الخميس، 12 فبراير 2026

إعادة إعمار الخرطوم- هل يستقيل الفريق جابر كما استقالت سلمى؟!

إعادة إعمار الخرطوم- هل يستقيل الفريق جابر كما استقالت سلمى؟!


عروة الصادق 

orwaalsadig@gmail.com


● المدينة التي خرجت من تحت الركام يخضبها الدم والدموع ويكسوها الفقر والجوع، تتقدم مشاريع الصيانة وإعادة التأهيل تحت إشراف سلطة أمر واقع يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان وأركان "قسمته" الضيزى، وفي قلب هذا المشهد يبرز اسم إبراهيم جابر كأحد أكثر الشخصيات حضوراً في ملف إعادة إعمار العاصمة.

أضحت الخرطوم اليوم ورشة مفتوحة، جسور، طرق، محطات مياه، شبكات كهرباء، مرافق حكومية، عقود تتداول بالملايين من الدولارات في بيئة تعاني شح النقد الأجنبي وانهيار العملة المحلية، هذا التناقض وحده يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الأرقام إلى بنية القرار ومنظومة التنفيذ.

بعد تناسل جماعات "اقتصاد الحرب" برزت جماعات اقتصاد الإعمار في ظل سلطة انتقالية لانقلاب أكتوبر ٢٠٢١م وحرب إبريل ٢٠٢٣م، سلطة بلا مؤسسات رقابية فاعلة، ولا مسؤولية محددة، انخرطت تلك الجماعات في اقتصاد إعادة الإعمار وهي عملية عادة تمر عبر ثلاث طبقات، قرار سياسي، عطاءات تنافسية، رقابة مالية مستقلة، في حالتنا السودانية يبدو المشهد مختلفاً، اللجنة العليا لإعادة تأهيل العاصمة أصبحت مركز ثقل مالي وتنفيذي في آن واحد، تركيز الصلاحيات داخل دائرة ضيقة يخلق بيئة مثالية لتغول شبكات المصالح، في ظل غياب برلمان معين أو منتخب أو جهاز رقابي مستقل بقدرة حقيقية على المراجعة تتحول ملفات الإعمار إلى ملفات مغلقة أمام الرأي العام، حجم التمويل المعلن محدود مقارنة بحجم الحركة المالية الفعلية في السوق الموازي.


و استشرت وانتشرت بالمقابل شبكة الوسطاء و"الجوكية" والمتنافسين في: "من يحرس بوابة المشروع؟"، وذلك في ظل اقتصاد يعاني تعدد أسعار الصرف ويتحول الدولار إلى سلعة بحد ذاته، كل عقد صيانة مسعّر بالدولار مثل صيدا ثمينا لهؤلاء عبر سلسلة تحويلات، تسويات، مقايضات، إعادة تقييم بالعملة المحلية، وقد ظهرت هنا فئة من الوسطاء يطلق عليهم بالسوداني "جوكية" وفي الأدبيات الاقتصادية "Gatekeepers"، أشخاص يتحكمون في الوصول إلى القرار، في منح التراخيص، في اعتماد المستخلصات المالية، في تسريع الدفعات، وجودهم مرتبط بالبرهان وشقيقه وأصدقائه وهو داء دائما ما يصيب الأنظمة ذات المركزية العالية، هذه الشبكات تنشط عبر شركات مسجلة حديثاً طُبخت أوامرها التأسيسية وسجلت في أضابير المسجل التجاري العام للجمهورية ، ونشطت في تأسيسها مكاتب استشارات هندسية مرتبطة بالنخبة السياسية التي تدير الحرب ظاهرا وباطنا، ويخدمهم سماسرة عملة في السوق الموازي، قنوات تحويل عبر تطبيقات مصرفية مثل "بنكك" التابع لـ بنك الخرطوم، تسييل المخصصات الدولارية  وبيع الذهب داخل اقتصاد محلي منهك ولّدوا برمشة عين أرباحاً استثنائية لكل من يتحكم في التوقيت والسعر وقنوات التحويل، وبأمره شخصيات.


نحن نستصغر حجم الأموال التي يتحدثزن عنها "١١- ١٢" مليون دولار مقارنة بحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في العاصمة الخرطوم تجاوز 60–80٪ من القدرة التشغيلية في قطاعات المياه والكهرباء والخدمات الحضرية، والتقدير الأولي لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية في المدينة يضع الرقم في حدود 300–350 مليون دولار كمرحلة إسعافية، بينما ارتفعت الكلفة الكلية لإعادة إعمار الخرطوم إلى نطاق يتراوح بين 100 و300 مليار دولار وفق تقديرات متباينة تشمل الطرق والجسور والمباني الحكومية وشبكات الصرف الصحي والاتصالات والمطار، وفي قطاع المياه وحده، تعرّضت محطات استراتيجية مثل محطة سوبا إلى أضرار واسعة، وتطلبت عمليات إعادة الضخ إدخال مضخات صناعية جديدة، تأهيل خطوط ناقلة بطول مئات الكيلومترات، استيراد محولات كهربائية، وأنظمة طاقة شمسية لتشغيل الآبار، ضمن تقديرات جزئية تشير إلى عشرات الملايين من الدولارات جميعها نفذها شخص واحد وليس شركة واحدة يشرف عليه إبراهيم جابر مباشرة.


وقطاع الكهرباء تكبد خسائر أولية قُدّرت بأكثر من مليار دولار تشمل محطات تحويل، كابلات ضغط عالٍ، شبكات توزيع داخل الأحياء، ومولدات احتياطية للمستشفيات. الطرق والجسور تحتاج إلى إعادة سفلتة مئات الكيلومترات وصيانة هياكل خرسانية متضررة، بعقود فردية تتراوح بين عدة ملايين إلى عشرات الملايين للدولار للمشروع الواحد، ما يعكس الفجوة بين التمويل المتاح وحجم الاحتياج الفعلي. في ظل تعدد أسعار الصرف وتذبذب قيمة الجنيه السوداني، فإن أي عقد مسعّر بالدولار يخضع عملياً لفارق تقييم قد يتجاوز 20–40٪ بين السعر الرسمي والسوق الموازي يذهب هذا الفارق والهدر إلى جيوب حفنة البرهان وجابر، وهو ما يضخم الكلفة الفعلية عند تسييل المبالغ داخل السوق المحلي. هذه الأرقام تعكس فجوة ضخمة بين الحاجة التمويلية والقدرة المؤسسية، وتبرز أهمية الشفافية في إدارة عقود الإعمار، ونشر تفاصيل المدخلات من معدات، مواد بناء، خدمات استشارية، أجور تشغيل، وكلف تحويلات مالية، لضمان حماية المال العام في مرحلة إعادة البناء.


هذا الأمر ليس عرضا طارئا ولا داء آني وإنها هو الإرث الثقيل من الحركة الإسلامية وتنظيمها المحلول وواجهاتها التي مكنها البرهان وعصابته من التحول إلى شبكات النفوذ الجديدة، وذلك لأن تفكيك دولة النظام السابق لم يكتمل، المؤتمر الوطني ترك خلفه شبكة اقتصادية ممتدة داخل القطاع المصرفي، الأراضي، المقاولات، شركات الخدمات، تجربة ثلاثة عقود من حكم المخلوع عمر البشير أنتجت طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة يجيدون العمل داخل اقتصاد الامتيازات والاحتكار، اليوم توفر إعادة الإعمار بيئة مشابهة، أموال عامة، عقود طارئة، شفافية محدودة، سوق عملة مضطرب، حاجة ملحّة للخدمات، وهو المناخ الذي مهد لتجدد الأدوار بأسماء مختلفة وأدوات حديثة علنية وخفية هذه المرة.


ولأن ملف العملة هو الحلقة الأكثر ريعية في هذه المعادلة والأكثر حساسية، لأن كل مشروع مسعّر بالدولار يعني سؤالاً بسيطاً، من يوفر الدولار، بأي سعر، وأين يُصرف الفارق، تعدد أسعار الصرف يخلق هامش ربح خفي بين السعر الرسمي والسوق الموازي، أي جهة تملك القدرة على الوصول المباشر إلى النقد الأجنبي تملك ميزة استثنائية في بيئة تضخمية، ورغم تضخم الكتلة النقدية بالعملة المحلية مقابل انكماش حاد في الاحتياطي الأجنبي، كل أعمال الصيانة تم تقديرها بالدولار وليس العملة الأجنبية، هذا الاختلال يفتح الباب أمام اقتصاد ظل موازٍ يتغذى على فروق الأسعار.


هذا يجعل ملف إعادة الإعمار في محك بين الضرورة والمساءلة، لأن لخرطوم تحتاج إلى المياه والمشافي والمدارس والكهرباء والطرق، ولكن السؤال الجوهري يتعلق بكيفية إدارة المال العام في ظرف سياسي استثنائي، لأن غياب الإفصاح التفصيلي عن أسماء الشركات المتعاقدة، هيكل الملكية، قيمة العقود الكاملة، آلية الطرح، تقارير المراجعة، يجعل الرأي العام يعتمد على التسريبات والانطباعات، في الدول التي لم تخرج من الحـ.ــرب بعد، ومعلوم أنه ترتبط أخطر مراحل الفساد بفترة ما بعد الحرب، تدفق الأموال يقابل مؤسسات ضعيفة، التاريخ الحديث في عدة دول أفريقية يقدم نماذج واضحة لذلك، يستلهم منها جابر وزمرته نماذجهم في التحويلات والتلاعب الشكلي والجوهري يشرف عليه وعلى عمليات الحماية التغطية والتعمية رأس مجلس السيادة شخصيا، يخمه في ذلك والي الخرطوم وبعض موظفيه ومدراء الشركات الذين ليس لديهم حسابات بنكية حتى ولكنهم يديرون عمليات استبدال العملة المحلية والدولار عبر حسابات أشقائهم وشقيقاتهم بأرقام فلكية خدمة للفريق إبراهيم جابر الذي يحاول منافسوه من صغار سماسرة حكومة الأمر الواقع تعريته.

● ختاما: إن إعادة إعمار الخرطوم تمثل اختباراً حقيقياً للسلطة الحالية، ولأنها عملية مستعجلة سبقت وقف الحرب وبرامج هدنة حقيقية سـ تستنزف خزينة الدولة وتثقل الحياة على كاهل المواطن، ومع ذلك طالما أصرت سلطة الأمر الواقع على المضي في هذه العملية الشائهة عليها إما أن تحول عملية إعادة الإعمار إلى مشروع وطني شفاف يخضع للرقابة والمساءلة، أو أن تصبح فرصة لإعادة تدوير شبكات النفوذ التي عرفها السودانيون طوال عقود، المعركة حول الخرطوم ليست فقط معركة خرسانة وحديد، إنها معركة إدارة المال العام في ظل سلطة انتقالية تواجه امتحان الثقة.


ولي عودة...


الخميس، 29 يناير 2026

تصنيف الجماعة إرهابية .. دلالات ومآلات

تصنيف الجماعة إرهابية - دلالات ومآلات

✍ عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


يحمل تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية في السودان دلالات تمتد إلى عمق البنية السياسية والأمنية والاقتصادية، لأن الحركة الإسلامية السودانية تمكنت من احتلال مركز السلطة منذ انقلاب عام 1989م، وأعادت تشكيل أجهزة الدولة على أساس مشروعها الأيديولوجي التمكيني الامنجي المتخندق الممتد لثلاثة عقود، مما يجعل أي خطوة دولية أو إقليمية في اتجاه تصنيف التنظيم خطوة ذات أثر مباشر على مسار الصراع في السودان، خاصة بعد انخراط كوادره وميليشياته في النزاع المسلح منذ أبريل 2023م، هذا أولا.


● ثانيًا: لو نظرنا التطور التاريخي للتنظيم وبنيته الفكرية والتنظيمية فقد بدأت الحركة كامتداد مباشر لفكر حسن البنا في أربعينيات القرن الماضي داخل الوسط الطلابي، ثم تطورت إلى حركة ذات حضور سياسي منظم عبر أطروحات قادها الدكتور حسن الترابي، واستطاعت بناء منظومة فكرية شكّلت قاعدة للتمكين داخل الدولة، واعتمدت الحركة تكتيكاً يقوم على تغيير الواجهة السياسية كلما تبدل المناخ العام، مع الإبقاء على الجوهر التنظيمي، الأمر الذي أتاح لها قدرة عالية على المناورة ضمن مسارات الحكم، وسمح لها بتوسيع نفوذها داخل المؤسسات الرسمية.


● ثالثًا: إن المراحل المحورية في البناء المؤسسي للإخوان في السودان مُعملة للفكر وتجيب على كل تساؤلات اليوم؛ فقد مرت الحركة بعدة مراحل تنظيمية، حيث بدأت في الفترة الممتدة بين 1944م و1954م تحت مسمى حركة التحرير الإسلامي، وهي مرحلة ارتبطت بالنشاط الطلابي وبالتأثر المباشر بإخوان مصر.
ثم دخلت مرحلة جديدة ما بين 1964م و1969م عبر جبهة الميثاق الإسلامي وقتئذ انخرطت في مقاومة النظام وشاركت في انتفاضة أكتوبر، وهي مرحلة انتقلت فيها نحو العمل السياسي المهيكل مع تبني مشروع دستوري إسلامي، وفي الفترة بين 1977م و1985م، توسع نفوذ الحركة عبر مسمى الجبهة الإسلامية القومية، إذ تمكنت من التغلغل داخل أجهزة الدولة والجيش والقطاع المالي أثناء المصالحة الوطنية.
ثم جاءت مرحلة الإعداد للاستيلاء على السلطة بين 1985م و1989م عبر بناء جهاز سري عسكري يعمل خلف المشهد، وبعد نجاح الانقلاب العسكري عام 1989م، دخل السودان مرحلة حكم الحزب الواحد، حيث أنشأ التنظيم مشروع التمكين، وسيطر على مفاصل الدولة، وأنشأ قوات الدفاع الشعبي وواجهات أمنية مجتمعية أخرى. واستمر الأمر إلى أن أججت الجبهة الإسلامية الحريق في جنوب السودان بمشروعها الجهادوي العنصري حتى قرارات رمضان الشهيرة التي زجت بموجبها الحركة عرابها غياهب السجون والمعتقلات، وفي الفترة الممتدة بين 1999م و2019م، انقسمت الحركة إلى المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي بعد ما عُرف بالمفاصلة، إلا أن هذا الانقسام لم ينهِ نفوذها الفعلي، ثم عادت عبر بوابة العمل العسكري خلال الحرب الأخيرة من خلال كتائب ذات ولاء عقائدي، أبرزها كتيبة البراء بن مالك والقعقاع والبرق الخاطف و البنيان المرصوص ونحوها.


● رابعًا: لسبر أغوار العلاقة مع التنظيم الدولي للإخوان نجد أن الحركة الإسلامية السودانية تعتبر نفسها جزءاً أصيلاً من المنظومة الفكرية العالمية للإخوان، مع التزام بالأصول الفكرية العامة التي أقرها مكتب الإرشاد العالمي، إضافة إلى هامش واسع من الاستقلال البراغماتي في القرار المحلي، وشاركت في مل مؤتمرات التنظيم العالمي وآخرها في لاهور/ باكستان 2025م، والتي اعتمد فيها التنظيم استراتيجيته الجديد للتعامل مع المتغيرات القُطرية والإقليمية والدولية، ومع اتجاه الولايات المتحدة في بداية عام 2026م نحو تصنيف فروع التنظيم في المنطقة ككيانات إرهابية ( الأردن، مصر ، لبنان، المغرب .. للخ)، يجد الفرع السوداني نفسه ضمن شبكة متشابكة تتعرض لموجة ضغط دولي متصاعدة، ما يفرض على كوادره التمهيد للتعامل مع تبعات تصنيف محتمل وهو ما أقرته اجتماعات أمينه العام في مطلع العام 2026م بولاية نهر النيل.


● خامسا: مثلت الواجهات الاقتصادية والإمبراطورية المالية للتنظيم عظم الظهر للتنظيم الدولي والسوداني تحت مسمى "الأرض المباركة" وقد اعتمد مشروع التمكين على بناء شبكة اقتصادية واسعة تدير موارد الدولة عبر واجهات متعددة، بعضها حمل طابعاً خيرياً كمنظمة الدعوة الإسلامية، بينما عملت شركات أخرى في قطاعات استراتيجية، ومن أبرز هذه الواجهات مجموعة دانفوديو التي عملت في المقاولات والهندسة والخدمات البترولية ووفرت للتنظيم نفوذاً واسعاً داخل قطاع البنية التحتية والطاقة وشركات وبنوك وأسماء أعمال أخرى، وأدار رجال أعمال منتمون للحركة شركة عابرة للنقل وشريان الشمال ومجموعة شركات الزوايا التابعة لعبد الباسط حمزة، ومجموعات قابلة أخرى، وهي جهة سيطرت على حركة السلع الاستراتيجية والإمداد الثقيل، مما أتاح للتنظيم قدرة لوجستية مهمة.
وفي قطاع الأدوية، امتلك التنظيم شركة الكنار التي شكلت أداة للتحكم في مورد حيوي يدر أرباحاً كبيرة للتنظيم وجهاز المخابرات العامة فكان مدير جهاز المخابرات العامة حامل الأسهم الأكبر فيها،كما أدارت كوادره شركة جمدا المتخصصة في تجارة السيارات والمعدات، وهي جهة وفرت آليات للجهاز الإداري والعسكري، أما قطاع العقارات، فقد مثّلته أبراج الخير في الخرطوم، وهي أصول ضخمة توفر دخلاً ثابتاً للحركة على شكل عوائد إيجارية، ولم تقف يد التعدي على المال العام حتى عن الأوقاف التي تدر ملايين الدولارات للتنظيم ويستفسر بها قادته.

وفي اعتقادي أن أثر التصنيف الإرهابي على الشبكة المالية سيمتد ليضم جماعات داخل السودان وخارجه؛ لأن إدراج أي فرع من فروع الإخوان ضمن قوائم الإرهاب يؤدي إلى تجميد الأصول داخل النظام المالي الدولي، ويجعل التعامل المصرفي شبه مستحيل، مما ينعكس مباشرة على قدرات التنظيم في السودان ويقلص مصادر تمويله للأنشطة العسكرية والسياسية.


● سادسا: لا ننسى البنية العسكرية الموازية فقد بنى التنظيم جهازاً عسكرياً موازياً منذ بداية حكمه وقضائه على مهنيي القوات المسلحة بالتصفية والاغتيال والاعدامات كالتي شملت ضباط رمضان في 1990م، وبعدها امتد الأمر للتكوينات الموازية حيث تأسست قوات الدفاع الشعبي عام 1989م ككيان يجمع بين الطابع القانوني والولاء الأيديولوجي، ووصل عدد مقاتليها إلى عشرات الآلاف صرح امين حسن عمر بأن العدد حزتلي نصف مليون مقاتل.
وبعد سقوط عمر البشير، انتقلت هذه القوات إلى نسق جديد أكثر سرية تحت مسمى كتائب الظل بوصف الأمين العام للحركة الإسلامية علي عثمان محمد طه، وهي وحدات ذات ولاء شديد للحركة وشيوخها، استخدمت خطاباً يهدد بإسكات الثورة المدنية بقوة السلاح وقاد حملتها مهوسون جهادويين كـ إبراهيم محمود والناجي عبد الله وأنس عمر والحاج آدم وغيرهم، ومع اندلاع الحرب الأخيرة، ظهرت كتيبة البراء بن مالك كقوة عسكرية متقدمة تتبع للحركة وهي تقدمت الواجهة رغم وجود كتائب أخرى يقودها اللواء أنس عمر والفريق عمر نمر وآخرين، حيث ضمت آلاف المقاتلين تحت قيادة المدعو المصباح طلحة الذي برز مؤخرا يعلن التعبئة من داخل العاصمة وتلميحه بالتمرد على قرارات القيادة العسكرية، واعتمدت على أسلحة متطورة، بما في ذلك المسيرات التي لعبت دوراً مؤثراً في معارك مواقع استراتيجية، وأثار هذا الوجود العسكري تساؤلات دولية حول مدى استقلالية قرار القيادة العسكرية في السودان، لأن مشاركة هذه الكتائب تمنح الحركة قدرة على الحفاظ على نفوذها داخل الصراع.


● سابعا: إن التداعيات القانونية والسياسية للتصنيف الأمريكي الذي اتجهت إليه إدارة الرئيس دونالد ترامب في أواخر 2025م وبداية 2026م إلى تصنيف فروع التنظيم في مصر والأردن ولبنان ككيانات إرهابية ستكون كبيرة على التنظيم السوداني، مع الإشارة الرسمية إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن عملية واسعة ستطال فروعاً أخرى وفق تقييمات التهديد، ويُبنى التصنيف في القانون الأمريكي على معايير تشمل تهديد الأمن القومي الأمريكي أو مصالح الحلفاء، وتورط التنظيم في رعاية الإرهاب أو تقويض التحول الديمقراطي، وهي معايير تتوفر بلا أدنى شك في الحالة السودانية عبر استضافة أسامة بن لادن وقيادات القاعدة في التسعينيات، وتنفيذ انقلابين عسكريين، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على طريقة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك؛ وتفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام وقصف المدمرة الأمريكية "كول" والمشاركة الفاعلة في الحرب الحالية لإجهاض الاتفاق الإطاري.


● ثامنا: موقف السلطة الانتقالية والجيش ظل يشكل غطاء سياسي وأمني للحركة وقياداتها وأمينها العام علي كرتي، وذلك مع سعى البرهان والقيادة العسكرية إلى تقديم رواية تقول إن الجيش يخوض القتال بصفته مؤسسة وطنية، وإن المقاتلين الإسلاميين مجرد مستنفرين، غير أن الظهور العلني للمصباح أبو زيد، وزيارات البرهان لعناصر الكتيبة في المستشفيات، واصطحاب الفريق ياسر العطا لعناصر الكتائب كلها أحداث تُضعف تلك الرواية أمام المجتمع الدولي، وفي المقابل رحّبت غالبية القوى المدنية السودانية بالتحركات الدولية الداعية لتصنيف الجماعة، ودشنت تحالفات تأسيس وصمود حملات لتوثيق انتهاكات الحركة لتقديمها للجهات الدولية بهدف دعم قرار التصنيف.


● تاسعا: تأثير التصنيف على العلاقات الدولية والاقتصاد السوداني سيكون الأكبر حال دخل حيز النفاذ؛ ويرتبط أي تقدم في ملف إعفاء ديون السودان وعودة البلاد إلى مسار التمويل الدولي بمدى قدرة الحكومة على تفكيك نفوذ الإخوان داخل أجهزة الدولة، كما يتأثر مسار انضمام السودان إلى الاتفاقات الإبراهيمية بوزن التيار الإسلامي داخل المشهد، لأن هذه الاتفاقات تعد شرطاً مهماً في نظر واشنطن لاستعادة الدعم الدولي، بينما يعارضها التنظيم بشدة، وعلى مستوى المساعدات، فإن أي نفوذ فعلي للحركة داخل السلطة يؤدي إلى توقف التمويل الدولي، وتعطيل قروض البنك الدولي، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.


● عاشرا: بالحديث عن مستقبل التنظيم في السودان، سنجد أن "بروبغندا" الحرب تظهر أن التنظيم المحلول والحركة الإخوانية هما حامي الحما والمدافع عن بيضة الإسلام وحرائر الشعب، والحقيقة هي تراجع شعبية الحركة داخل المجتمع السوداني واضح، مع بقاء قدرتها العسكرية والمالية، مما يجعل مستقبلها مرهوناً بمسار الحرب الحالية ومواقف الفاعلين الدوليين، لذلك نجد كل هذا التعنت والرفض لأي عملية سلام أو مفاوضات.

لذلك كله سيكون أمامنا سيناريو العزلة الشاملة، إذ يتوقع أن يؤدي تصنيف دولي مباشر للحركة إلى انقسام داخلي نتيجة ابتعاد العناصر البراغماتية عن التنظيم خوفاً من الملاحقة، إضافة إلى انتقال الحركة إلى غرف سرية مغلقة يسهل مراقبتها ويضعف قدرتها على العمل السياسي، إلى جانب ضغط دولي قد يدفع الجيش للتخلص من نفوذها ودمج مقاتليها في مؤسسات أخرى بطريقة قسرية أو إنهاء وجودهم المستقل.


● ختاماً: يحمل تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ككيان إرهابي آثاراً بنيوية تتصل بإعادة بناء الدولة السودانية، لأن الحركة حرّكت مؤسسات الدولة في اتجاه يتوافق مع مصالح التنظيم الدولي، الأمر الذي يجعل تفكيك شبكاتها المالية والعسكرية ضرورة للحفاظ على وحدة السودان واستقراره، وتحتاج القوى الوطنية والمجتمع الدولي إلى مواصلة التدقيق المالي على واجهات الحركة الاقتصادية، وإلى عزل سياسي واضح لأي كيان تورط في إجهاض التحول المدني، مع متابعة قانونية تضمن عدم إفلات القيادات من المساءلة في ظل الحرب، ويتضح أن الطريق نحو استعادة التوازن السياسي والأمني في السودان يرتبط بإزالة النفوذ الفكري والمالي والعسكري الذي راكمه التنظيم، وهو توجه تدعمه واشنطن وعدة أطراف إقليمية مع بداية عام 2026م.