الأحد، 9 يناير 2022

إذا كان الشهيد (صالح) فلنكن (طيبون)

إذا كان الشهيد (صالح) فلنكن (طيبون)

_________
عروة الصادق

زف السودانيون مواكبا من الشهداء بالدمع الثخين، فبكوهم وناحوا على فراقهم، واستمسكوا بوثيق عراهم، معتبرين بعظيم سيرهم، مخضبين مواثيقهم بطاهر دمائهم، فمنذ أن وطأت أقدام المستعمرين أرض أجدادنا واقتاتت من منابت رزقنا تصدى لها المتصدون وهب شاب لم يكمل اﻷربعين وأعلنها مهدية تتصدى لشأن الدين والوطن متقلدا بقﻻئد الدين ومالت إليه قلوب المؤمنين وخاض غمار الحروب ضد أعتى الدول، فكسر شوكتها، وقصم ظهرها، وأذل كبرياءها، وهد شأوها، ورقد على جنبات طريقه إلى التحرير في يناير 1885 آﻻف الشهداء، تتحدث سيرهم، ومئات منهم جروحهم تتكلم، ومن لم ينل فضل الشهادة في الطريق إلى الخرطوم رقد بعد ثﻻثة عشر عاما فوق ربى كرري وفي السفح وبجب النيل، واصطف مع خليفة المهدي عليه السﻻم في تصد ثان بأم دبيكرات غربي النيل اﻷبيض وافترشوا بجواره اﻷرض وفراهم للقاء الله في يوم عصيب قال عنه قاتليهم أنهم أشجع من مشى على اﻷرض، وتتابعت رحلة اﻻجتثاث اﻻستعماري لتلك الدعوة بجريمة ضد اﻹنسانية قتل ضحاياها في منطقة الشكابة على النيل اﻷزرق ورموا فيه بعد أن أوثقوهم بالحجارة، ونهض. من وسط هذا الركام طفل مصاب مرهق مثخن بالجراح حاملا لتلك الجذوة صار فيما بعد إمام دعوة وقائد دولة.
وظلت جذوة تلك الدعوة متقدة في عقل وقلب إنسان السودان يصطلي بها، ويزكي أوارها، تارة اﻷمير على الميراوي والسلطان عجبنا في جبال النوبة، والشيخ المجاهد عبد القادر إمام ودحبوبة في الوسط، وكسار القلم اﻻستعماري عبد الله ود جاد الله، وضباط آخرين في الخرطوم منهم عبد الفضيل الماظ وعلي عبد اللطيف، وتواصلت الثورات حتى تعددت وجهاتها، وتنوعت سحناتها، إﻻ أن مقصدها ظل واحدا وهو التصدي لﻻستبداد واﻻستعمار، إلى أن جاءت أحداث مارس التي سطرتها كتب التاريخ وهنا أشير باقتضاب لخريف الفرح لكاتبه عبد الرحمن مختار أو مذكرات ومواقف للراحل أمين التوم أو غيرهم ممن شهدوا وشاهدوا كيف كانت ملحمة الاستقﻻل والتحرير الثاني ستجدون في صفحاتهم كيف سالت دماء بريئة ليس في يدها سﻻح وليس لها إﻻ مطلب واحد السودان للسودانيين، السوداني للسوداني ﻻ مصري ﻻ بريطاني، كانوا يريدون فقط أن يسمعوا صوتهم لنجيب وهاو.
ورفع العلم عاليا و"جابر" كان ذاك الطفل المثخن بالجراح اﻹمام وقتها عبد الرحمن الصادق المهدي الذي يرنو إلي الراية وتفيض مدامعه فرحا، وتهتز فرائصه انتصارا، ويشهد على ذلك الشجر والمدر والحجر والخرطوم البكر، والله فوقهم كان خير الشاهدين.
بعدها انسل الطغاة من جلباب آدمي، فانقلبوا على النظام الدستوري، وقتلوا بعد أيام عديدة اثني عشر شهيدا في ساحة المولد، لحقهم بذبحة قلبية إمامهم الصديق المهدي، وتحرك الموكب مجددا وكأنه يقول أن هذه اﻷرض النوبية الزنجية ﻻ يستقيم حالها إﻻ بالقرابين والدماء فانسال الدم مرة أخرى في جامعة الخرطوم وكان القرشي شهيدا أوﻻ في قائمة طويلة من شهداء ثورة أكتوبر 1964 ضمت كل أبناء السودان، وكان اﻻنتصار ممزوجا بعبق طيب دماء الشهداء.
لم تمض أيام إﻻ واجترح الطغاة إثما أعظم باﻻنقﻻب على ذات النظام الدستوري في مايو وشيدوا المقاصل وحفروا المقابر الجماعية وعسفوا باﻷبرياء وعصفوا باستقرار البﻻد وسفكوا ذات الدماء الذكية في الجزيرة أبا وود نوباوي والكرمك وقتلوا الشهيد اﻹمام الهادي المهدي، وثار الثائرون في موكب ليس من بينهم أجنبي واحد زاحفين إلى الخرطوم في 1976 سموهم استكبارا بالمرتزقة، وكانت وقتها حكومة النظام اﻹنقﻻبي ترتزق من كل دول العالم وتتدرب على أيدي مخابراتها اﻷحنبية وترسم أرفع لوحات الوﻻء للكيان الصهيوني بصفقة ترحيل الحبش المعروفة اصطﻻحا بصفقة الفﻻشا.
ولم تجف تلك الدماء إﻻ واهتزت اﻷرض تحت الطاغية، مزلزلة إياه، هادمة عرشه ومبناه، وهنا تواصلت دماء الطﻻب والشباب تسيل فكان عباس برشم شهيد الثورة، وكان الانتصار المجيد في إبريل 1985.
وتنادت قوى الظﻻم في ليلة الجمعة المشؤومة وانقلبت للمرة الثالثة على النظام الدستوري المنتخب، متوشحة بالعباءات، وممسكة بالمسابح، ومطلقة للحى، بيمناها المصاحف وفي اﻷخرى البندقية، تمتطي دبابة الغدر، تتحدث الكذب على لسان من قال لصاحبة اذهب إلى القصر رئيسا وسأذهب إلى السجن حبيسا، ودارت رحا القتل في أرجاء الوطن، فأهلكت ما يزيد عن المليوني قتيل من خيرة الطﻻب والشباب والرجال والنساء والحجة كانت كذبة بزفة إلى حور الجنان نكص عن تلك الفرية قائلها ولحقه في ذلك ربائبه في يناير 2005 بتوقيع اتفاقية السﻻم الذي سمي شامﻻ وقسم البﻻد في 2010.
في هذه الفترة لم ينج الطﻻب من فوه بنادق النظام الدكتاتوري، فقتلت الأستاذة طالبة التربية التاية أبو عاقلة بجامعة الخرطوم، وكذلك محمد عبد السﻻم، وميرغني محمود عبد السﻻم (سوميت) في جامعة سنار، ومعتصم أبو العاص ومعتصم الطيب في جامعة الجزيرة، و غيرهم في كردفان بزالنجي والدلنج وصوﻻ لغربنا الحبيب دارفور التي ﻻ يمثل عدد القتلى في الجامعات فيها مثقال ذرة أمام تلك النصفيات الممؤسسة والممنهجة، على أساس العرق والدم واللون، فكانت اﻹبادة الجماعية ﻷكثر من 200 ألف بدم بارد حرقا وخنقا وإبادة، وصوﻻ إلى أحد أبنائها محمد موسى الذي كان من أميز طﻻب الرياضيات بكلية التربية جامعة الخرطوم، وليس غريبا أن يغتال النظام النوابغ فقد طالت يده الغادرة د. على فضل وأعقبتها بتصفية مجدي وجرجس، وكان للشمال نصيب من هذه الدماء التي سالت غربا في دارفور وجنوبا في النيل اﻷزرق وكردفان ووسطا في اﻷعوج فكان نصبب المناصير سحﻻ وقتﻻ وكذلك الحماداب فكان الشهيد تاج السر.
هذه السيرة الدامية يظن البعض أنها ستنتهي إلى انتقال أخير هاديء وسلس، إﻻ أن إقدام نظام الخرطوم وسدنته على التنكيل والتعذيب والقتل والتمثيل والتصعيد العسكري مفادها أن التاريخ يغيد نفسه والتركية التي استولدت اﻹنجلزية فرخت (متوركين) في ثوب بشر وأخﻻق شياطين، تجلى ذلك واضحا في حادثة اغتيال شاب وطالب علم بكلية شرق النيل بعد اﻻعتداء عليه بحوالي الشهر من أشخاص معلومي الهوية والجهة واﻻنتماء دون أن يرف لهم جفن لما تمنحهم له العصابة الحاكمة من حصانات، فكان الشهيد الطيب صالح أحد الذين لحقوا بالرفيق اﻷعلى ضمن موكب مغبوط، ولﻷسف بما يتراءى للعين لن يكون اﻷخير.
وهذا الذي تتناوله صحف الخرطوم وصحائف التاريخ ما هو إﻻ بعض قطرات دماء زكية في بحر لجي من تلك التي أريقت بغير وجه حق، وكان الشهيد هذه المرة (الطيب صالح)، ولنسر في طريقه علينا أن نكون صالحين مصلحين لهذا الوطن بالتنادي والتداعي لﻻقتصاص واﻻنتصار له ولركب الشهداء، ولنكن طيبون ﻷبعد الدرجات بأن ننفث الخبث من هذه البﻻد ونستأصل حفنة الدم المخثر في جسد السودان، فلن نكون طيبين وبيننا خبث هؤﻻء الشرذمة الذين ﻻ خﻻق لهم وﻻ دين وﻻ انتماء، وأي حديث عن أمل في ترميم وجوههم الدميمة أو إصﻻح أخﻻقهم الذميمة يعد ضربا من ضروب المستحيل، وهذه الطيبة استحقاقاتها معلومة وباتت الطريق إليها سالكة إﻻ من بعض زخات الرصاص وجحافل الجبناء الذين احتموا بالسلطة.
إذا آن اﻷوان ﻷن يصلي (إمامنا) على الشهيد كما صلى من قبله على القرشي، وأرجو أن ينزل قائد الأمة هذه المرة بساحتهم، فنأتم بإمامته شبابا وطﻻبا، نمسك بأكف بعضنا من كل مكونات شعبنا استجابة لنداء السودان، ونزحف من كل حدب وصوب كما زحف أبو قرجة على الخرطوم، ونحرر السودان للمرة الثالثة واﻷخيرة من قبضة اﻻستبداد وزمرة الفساد.

عروة

التمكين اﻹنساني لذوي اﻹعاقةهو مطلبنا في يومهم العالمي

التمكين اﻹنساني لذوي اﻹعاقة

هو مطلبنا في يومهم العالمي


عروة الصادق


يظل اﻹنسان هو أعظم كائن في الكون بما حباه الخالق من تكريم وخلق في أحسن تقويم وإن كانت تنقصه إحدى الحواس أو الجوارح، فدون كل المخلوقات هو الكائن الوحيد الذي لم يقل الله له كن فيكون وإنما خصه بأن يصنع بيديه وأمر أهل السماء بالسجود له.

في بﻻدنا السودان شكل ذوو اﻹعاقة نسبة كبيرة من المكون المجتمعي منهم من خلقه الله معاقا ومنهم من أصابته اﻻعاقة جراء مرض أو حادثة أو حرب، فكثيرون فقدوا البصر إﻻ أن بصائرهم ظلت ترى ما ﻻ يراه المبصرون، وكثيرون فقدوا السمع والنطق إﻻ أنهم قدموا نموذج الذين يسمعون ويعقلون فيسمعون بصمتهم كل العالمين.

الحديث عن تكريم العالمين من خالقهم يجب أن يقابله ما يماثله من الخلق تجاه بعضهم البعض، فالكل يرى ما يعتري هذه الفئة من المجتمع من سوء معاملة وعظيم تجاهل بلغت أن يتم إبعاد من أهلوا نفسهم بعصامية لتولي بعض المناصب العليا في الدولة في أمقت صور التمييز التي تعد انتهاكا سافرا لحقوق هذه النخبة ونصوص الدستور اﻻنتقالي لسنة 2005م.

كثيرة هي اﻵﻻم التي تعتري فئة المعاقين إﻻ أن آمالهم أعظم من كل ألم فتجد اﻻطفال الصم والعمي في أكاديمياتهم الخاصة أشد حرصا واهتماما وأكثر نبوغا من رصفائهم سليمي العقل والبدن، بل إن كثيرا من ذوي اﻹعاقة الذهنية تفوقوا على ذوي العقل السليم 

والشكوى كبيرة جدا أمام الله قبل الناس لسوء طرق ﻻ يستطيع سليمو البدن من السيؤ فيها ناهيك عن المعاقين حركيا وبصريا ﻻ يمتلكون وسيلة نقل خاصة أو حتى تلك العصا البيضاء التي تنير الطريق.

حتى المجتمع صار بعضه متآمرا على هذع الفئات بدءا من المنزل الذي يقدم السليم على ذوي اﻹعاقة في التعليم والعناية واﻻهتمام والترفيه بل حتى نعمة التواصل الوجداني.

ولكن هذا اﻹهمال حفز هذه الفئة لﻹجتهاد فنبغ كثيرون في الفن والسياسة والصحافة والرياضة وغيره من أوجه الحياة بل هنالك عظماء من اﻷمة أهلتهم اﻻعاقة لتسنم أوجه الحياة.

الآن في يومنا هذا كل الإمكانات والعلوم والتكنلوجيا أنتجت برامج وأدوات وأنظمة تسهل لهذه الفئات سبل الحركة واﻻستيعاب والتواصل والوصف وكان للمعاقين نصيب اﻷسد في ابتكارها واختراعها نيﻻ لبراعات اﻻختراع وتسهيﻻ لصعوبات تعتري إخوتهم، إﻻ أن الميزانية المخصصة لذوي اﻹعاقة في مجال الخدمات والصحة والتعليم والرعاية صفرية من قبل الدولة إﻻ بعض الخيرين والمحسنين الذين شيدوا أكاديميات ومعاهد ومدارس وغيرها، أذكر نموذجا بسيطا لسيدة من بنات السودان المبرات بأهلها وذوي اﻹعاقة د. هنادي عيسى مهنا التي سخرت كل مرتبها الذي تتقاضاه من جامعة اﻹمام المهدي التي تعمل فيها كمحاضرة سخرته لانشاء أكاديمة خاصة بذوي اﻻعاقة واﻻحتياجات الخاصة فأمها لفيف مت أبناء المنطقة بالجزيرة أبا التي ﻻ بواكي لها لﻷصحاء ناهيك عن المعاقين.

مثل هذه النماذج المشرقة ﻻ خر له وﻻ عد إﻻ أنها ﻻ تعفي الدولة من اﻻضطﻻع بدورها بتأسيس مؤسسات صحية وتعليمية وتأهيلية وأكاديميات عليا وصاﻻت رياضية لهذه الفئات التي في جعبتها ما يمكن أن يجعل من بﻻدنا قبلة إنسانية لذوي اﻹعاقة في المنطقة واﻹقليم، فالقارة اﻹفريقية نالت حظا عظيما من اﻹعاقة ﻻستشراء الحروب فيها وفايروس شلل اﻻطفال ونقص فيتامين أ واﻻنيميا والمﻻريا المزمنة واﻻهمال الطبي الذي أورثها جيوشا من المعاقين الذين يحتاجون للدعم والعون والسند..

أتمنى أن أستيقظ ذات يوم وأجد روضة حكومية ومدرسة ومشفى وغيره من المرافق خاصة بذوي اﻹعاقة تخرج لنا جيﻻ ينافس في سوق العمل ونوابغا في الفكر والسياسة والصحافة واﻻقتصاد وكل أوجه الحياة.

نتطلع لدولة ﻻ تميز بين مواطنيها على أساس خلقي أو ديني أو إثني أو ثقافي دولة قوامها احترام التعددات الماثلة ينص دستورها بصراحة على كل الحقوق اﻹنسانية لذوي اﻹعاقة.

نرتجي أن يمكنوا ثقافيا بإنشاء مسارح خاصة ومعارض ودور ثقاقية يستطيعون نشر فنونهم ومسرحياتهم ورسوماتهم وعزف أنغامهم فيها، بل يتعدى ذلك لتحديد يوم خاص يشاركهم فيه كل أهل السودان ينص عليه في دستور البﻻد تحتفي به الدولة بصورة رسمية حتى وإن تزامن ذلك مع اليوم العالمي لذوي اﻹعاقة.

ونأمل أن يمكنوا اقتصاديا ﻷن لهم من اﻻنتاج الفكري والثقافي والفني والزراعي والصناعي واليدوي ما يمكن أن يشكل رصيدا للناتج القومي المحلي إذا وفرت لهم الدولة المشاغل واﻻﻻت والمعدات ومدخﻻت اﻻنتاج ودعمت اقتصاداتهم الصغير، يتعداه لخلق ماركة تجارية مسجلة خاصة بذوي اﻻعاقة تبين أن صانع هذا المنتج من ذوي اﻹعاقة، فكل اﻷعداد التي تصور ذوي اﻹعاقة أنهم متسولون في عﻻمات المرور كاذبة ﻷن كثيرا منهم ﻻ يأكل إﻻ بعرق جبينه بل لهم من التعفف ما يمكن أن يكون نموذجا أخﻻقيا يمكن تدريسه في المعاهد والمؤسسات التعليمية.

كما أنه في العصر الحديث وجدت رياضات خاصة بهم نرجو أن يمكنوا فيها تمكينا يجعل من منتخبنا القومي للمعاقين أول منتخب أفريقي وعربي وعالمي في كل أنواع الرياضات وينجزوا لنا ما لم ينجزه اﻷصحاء الذين يجرجرون أذيال الهزيمة كلما رحلوا.

كثيرة هي اﻻمال واﻷحﻻم التي نريدها في مجتمع العدل والحرية ولكن تبقى همة المؤمن هي مفتاح تحقيق تلك اﻷحﻻم وعلى كل شخص أخذ هذه القضية مأخذ الجد وﻻ يضير أحدنا إن مد يده لأعمى أو اشترى سواعة لضفل يعاني ضعف السمع أو وقف للحظة ليشتري وسيلة نقل خاصة ﻻحد المعاقين أو حتى مد له يد صناعية أو رجﻻ أو عكازا يتكيء عليه ليس من باب اﻹشفاق وإنما من باب الأخﻻق.

ولتنطلق مسيرة التمكين اﻹنساني للمعاقين لتصل مداها بالتمثيل الدستوري والقانوني في مؤسسات الدولة.

وهذا يتطلب تكوين نقابة مسؤولة تجمع كل المعاقين في السودان دون استثناء تحصرهم وتحدد احتياجاتهم لتودعها لدولة مسؤولة تؤسس خططها اﻻستراتيجية للمعاقين بناء على المعلومة التي تقدمها نقابة المعاقين أو أي مسمى يتفق عليه أهل الشأن وينتخبون له من يمثلهم.

مالم نطلع بهذه اﻷدوار سنبقى في ذيل اﻻمم التي ﻻ تولي كرامة اﻹنسان وحقوقه شيئا في بعد تام عن اﻷخﻻق واﻷعراف واﻷديان والمواثيق والمعاهدات الدولية.


2ديسمبر 2014


محاكمة المجرمين للأشراف

محاكمة المجرمين للأشراف

لئﻻ يوضع العنوان في غير موضعه كل بني آدم مكرمون عند الله وكل المؤمنون منهم أشراف فبنوة نوح عليه السﻻم تجعل من كل ذريته أشرافا بالنسب ولكن بنوة النسب ليست كافية لنيل ذلكم الشرف، فالكل يعلم أن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي اﻷمي كما جاء في كتاب الله، بل أن تلك البنوة لم تستحقها الذراري الخبيثة إذ أن الذرية الطيبة ﻻ تنبت إﻻ طيبا لذا قيل ذرية بعضها من بعض.

لم تهلك تلك الذراري الطيبة ولم تنقطع سلسلتها النسبية ولن تنقطع تلك الثلة ﻷنه في اﻻثر قد وجد ما يؤكد أنه لن يستكملها إﻻ المؤمنون ويشهدون بألوهية الله ويشهدون برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم حديث بن رويم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في تفسير سورة الواقعة.

ابتلي أهل السودان بمن تمطوا ظهور اﻷمة بطشا وعسفا وقهرا دون أن يعلموا لماذا يفعل بهم أولئك المستبدون ما فعلوا وكذلك يفعلون، ولكن اﻹجابة هي أن من أهل السودان من دعا الله أن ينزل عليه عذاب ويقيل عنه حكم الأحزاب إذ هتفوا (( العذاب وﻻ اﻷحزاب)) إبان الحكم الديمقراطي 1986-1989، ويقول قائل كيف يستجيب الله للناس بالعذاب وهو الرحمن الرحيم وإجابته موجودة في استجابته تعالى ﻻستبدال بني إسرائيل للذي هو خير بالذي هو أدنى والذين استمطروا حجارة من سجيل وغيرهم من المسترجزين، لذا عجل الله ﻷهل السودان بما سألوا ﻷن الله من رحمته على الناس يعجل لهم العذاب ويدخر لهم عظيم رحماته فمنها ما يطهرهم ومنها ما يرفعهم ومنها ما يصيبهم به من غضب والعياذ بالله وتكون المدخرات لقطع صراط هالك من هوى منه باتباع هواه.

والرئيس البشير هو سوط العذاب الذي سلط على أهل السودان الذين وجدهم أمة واحدة فجعلهم شيعا وطوائف يدق بعضهم أعناق بعض ومﻷ قلوبهم حقدا لبعضهم وبغضا.
وجدهم يجلسون في (الضرا) يأكلون في مائدة واحدة  تكون عنوانا لحال اﻷهل الذين يشد بعضهم يد البعض مروءة ونجدة فجعلهم ينامون (القوا) على لحوم بطونهم في قر الشتاء.
وجدهم ينعمون بصحة وعﻻج وتعليم مجاني في دولة رعاية وتكافل إجتماعي فسلب كل مدخراتهم وثرواتهم وأراضيهم بأثمان بخيسة لتعليم أبنائهم وعﻻج مرضاهم ويعرضها اليوم للمقتدرين والمغتربين منهم مخططات وهمية وأبراج سكنية.
وجدهم مستقلون أقوياء يرفض رئيس وزرائهم منح الوﻻيات المتحدة اﻷمريكية أرضا ومياها إقليمية لبناء قاعدة عسكرية حفتظا على سيادة السودان فأورثها عشرات القرارات والجيوش الدولية فضﻻ عن منح اﻷمريكان أكبر مقر استخبارتي في القرن اﻹفريقي بمنطقة سوبا جنوبي الخرطوم غرب النيل اﻷزرق.
وجدهم ينامون قريري العين ﻻ أحد منهم يؤرقه ما يأكله في الغد ولكنه جعل من حرائرهم يتمنين أن تنشق بهم اﻷرض وتبتلعهم على مرأى ومسمع العالمين في تقرير بثته إحدى فضائيات العالم.
وجدهم أنقياء النسب طاهرون جميعهم أشراف ﻻ يسرقون وﻻ يزنون وﻻ يكتمون الحق فسهل لهم كل ما يوصل إلى الفحش والرذيلة واختﻻط اﻻنساب بصورة ممنهجة وممؤسسة شيدت لها الوزارات والمقار وغيرها.
وجدهم أصحاء يفلحون أرضهم بعزم وجد يروونها بعرقهم ويدفنون فيها بذورا لم تختلط بمبيد أو تقنية إسرائيلية فدفنهم في أرضهم ودفن معهم مئات المبيدات والبذور الفاسدة والمواد المسرطنة.
وجدهم لهم قوة مسلحة تحمى البﻻد وأركانه اﻷربعة فشرد كل كفاءاتها وقرب إليه كل ماسحي اﻷحزية ومقبلي اﻷرجل.
وجدهم يحتكمون ﻷنزه منظومة عدلية في المنطقة واﻻقليم والعالم اسمها القضاء السوداني إﻻ أنه صفى جسد تلك المنظومة حسدا من عند نفسه، فأوصلنا لأكبر فضيحة عدلية وهي مطالبة رأس الدولة ومﻻحقته دوليا من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
وجدهم يقرأون القرآن بكرة وعشيا بتقوى واتضاع فأنشأ لهم منظومة خاصة بالذكر تشيع خﻻويها الفاحشة بين الصبيان.
وجدهم يطمئنون على أبنائهم في داخليات جامعية ملؤها المسؤولية واﻻنضباط؛ فأوصلهم لمجمعات تطرد منها الحرائر وتنتهك فيها حرماتهن وتسرق ممتلكاتهن بل حتى الطﻻب لم يأمنوا من يد الانتهاك والإساءة.
وجدهم يحكمهم من لهم أهل وشرف ونسب فحكم فيهم من ﻻ أهل لهم وﻻ تاريخ وﻻ نضال.
ترى هل يستطيع من لم تحدثه أمه عن جد له مات في كرري أن يحاكم من جرت في عروقه دماء الشهداء وامتﻷ قلبه بطهرها وجرت في شراينه عفتها ؟؟
ترى هل يستطيع من لم يتهم إﻻ بالفساد واﻻفساد بمحاكمة من يتهم بالعفة والطهر والنقاء؟؟
ترى هل بمقدوره النظر في عينه واﻻتيان بأدلته وأراجيفه التي قال بها وبرهنتها لﻷمة؟؟
هيهات هيهات، فالمجرمون قتلوا في السودان كثيرا من اﻻبرياء وساروا على جماجمهم وأرض السؤدد المضرجة بالدماء النقية ولكنها قذفتهم لمزبلة التاريخ، فقد قتل النظام المايوي وفتك باﻷنصار في أبا وقتل إمامهم في الكرمك ونفى قادتهم إلى المهاجر وقتل مفكرين كمحمود محمد طه مقدما إياها قرابين لفكر شيطاني أسس على اﻻرتواء من دماء اﻷبرياء.
وذات النهج يسيره الرئيس البشير وقع الحافر بالحافر فبعد مضاعفة اﻷعداد التي قتلها النميري في أبا وود نوباوي باستبدال الموقع بأراضي اﻷنصار في دارفور ها هو يتجه لتصفية إمامهم وقادتهم للوصول لنتيجة واحدة وهي استدامة الفكر اﻹخواني الذي أسس أيضا على جماجم اﻷبرياء وارتوى من دمائهم، والحديث عن محاكمات لقادة الفكر والرأي يصب في خانة اﻻهتداء واﻻقتداء بفكرة عراب النميري الذي أوعز له قتل محمود محمد طه إﻻ أن أحد الذين قالوا اضرب على الرجعية بيد من حديد هذه المرة بمنأى عن فكر الشيطان.
سيحاكم الرئيس البشير من زبانيته الذين يحاول تفضيل بعضهم على بعض في اﻷكل وسياحكمهم جميعا شعب خبر دروب الحياة وكسر القيود وامتﻻ قلبه بإيمان ﻻ يضاهيه إيمان بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وبهذه التصريحات البذيئة والمسيئة يعجل الرئيس البشير من محاكمته التي طال انتظارها ليصلب ومن شايعوه على بوابة التاريخ مثلهم مثل أي مستبد نازي أو فاشستي أو فرعوني.

عروة الصادق

السبت، 1 يناير 2022

كانت حياته محبة وسلام

الحبيب الإمام .. كانت حياته محبة وسلام
عروة الصادق
٢٦ أكتوبر ٢٠٢١م
لم نع الدنيا بتفاصيلها إلا معه، ولم نفهم معاني الوحي والتنزيل والفكر والثقافة والأدب والرياضة والحياة بحذافيرها إلا منه، ولم نسر في طريق الحق ونتحمل وعورته إلا على يديه.

كان يجرنا إليه بحنو والأب وحنان الأم، ويمد يده لينتشلنا من درك الغلو ومزالق الاستلاب، ويجرها منا لئلا نقبلها.

عرفنا بالسودان وتضاريسه وحدوده الموروثة وعلمنا الفرق بين "الجوغان والهجليج"، "البيض والحميض"، "علوق الشدة وبوخة المرقة"، "التوقيع والترقيع"، وعفرنا بالفلكلور السوداني، وذخرنا بالأمثال والقصص، ربطنا بحلقات انتمائنا العربية والافريقية، الإسلامية منها والدينية الاخرى، جعلنا نفتخر بكوننا منشأ الإنسانية ومنبع الحضارة وكان حريصه على أبراز تلك الحضارة النوبية، فكانت حياته ثورة ثقافية كاملة لم يعشها لذاته وإنما أوقفها لله وعباده، وكيفنا للتعاطي مع كل هذا مرددا: "الما بعرف ما تدوه يغرف، بكسر الكاس وبعطش الناس".

علمنا كيف نقرأ وأن نصغي للكافة، ونكتب وندون وأن نحترم الآدمية لكونها من بنووة آدم عليها السلام غض النظر عن لونها وجنسها ولسانها وعرقها.

جعل الاعتزاز بالنساء واجبا دينيا فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وإنسانيا لأن أكرمهم/ن ليس أرجلهم بل أتقاهم/ن، وأن الحياة لن تزهر وتزدهر إلا بهن.

كان عف اللسان عفيف اليد طاهر القلب، يهزم الطغاة ويهدم الباطل دون توان أو وجل، كان موقنا أن السايقة واصلة والمطرودة ملحوقة وأن الديمقراطية عائدة وراجحة.

دفع ثمنا لمبدئيته الانقلاب عليه في ١٩٨٩م ولأجل ذلك حوكم وسجن واعتقل ونفي من البلاد، وظل رأيه في التسلط الداخلي والاعتداء الخارجي ثابتا، حتى لقي الله وهو يرفض الاعتداء على سيادة الشعوب ضد التطبيع وتقطيع الدول وتركيعها.

رأيته يجالس مبعوثي الأمم وسفراءهم ووجهاء القوم ويستمع إليهم ويحاورهم وبذات القدر يجالس الأطفال ويصغي إليهم ويهاديهم ويكتب لهم ويحكي لهم عن وطنهم ودينهم.

أحببناه حتى خشينا عليه منا، وعلى أنفسنا من فقده جراء هذه المحبة، فمن فرط هذه المحبة وفي تدافع شديد أصابه أحدهم في تدافع الأنصار حتى سال دمه فرددنا أن من المحبة ما قتل، هذه المحبة كلفتنا أحبابا وأهلا وأصحابا ظلوا يخيرونا بين العيش مترفين في كنف اليزيد أو أن نصلي جائعين خلف سبط الحسين فاخترنا الإمام الصادق الأمين.

في هذا اليوم فجعت برحيل جسده عن الفانية، ويقيني أنه خلد ما يبقي أنفاسه بيننا في حلنا وترحالنا فكثير من الحبان تلتقيه ويذكرك به، في الخضرة ترى اهتمامه بالزرع، في البسطاء تتذكر وقوفه لهم.

نذكر وصاياه لنا بأن السودان أرض الأجداد ومنبت الرزق يستحق الفداء والتضحية، وأن هذا الدين متين وعلينا أن نوغل فيه برفق، دون غلو أو تطرف، وجعل الدعوة لله على بصيرة بنهج صحوي قائم على حقائق الوحي المسطور وكتابه المنشور، تسندها المزاوجة بين العقل والنقل وبين الأصل والعصر، لم تسعفه الأيام على إكمال التفسير، وقد حببنا الحبيب في سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وعرفنا بسيرته وكأننا لم نسمع أو نقرأ عنه من قبل وقد بدأ كتابة السيرة لنبي الرحمة نسأل الله أن ترى جميع مخطوطاته النور ليرى بها العالمين هذا الرجل.

اللهم أنر وجهه بنور وجهك الكريم وارزقنا وإياه صحبة رسولك الكريم.

دارفور- طائر العنقاء

على وقع حوافر الشر في دارفور أعيد نشر سلسلة مقالات عقب زيارتي للإقليم في ٢٠١٨

دارفور – طائر العنقاء (1)

عروة الصادق

زرت لأيام مضت ثلاثة من ولايات دارفور شمالا ووسطا وجنوبا، غير ما رأيته من مشاهد أخاذة، وطبيعة ساحرة نبتت من بين ركام البارود، رأيت ما يدهش ويبكي ويضحك ويستفز ويؤلم فيندى له الجبين، إنها بلاد غريبة فطوبى للغرباء.

دارفور بحالتها التي رأيتها هي السودان بكل تضاريسه وتفاصيله وانسانه، مررت بولاياتها الثلاث فسرني منظر الزراعة الممتد بمساحات شاسعة منذ أن دخلتها من الناحية الشمالية وخروجا من الفاشر حتى وادي أب زريقة، ومن بعدها تشابكت قناديل الذرة حتى دخلنا نيالا واصطفت كذلك وصولا إلى زالنجي. كان هذا المشهد وحده كافيا ليريك مدى إصرار أهل هذا الإقليم على الحياة، فقد علمت أن معظم النازحين في المعسكرات زرعوا أراضيهم وفي الغالب بصورة يدوية لأن أزمة الوقود حالت دون استخدامت الجرارات الزراعية وللأسف أتوقع أن تحول دون إكتمال عمليات الحصاد في موعدها.

قضيت زهاء العشرة أيام بين زالنجي ونيالا والفاشر متقلبا في طريق أخضر لا تشابهها إلا سجادة فرشت للصلاة عليها صلاة النصر والشكر والحمد لما أنعمه الله على أهلها من خير وفير، فالخريف هذا العام شمل كل الولايات التي رأتها عيني ولا زال أهل الجبل يستمتعون بزخات الغيث العميم التي تفسدها تارة أصوات الآليات العسكرية والطائرات وتارة أخرى أصوات الذخائر والقذائف رغم إدعاء رأس النظام وقف إطلاق النار. 

للحقيقة لم أزر دارفور يوما وندمت أيما ندم لأني لم أزرها منذ آماد بعيدة رغم ما يربطني بها من دم ورحم ونسب، وتمنيت لو لم تنقض أيام تلك الزيارة، فقد رأيت الأمل بأم عيني والبحث عن الحياة والجد  والاجتهاد والجهاد في سبيل كسب العيش  وبناء الديار،  رأيت كيف يحيي الله الأرض بعد موتها في فاشر السلطان ونيالا البحير غرب الجبيل وزالنجي، مررت بوديانها الجارية أزوم وأريبو وأب زريقة وأسواقها في منواشي ونيرتتي وناما وكاس وتذوقت برتقال الجبل وثمراته التي لم تخالطها أسمدة أو مبيدات.

استضافني أهلها المرحابين استضافة طائية ببشاشة ونقاء سيرة وسريرة، ففتحوا صدورهم قبل بيوتهم فأغدقوا عطاءهم وبذلوا سخاءهم مأكلا ومشربا ومأوى، لن يجازيهم القول أبدا اللهم إلا بالدعاء لهم والثناء.

إنها أرض قتلتها أيادي العبث وفتكت بها نيران النظام الإنقلابي وتصليها حمم اللهب منذ العام 2003م حتى يومنا هذا، نعم حتى اليوم؟ تلك الأرض مهما كانت دواعي اندلاع الحرب فيها لم يكن هنالك سبب لتجريف غطائها النباتي وقطع غاباتها الوريفة وبساتينها المثمرة، فما حدث في دارفور لم يكن عدوانا على الإنسان والحيوان فقط وإنما عدوان على الغطاء النباتي والحياة بمختلف أنواعها، هذا الاعتداء على الغطاء النباتي ترك أثرا مناخيا وخللا بيئا وللأسف قد يقود إلى تجدد الصراع حول الموارد.

رأيت إمرأة دارفورية في كل مدينة وقرية وفريق وزرع وشارع ووادي تحمل أداة زرع أو حصاد أو قطع، تعمل بجد فيبكي جبينها ولا تبكي عينها لأنها جفت من دمع ثخين سكب على فراق أخ أو أب أو زوج أو ابن حبيب، يبكي جبينها الطاهر فيقطر عرقها على الأرض فتنبت الأرض لهن ثمرا وخضرا وزهرا.

رأيتها تحمل طفلها في ظهرها وتجر دابة خلفها بعد أن حملتها بالمحصول أو بالفحم الذي لا شك أنها انتظرته أياما بعد أن قطعته شجرا وجمعت الروث وحرقته حتى يصيرا منتجا تبيعه بجنيهات يسددن رمقها ورمق طفلها الذي تحمله.

رأيتها إمرأة شماء أيما شمم لا تجلس خلف مفتاح لوحي وتطالب بحقوقها والمساواة مع الرجال، ولكنها تفوق الرجال قدرا وقدرة واقتدارا فتصعد أعالي المباني الشواهق تعمل في كل مراحل البناء (بناء- طلبة- عتالة... إلخ) دون أدنى إجراءات سلامة، فما عاد يعرف الخوف لقلوبهن سبيل من هول ما رأينه.

رأيتهن يتقاسمن الضحك رغم الآلام التي مرت بهن وهن يجلسن القرفصاء في أسواق المدن يبعن الثمار والخضار والقش، يستحوذ حضورهن على غالب الأسواق فتجدهن يثابرن من فجر الصباح إلى غسق الليل يكابدن شظف العيش.

تسمعهن في كل مكان حلا أو سفرا وفي الإذاعات المحلية يتحدثن حديث الخبيرات الدربات المتمكنات من مادتهن، صقلتهن التجربة والآلام فتجد سواد مؤسسات الدولة فيها من النساء في التعليم والصحة والعمران وغيرها، وأكاد أجزم أن نساء دارفور كطائر العنقاء كلما احترق انتفض من رماده أقوى مما كان عليه.

شبابها منقسمون بين حادبين على مصالحهم ومشفقين على الموطن ومثابرين على التعليم ومدججون بالعلم والعمل بجد، وما بين غارقين في غمرة التخدير والمخدرات والتعاطي، وما بين مدجيجين بالأسلحة المتوسطة والخفيفة والثقيلة يجوبون المدن.

وهنالك من يستعد منهم للهجرة إما مهاجرا أو متاجرا فالذين يهاجرون عبر الصحراء يتم تهريبهم بواسطة شباب في عمرهم يقودون عربات الدفع الرباعي ويشقون الفيافي بحثا عن عبير لم يجدوه في أوطانهم.

وهنالك من تحدى الأوضاع وكابد سوء الحال في المدن والقرى والفرقان والمعسكرات وشق الأرض هذا العام وزرعها رغم شح المدخلات الزراعية وانعدام الجازولين، فلم تخذله يد العناية وفاضت عليه حصادا وفيرا.

هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ الكريم.

      وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.

نواصل،،،،،

orwaumma@gmail.com

دارفور – طائر العنقاء (2)

عروة الصادق

مواصلة لمشاهداتي حول زيارتي لإقليم دارفور أتعمد أن أكتب الصورة مجردة أمام القاريء ليصله ما وصلني من قناعات سأبني عليها قراراتي وقراءاتي لكل آت من دارفور، فإلى مضابط المقالة الثانية من سلسلة دارفور طائر العنقاء.

هذا الإقليم حينما تدخله للوهلة الأولى ستشعر برهبة أيما رهبة فالطبيعة تخلب العقل وتطرب القلب ولعل فصل الخريف قد كان الوقت الأنسب لزيارتي، رغم أن الأمطار قد تكون عائقا وتعطلك عن السير ساعات أو ربما لأيام فهنالك أودية يضرب بها المثل (مسكو) في الوعورة وشدة الإندفاع والجريان، وديان عنيدة تضاهي النيل الأزرق في القوة وشدة التيار، وتجد/ي عزيزي/تي القارئ/ة أن كثيرمن البني التحتية سيما الكباري تتضرر أيما ضرر من فعل المياه التي تنخر الحجارة وتفتت الاسفلت، فتعيق مسيرة البشر والمركبات والدواب.

خريف هذا العام لا يستطيع أحد تقدير الانتاج والإنتاجية فيه إلا عبر مسوحات جوية تقديرية، ولكن تلك الربوع المزروعة تحتاج أن تصلها آليات وحاصدات ومعينات وجوالات وكل ما يلزم الحصاد، سيما الوقود. فدارفور إن استهلكت وحدها هذا العام نصف مخزون السودان من الوقود يمكن أن تورد ضعف ما استهلكته عملات صعبة كعائد صادر لأن أسواق البورصة في زالنجي ونيالا والفاشر ستزدهر أيما ازدهار هذا العام بإذن الله، والإجراء المنطقي والمعقول هو تمويل عمليات الحصات وحماية المساحات المزروعة من أي اعتداءات أو تعديات محتملة، والإسراع في شراء المحاصيل كلها من فول وذرة وسمسم وغيرها بأسعار مجزية وكافية للمزارعين وقطع الطريق أمام جشع التجار الذين يستغلون حوجة صغار المزارعين للأموال، هذا قد ينطبق على ولايات الانتاج جميعها (كردفان – سنار – القضارف- جنوب النيل الأبيض – النيل الأزرق – منطقة المناقل والجبال البيض بالوسط). 

كما أني لحظت أن القطيع الحيواني هذا العام ولله الحمد يسر الناظرين وقد تفوق الإبل والأغنام والأبقار في دارفور جمال بقرة بني إسرائيل لحسن مظهرها وخصوبة مرتعها وطيب ما طعمناه من لحمها (المنصاص) ولذة ما شربناه من ألبانها، لذلك على الجهات المختصة رعاية هذا القطيع وحمايته من أي عمليات سلب ونهب واعتداء بل وتوفير الجرعات البيطرية اللازمة للرعاة في أماكنهم، لأن في حماية هذا القطيع حماية للأمن الغذائي القومي وحراسة لثروات لا تقدر بثمن.

هنا على أن أذكر أمرا وهو القطعان الكبيرة من الحمير  نعم (الحمير) التي استوحشت وفي اعتقادي أنها كانت لمواطنين هجروا وحرقت قراهم وفقدوا مأواهم أو حتى قتلوا وقدر لها أن تعيش وتتكاثر في تلك الوديان والربوع وأعدادها كبيرة جدا يمكن أن يستفاد منها في أغراض طبية كما فعلت تركيا.

أما البنى التحتية في دارفور تردت أيما تردي على الصعيد العام بحسب ما يرويه مواطنو الإقليم، ولكن هناك مباني زخرفية شيدت لأغراض سياسية أو أمنية أو عقابية لا تفيد المواطن الدارفوري بشيء خصوصا وأن المستشفيات العمومية في المدن الثلاث التي زرتها أوضاعها لا تسر أحد ولا تلبي احتياجات الإنسان الذي كرمه الله، وكذلك المدارس الحكومية، ولكنك إذا تحدث عن القطاع الخاص فحدث ولا حرج، فالبني التحتية للقطاع الخاص تضيق بها المدن من متاجر ومدارس ومشاف . ..الخ.

الطريف المبكي في الأمر أن الحكومات الولائية تمتص دم المواطن وتقتطع من قوته وحليب أطفاله لتشييد مباني ومرافق لاستضافة الدورة المدرسية القومية وذلك في فترات ضيقة وقد تكون قاسية لا يتحمل المواطن تبعاتها ولكن الولاة يصرون على إثبات كفاءتهم وقدرتهم وإمكانياتهم، ففي جنوب دارفور مثلا هنالك مسرح واستاد قيد التشييد ومثله مرافق أخرى وصلت الوقاحة من حكومة الولاية استقطاع ما أسمته تبرعات من أطفال (الدرداقات) الذي يقتاتون من هامش السوق، بالله عليكم هل لهؤلاء ذرة إيمان أو ضمير؟؟؟

بل جعلت التقسيمات الجديدة للمحليات في الولاياة مدخل لاستنزاف موارد المحليات والتفنن في الجبايات فهنالك همس بين سكان الولاية أن المحلية التي ستورد أعلى نصيب للدورة المدرسية الحالية سيتم الابقاء عليها بل حتى الوحدات الإدارية التي تريد أن ترفع إلى محليات إذا نافست يمكن أن تصبح محليات وهنالك قادة في تلك الأماكن يصدقون مثل هذه الخرافات.

أما عن طرق دارفور التي نهبت أموالها وصدقت ميزانياتها من الحكومة المركزية مرارا وتكرار بعد ما حدث لها في أكبر عملية اعتداء على المال العام سميت بعملية (خلوها مستورة)، تعد تلك الطرق من أسوأ طرق السودان فطريق طوله 200 كلم تقطعه السيارة في ثمانية ساعات لرداءته وللأسف عدد نقاط الارتكاز والتحصيل خارج إطار وزارة المالية والإيصال (15) لا حصر لها ولا عد، وهي نوع من التحصيل غير القانوني المحمي ببندقية تارة نظامية تابعة للقوات المسلحة وتارة للشرطة وتارة لمليشيا الدعم السريع.

الشيء المضحك المبكي أن طرق تلك المدن مشيدة بطريقة تظهر لك مدى الفساد الذي تمارسه شركات الإنشاء والتشييد، فالناظر لكل طرق مدينة زالنجي يرى عدد المنحدرات (المزلقانات) التي تعترض مسار الطريق وهي في الأساس وديان أو مجاري مائية موسمية من المفترض أن تشيد عليها كباري تصغر أو تكبر بحجم الوادي ولكنها كلها راحت في خبر كان.

تعكف شركة الجنيد الهندسية (إحدى فروع إمبراطورية الجنيد المتعددة) المملوكة لقائد الدعم السريع على تشييد طرق جديدة وإعادة تأهيل طرق قديمة ولكن طريقة العمل وما يعتريها من سوء وبطء يبين لك حجم الفساد الذي يعيشه ذلك الإقليم وحجم فساد هذه الدولة التي تعطي عطاءات للطرق والجسور القومية لشركات ليس لها أي خبرات أو سبق أن شيدت غرفة ناهيك عن طريق إقليمي وقاري كطريق نيالا كاس زالنجي والذي يصل بطبيعة الحال إلى الجنينة التي بدورها ترتبط إرتباطا وطيدا بدولتى تشاد وإفريقيا الوسطى.

كما أن هنالك معتدون جدد على أراضي السكان الأصلاء وصاروا يشيدون المباني والمقار والمؤسسات والمنتجعات على أنقاض تلك المساحات التي هجر أهلها أو نزحوا أو هاجروا، فبعض المباني في دارفور نزعت أراضيها بقوة السلاح، والبعض الآخر تم التلاعب في أوراقها وانتزعت بوضع اليد والدلائل على ذلك كثيرة يمكن للقاريء الاتصال بأقرب مكتب محاماة في أين من مدن دارفور.

الحقيقة التي أود أن أذكرها أيضا هو اختفاء مظاهر التسلح المشاهدة بالعيان والبعض يعزي ذلك لحملة جمع السلاح التي أطلقتها حكومة الخرطوم، فالذي يمر على دارفور لا يرى من يحمل السلاح نهارا إلا في أيادي الشرطة والجيش وقوات الدعم السريع وقوات بعثة يوناميد، ولكن الذي أسرني به أحد الأصدقاء أن السلاح المجموع لا يساوي معشار ما هو محتفظ به في الفرقان النائية أو تمت مواراته وللأسف بمغيب الشمس تظهر بعض تلك الأسلحة، فعند وصولي لنيرتتي بعد مغيب الشمس وفي السوق وجدنا مجموعات مسلحة لولا لطف الله لاشتبكوا مع بعض جنود الدعم السريع الذين كانوا مارين بالمنطقة صوب زالنجي- هذه حادثة واحدة من حوادث وأحداث مروية ومرئية، فضلا عن أن مدينة نيالا شهدت عمليات اعتداء مسلح وقتل ونهب في ظل الحديث عن اختفاء هذه الأسلحة، ولي صديق مقرب قال لي بالحرف: "لا أخرج بعد المغيب إلا وسلاحي معي". انتهى

هذه المشاهد والقصص تنبيء بأن الظلم في الإقليم ماثل ولكن أهله تحدوا الصعاب ونهضوا من تحت الركام ورماد البارود كما تطير العنقاء من رمادها، وهذا يوجب الالتفات بصدق وحق إلى هذا الإقليم وأهله، الذي لا يحتاجون لشيء من حكومته المركزية فما يمكن أن يقدموه للسودان والمنطقة والإقليم قد يضاهي ميزانيات دول جارة وشقيقة ولكننا نصر أن نفسد أوطاننا بالحروب التي لا طائل منها وسفك الدماء التي تجري في شراييننا.

ختاما: أكرر أن هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ/ة الكريم/ة.

      وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.

نواصل،،،،،

orwaumma@gmail.com

دارفور – طائر العنقاء (3)

عروة الصادق

تتواصل رحلتنا صوب ذاك الجبل الشامخ (مرة) وما جاوره وجرى منه من وديان ومجاري مائية تندفع بقوة لتشق المدن والقرى والفرقان التي تلاشت ولم يبق منها إلا الأطلال نتيجة الحرب فالمرويات تقول أنا هذه الوديان كانت تحتضن بين جنباتها عشرات القرى والفرقان إلا أن الحرب شردت غالبية قاطنيها، ورغم كل النيران التي حرقت الأكباد وأبادت الشجر والبشر إلا أن أشجار الجبل تصر على الإثمار، فخيرات جبل مرة تملأ أسواق مدن دارفور من موالح وتفاح وخضروات.

سأواصل رحلتي مع القارئ/ة الكريم/ة لاستعراض الوجود الأجنبي الذي يملأ شوارع ومدن الإقليم التي زرتها فبعثة يوناميد تعد من أكبر بعثات حفظ السلام الدولية في القارة والإقليم، ومعلوم أنها جاءت بناء على قرارات دولية أصدرها مجلس السلم والأمن التابع للأمم المتحدة والتي أقسم حينها الرئيس البشير قسما مغلظا بأنه لن يسمح لقدم أجنبية أن تدخل السودان ولكن دخلت إلى جنوب السودان قبل الإنفصال وقتئذ بعثة يوناميس وإلى دارفور يوناميد بعثتان متوسط قوتهما 40 ألف شخص، بالإضافة للعدة والعتاد.

وبما أن الحديث عن دارفور فإن بعثة يوناميد تمارس عملها مظهرا بصورة مهنية وتباشر مهامها وتسير دورياتها التي تجوب المدن والقرى والطرقات ولكن الحقيقة أنها عاجزة عن أداء مهامها على الوجه الأكمل، تجلى ذلك إبان زيارتي في عجزها عن الوصول لمنطقة تربا التي حدثت بها إنزلاقات طينية أودت بحياة عدد لم يتم إحصاؤه إلى الآن من الضحايا.

فضلا عن أن البعثة لا تتخير الزمان والمكان وإنما تتعامل بردود الأفعال لو تذكرون ما حدث في قرية تابت سابقا. ونجد أن البعثة تقدم برامج في غير مواضعها فمثلا شهدت برمجة تثقيفية عن الألغام وخطورتها وما إلى ذلك في وسط دارفور تحديدا مدينة زالنجي وشارك في البرنامج حكومة الولاية وعدد من قادة المجتمع المدني وبعض المشاركات الثقافية من المدارس بالمدينة. كانت البرمجة من حيث العرض مقبولة شيئا ما ولكن الحقيقة التي يعلمها الجميع أن هنالك مناطق تتأثر يوميا بهذه الألغام والأجسام المتفجرة والغريبة أكثر حوجة من زالنجي والمدن المحيطة، وللأسف ذلك البرنامج تمت إقامته في ميدان بغرض إظهار سلاسة الوضع في المدينة إلا أن قوات البعثة وبعض الدوريات الشرطية والأمنية والقوات المسلحة كانت تحيط بالمحتفلين إحاطة السوار بالمعصم، في مشهد يحقق عكس مقاصد الإحتفال.

هذا الوجود الأجنبي يعيش في مرافق تم إعدادها بصورة جيدة وموائمة للحياة بكل صورها من حيث الإنشاء والتشييد والتأثيث والكهرباء والمياه النظيفة وأبراج الاتصالات ومحطات الصرف الصحي وغيرها من الخدمات، وقد تم استغلال مساحات كبيرة جدا اقتطعت من أراض لم يتم تعويض أهلها وفي الغالب قد يكونون من الذين سامتهم الحروب سوء العذاب، إلا أن كل هذه المباني والمعسكرات ذات الصورة الجميلة عرضة للتخريب والتجريف، فبعد خروج البعثة المتوقع في مقبل الأيام ستؤول تلك المرافق سيما الـ(Super Camps) ستؤول بحكم الواقع إلى الحكومة السودانية(حكومة  المخلوع) وقتئذ والتي بدورها كانت ستحيل تلك المرافق العالمية إلى معسكرات لتجنيد المليشيات وتدريب العسس وهذا سيكون وصمة في جبين الأسرة الدولية التي عليها أن تكمل عملية بناء السلام بعد أن عملت على حفظه صوريا وذلك بالتوصية والتشديد على الحكومة السودانية (حكومة الحرية والتغيير) بإحالة تلك المرافق إلى مرافق خدمية للصحة والتعليم والتدريب والتأهيل في شتى المجالات العلمية والمهنية كما أوصى بعض الخبراء من أهل الإقليم، وإلا فسيعتدي عليها جنود المليشيات كما فعلوا في بعضها ويبعوا أجهزة التكيف والإنارة والمولدات وغيرها في أسواق الولاية جهارا نهارا.

هذا تواجد رسمي سيخرج بتوقيتات محددة وهو مرئي ومحصور ومعلوم، وقد استنزف موارد الإقليم بصورة مزعجة ولفترات طالت دون تحقيق الدور المناط به والمهام الموكلة إليه بحسب تقديري المتواضع.

أما الخطر الذي أراه بعيني زرقاء اليمايمة أن هنالك تواجد أجنبي غير محصور وليس هنالك من يتابع تحركاته أو يعلم طريقة دخولهم للإقليم من دول جارة وشقيقة وبعضهم يعمل في مهن هامشية وآخرين في مهن خطرة على أمن وأمان الإقليم ومواطنيه كتهريب البشر والاتجار فيهم وتهريب السيارات والأسلحة والممنوعات والمخدرات، هذا الوجود إذا لم يتم ضبطه فستستمر أزمات الإقليم باستضافة أعداد كبيرة من الأجانب ستستنزف الموارد وتضيق على المواطن وستكون عبئا ثقيلا عليه، هذا يوجب مراجعة الوجود الأجنبي وإيقاف إخراج الأرقام الوطنية بالصورة الحالية والمزعجة في الإقليم فهناك من يصل إلى المدينة من دول الجوار ويقضي أياما ثم يتم استخراج الرقم الوطني ويتم تجنيسه والأعداد كبيرة وفوق التصور.

هنا يبدر إلى ذهني  تساؤل هل كان للأمر علاقة بانتخابات 2020م التى أزمع المخلوع قيامها؟؟

فضلا عن أن هذا الوجود ليس ذو طابع انتاجي أو زراعي أو استثماري ولكني أرجح أن يكون منهم استخباراتيون من دول جارة وشقيقة لها مآربها في الإقليم.

ولا أنسى التواجد الصيني في بعض شركات الطرق والجسور التي تعمل في العلن تحت هذا الغطاء ولكن إذا سؤلنا عن عائد رصف الطرق والجسور والمشاريع التنموية في الإقليم لتلك الشركات الصينية مع المهددات الأمنية هل العائد مجز ومحفز للبقاء، الإجابة لا!!!! لأن كبريات الشركات الصينية وغيرها خرجت من السودان منذ تدهور العملة السودانية مقابل الدولار ولكن بقيت الشركات العاملة في التعدين والنفط وبعض المستثمرين الأتراك الذين يعملون في مصانع الطوب والشوام في محلات بيع الطعام، لذلك أرجح أن تلك الشركات تعمل ظاهريا في مجال الطرق والجسور وباطنيا في مجال التعدين، لأن الثروات المعدنية في الإقليم لا تقدر بثمن والحدود المشتركة على طول الخط من العوينات شمالا مرورا بالطينة التشادية وصولا إلى إفريقيا الوسطى كلها مفتوحة لتهريب تلك الثروات سيما الذهب الذي لم يعد البنك المركزي السوداني قادرا على شرائه أو حتى توفير السيولة في مصارف الإقليم التي حالها حال مصارف العاصمة بل أشد سوءا وشحا. ولا أستبعد حدوث مشهد كالذي حدث في ولاية القضارف باختفاء عمال شركة وجبل بالكامل في مقبل الأيام.

أنا متأكد أني لست أول ولن أكون آخر من لاحظ ذلك الوجود الأجنبي ولكن التساهل في التعامل معه يمكن أن يجعل من غربنا الحبيب مستودعا لكل الممنوعات ومكبا للنفايات الالكترونية خصوصا أن أسواق دارفور مغرقة إغراق تام بأجهزة كثيرة ومن شركات مجهولة ومتعددة وكذلك المستحضرات التجميلية بل حتى المعلبات والأدوية والمواد الغذائية والتموينية متوفرة بصورة مزعجة ولا أعتقد أن السوق تخطع لرقابة، هذا لا يعني التخوف من كل ما هو وافد ولكن يجب أن تراعى صحة الإنسان والبيئة، فقد تستجلب لنا أجهزة مسرطنة وتهرب بكميات كثيرة وبعلم النظام القائم لأن آخر ما يهمه هو مصلحة إنسان درافور.

ختاما: أكرر أن هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ الكريم.

      وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.

نواصل،،،،،

orwaumma@gmail.com

دارفور: طائر العنقاء (4)

 عروة الصادق

 

المسيرة من وإلى الإقليم القارة بقدر ما لاقانا فيها من نصب وتعب إلا أنها كانت فاتحة للآفاق وموسعة للمدارك وملهمة للعقول وشاحذة للقلوب ومعلية للهمم، فالأقليم تجاذبته نزاعات في فترة من الفترات على الغذاء واعتمد بصورة كبيرة على المعونة الدولية ولكن هذا الموسم رغم التحدي الإقتصادي الذي تعيشه البلاد أستطيع أن أقول بكل صدق أن إنسان الإقليم لن يكلف مخازن (WFP) الشاهقة مثقال حبة من خردل من مخزونهم الغذائي، فالنهوض من الركام الذي حققه أهل دارفور سيسهم ملء الهوة الغذائية  في الإقليم، وذلك نسبة للآتي:

• اتساع الرقاع المزروعة في الإقليم مقارنة بالفترات السابقة والأعوام الماضية، ولعبت أيادي القدرة الإلهية دورا  مفصليا في نجاح فصل الخريف وتحفيز المواطنين على زراعة أراضيهم.

• انحسار نسبة التسلح وانتشار حامليه وانخفاض معدلات الاعتداءات على المزارعين سيما النساء اللائي كن يتعرضن لاعتداءات وحشية في الفترات السابقة وحوادث القتل في الزراعة هذا العام قليلة مقارنة بالسنوات الماضية.

• كسر أهل الإقليم خصوصا النازحين قيد العزلة المفروضة عليهم في المعسكرات وخرجوا نحو مواطنهم ومزارعهم الأصيلة مستخدمين الدواب وآليات النقل الخفيفة (التكاتك)، وفي رأيي هذه سهلت سبل الخروج من المعسكرات للزراعة والعودة إليها من جديد.

• لعب إدراك أهل الإقليم خطورة الإعتماد على الغوث الإنساني والمعونة الدولية دورا كبيرا في الخروج من المجتمع الذي قيد حركة المواطنين في المعسكرات، فها هي الأيام تخرج بعثة اليوناميد من الإقليم وسيتبع ذلك خروج للهيئات الإغاثية والبعثات الدولية.

• هنالك انفتاح تجاري كبير بين الإقليم ودول الجوار وأي انتاج في المحاصيل (الحبوب، السمسم، الذرة، الصمخ، الفول،... إلخ) سيشكل دخلا لهؤلاء المحرومين، لذلك إن لم تشتر الدولة المحصول هذا العام بأسعار مجزية سيتم تهريبه لدول جارة وشقيقة.

يشكل تحدي زيادة المواليد في الإقليم أكبر التحديات الماثلة أمام الحكومة والمجتمع المحلي والإقليمي والأسرة الدولية، سيما منظمة الصحة العالمية، والتي يقع على عاتقها توفير الأمصال الوقائية من أمراض الطفولة (الحصبة -  شلل الأطفال- ..الخ)، كما يعد الحديث عن صحة الأمهات الحوامل والصحة الإنجابية ترفا في ظل القصور الحكومي الذي يرى في هذا التنامي  السكاني عبئا كبيرا عليه، وهذه ليست من عندي ففي العاصمة والمدن الكبرى تم إلغاء قرارات مجانية العلاج لمن هم دون الخامسة.

هذه الكثافة في المواليد شهدتها في المعسكرات أكثر منها في المدن، رغم أن المسافات غير متباعدة إلا أنك تلحظ هذا الأمر في الصباح الباكر وأولئك الأطفال يتجهون نحو المدارس وتلحظه في تكدس الأعداد الكبيرة للأطفال في مدارس المعسكرات بصورة أكبر من مدارس المدن.

هذا يقودنا إلى التعليم في الولاية، والذي يغلب عليه الطابع الخاص فالمدارس الحكومية لا تضاهي إبرة في كومة قش التعليم الخاص، والذي يكلف الأسر أثمانا باهظة ويكلف المدارس ذاتها خسائر فادحة، فالعام 2018- 2019م الدراسي سماه بعض مدراء المدارس الخاصة (عام ملوص) بمعنى أن الرسوم المفروضة لم تغط تكاليف المنصرفات لرواتب المعلمين ومدخلات العملية التعليمية.

هذا أثر هذا العام في زيادة رسوم القبول للعام الدراسي الجديد بصورة تضاعفت وأزعجت الأسر، بل حتى أقعدت بكثير من التلاميذ ومنعتهم من الالتحاق بالمدارس، رغم العون الذي تقدمه بعض المنظمات الطوعية وعلى رأسها اليونيسيف من حقائب وكراسات وملابس.. الخ.

الفرق بين أطفال الإقليم واطفال العاصمة أنهم أكثر نشاطا وحيوية ورغبة في التعليم وحرص على قطع مسافات بالأرجل للوصول لمدرسة ما، على العكس تماما نجد أن هذا لا يحدث في العاصمة مع فارق الاحتجاج بالأوضاع الأمنية وخطورة ترك الأطفال يلاقون مصيرهم.

هذا الاطمئنان الذي يتمتع به أطفال الإقليم إلى زول خصوصا بعد حادثتي الاختطاف لطفلين في مدينة نيالا تمكن الأهل من استرجاع أطفالهم، ولكن هذه الحوادث تلقي بإشارات سالبة قد تقود إلى انفلات أمني متوقع.

نستطيع أن نقول أن وزارة التربية والتعليم عاجزة عن تقديم أدنى الخدمات للولايات التي زرتها ومنشغلة بأشياء زخرفية كتشييد المباني للدورة المدرسية، تاركة البذل لمنظمات وجمعيات خيرية وعبء أكبر يقع على كواهل الأسر التي ألحقت بنيها بالمدارس الخاصة.

هذا العجز في التعليم يقابله عجز في الصحة والخدمات والكهرباء والبيئة، فالصحة على سبيل المثال لم تشهد المستشفيات العمومية تطويرا أو تأهيلا في الكوادر الطبيبة وجلهم حديثي التخرج أو موظفي الخدمة الوطنية، وانتشرت أيضا المراكز الصحية والعيادات الخاصة والتي في الغالب يتم التصديق لها دون مراعاة لشروط الجودة ومعايير السلامة الصحية.

تعد الخدمات في الإقليم من أسوأ الخدمات فالطرق كما ذكرنا حدث ولا حرج، ومرافق الخدمة العامة شهدت تطورا في العمران ولكنها تحاكي "سماحة جمل الطين"، ففي نيالا وحدها توجد ثلاثة قصور للعدالة تضاهي التي نراها في مدن العاصمة، ولكن عند دخولها تجدها خاوية على عروشها، وأشد ما يؤلم تسيب الموظفين فيها وعجبت لأمرهم حينما يأت وقت الوجبة لا تجد من يرد عليك السلام.

أما عن البيئة فيكفيك أن تغطي أنفك  وأنت تدخل إلى إحدى المدن الثلاث، فتجد أكوام النفيات في مقدم المستقبلين وروائحهاالكريهة المنبعثة أو الأدخنة المتصاعدة من الحرق ترسم انطباعا سيئا لا يمكن نسيانه خصوصا مدخل مدينة نيالا التي بها كثافة سكانية كبيرة تضاهي كثافة إحدى مدن العاصمة.

هذا لا ينفي جمال الإطلالة الخضراء التي رسمها خريف هذا العام لنيالا البحير غرب الجبيل وفاشر السلطان، ولكن المياه الآسنة التي تتوسط تلك المدن تحتاج لقليل من المعالجات حتى تصبح مياه نظيفة صالحة لحياة الأحياء المائية والطيور التي تتخذ منها محطات لهجرتها، أم تركها مرتعا خصيبا للبعوض والحشرات فهذا سيؤدي إلى كارثة بيئية وصحية كالتي حلت بكسلا لا قدر الله.

أما دارفور الجديدة التي أو الإشارة إليها هي دارفور الحالية (الموطن والوطن والمواطنة) وهي الناتجة عن سلسلة عمليات شائهة هي:-

التجريف: وهو ما حدث لمواطن الإقليم وبث روح الفرقة بينه وبين أخيه فحدث ذلكم التجريف في كل جغرافيا الإقليم وطبغرافيته، وهدم وشيجة الإخاء الإنساني التي كانت مضرب مثل للشعوب والأمم، كما تم تجريف الحياة العامة وإغراق المجتمع بمنظمات وجمعيات مصطنعة بعيدة كل البعد عن سمت الإقليم وأهله وجلها ذو طابع أمني واستخباراتي، كما أن التجريف طال الحياة السياسية فقد عصفت الأيام بالقوى السياسية ذات الوزن التاريخي والنضالي في الإقليم وصارت في بعض المدن نسيا منسيا وحلت محلها انتماءات حديثة لصالح القبيلة أو الإثنية أو الجهة ونادرا ما يكون الانتماء لفكرة أو مشروع.

التحريف: وقد حدث في المعتقدات والقيم والمثل والأعراف والتقاليد، وأدخلت في قواميس أهل دارفور تحريفات كثيرة، مشوهة العبارة وعاجزة اللفظ ومغرضة القصد، فاستشرت عبارات العنصرية وقلت تلك التي تنادي للإخاء، لحظت هذا في تنادي بعض الإثنيات في نقاط التفتيش لبعضهم البعض، وغابت عبارات كنا نسمعها حتى عهد قريب بين أبناء الإقليم مثل: (يا إخي- يا أخيي – يا أخوي-.. الخ)، ودخلت في هذا القاموس عبارات غريبة نافية للدين والأخلاق وطاردة لكل ما له علاقة بالعقيدة أو المثل والقيم والأعراف، لمست هذا في كثير من أسماء من قابلتهم فتجده ينادى بلقب لا صلة له بالإسم حتى يكاد يكون نسي اسمه وعلمت أن بعض الشباب في غير اسمه ومعتقده مبررا ذلك لما رآه من هول الحروب.

التجفيف: وقد طال البشر والشجر والحجر فقد جففت كل منابع المودة والوئام الإنساني في دارفور، وصارت الجفوة تتسيد روح التعايش في الإقليم، بل وصل مداه بتجفيف أواصر الإخاء بين الأسر والقبائل وخلقت رموز قبلية وإثنية دبجت بالألقاب (ملك- شرتاي- عمدة – ناظر – دمنقاوي- أمير...إلخ) بعضهم منبتون من أصلهم ولا يربطهم بقبائلهم أو أسرهم إلى اسم العائلة، وجففت موارد دخل الإدارة الأهلية الحقيقية وأفقرت وتم الإستعاضة عنها ببعض البيادق وأمراء الحروب.

التطفيف: وهو الظلم البين الذي طال الوطن ككل، والإعتداء الذي تجاوز الإنسان والحيوان إلى الأرض والشجر  والحجر، فأرض الإقليم نزعت بعض مراحيلها ومساراتها ومزارعها من سكانها بقوة السلاح وملكت لآخرين ليس لهم ما يربطهم بالأرض..

أما الإعتداء على الأشجار والغطاء النباتي فقط عبرت عنه في مقدمة السلسلة ولكن أكثر ما أزعجني هو الاعتداء على شجر نادر ليس له بذور ولم تعرف له طريقة إكثار (شجر الرطرط) والذي يستخدمه صمغه لأغراض طبية وعلاجية، يتم هذه الأيام الاعتداء عليه بواسطة أناس لا صلة لهم بالإقليم بواسطة ما كينات شفط تستهلك كل مخزون الأشجار وتتركها تجابه مصير الجفاف والاحتراق، وهذه الظاهرة لا رقيب ولا حسيب عليها.

إذا المطلوب عمليا هو :

إعادة التعريف: لهذا الإقليم وإعادة وحدته الجغرافية والوجدانية والانطلاق نحو مشاريع بناء السلام بقوة وإنهاء آماد الحرب التي تتعاظم تكاليفها السياسية والاقتصادية وآثارها الإجتماعية يوما بعد يوم، فدارفور المحمل صارت الإقليم المهمل، ودارفور التعافي والتصاهر صارت محل للنزاع والتناحر، هذا يوجب إعادة التعريف على أسس جديدة للأقليم، ترد المظالم إلى أهلها وتخلخ وشيجة جديدة متماسك لمجتمع سواده الأعظم مكتو بنيران الحرب، وجلهم من الناهضين من ركام الحروب.

ختاما: هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ/ة الكريم/ة.

      وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.

هذا والسلام لدارفور وعلى أهلها السلام،،،،،


الهيئة المركزية محنة أم منحة؟؟!!

*الهيئة المركزية محنة أم منحة؟؟!!*
٧ أكتوبر ٢٠١٩م
بما أن مؤسسات الحزب المكتب السياسي ومجلس التنسيق قرروا انعقاد الهيئة المركزية، علينا في قطاعات الحزب المختلفة وعليهم تحمل تبعات هذا الانعقاد؛ وما سيبرزه من تغير وقرارات ومواقف وخطط وخطوات.

يجهز البعض كنانته لينتخب أمينا عاما جديدا، ويعد لذلك عدته بالاتصال المتواصل بالقواعد الذي لا يتجدد إلا في مثل هذه الفترات.

ويجتهد البعض في تسفيه انعقادها؛ ويثبط همم الراغبين في حضورها بعدم تكبد المشاق لأنها - أي الهيئة- لن تأت بجديد.

ويناور البعض من موقف لموقف ومن تيار لتيار ليحظى بتأييد يكفل له الفوز في حال حدثت انتخابات لاختيار أمين عام جديد.

ويستعد آخرين للهجوم على كل مخرجات الهيئة بأنها غير شرعية؛ وكل ما يتمخض عنها باطل.

هذه الصورة توضح أننا أمام محنة كبيرة قد تقود لتشظٍ، وانقسام، وفصام جديد بين مكونات الكيان وقيادته، فالكل يطمح ويطمع أن يكون الظافر في معركة ظل الخاسر فيها دوماً هو الحزب.

أرى أن هذه المحنة يمكننا تحويلها لمنحة؛ بإجراء الآتي:
١. أن تنعقد الهيئة المركزية بكامل عضويتها حتى تلك المجمدة والمقاطعة؛ فتكون بذلك مدخلا للمالشمل الحقيقي فعلا لا قولا؛ وهذا يتطلب حراك فوري نحو أولئك النفر من أعلى المستويات.
٢. التزام الهيئة بتقييم أداء جميع أجهزة الحزب (الرئاسة، السياسي، التنفيذي، الرقابة وضبط الأداء، التنسيق) ورفع توصيات بشأنها للمؤتمر العام الثامن.
٣. رفض استقالة الأمينة العامة والطلب منها إكمال الفترة حتى انعقاد المؤتمر العام الثامن أو أن يكلف نائبها بإكمال العهدة حتى انعقاد المؤتمر ولنا في ذلك سابقة.
٤. أن تحدد الهيئة المركزية موعد المؤتمر العام الثامن الذي أرجو أن يكون في الذكرى الماسية لتأسيس الحزب في يوم الإثنين الموافق ١٧ فبراير ٢٠٢٠م.
٥. ألا نجنح للدخول في انتخابات للأمانة العامة لأن الأمين العام الجديد  سيحتاج إلى تكوين أمانة جديدة وهياكل غير الموجودة قد يستغرق تكوينها ستة أشهر.
٧. استحداث أجهزة حزبية لمراقبة أداء الحكومة بكل مستوياتها (السيادة- التنفيذي- التشريعي- مؤسسات الدولة).
هذا والله ولي التوفيق،،

*عروة*

ألن يكف هذا الغبي عن غباوته لأن الشعب لن يكف عن معارضته؟؟  

ألن يكف هذا الغبي عن غباوته لأن الشعب لن يكف عن معارضته؟؟ 

 

 ....... 
١٩ فبراير ٢٠١١م
 

 

 عروة الصادق 

 

 ...... 

 

غبي هذا الشخص الذي يظن أنه بقبيح أفعاله وبذاءة أقواله يستطيع أن يوهم الأمة بأنه المكمل ذو الفعل المجمل، فهذا الغبي وفد إلى مدينتنا الآمنة ممتطيا صهوة دبابته خائنا مواثيق الولاء ومنتهكا شرائع الإنسانية وناكصا عن عهود الديمقراطية ومسيئا للأخلاق السودانية موهما نفسه بأنه مخلص السودان ومهدي آخر الزمان، وكذب حتى صدق كذبته لكثرة ما يسمعه من زبانيته بأنك الغبي الأوحد والأكثر غباءً في مملكة الأغبياء وأن هذا السودان هو بلد الأغبياء ولن يحكم الأغبياء إلا الأكثر غباءً، فانظر إلينا حولك فستجد أحدنا عن يمينك ينظر إليك تلك النظرة الغبية مدليا لسانه الطويل ناظرا إليك بعين الغباء في زمن غبي حينما تقول حديثا غبيا لا يسمعه ويصدقه إلا الذي يقف عن شمالك والذي أصابه سرطان الغباء غير المأمول برأه لأن غباءه جرى فيه مجرى الدم في العروق، مع أنهم يقولون عنه أنه الذكي الثعلب المكار و "الحوار الغلب شيخو"، يا أيها الأغبياء في الزمن الغبي لِمَ كل هذا التغابي والغباء في زمن ساد في المكر والدهاء والحصافة والذكاء، ألم يسمع هذا الغبي بالذكاء الاصطناعي فكل شيء تعدى أن تكون غبيا في هذه الدنيا فمن الممكن جدا أن يبلغ بك الغباء عزيزي القارئ ما يبلغه أي شخص مهما علا شأنه وعظم منصبه وترقت صفته ولكن ليس من الممكن أن تصل إلى الغباء الذي وصله صديق هذا الغبي الذي عندنا من تونس والآخر من مصر فقد قال الغبي التونسي بعد أن أدركه الغرق ءالآن قد فهمت ولكن الطوفان لم يتدارك أن الرجل غبي حتى هذه الدرجة فاجتاحه ورمى به في غرفة نائية عن بلده جعلت منه غبيا يغط في غيبوبة عميقة لا يرجى برؤها من ذا السقم الذي ألم به، والغبي الآخر اشتد غباؤه واستفحل حينما وردت إليه تقارير الأجهزة الغبية التي تفيد بأن الوضع تحت السيطرة وأن من خرجوا في الشوارع هم بعض الأغبياء الذين اجتمعوا خلف لوحة المفاتيح الرقمية والتقوا في ميدان التحرير، إذ لم يراعي الأغبياء أنهم بغبائهم سيدخلون التوتر في المنطقة العربية وعدم الإستقرار السياسي بل لن يتورع الأغبياء الذين يحمونهم من تصويب بنادقهم في صدور الأتقياء الأنقياء من بني شعبهم، ومن هنا وجب على الغبي لدينا أن يستدرك خطورة تماديه في الغباء وأنه من الغباء استحضار سيناريوهات مصرية تونسية في بلاده وأن لا يلقى السمع لحفنة الأغبياء الذين تحلقوا حوله، فالغبي فاغر الفاه كبير اللسان لن يقوى على حمايته من الغضب الجم، والغبي الذكي لن يستطيع التحايل على إرادة الشعوب بالتشكيك في مقدرة القوى السياسية على قيادة فعل سياسي قوى، والغبي المضر الذي دائما ما يستحدث برامج الغباء المركب بتشويه سمعة القادة والسياسيين في البلاد ودق إسفين الفرقة والشتات بين القوى السياسية، فصف الأغبياء يطول وليلهم إن طال فستنيره عبقرية هذا الشعب السوداني الذي علم الشعوب العربية وشعوب المنطقة درسا لم تدركه إلا بعد نيف وأبعين عاما وطبقته في بلدانها هذا ليس لأن هذه الشعوب غبية بل لأن الذين حكموها كانوا أغبياء ومتغابين حتى آخر لحظات كنسهم من السلطة، فمهما اشتد الغباء في شخص فإن عبقرية الأمم والشعوب ستلقنه درسا مختصر الكلمات قد يكون من كلمة واحدة "ارحل" أو أربعة كلملت "الشعب يريد إسقاط النظام" أو ستة كلمات " حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب" كل هذه الكلمات ذات دلائل واضحة ومعاني يدركها الأصم والأبكم والأعمى، ناهيك عن شخص يسمع ويرى ويتكلم إلا أنه غبي حتى أدرج في موسوعة الفساد والإستبداد والإرهاب التي لا يتصدرها إلا الأغبياء، وإذ يشتد الغباء به ويتعدى مراحله حتى لا يستطيع مجرم إخفاء جرائمه في حق الإنسانية وضد البشرية في إقليم دارفور حتى تفضحه الأمم من وراء البحار، وتتصيده مخالب المحكمة الجنائية الدولية لإحقاق الحق، وكوكبة الغباء هذه تصل مداها بوثائق ويكليكس التي هي بمثابة الشهادة الدولية المميزة للأغبياء في العالم الذين يسرقون ثروات شعوبهم ولا يستطيعون إجادة إخفاء المسروقات، ومع ذلك يستمر الغبي في التغابي فيجمع له بعض الأغبياء ويهللون ويكبرون له ويسمعوه أنك أنت الغبي الأوحد والأصلح لحكم مملكة الأغبياء، فيستمر في غيه وظلمه وبطشه واستبداده وإنفراده وعناده، لذا على هذا الغبي أن يتعامل مع شعبه تعامل العقلاء لأن هذا الشعب عبقري ومعلم ولن يقلد التقليد الأعمى لما حدث في تونس ومصر بل سيستحدث طرقا أخرى عبقرية تجعل من غباءه عبرة لمن لا يعتبر، فالغبي ليس الذي تقتله طلقات الأغبياء وإنما الغبي هو الذي يضغط على الزناد لقتل الأبرياء، والغبي ليس الذي يحكم في كثير من الشعوب العربية ولكن الغبي هو الذي يعي الدرس بعد فوات الأوان وإختلاط الحابل بالنابل، وليس الغبي الذي يموت جوعا وسط الحفر والمجاري وإنما الغبي الذي يحترك الخبر في برج عاجي لا يصله إلا الأغبياء من أهل الولاء والطاعة العمياء، فقد يكون التونسي غبي وكذلك المصرى ولكن الأغبى منهم جميعا ذو الغباء المركب هذا الذي يجثم على صدر شعب كل ومل وسئم الضنك والضيق والإساءة والإذلال والتقتيل والتشريد والتعذيب والبطش والتنكيل والإستعباد، فهل سيعلم هذا الغبي أن الوقت قد انتهى وقد بدأت العبقرية السودانية في تشغيل الساعة المؤقتة التقليدية والرقمية لإيقاف هذا العبث الغبي. فيا غبي افهم لأن الشعب لن يكف عن معارضتك..

في رحيل سيد بشير أبو جيب

الحبيب سيد بشير ابو جيب
٤ يناير ٢٠٢٠م
قال ربنا: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك هم عنها مبعدون).
وقال: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) .
أيها المحب
المهذب
السخي
العطاء
الكريم
المبذول
الأديب
القراء
البسام
المنظم
المجتهد
صاحب الهندام
نشهد الله على محبتك ونشهد الجميع انك من أبناء هذا الوطن البررة واقول للأحباب: 
إن حبيبك هذا انتقل بعد أن اطمأن على حال الوطن، لله دوه.
وهذا الكيان ما يفتا يفجعنا بعد كل ظفر بانتخاب نخبته للقاء الله. فقد أخذ منا مهدي الأنام عليه السلام بعد الفتح وسيدي الخليفة وصحبه الميامين عليهم الرضوان في امدبيكرات وظلت المنايا تتواتر فجائعها يوما بعد يوم إلى أن أخذت ابو التومة وعبد النبي وسارا وعديل وسيدنا وصلاحين اثنين، واعتماد ويعقوب وكثيرون، وهاهو ينتخب حبيبكم سيدا، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
كان سيد سيدا خدوما رغم علو مرتبته، متواضعا لا يتأفف ولا يتعفف إلا عند المغنم، تجده متسربلا بالمحبة والحنين إلى كردفان رغم ارتباطه العملي بأم درمان، يجيد الحديث في كل شيء شأنه شأن المثقف المطلع النهم الذي ينهل من معين الفصيح والعجم، ما ان تذكر كتابا حتى يسارع بتقليب صفحاته أمامك بوعي وإدراك.
تزاملنا رغم فارق العمر بينتا في زمكان واحد عند كياننا ودار حزبنا في وقت العسرة، فكان خير مواس، وأعظم مقيل للمعسرين المتعثرين.
كان يناكف بود لطيف بعض أحبابه في مجموعة المنبر العام الاسفيرية، يبز الجميع بمحبته للتاريخ الأنصاري والمجد التليد لكيانه وقادته، ممازحا ببره لأهله الختمية في كردفان، وولهه الفياض بإمامنا المنتقى حفظه الله.
ظل الحبيب يحبب إلينا أسرته وأبناءه ويحببنا إليهم سيما بشير الذي رافقه في كثير من المراحم والمزاحم والملامح، صبيا بضا ولكنه قوي، صغيرا شهما ولكنه فتي.
ألا رحم الله حبيبكم يا أحباب فنشهد الله أنه كان محسنا ونسأله تعالى أن يزيد في إحسانه، وأن يلهم اهله الصبر الجزيل ويجعل البركة في زوجه وذريته الطيبة.
وعهدنا أن نواصل مسيرته التنظيمية فقد أعدد شبابا مؤهلين لبناء هذا الكيان ولن يخذلوك يا حبيبي بإذن الله.

نسأل الله أن نلقاك على صفاء ويقين. 

حبيبك عروة الصادق

حوار قي آخر لحظة

ممثل نداء السودان وعضو قوي الحرية التغيير في حوار الصراحة
عروة الصادق لاخرلحظة
قوي الحرية والتغيير وتداعيات الثورة وتحديات لجان المقاومة والشارع والمطالبات الثورة وصراع مكونات قوي الحرية والتغيير الحزبية والمهنية اسئلةةعديدة وضعتها اهرلحظة علي طاولة عضو قوي الحرية والتغغير وممثل نداء السودان عن حزب الامة عروة الصادق فماذا قال 

* ليس من العيب الطموح نحو القيادة
* حدثت بنداء السودان مستجدات أثرت علي أدائه
* الشيوعي يتنقد ويشارك معنا والشعبي عليه مراجعة نفسه
* الاحواي عانت من برامج أغتيال معنوي ومادي 

حوار: عيسي جديد 

* بعد خطاب تجمع المهنين المعبر عن اسفه للبيانات التي صدرت من قبل بعض عضويته ماهي الترتيبات التي اتخذتوها الان؟
أولا أشكرك أخي جديد والتحية عبرك للقراء في ربوع الوطن والمعورة ودعني أبدأ بالقول أن تجمع المهنيين كيان مؤسسي مسؤول ومؤهل يقوده مجلس قيادي وسكرتارية تنفيذية وهو كيان استحوذ على موثوقية الشارع السوداني وقاد معنا في الحرية والتغيير كافة عمليات النضال ضد النظام وشكلت صفحته الإعلامية بالفيسبوك مرجعية التخطيط والتوجيه والدعم الإعلامي لقوى الحرية والتغيير وتحديد مسارات المواكب ونشر الوثائق المرجعية، وبهذا التجمع من القيادات والكوادر المهنية من هم مؤهلون لإدارة الخلافات الداخلية بالتجمع بصورة مؤسسية ستحسم في مقبل الأيام وستنخفض تلك الأصوات المسيئة والمجرحة للتجمع وقيادته، وأي اتهامات يمكن أن تطرأ حديثا مردها إلى مؤسسات مخصصة للشكاوى والبت فيها ولعل ذلك هو السبيل الأمثل لتدارك تلك الخلافات.
* البعض وصف خلافات التجمع التي طفت للسطح بان السبب هو الكل يريد القيادة وهو صراع احزاب يقودها ممثلينها؟
ليس من العيب الطموح نحو القيادة ولا التطلع للقيادة منقصة أو التنافس عليها، ولكن القيادة الحالية للتجمع أملتها ظروف استثنائية جعلت من بعض الكوادر قيادات عليا لأنهم تصدوا للعمل في فترات التضييق والعسرة التي سبقت سقوط المخلوع وبعضهم دفع لذلك ثمنا كبيرا من التضحيات وأنا أعرف كثيرين منهم حتى الآن لم يظهروا للإعلام لزهدهم في أي مطامع ومصالح قيادية، ومن أهم أولوياتهم أن يستكمل التجمع تكويناته المركزية والولائية بصورة ديمقراطية تستوعب كل مهنيي السودان في الداخل والخارج عبر مؤتمرات تنتخب قيادات التجمع التي ستقود المرحلة القادمة ولن يكون هنالك استثناء لأحد وحينها يحق لأي إنسان مهني أو مهنية التقدم نحو قيادة هذا الكيان العظيم.
* التجمع سبق ان اعلن انه سوف يتجه للعمل النقابي واعداد النقابات للمرحلة القادمة ماذا فعلتم في هذا الصدد؟
فعلا وحقا، الآن قيادات التجمع اتجهوا بقوة نحو المؤسسات التي تستوعب مهنيين وتلاعبت أيادي النظام البائد بنقاباتهم ومؤسساتهم، وابتدروا لذلك حملات توعية وتدريب على استرداد النقابات وتوعية المهنين بحقوقهم وفق القوانين المحلية والإقليمية والمعاهدات الدولية وانتظمت حملة التوعية هذه في الولايات والعاصمة وبعض المهنيين سحبوا الثقة من اتحاداتهم ونقاباتهم على هدي هذه الحملات التوعوية، فضلا عن ربط هذه الأجسام المهنية بالوزارات التي تشرف عليها وإيصال قضاياهم للجهات المختصة في مجلس الوزراء.
* محلليين سياسيبن وصفوه دور التجمع الان بانه قد انتهي ولا يمكن ان يمارس الوصاية علي النقابات فان الوضع تغيير وهنالك ديمقراطية؟
لا يمكن أن يطلق على من يقولون هذا الأمر محللين سياسيين بل مضللين ببساطة لأن التجمع المهني من أهم مكونات الحرية والتغيير وهي القوى المتحالفة الحاضنة لهذه الحكومة والرقيب عليها وعلى أداء وزرائها، ويمثل التجمع الرافع الأقوى لأداء الوزراء والمؤسسات في الفترة القادمة ولا يمكن تسمية الدور الذي يقوم به بالوصاية بل إشراف ضروري لأن النظام الغابر غيب العقل الجماعي للمهنيين وطمس معرفتهم بالنقابات والتكوين النقابي. والتجمع وقادته لا ينادون بغير الديمقراطية ويسعودن جاهدين للإشراف على تكوينات النقابات في كل السودان وصولا لنقابة مركزية منتخبة.
* لجان المقاومة تواجه تحديات كثييرة وكبيرة وهنالك تصرفات لبعضها تم تصنيفها بانها ممارسات خاطئة كيف تري مستقبل لجان المقاومة؟
لجان المقاومة هي تكوينات قوية جمعت خيرة الشباب المناهضين للدكتاتورية فيهم من فقد روحه وارتقى إلى رحاب الله وفيهم من فقد أوصاله وفيهم من استدامت عاهته وفيهم من هو في عداد المفقودين، وبين هذا وذاك شباب حادبون وشابات بطبيعة الحال على مصلحة مناطقهم وولاياتهم وثورتهم وشعاراتها ولن يهدأ لهم بال إلا بعد أن يروا الحرية كاملة غير منقوصة والسلام التام الشامل المستدام والعدالة التي تنتصف للضحايا والشهداء، أما الحديث عن بعض الممارسات فمردها لطبيعة التكوين البشري إذا أن هنالك من يستطيع الصمود والتأني في الأزمات وهنالك من يجزع وينفعل ولكل تقديراته لكني أستطيع القول بأن غالبية اللجان الحالية في العاصمة والولايات يقودها شباب مؤهلون وشابات مميزات في مناطقهم وبعضهم أسهم كثيرا في كشف عبث فلول النظام البائد مما اضطر الفلول لتكوين أجسام موازية قد يحمل بعضها اسم لجان المقاومة أو البناء أو اللجان الديوانية أو لجان الاسناد .. إلخ، وكل هذا محض عبث نسيطر عليه عبر لجنة الميدان المركزية التي تدير الأمر بخبرة ودراية ولها تواصل يومي مع هذه اللجان التي نطمح أن يكون لها دور رقابي كبير على أداء حكومتهم الحرية والتغيير ودور إسناد لمشروعات البناء والتوعية طوال الفترة الانتقالية ودور لتسيير قوافل السلام والمحبة للأقاليم المنكوبة ودور إبداعي كبير يطلع به المبدعون بمختلف مشاربهم في هذه اللجان التي لن نقبل أي مساس أو إساءة لها وستظل عين من عيون الثورة ويد من أيادي حكومة الحرية والتغيير للبناء والتعمير.
* الشارع مازال في حالة احتقان وانتظار لتحقيق شعارات الثورة والتغيير والخكومة الانتقالية بطئية التنفيذ ماهو الحل برايك؟
الشارع به متسرعون للنتائج وبه مدركون لبواطن الأمر وبه مبخسون لدور الحرية والتغيير وحكومتهم، بين هذا وذاك ترتفع أصوات كثيرة منادية برفع المعاناة والبؤس عن كواهل المواطنين وبين من ينادي بضرورة حل و"بل" بين مزدوجين كل مؤسسات المخلوع وإيداع المجرمين السجون وفتح تحقيق علني وشفاف حول جرائم النظام منذ الإنقلاب حتى فض الاعتصام بحرم القيادة العامة، وما تقوم به الحكومة الانتقالية هو بمثابة إعادة ضبط لجوال مفيرس بأسوأ أنواع الفيروسات الكيزانية ويعلم هؤلاء الشباب أن إعادة الضبط تحتاج وقت طويلا مقارنة بأي عملية تنصيب لأي برنامج، لذلك برأي هو إعانة الحكومة الحالية من القطاعات المجتمعية برصد الخروقات اليومية في الشارع والمؤسسات العامة والخاصة واللجان في الأحياء والمؤسسات عليها الإسهام في توصيل ما غاب على الحكومة وإيصال أولويات المنطقة أو المؤسسة المعنية للجهة المختصة وفي سبيل ذلك يتم إتخاذ الكثير من التدابير.
وإذا أخذنا على سبيل المثال حل حزب المخلوع يحتاج لقانون تمت صياغته وسلم لجهات الاختصاص ولإجازته واعتماده يجب اجتماع المجلسين السيادي والوزراء في جلسة مشتركة وعلى ذلك قس الكثير من الإجراءات التي تحتاج لقانون، لأننا ارتضينا أن تحقق دولتنا هذه شعاراتها بخماسية الحكم الراشد العدالة والمساواة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون وإلا فلن يكون بيننا فرق وبين ممارسات نظام المخلوع.
* حزب الامة القومي يحذر وحزب الشيوعي ينتقد وحزب الشعبي يهدد وحزب الاتحادي صامت كيف تقرا مشهد الاحزاب من الثورة والتغيير؟
لعل حزب الأمة القومي له قرون استشعار يستخدمها دوما ليوميء بها نحو المزالق المتوقعة منذ أمد بعيد رصدت شخصيا أكثر من عشرة نقاط قال بها حزب الأمة القومي منذ 19 ديسمبر 2018م في مراحل مختلفة تجاوزها الناس وعادوا إليها في آخر الأمر ولعل آخرها مقترح تكوين المجلس القيادي للحرية والتغيير الذي اقترح منذ إبريل ولم يتم تكوينه إلا في الشهر المنصرم وأحداث كثيرة لا يسع المجال لذكرها أدى تجاوزها لإراقة دماء وعرقلة الوصول إلى الاتفاق ودفع لأجل ذلك الحزب فاتورة كبيرة من الإساءة والتجريح والتخوين أثبتت الأيام بطلانها.
أما الشيوعي فيه تيار يرى في كل ما يجري في الساحة أنه ليس ثورة وإنما هبوط ناعم وكل مخرجاته غير معترف بها إلا أنه عمليا يشارك معنا في كل هذه المخرجات قولا وفعلا فللشيوعي تمثيل في المجلس المركزي عبر كتلة الإجماع ويمثله الحبيب الباشمهندس صديق يوسف ويزاملنا في التنسيقية المركزية الأستاذ طارق عبد المجيد وكذلك هم موجودون في آلية التواصل بين الحكومة والحرية والتغيير ولهم إسهامات حقيقية بالرأي والمشورة للحرية والتغيير وللحكومة، فقط ما لا أفهمه أو أستطيع إيجاد توصيف له عدم تماهي القول مع الفعل لدى الشيوعي.
والحديث عن الشعبي في حد ذاته طرفة فقط أقول أن الذي أتى بالنظام ومنحه الصبغة الأيدولوجية الإسلاموية الواهية والواهمة هم الشعبيون ولا حول لهم ولا قوة إن تمسكوا بتلابيب الفكرة البالية، وليس أمامهم سوى مراجعة أنفسهم فكريا ومواقفهم سياسيا ودأبهم إجتماعيا لأن القطيعة الفكرية التي حدثت لن ترممها عقليات بعضهم المتحجرة وسياسيا وضعوا أنفسهم رسميا مع السفاح في خندق واحد يستوجب الخروج منه الاعتذار للشعب واجتماعيا يمثلون الآن الطرداء الذين لن يتصالح المجتمع معهم قريبا، إلا أنني أقول أن هنالك من هذا التيار مستنيرون فكريا كالمحبوب عبد السلام وشباب كثر نذروا أنفسهم للثورة وساهموا فيها وتحملوا معنا مرارة السجن وذل السجان ورصاصه الغادر، هؤلاء هم جسور الوصال الاجتماعي للشعبي مع المجتمع.
أخيرا: الإخوة الأشقاء في الحزب الاتحادي شكلوا أبرز المتحركات الشبابية في الحضور الثوري كتيارات جديدة ولكن الموقف الرسمي للحزب لا يختلف عن الشعبي وتيارات القوى المخادعة للمخلوع حتى سقوطه، لذلك رسميا الحزب في حالة بيات شتوي يحتاج إلى إنعاش يمكن أن يضطلع به داخليا كوادر نعلمها حريصة على حيوية الحركة الاتحادية وخارجيا تيارات اتحادية كثيرة اجتمعت في التجمع الاتحادي مؤمنة بالبفكرة وضمت في جنباتها أميز الكوادر الذين استطاعوا إيجاد موطيء قدم للتيار الاتحادي في صدارة الحركة الثورية ولا شك أن حضورهم تجلى في نجاحهم في التمثيل سياديا عبر الأستاذ محمد الفكي وإذا استقر الأمر لهؤلاء الشباب سيسهمون في تشكيل تيار الوسط السياسي مع أحزاب الوسط لانتشال البلاد والحفاظ على أرسخ تكويناته السياسية..
• وماذا عن نداء السودان؟
كما تعلم أخي جديد أن نداء السودان هو من أكبر التكوينات السياسية المكونة لتحالف الحرية والتغيير وله دور كبير في بلورة إعلان الحرية والتغيير والوصول به إلى هذه المحطة التي نحن فيها، لا شك أن بالنداء مستجدات أثرت على أدائه أهمها موقف الأحباب في الجبهة الثورية والذي تواصل سعينا لمعالجته عبر اجتماعات العين السخنة وفي سبيل ذلك اقترح رئيس النداء الإمام الصادق المهدي تجديد برامج وقيادة النداء وأفسح باستقالته عن رئاسة النداء المجال لاختيار قيادة جديدة لاعتقاده أن قيادته للنداء أتت في ظروف استثنائية دفع لإجلها ثمنا بالتخوين والنفي والسجن وزالت تلك الظروف ليقود النداء قادة جدد ودماء جديدة بأفكار جديدة ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تطوير التحالف ليصير تحالف مستقبلي للمرحلة ما بعد الانتقالية.
ويباشر قادة النداء أنشطتهم ضمن الحرية والتغيير وتمثيلهم في مؤسساتها من المجلس المركزي والتنسيقية المركزية وآلية التواصل مع الحكومة واللجان الفرعية بفعالية وحضور ومساهمة فعالة ولهم رؤاهم الثاقبة في تطوير النداء للإسهام في مسار الحكومة الانتقالية وتحقيق السلام العادل الشامل وإكمال التحول الدميقراطي ووضع كل الجهود المبذولة من مكونات النداء في معين قوى الحرية والتغيير.
*الشباب الثوار لم يعد أحد منهم يثق في الاحزاب السودانيية او قوي اعلان الحرية والتغيبر هل تتوقع ثورة شبابية وقيام حزب شبابي ؟
أولا هذا تعميم مخل، ويمكن أن يتم اختباره ببساطة بمشاهدة أي منشط تنظمه لجان المقاومة في أي مكان في السودان إذ يتم الاتصال بأحد قيادات الحرية والتغيير في الحكومة أو خارجها لمخاطبته، وبصورة تكاد تكون يومية هنالك اتصالات بالشباب في المؤسسات والقرى والمدن والفرقان والولايات بالحرية والتغيير للاشراف على تكويناتها، أما عدم الثقة في الأحزاب السياسية فهو شيء طبيعي إذا قارناه بممارسة آحادية استمرت ثلاثة عقود تسيء للممارسة الحزبية وللقادة الحزبيين ووصفهم بأقذع الأوصاف بل صمموا لأجل الأحزاب والحركة الحزبية برامج اغتيال معنوي ومادي.
وغالبية الشباب الذين نراهم هم نشطون في كيانات مقاومة ومجتمعية ومطلبية تزاول نشاطها واجتماعاتها من الدور الحزبية لهذه الأحزاب.
• ختاما: ماذا يقول عروة الصادق للقراء؟
إن السودان أرض الجدود ومنبت الرزق حققنا فيها انعتاقا من عهد الإذلال والرق بصورة جماعية لا علو يد فيها لآخر اللهم إلا الشهداء الذين علو في الأرض وفي عليين بإذن الله، هذا يوجب حراسة مشارع الحق والتضحية لإجل إحقاق الحقوق والانتصاف لهم والذود بقوة عن حما الوطن وأي إهمال أو تقاعس في سبيل الثورة سيكون خيانة للعهد الذي قطعناه مع الشهداء.. وعلينا الإسهام بالرأي والمشورة والعون والمادة لإنجاح الفترة الانتقالية والتصميم على ذلك وعدم ادخار أي طاقة أو جهد في سبيل هذا الوطن أو الطوفان وردة الكيزان عبر ثغرات نخلقها نحن .. فالنار من مستصغر الشرر.

المعركة ضد حزب الأمة القومي خاسرة

المعركة ضد حزب الأمة القومي خاسرة
٣ يوليو ٢٠٢٠م
إذا ما أنصفت الدراسات الموضوعية والمنطقية للممارسة السياسية والمنطقية في البلاد والإقليم والمنطقة حولنا نجد أن جميع الأحزاب السياسية في السودان لها من الإخفاقات والأخطاء والمثالب ما لا حصر له ولا عد ولا يمكن تبرئة حزب الأمة القومي من هذه الأمور والانتقادات، ولكنا نجد هذا الحزب نال النصيب الأوفر من التنكيل والتجريم والتخوين والإساءة والمصادرة والإعتقال والفصل والتشريد لكوادره بالعد والحصر، ومع ذلك ظل مشاركا في كل مفاصل القرار السياسي في الحكم والمعارضة وظل رقما عصيا على التجاوز ومع كل هذا الجهد والاجتهاد والإجهاد مثل حزب الأمة القومي عاملا دون كثير من الأﺣزاب عاملا وفق نظم وأسس قوية تتطور وفق أطر دستورية قابلة للتجديد بلا تكلس، ومرنة إلى الحد الذي مكنه من صياغة برامج تماهي واقع الحال وتقدم الحزب بمفهوم يلبي تطلعات الواقع الوطني والإقليمي والدولي تشارك في كل تلك المفاصل والمراحل جماهير الحزب في المدن والأرياف والمهجر بتمثيل انتخابي حقيقي يعمل الحزب على بلوغه درجة الكمال السياسي.

مارس حزب الأمة القومي في سبيل إيجاد نفسه ووضع أقدامه الرواسخ في المديان السياسي شتى الفنون المعلومة والمطلوبة في علم السياسة مناقشا كافة القضايا بالنهج الديمقراطي والموضوعي الذي يحقق الرضا والقبول الشعبي للمواطنين بمختلف قطاعاتهم ومناطقهم وأديانهم وانتماءاتهم الاثنية فنجد أن انتهاج علم السلوك ودراسة أنماط العيش في بلد مترامية الأطراف كالسودان ومتعددة الثقافات مكن حزب الأمة القومي لأن يكون بحق مسمار الوسط للسودان جامعا كل الطيف المجتمعي السوداني في بوتقة فريدة النوع.

يمكن أن تميز العلوم البيولوجية بين الخلائق في تكوينها وتركيبها الدقيق والوراثي إلى المدى التفصيلي المتناهي ويمكن أن يوصف حزب الأمة القومي بأنه الحزب الوحيد الذي يحوي الشفرة الجينية الوراثية للسودان والسودانيين خلقا وتخليقا ولم يجاريه في ذلك حزب أو يسبقه وإذا واصل هذا الحزب تجديده سينفرد بسرمدية التكوين.
تعد البيئة السياسية السودانية من أكثر البيئات السياسية تلوثا في المنطقة فمورست على مر العصور والدهور سيما الدكتاتوري منها مارست أساليب الاغتيال السياسي والمعنوي بل حتى القتل المادي واستأثرت أحزاب إيدولوجية راديكالية في أقصى اليمين واليسار بالنصيب الأوفر من تلك الممارسات فلم توقفها السقوف الأخلاقية ولا العرفية ولا الدينية ولا الإنسانية ولا حتى آداب الممارسة السياسية، وبفضل العمر المتطاول لحزب الأمة كان بمثابة "تختة التنشين" السياسية لأصحاب الأيدولوجيا الوافدة والغرض السياسي.

ولم تشفع كل مبادرات التنادي الوطني والمصالحات الوطنية بل حتى دراسات الاتصال والتواصل في تجسير الهوة بين الحزب وخصومة الذين أظهروا له في عدد من المراحل التواد والتحالف وأضمروا في ذات الأحيان العداء المستحكم والإساءات المخطط لها بمناهج ومدارس مختلفة.
حزب الأمة القومي تدرجت مراحلة تاريخيا تدرجا سياسيا طبيعيا متماشيا مع الزمكان المعين فبدأ بنظام رعائي لحزب تسنده طائفة دينية وتحكم علاقته مع بعضه عرى عقدية أمتن من تلك السياسية، إلى أن وصل عصر العولمة وعلوم الكمبيوتر ووثقت تلك العرى مواثيق سياسية محكمة ودستور حزبي تطور منذ العام 1945م وصولا لتعديل العام 2009م والذي أودع مختصون مسودة تعديله للمؤتمر المذمع قيامه في مقبل الشهور.

حزب تعاطى مع الاحتياج اليومي للسودانيين ونداءاتهم الاستقلالية ورؤاهم التحررية وصولاً للمرحلة التي يقف فيها الآن على رصيد وافر من الدراسات والبحوث في مختلف القضايا كدراسات التنمية المستدامة والإستفادة من كوكبية الأرض والتموضع استراتيجا في هذا الوطن والقارة والعالم بإحكام دراسة علوم الأرض المائية والبيئة والمناخية والاجتهاد في مكافحة العوز الاجتماعي والندرة بتخطيط الاقتصاد والتمويل والأعمال والصناعة وتقديم كل ذلك في برامج يخطها مختصون من من كل المشارب الأكاديمية والتجريبية والسياسية وقد شكل ملف التعليم والتعلم أكبر هموم هذا الكيان التقليدي "وصماً"، فهو وقيادته من أوائل المنادين والمؤسسين للمدارس والمعاهد الأكاديمية والتعليمية والدينية والحرفية بل حتى المدارس والمعاهد النسوية التي كان الحديث عنها يعد تصرفا مخلاًّ ومخالفا للعرف وأخلاق المجتمع وقتئذٍ.

لم يسبق أو يساير حزب الأمة القومي قط أي حزب أو كيان في استخدام التقنية فقد كان من أوائل الأحزاب التي شكلت حضورا رقمياًّ في السودان والمنطقة والإقليم ويعد الموقع الرسمي للحزب من أقدم المراجع السياسية وأغناها في البلاد والساحة السياسية وقد شكلت مجموعات الحزب الرقمية عامل الهندسة التكنولوجية الحزبية وستسهم تلك المجاميع السبرانية في بيناء وتنظيم وتمويل الحزب في المستقبل المنظور، والمراقب للأداء العام للحملات الإعلامية في منصات التواصل أن هذا الحزب يدير معاركه لوحده دون أن يخسرها ففي السابق كان النظام المباد يسخر جهده وماله وأجهزته لاغتيال وتفكيك هذا الكيان وقذف قيادته بكل محرمات القول والفعل الأخلاقي والسياسي وخلفه في ذلك كيانات ترى أن في حزب الأمة القومي الوريث الحريص على مكتسبات وقيم هذا الشعب وصاحب الحظ الأوفر للقبول والحوز الانتخابي فهرعوا للتحالف ضده واصدمت حملاتهم بحاجز الصد المتين الذي شكله السواد الأعظم لأبناء المدرسة التي لم تعرف سوى التميز والقوة والانتصار.
لم يبخل حزب الأمة القومي وقيادته يوما في مخاطبة قضايا وهموم الناس والأمة والكون وقد شكلت البيئة والزراعة أهم أجندة الحزب على مر مراحله التقليدية والحديثة فالقادة المؤسسون أهم ما قاموا به الاستصلاح الزراعي تنمية المشاريع لاستقرار جماهير الكيان الأنصاري والحزب وحققوا بذلك زراعة وصناعة ورعي واستقرار جنب البلاد الصراع والموت بل شكلوا بذلك مجتمعا متماسكا لا تشبهه إلا المدينة الفاضلة لإفلاطون.
وهو بذلك يعد ويوصف من أكبر الأحزاب الإفريقية المنادية بالاهتمام بالبيئة وخطورة إهمالها وضرورة إيلائها الحظ الأوفر من العناية والرعاية لجعل العالم آمنا بدرجات حرارة معقولة لا تشكل تهديدا على حيوات الطبيعة حولنا وظلت الاستدامة غاية ما ينشده الحزب في أمر البيئة والديمقراطية والسلام ولكثرة الحديث عنها صارت سمتا حزبيا يميز المتحدثين فيه والأدبيات المنشورة له.

وفي ذلك مثلت علوم وتكنولوجيا الأغذية أحد أهم هموم الحزب فقد بذل الدراسات والاستشارات الزراعية الموسمية والدورية التي تنصح الدولة بالإهتمام ببعض المحاصيل الزراعية وتربية بعض السلالات الحيوانية يقدمها لفيف من العلماء والمختصين الذين خرجتهم أعرق المعاهد والجامعات والمؤسسات السودانية وصقلتهم الحقول والمراعي في مختلف مدن السودان فمثلت إستشاراتهم معينا لبعض أصحاب المشاريع الخاصة في النجاح وسد عجز غذائي كبير لبعض المناطق يرى أن ترى خططهم ورؤاهم النور عبر الحكومة التي يعد حزب الأمة القومي أكبر داعميها.

وقد كانت جغرافيا السودان حاضرة في رؤى الحزب، ويستطيع الإنسان الإدعاء صادقا أن تربة حزب الأمة القومي صالحة لاستزراع واستقطاب أي عقل سوداني مهما كان أصله أو منبته الجغرافي لأن هذا الحزب مثلت أرضيته التأسيسية جماع أهل السودان وقبض قادته المؤسسون قبضة من كل شبر من تراب هذا البلد ليغرسوا فيها شخصا ينادي بمباديء جامعة مانعة.

وقد أولى هذا الحزب الرعاية الصحية والاجتماعية الأولية أولوية قصوى في برامجه ومشاريعه السياسية والإقتصادية والإنسانية ولم يضن على البلاد بتقديم خيرة كوادره في المجالات المذكورة ليكونوا خداما للوطن في أحلك الظروف يتقدمهم في ذلك قادة الحزب بسهمهم الذي يصيب في كل موضوع صحي أو اجتماعي، فيعد رئيس الحزب الوحيد الذي يكتب مقالات عن الصحة والرعاية الصحية سيما للأمومة والطفولة وأفرد لذلك اجتهادا كبيرا في سفره نحو مرجعية إسلامية متجددة فاتحاً أبواب النقاش حول قضايا طبية مستحدثة ليس هنالك رأي وطني حولها يمكن لها أن تمكن من إيجاد مرجعية تشريعية مرتجاة في صياغة نصوص الدستور المستدام بإذن الله.
ويعد الحزب من الأحزاب التي لم تركن إلى النصوص الدينية بشتى اختلافاتها ومشاربها ومذاهبها بل مثلت العلوم الإنسانية معينا له للعبور والمرور من برزخ الراديكاليين إلى رحاب الإستنارة فهزم كل المشروعات الثيوقراطية الأحادية النافية للآخر وكذلك الرؤى العلمانية المتكلسة والسلفية اليسارية وقدم أنموذج الدولة المدنية التي فكت الاشتباك الديني العلماني بصورة في اعتقادي لم تقدم المدارس الفكرية السودانية أصوب منها إلى يومنا هذا، وهذا المضمار يعد من أصعب الميادين التي لا يستطيع أحد هزيمة حزب الأمة القومي فيها.

تتقدم الأمم والكيانات والدول بالعلم والمعلومات ويعد حزب الأمة القومي من أكثر الأحزاب اهتماماً  بعلم المعلومات، فلديه المقدرة على إيجاد معلومة آنية مكانية في أي بقعة من بقاع الوطن في اللحظة والحين لانتشار جماهيره الواسعة على امتداد الوطن، ولا يمكن أن يجاريه في ذلك حزب ومع ذلك أرى أنه لم يستفد الاستفادة القصوى من اتقان استخدام إمكاناته المعلوماتية بحقها الأمثل والأفضل.

كل هذا لا يعني أن حزب الأمة القومي انتصر في جميع المعارك بل أجده يهزم في أكثرها كمثل تلك الحروب الاسفيرية التي ينتقي فيها كوادرها ونشطاؤه عيون اللغة والأدب ويقابلهم خصومهم بالتسفل والابتذال، فينتصر عليهم الخصوم توهما في ظل سيولة اجتماعية ترى من سيل البذاءات ثقافة ومن سب العقائد انتصاراً ومن التنمر على الآخر الديني والإنساني والنوعي والعمري طريقا للترقي السياسي والنيل من الخصوم.
كما أن الحزب ظل مهزوما في كل المراحل التي يكون بها التزام بالقانون أو العرف أو الاتفاق فإذا نظرنا إلى آخر محطات العمل السياسي نجد أن الحزب وغيره من الأحزاب التزموا وتواثقوا على عدم المشاركة في الحكومة الانتقالية ولا المحاصصة الحزبية، إلا أنه وجد الجميع قد سبقوه إلى السلطة ومؤسساتها عبر الأبواب والنوافذ ومدوا له ألسنتهم طويلة تسيء إليه وإلى حكومة الفترة الانتقالية التي هم جزء منها، وتاريخيا يعد الحزب من أكثر الأحزاب التي أبرمت مواثيقا ومعاهدات ثنائية أو تحالفية يوقعها الحزب فيوقعها الجميع تحت الأرض ويدوسوا عليها بأقدامهم وبعضهم يمزقها ويرمي بها في وجه التاريخ.

بمنطق الرياضيات والإحصاء نجد أن الحزب عدديا يعد إلى الآن الحزب صاحب النصيب الأوفر من الجماهير والعدد الأكبر من متوسطات العطاء السياسي والاجتهاد الفكري والمساهمة الحياتية اليومية والتعاطي الإعلامي لن يكلف أي إنسان الوصول إلى هذه النتيجة سوى الضغط على كتابة اسم الحزب أو أحد قادته في محرك من محركات البحث مقارنة بالأحزاب السياسية الأخرى.

وبمنطق الطب والأطباء والتمريض والصحة لا يمكن أي يبريء جراح هذا الوطن منطق غير الذي يطرحه الحزب متمثلاً في العقد الاجتماعي الجديد فظل الحزب رغم فترات الضيق والتنكيل والمعارضة هو من يطفيء الحرائق الإجتماعية والحروب الأهلية ويؤسس للهدنة الاجتماعية في كل مرحلة يتأزم فيها الصراع بين مكون من مكونات البلاد، قطعت الشموليات وصوله لسلام مستدام دون دفع فاتورة إنفصال أو تقرير مصيرا كان ممكنا في سبتمبر 1989م ولكن الإنقلابيين شاؤوا دون ذلك، لذلك إذا أراد الجميع الانتصار بتحقيق السلام المستداد وتطبيب الجراح لن يكون هنالك طبيب غير الذي خبر مسك المبضع من قادة هذه المدرسية السياسية العريقة.

وبمنطق الدراسات التاريخية يمكن القول بصدق أن الحزب الآن يعد المتحف السياسي القومي والحاضن للتراث السوداني بمختلف مراحله التاريخية، فيتجايل فيه اليوم جيل الاستقلال وثورة أكتوبر وانتفاضية إبريل ومجالدة الإنقاذ وجيل ديسمبر الذي أطاح بالطغاة، فتسلسل التاريخ السياسي بكل مراحله سلسلا دون تكلف من شهود على العصر وصولاً لهذا الجيل وبذلك يكون حزب الأمة القومي لا منبتاً ولا أبتراً ولا وافداً ولا نافياًّ للتاريخ الذي شارك بصلابة في كل مراحله صواغه بأضوأ الحروف وأقوى المواقف.

لم يفصل حزب الأمة القومي يوما بين السياسة واحتياجات المجتمع الثقافية والرياضية والمعرفية والعاطفية فشكل واصلاً بين الرياضة والسياسة والصحافة والسياسة والثقافة والسياسة وهكذا، ومثلت السياسة فيه أهم عوامل التواصل مع الآخر الوطني والإقليمي والدولي وكانت السياسة والعلاقات الدولية أهم ما جعل الحزب من الخوارق المخترقين لكل الحجب السياسية والإقتصادية والحظر على القرار الوطني بفعل انتهاكات ارتكبها مجرموا النظام المباد فطوقت البلاد بطوق من العقوبات أهمها العقوبات الأمريكية ولكن سياسة الحزب ومدرسته وقيادته انتصرف في ترسيخ العلاقة بين السودان والمحيط حولنا عبر حملات منظمة وإسهامات مقدرة من الحزب وقياداته.

أمام حزب كحزب الأمة القومي دراسة الحالة الاجتماعية الواقعية والافتراضية التي تعتري السودانيين ففي فترة لا تتعدى العام شكل السخط العام على الحزب وقيادته عاملاً مزعجا لتقييم الأداء، ولكن بحراك بسيط على الأرض كطواف الأمة الذي انتظم البلاد أعاد الحزب تموضعه الحقيقي في صدارة القوى التي نظمت طوافاً وتواصلاً جماهيريا واقعيا مع قواعدها، وإذا نظرنا للأسافير لا يمكننا تجاوز الحملات المسيئة التي تم تصميمها في مطابخ حزبية وأخرى تحالفية وأخرى حكومية وأخرى مخابراتية أجنبية هدفها عزل الحزب وقيادته واستهدف بشكل واضح كل عبارة وتصيدت كل حرف ينطق به رئيس الحزب الإمام الصادق المهدي والمواقف والبيانات والإيجازات اليومية أو الدورية للإعلام فشكلت أدسم المواد لاغتيال الحزب ولكن لم يكسر ذلك عزيمة الأعضاء الذي تنادوا إلى حملات إسفيرية منظمة أطاحت بكل آلهة التواصل الإجتماعي ووضعت حزب الأمة القومي في صدراة البرامج المطروحة والمقبولة والمستقطبة والتي تشكل نفاج الأمل بأن هنالك أحزاب رؤيوية وأخرى محبوسة في قمقم الحركة الإخوانية أو سجينة في موسكو.

قدر الله لكاتب هذه السطور أن يكون مديراً لدار الأمة وهي المركز العام لحزب الأمة القومي بأم درمان لفترة لم تتعدى الأربعة شهور ورصدت أن متوسط الأنشطة الحزبية والمستضافة والفعاليات السياسية والاجتماعية والإجتماعات وغيرها تجاوز الخمسمائة نشاط في الشهر الواحد أهمها نقاشات قوى الحرية والتغيير التي كانت غالبيتها تستضاف هنالك ومنها تم اتخاذ قرارات مفصلية كتسمية أعضاء مجلس السيادة الانتقالي ورئيس الوزراء وفي السابق لا أنسى توقيع الميثاق وكتابة مسوداته الأولية، بذلك استحقت دار الحزب أن تكون مزاراً دبلوماسيا لكل البعثات الدولية والإقليمية ومزاراً سياحيا سياسيا لكل سياسي وباحث وعالم ومفكر يريد أن يرى السودان والممارسة الحزبية الراشدة في المقاومة والمعارضة والحكم.

يبقى السؤال القائم هل هنالك كيان أو حزب يمكن أن يتقدم ويتجرأ بأنه سيهزم حزب الأمة القومي في مضمار السياسة والجماهيرية والبذل والعطاء الفكري؟ لأني على يقين أنه إذا ما نصبت الدراسات الحضرية والحضارية ستجد أن حزب الأمة القومي يعد أحد أركان الحضارة السودانية التي لا يمكن اجتيازها في أي مرحلة من المراحلة والتي لا يمكن هزيمتها بقوة السلاح ولا حتى قوة المنطق، فلا زالت دراسات ورؤى الحزب السياسية متقدمة على رصفائه.. وأشجع بدوري أولئك الشباب الذين يركبون موجة الإساءة والتغييب ليجلسوا بتواضع ويحتكموا لصوت العقل والموضوعية ويجردوا الممارسة الوطنية لهذا الحزب قبل أن يشخبطوا على جدران داره بليل، لأن هذه الدار ليست هينة ولينة ولم يتجرأ النظام المباد وهو في ذروة عنفوانه وقمة عسفة ولم يقدر على مسها بسوء لأن بها من يستطيع حمايتها، ولكن تعالوا إلى كلمة سواء نحتكم إلى المنطق لا منطق القوة إذا هزمنا منطقكم سنمد أيادينا بيضاء بغير سوء ونعلن إستسلامنا للمشروع الذي سيهزمنا، ولن نمارس العسف والاعتداء والبلطة كما ينتوي كثيرون جرنا إلى هاهناك.

ختاما: هذا الحزب لن تهزمه الإساءات ولا الحملات العدوانية وإنما مباراته ستكون في أقرب عملية انتخابية ويقيني أنها ستكون هذه المرة أغلبية وليست أكثرية، ليعجم كل من قوى الثورة والأحزاب السياسية كنانته وينتقي منها ما يريد من برامج ويباري بها هذا الحزب وإلا فلن يكون للحزب بدُّ من اللجوء للاحتكام لدولة القانون والإسراع في مقاضاة من يسئ إليه وإلى جماهيره وإلى تاريخه.. وقد أعذر من أنذر.

عروة الصادق – أم درمان
ORWAUMMA@GMAIL.COM

الصادق لم ولن يخن

الصادق لم ولن يخن
عروة الصادق
٦ يوليو ٢٠١٦م
جرد كثير من أبناء وبنات السودان أقلامهم لتثبيط همة السودانيين وقتل آمالهم في الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي الذي دعا للقاء جامع بمسجد خليفة المهدي عليهما السلام يخاطبه مساء السبت الموافق 29/6 بأم درمان العاصمة التاريخية، هذه الأقلام بعضها مدفوع من قراءات قديمة بأن نظام الإنقاذ فعل بجماهير كيان الأنصار الأفاعيل وليس بمقدور الإمام الصادق جمعهم من جديد والبعض الآخر إما مدفوع ثمنه ليشن حملة شعواء شملت أغلب صحف الخرطوم فيها من الصحفيين الشباب الذين كتبوا تحقيقات وتحليلات في صفحات الصحف عبارة عن نقل لما في الأسافير وتزويقه بما يتماشى مع حملتهم التشويهية لسيرة الرجل ومسيرته أو تجد آخرين دفعتهم الغيرة والحسد من داخل الحزب ليسرب لبعض هؤلاء الصحفيين أشواقه بأن يكون مبتغاه السائد الأعم على صفحات الصحف وعناوينها الرئيسة.
أفلحت هيئة شئون الأنصار للدعوة والإرشاد وقياداتها في التعبئة والحشد والتنظيم وبرهنت أنها الكيان الديني والوطني الأول بامتياز، والذي لا محالة هو صاحب الرصيد الشعبي والفكري والملبي لأشواق وتطلعات بني السودان.
وهذا الفلاح تجلى في التطواف الذي انتظم كل أرجاء البلاد والذي دلت عليه جموع الأنصار الذين وفدوا للقاء من كل بقاع السودان، ولا يستطيع أي إنسان إنكار هذا الدور المتعاظم والذي له ما بعده من خير على البلاد والعباد.
لم تصدق توقعات المتوهمين بأن يكون حضور الأنصار في ساحة مسجد خليفة المهدي كما زعموا قليلا لا يلبي تطلعات الإمام ولا يمثل بعبعا للنظام، كما خاب رهان الذين يريدون تكسير "مجاديف" الإمام الصادق المهدي الروحية والوطنية، وهم كثر من داخل الحزب وخارجه.
كانت التوقعات متفاوتة بين متفائل ومتشائم ومحفز للتشاؤم ومحرض عليه، بحيث كانت الجموع المتوافدة تمثل الأنصارية الحقة التي تثق في إمام الكيان وحكمته ودرايته ببواطن الأمور وظواهرها، والمتشائمون كانوا يظنون ألا يأت الخطاب المرتقب بجديد يذكر وأن يكون الحديث مكرورا لا يلبي الأشواق وهؤلاء أثرت فيهم الدعاية المسبقة المضادة لفكرة اللقاء في صحف الخرطوم ومواقعها الإسفيرية، أما الذين كانو يحرضون على التشاؤم فقد رسموا خطة محكمة لإنهاء ما يسمونه الكارزما "المتوهمة" وإخراج الإمام من ساحة المسجد "المولد" بلا "حمص"، وذلك بدفع أصوات قوية لمقاطعة الإمام وإخراصه والسير بالجماهير الهادرة حيث يريدون ورسم صورة شائهة فيها انقطاع للحبل الواصل بين القيادة والجماهير ونسي هؤلاء أن هذا الحبل هو حبل من الله وبيعة أمام الله ورسوله لا يمكن أن يقطع وصالها أي شخص كائنا من كان حتى وإن كان من بطن مكة.
كان مشهد انتظام الأنصار وتوافدهم لمسجد خليفة المهدي عظيما يسر الناظرين ويزيد حنق الحاقدين الحاسدين، رغم اكتظاظ القوى الأمنية والشرطية والنظامية الأخرى حول المسجد دخل الأنصار ساحتهم مرفوعي الرؤوس شم الأنوف في ارتقاب حديث ظل متكتما عليه غاية التكتم وهذا ما رفع سقف التوقعات والتكهنات إذ أن السرية التي أحاطت بالخطاب جعلت الشوق أكبر والرغبة في معرفة فحواه أعظم من أي رغبة سابقة في سماع خطاب الإمام الصادق المهدي وهذا كان محفزا لكثير من السودانيين من العامة وقادة المجتمع وقادة الرأي حريصين على الحضور بأنفسهم لسماع حديث الإمام أذكر منهم على سبيل المثال الأستاذ عثمان ميرغني، وهنالك من أتت بهم أرجلهم بجوار المسجد فدخلوه من باب حب المعرفة.
لم يطل الانتظار حتى حل رحل الإمام الصادق المهدي بساحة المسجد الذي قدر عدد الحاضرين فيه بـ50 إلى 60 ألف نفس غير عشرات المئات من الشرطة بكل وحداتها ودورياتها المختلفة والمدسوسين من رجال الأمن وسط الحضور لبس بعضهم الزي الأنصاري (على الله) وغيرهم من الجالسين في عرباتهم خارج المسجد.
فور دخول الإمام إلى المسجد اعتلى المنصة المخصصة للخطاب وظل مطأطئا رأسه كعادته مصغيا لحديث العلامة آدم أحمد يوسف نائب الأمين العام لهيئة شئون الأنصار الذي اقتضب كلمته وقدم الإمام الصادق المهدي الذي قابلته جموع الأنصار والشعب السوداني بترحاب قل أن يجده زعيم ديني أو سياسي، والمدهش في الأمر أن هذه الجموع اقتطعت من زاد أبنائها و"دم قلبها" للحضور لساحة مسجد خليفة المهدي من كل حدب وصوب.
للقارئ أن يتخيل انتظام حشد كهذا دون أن يكون له تمويل بزخي أو بنود صرف عشوائية كما تفعل كثير من الأنظمة في منطقتنا العربية والإفريقية لحشد الولاء للقادة.
مع تعالي أصوات الجماهير بالهتاف والتكبير والتحميد بدأت كلمة الإمام التي نشر فحواها الأصلي والتتمات المرتجلة في المنصة في كل المواقع الإسفيرية والصحف السيارة بالخرطوم بل حتى صحف العالم التي صدرت صباح اليوم التالي للاحتفال.
الخيانة هي المتلازمة التي حلت بالجسم الوطني والديني والسياسي السوداني بل أمتنا الأفريقية والعربية، إذ ظل كثير من الناس يصمون خصومهم السياسيين أو غرماءهم الدينيين بالخيانة، والتخوين في بلادنا السودان ظل مرعيا من الدولة وممأسسا وممنهجا ومرئيا من العامة التي في الغالب تؤثر الصمت والمشاهدة إلى حين، غير أن الإمام الصادق المهدي ظل ينجو من كل محاولات التخوين والقذف بعناية فائقة فقد رسم له الكثيرين صورة الممسك للعصا من النصف واللاهث خلف مصالحة الشخصية والمضيع للحقوق الوطنية وردد كثير منهم تلك الأقاويل على شاشات التلفاز أو ميكرفونات الإذاعة أو خطها في صفحات الصحف دامغين سماحته بأقزع أنواع السباب التي حتى وإن تبرأ منها ظلت نفسه مجروحة تتألم من ظلم ذوي القربى وقديما قيل:-
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند
وقد ظلم الرجل كثيرا ولم ينتصر لظلمه وقد كفل له الله تعالى الانتصار بقوله تعالى:( وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ( ولكنه ظل ممتنعا عن الانتصار لنفسه ومانعا أحبابه أنصار الله من الانتصار له وهم على ذلك قادرون، لأن الصبر على الظلم من عزم الأمور كما قال رب العزة والجلال في كتابه المسطور:(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).
وبمتابعتي لخطابات الإمام الصادق المهدي أجد أنه لا يستخدم كلمة "نداء" إلا لعظائم الأمور، منذ نداء الوطن ونداءات العصر للمهتدين والإيمانيين والعصريين، ولعظمة هذا اللقاء وأهمية هذا الخطاب الذي كان في  يوم عرس السودان كما أطلق عليه، أطلق المهدي اثنى عشر نداء :-
1.      نداء  للأنصار من المرجح الاستجابة له بل تمت الاستجابة الجزئية له بما شهدته ساحة مسجد الإمام عبد الرحمن المهدي في أول جمعة عقب الخطاب المهم والتي امتلأت بجموع الشباب والطلاب والنساء من المؤيدين لخطاب المهدي والسير في مسيرة تحقيق تذكرة التحرير.
2.     نداء لجماهير حزب الأمة تم إعداد العدة للاستجابة له ولتنزيله لأرض الواقع بما تقوم به رئيسة المكتب السياسي الأستاذة سارة نقد الله في جمع الآراء في كنانتها لترمي بها في مسيرة الخلاص الوطني وفقها الله.
3.     نداء للمؤتمر الوطني والذي بدوره يصر على نهج البصيرة "أم حمد" وقد لا يستوعب قادته الخطاب لأنهم لا زالوا في غيهم يعمهون.
4.     ونداء للجبهة الثورية التي استبق بعض قادتها خطاب الإمام بالرفض القاطع وآخرين بالقبول الحذر لفحوى الخطاب ولكن يبقى خيار التغيير السلمي هو ما يطالب به العقلاء حتى داخل الجبهة الثورية.
5.     نداء لدولتي السودان كانت الاستجابة له أسرع مما كان متوقعا ففور زيارة نائب رئيس دولة جنوب السودان د.رياك مشار للسودان حط رحله ومن معه من وزراء بحديقة منزل الإمام الصادق المهدي بالملازمين استجابة لدعوة كريمة أمها قادة العمل السياسي بالبلاد وما يبشر أن الاستجابة ستكون كبيرة من دولة الجنوب الدعوة التي قدمها د. مشار للمهدي لزيارة جوبا والتي سيكون لها ما بعدها، أما دولة السودان فمن المحتمل أن تستجيب ليس لصوت العقل ولكن للضغوطات الدولية والإقليمية للاستجابة لخارطة أمبيكي واستئناف الحوار والتفاواض بين الدولتين بل من المحتمل أن تلغى طريقة التعامل بالطريقة الهوجاء التي قال بها الرئيس البشير: (يا عوض أقفل البلف) وكأن البلف هذا لحنفية في منزل سعادته.
6.     نداء للزملاء في قوى الإجماع وهو أكثر النداءات حساسية إذ حمله كثيرون أكثر مما يحتمل ولا شك أن المداخلة التي شارك بها الأستاذ محمد ضياء الدين في برنامج حتى تكتمل الصورة لها من الدلالات ما يكفي للقول بأن خطاب الإمام يتسق مع أشواق وبرامج قوى الإجماع الوطني وما يقوم به سعادة اللواء فضل الله برمة ناصر نائب رئيس الحزب من اتصال بقادة فصائل الاجماع الوطني خير دليل على أن السعي لإيصال هذا النداء واتباع القول بالعمل ولن يكتفي بالوقوف عند منصات الخطاب فقط بل سيتواصل التلاقي في دور هذه الأحزاب ومقار قادتها حتى تلتقي اللحمة الوطنية السياسية في الداخل على ما ينقذ البلاد والعباد من هذا الدرك السحيق.
7.     نداء لشعبنا العظيم، وهذا النداء سيكون في مقدوري تقييم مدى الاستجابة له في مقبل الأيام لأن أي تقييم له الآن يكون مجحفا وظالما لأن الشعب السوداني له من القدرة على التقيم وتقدير الأمور بالقدر الكافي الذي يجعله إما أن يكون فاعلا في مسيرة التغيير القادمة أو أن يختط له طريقا آخر والراجح أن عبقرية هذا الشعب ستجعل من تذكرة التحرير والتوقيع عليها أيقونة الرحيل القادم.
8.     والنداء للأهل في سودان المهجر، هنا أحيل القارئ لمناشط قادمة ستقوم بها فرعيات الأمة المهجرية والقوى السياسية بالمهجر والسودانيون قاطبة أملا في دفع مسار الخلاص حتى مبتغاه.
9.     نداء لأهلنا في مصر، ليتهم استمعوا له قبل أن يخوضوا هذا المخاض العسير الذي لا يسر إلا العدو، ومع ذلك فإرادة هذا الشعب من المؤكد ستكون هي الفيصل.
10.  نداء للرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، يرجو كل عاقل أن يستجيب سيادته لهذا النداء لأن السودان والمنطقة ظلت محمومة بمسار سياسات طهران.
11. نداء لسوريا الشقيقة وهذا لم يلق له أحد بالا حتى الآن يرجى من القيادة الجديدة للمجلس الوطني السوري المختارة فب قطر أن تستمع له قبل النظام الذي يريد لشعبه الهلاك والدمار.
12.  نداء لأمير قطر الشيخ حمد الذي قدم للعالم درسا جديدا جعل منه قدوة حسنة يرجى الاقتداء بها، ورجاء للأمير الجديد، بحراسة مجد أبيه بحادث من المجد وهذا هو المخطط له فقطر التي ترسم لنفسها استراتيجية شابة اختار لها أميرها شابا لإكمال ما تبقى من بناء.
وما أجمل ختام النداءات بالدعاء للزعيم نيلسون مانديلا بالشفاء الذي رشحت الأخبار بأن كل وظائفة الحيوية قد تعطلت ونصح أطباء أسرته بانتزاع أجهزة التنفس الصناعي، حتى وإن انتقل مانديلا فستبقى مسيرته ملهمة لكل الشعوب والأمم بما حققه هو ورفيق دربه ديكلارك وهنا تتبين صلابة التماسك الفكري بين قادة العمل الديمقراطي وتتجلى بصورة واضحة في خطاب الإمام الصادق المهدي لأن الطريق الذي اختطه ما نديلا هو ذاته ما يقول به سماحة الإمام.
تجلت قوة الخطاب  حينما عدد الإمام الصادق ما يؤهله للخوض في ما قام به النظام ومطالبته بالرحيل معددا مثالبه وفوضاه التي عبث بها بمقدرات ومكتسبات الشعب والوطن وسيادته ووحدة أراضيه، الأنواط التي أهلته للقول بذلك لم تكن أوسمة ونياشين ممنوحة وإنما هي مستحقة منذ أمد بعيد وهي:
-      الشرعية التاريخية.
-      الشرعية الشعبية .
-      الشرعية الفكرية.
-     الشرعية الدولية.
وأضيف خامسة وهي الشرعية النضالية التي لا ينكرها إلا خفاش يأبى ظهور شمس الضحى.
وفي ثنايا الخطاب تفكيك لكل ملتبسات الأمور في الشأن الوطني والديني والحزبي أشدها وقعا في أذن السامعين والمتابعين وما افتتحت به صحف الخرطوم عناوينها في اليوم التالي عبارة "الباب يفوت جمل" ما أثار حفيظة كثير من الذين كانوا يقاطعون الإمام في حديثه بهتافات، المهم في الأمر أن الرجل ظل متمسكا بمبادئه التي ظل المتابعون لمسيرته يشهدون له بأن لم يحد عنها بل بذل كل ما في وسعه ووعد ببذل المزيد في قوله: "هذا اللقاء لن يكون الأخير، سنعمل لقاءات إن شاء الله عبر حزب الأمة في كل أقاليم السودان لكي نعزز الأجندة الوطنية، ولكي نعزز التوقيع على تذكرة التحرير، وسنفعل هذا إن شاء الله."
ختام لهذا المقال نص تذكرة التحرير التي أعتبرها ملبية لتطلعي وكثير من أبناء جيلي وسأعمل جاهدا على جمع التأييد لها والتوقيعات بكل ما أوتيت من قوة وجهد ووقت ومال وأدعو القارئ السوداني لقراءتها بحياد دون النظر لمصدرها أو من كتبها والتمعن في عباراتها التي تقول: ((النظام الذي استولى على السلطة بالانقلاب المخادع، واستمر فيها بالتمكين الاقصائي أفقر الناس، وأهدر حقوق الإنسان، ومزق البلاد وأخضعها للتدويل فاستحق أن يطالب بالرحيل، ارحل.
نحن نعمل لإقامة نظام جديد يحرر البلاد من الاستبداد والفساد ويحقق التحول الديمقراطي الكامل، والسلام العادل الشامل، وسيلتنا لتحقيق ذلك التعبئة والاعتصامات وكافة الأساليب المتاحة إلا العنف، وإلا الاستنصار بالأجنبي.
 نعاهد شعبنا على ما في تذكرة التحرير. ومن يومنا هذا نوقع على هذه التذكرة تذكرة التحرير بالملايين لتكون التعبير عن موقفنا)).