوية والجميع عملا على إيقاف الحرب وإيجاد الحلول السلمية للنزاعات.

• ولكن يبدو أن بعض "الأبالسة" و"البلابسة" و"الجغامسة" من هؤلاء الخفافيش والظلاميين المشعلين والمحرضين على الحرب لا يريدون ذلك، حيث يعتبرون الحرب الوسيلة الأنسب والطريق الأقصر لتحقيق أهدافهم الذاتية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويرون أن إيقاف الحرب يعني خسارة هذه الأهداف وسقوط تلك الأقنعة، ولذلك ينزعجون من محاولات إيقاف الحرب ويخشون من كشف حقيقة وقوفهم خلف أسباب وقوعها والتحضير لها والتحريض عليها.

• بالإضافة إلى ذلك يعتبر هؤلاء الضلالييون المشعلون والمحرضون على الحرب أن الملاحقة الجنائية المحلية والدولية تمثل تهديداً لهم ولأهدافهم، حيث يعتبرون أنها قد تؤدي إلى إيقافهم وملاحقتهم ومحاسبتهم على جرائمهم، ولذلك يصرون على استمرار الحرب حتى يفرضوا واقعاً سياسياً ودبلوماسياً جديداً يحقق مصالحهم ولا يجعل منهم طرداء للعدالة يهيمون في صحراء التيه كما حدث بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨م.

● ولكني أتفهم إصرارهم على (البلبسة) و (الجغمسة) وإنكارهم أن الحرب لا تحل النزاعات ولا تحقق السلام ولا تنتهي بالحرب، بل تؤدي إلى تدمير الحياة الإنسانية والمادية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومع هذه (المكابرة) والغطرسة يجتهدون لوأد الحلول السلمية للنزاعات وتقويض فرص الحوار والتفاهم بين جميع الأطراف، ورفض الجهود المبذولة لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد والعالم، وذلك لعدة أسباب أهمها:

1. نزغهم للسلطة وشهوانيتهم وتعطشهم للدماء واستبداد الأمر برغبة هؤلاء في تحقيق أهدافهم السياسية والحفاظ على النفوذ الذي يملكونه حتى وإن جلسوا على ركام البلاد المتفككة وجماجم الأبرياء وجثثهم المتحللة، لأنهم يرون ويبررون الحرب والعنف كوسيلة لتحقيق هذه الأهداف ويعتبرون أن أي محاولة لوقف الحرب ستعرض مصالحهم وسلطتهم للخطر ونهجهم الميكافيلي في ذلك أن (الغاية تبرر الوسيلة).

2. تهربهم من المساءلة القانونية والملاحقة الجنائية، ورفضهم الإذعان لأي منظومة حقوقية أو عدلية ليست ربيبتهم أو لا تأتمر بأمرهم، لذا يخشى المشعلون والمحرضون لهذه الحرب اللعينة من إجراءات الملاحقة القانونية المحلية والدولية التي يمكن أن تتخذ ضدهم، في حال تم كشف دورهم في اشعال الحرب أو تشجيعها أو تسعير أوارها بالنفخ في كيرها، خصوصا بعد التحركات الأممية لابتعاث لجنة تقصي حقائق من مجلس الأمن لبحث الحالة السودانية، وتحركات كريم خان مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، لذلك نجد أن هؤلاء (الحربجية) يعتبرون استمرار الحرب وجدواها مصلحة للتغطية على أفعالهم وتجنب المساءلة عنها.

3. الكسابة والغنامة وهؤلاء أصحاب المكاسب الاقتصادية والمالية، وهنا لا أعني صغار اللصوص من الأفراد المشتبه بهم في سرقات الحرب وناهبي الهواتف النقالة، وإنما أعني منظومة العنف التي تشرف على مصالح اقتصادية بدأت وازدهرت في استمرار الصراع، مثل جماعات الاحتكار للوقود والمحروقات والأسلحة والذخائر والمركبات وأجهزة التكنولوجيا المتعلقة بالحرب، والمستوردين أصحاب شركات الاعفاء الضريبي، ونشطاء التجارة غير الشرعية أو الذين ازدهرت انشطتهم باستغلال تهريب الموارد الطبيعية على رأسها الماشية والمحاصيل النقدية والجماعات الذهبية، جميع هؤلاء يرون أن وقف الحرب قد ينتج عنه فقدان تلك الفرص الاقتصادية لذلك يجب استمرارها.

● أقول: نعم! من الممكن أن تؤدي الملاحقة الجنائية المحلية والدولية إلى زيادة إصرار هؤلاء الأفراد على استمرار الصراع،فيتشبثون ويعتقدون أنه بالإبقاء على المواجهة المسلحة، يمكنهم استخدام القوة والعنف لفرض أجندتهم السياسية والدبلوماسية الجديدة.

● ولضمان حالة استدامة السلم والاستقرار يجب التركيز على مكافحة الإفادة والتكسب والمنفعة الشخصية والمصلحة السياسية وبث ثقافة الحوار والتفاهم، وهو أمر يتطلب جهودا مشتركة من الأطراف المعنية والمجتمع الدولي لتحقيق العدالة والاستقرار وتشجيع حلول سلمية للنزاعات ومحاسبة المسؤولين عن العنف والحرب.

● ختاما: مع العمل على تشجيع التسامح والتعايش السلمي وحقوق الإنسان، يمكن تقليل استمرارية الحرب وإيجاد سبل لوقف دور المشعلين والمحرضين على العنف وإعادة بناء ما تسببت به الحروب من دمار لأجل السلام والاستقرار المستدام في المجتمعات، حينها يمكن تحجيم أدوار هؤلاء العابثين الذين يتطلب حصارهم وتحجيمهم عدة خطوات أهمها:

1- تفعيل دور الإعلام الإيجابي والهادف والمهني والمستقل، وتشجيع وسائل الإعلام على نشر الأخبار الإيجابية والتركيز على الجانب البناء والإنساني للأحداث، وحصار الشائعات والاكاذيب وبروبوغاندا الحرب.

2- تطوير برامج شاملة ومتكاملة للتوعية والتثقيف من أجل تحسين الوعي العام للأهمية الحقيقية لخطورة الصراعات والضرورة الحتمية للسلام والتعايش السلمي والتسامح.

3- تصميم عملية (شريان حياة) لتجديد حياة السودانيات والسودانيين وتشجيع المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية على العمل بجدية وتكثيف جهودهم لنشر رسالة السلام والتعايش السلمي وتقديم العون والغوث المطلوب.

4- تحجيم ضوضاء أبواق الحرب وتقليل تأثير الأصوات التي تدعو إلى العنف بإكمال جهود القوى المدنية لإيجاد حلول سياسية ودبلوماسية للصراع واجتثاث جذوره، والتي تتطلب جهود محلية ومشتركة من قبل الجهات المعنية، وخاصة الدول الكبرى والمنظمات الدولية.

5- تجفيف مصادر تمويل وتغذية العنف بتجريد المتحاربين من مواردهم المالية والاقتصادية وتفعيل الملاحقة والقوانين واللوائح الدولية التي تحظر تمويل الإرهاب وأنشطة غسل الأموال والجريمة المنظمة، والتي تتطلب تعاون المجتمع الدولي والإقليمي.

6- أخيرا يأتي الدور الإقليمي والدولي الذي سيساعد بالضغط على الجماعات المستفيدة من الحرب للتوجه نحو نداءات السلام والكف عن تغذية وتمويل الصراع، من خلال التعاون الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي، ودعم الجهود المبذولة لإيجاد حلول سياسية للصراعات.

عروة الصادق 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔
orwaalsadig@gmail.com

الخميس، 19 أكتوبر 2023

موقع السودان من التطور العالمي المتوقع بعد الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي



موقع السودان من التطور العالمي المتوقع بعد الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي
مقدمة:
تعيش المنطقة العربية حاليًا في ظروف صعبة تتطلب تحولًا كبيرًا في نظم الأمان والاستخبارات والمخابرات، بعد الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي المصاحب، يُتوقع أن يشهد العالم تطورًا جديدًا يتعلق بتشكيل منطقة خالية من الصراع وتطوير نظام استخبارات جديد، وستكون هذه التطورات ذات تأثيرات مهمة على دول المنطقة، وخاصة السودان وجارته مصر، حيث سيتم تنظيمهما في إطار القرارات العالمية المتخذة للتعامل مع الوضع.

١. البحث عن منطقة خالية من الصراع (Zero Conflict Zone)، وستعمل أجهزة المخابرات العالمية بعد الاعتداء على غزة وانكشاف الفشل الاستخباراتي على وقف إمداد البحر الأحمر بما فيه المتدفق من السودان، ظنهم أن هذا الإجراء سيساهم في تقليل انتشار الأسلحة والتهديدات وتحقيق استقرار أمني في المنطقة، وبالتالي ستشهد المنطقة تقدمًا تاريخيًا نحو إنشاء "Zero Conflict Zone"، حيث التمهيد لأن تخلو هذه المنطقة من أي صراعات وتوترات عسكرية واختلالات أمنية، وهو ما يمكن أن يصنع تحالفات جديدة بين الدول على أساس هذا التخلق الجديد.

٢. تطوير نظام استخبارات جديد بعد انهيار سابقه وتأكد فشله، فمن المتوقع أن يؤدي الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي إلى إعادة تقييم النظم الأمنية والاستخباراتية في المنطقة بأسرها، وعلى رأسها الداخلية في اسرائيل (الشاباك، أمان، الموساد)، وتلك المجاورة لها في المنطقة العربية، أو الغربية (CIA - MI6) أو الشؤقية (روسيا، الصين، ايران)، وستعمل أجهزة المخابرات العالمية تلك على دعم أو ملاحقة التمويل للجماعات المسلحة ومكافحة التهريب وتطوير شبكة معلومات جديدة تمامًا، وستتقاطع تلك التحركات، وستتبلور هذه التحديثات إلى نظام استخباراتي جديد يعتمد على تكنولوجيا متقدمة جدا، وأنظمة أكثر سرية و(شبحية)، وتعاون دولي أكبر لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

٣. السودان ومصر دولتان محوريتان في أجندة التطور الجديد، وستكونان على رأس الدول التي ستتأثر بشكل كبير بهذه التطورات، فمن المعروف أن السودان يعاني من قضايا أمنية واستقرارية مصيرية، ويمثل عين القرن الإفريقي والبحر الأحمر وبوابة إفريقيا، وبوجود معلومات عن خروج الأسلحة من السودان، ستعمل الأجهزة الاستخباراتية العالمية على وضع يدها على السودان بغية احتواء هذا التهديد ودعم أو وقف تمويل الجماعات المسلحة، ومن جانبها ستواجه مصر تحديات أمنية كبيرة خاصة في منطقة شبه جزيرة سيناء وجنوبا صحراء سيوة وغربا منطقة السلوم، ومع نظام استخبارات جديد وتفعيل الشبكة الجديدة للمعلومات، ربما ستتحسن قدرة الدولتين على مكافحة التهديدات الأمنية وبناء أمن إقليمي أفضل ولكنها لن تأبه برغبة الشعوب في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما سيجعل بعض الدول المتقدمة تقايض الديمقراطية بالاستقرار الأمني وربما دعمت أنظمة باطشة، وغضت الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان.

٤. الأثر العالمي المتوقع سيكون هائلا سياسيا وأمنيا ودبلوماسيا، وسيكون لهذه التطورات العالمية أثر كبير في المنطقة وعلى مستوى العالم أجمع، وستنعكس جهود دعم أو وقف خطوط إمداد البحر الأحمر في تحقيق الأمن والاستقرار العالميين، وستُحدث متغيرات كبيرة في دول المنطقة ربما تشمل تغيير وتشكيل انظمة سياسية جديدة وصعود فاعلين جدد، وتغير أنظمة التسليح، وانتشار قطع حربية جديدة، وبروز قواعد عسكرية وتوسع استراتيجي، بالإضافة إلى ذلك ستكون هناك حاجة للتعاون الدولي لتحقيق نجاح هذه الجهود، والتي يمكن أن تكون نموذجًا يحتذى به في مكافحة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.

خاتمة:
من المؤكد أنه بعد الاعتداء على غزة والفشل الاستخباراتي، يُتوقع أن تشهد المنطقة تطورًا كبيرًا في المجالات الرئيسية المذكورة: تشكيل منطقة خالية من الصراع وتحديث نظام الاستخبارات وتأسيس أنظمة سياسية جديدة، وسيتأثر السودان ودول المنطقة بشكل خاص بهذه التطورات وسيكون لها أثرًا عالميًا كبيرا يستوجب اليقظة، وإن تحقيق هذا التطور المخابراتي والاستخباراتي العالمي سيتطلب تعاونًا دوليًا قويًا وإرادة سياسية حقيقية ونظاما مستقرا، بغض النظر عن خلفيته أيدولوجيا دكتاتوريا أو ثيوقراطيا كان، ستدعم الدول العظمى أي نظام سياسيي، شريطة أنه سيساهم بشكل كبير في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم بأسره ويلتزم بأجندة المنظومة الدولية الأمنيةوالعسكرية الجديدة.


عروة الصادق 
١٩. أكتوبر. ٢٠٢٣م 
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔