على وقع حوافر الشر في دارفور أعيد نشر سلسلة مقالات عقب زيارتي للإقليم في ٢٠١٨
دارفور – طائر العنقاء (1)
عروة الصادق
زرت لأيام مضت ثلاثة من ولايات دارفور شمالا ووسطا وجنوبا، غير ما رأيته من مشاهد أخاذة، وطبيعة ساحرة نبتت من بين ركام البارود، رأيت ما يدهش ويبكي ويضحك ويستفز ويؤلم فيندى له الجبين، إنها بلاد غريبة فطوبى للغرباء.
دارفور بحالتها التي رأيتها هي السودان بكل تضاريسه وتفاصيله وانسانه، مررت بولاياتها الثلاث فسرني منظر الزراعة الممتد بمساحات شاسعة منذ أن دخلتها من الناحية الشمالية وخروجا من الفاشر حتى وادي أب زريقة، ومن بعدها تشابكت قناديل الذرة حتى دخلنا نيالا واصطفت كذلك وصولا إلى زالنجي. كان هذا المشهد وحده كافيا ليريك مدى إصرار أهل هذا الإقليم على الحياة، فقد علمت أن معظم النازحين في المعسكرات زرعوا أراضيهم وفي الغالب بصورة يدوية لأن أزمة الوقود حالت دون استخدامت الجرارات الزراعية وللأسف أتوقع أن تحول دون إكتمال عمليات الحصاد في موعدها.
قضيت زهاء العشرة أيام بين زالنجي ونيالا والفاشر متقلبا في طريق أخضر لا تشابهها إلا سجادة فرشت للصلاة عليها صلاة النصر والشكر والحمد لما أنعمه الله على أهلها من خير وفير، فالخريف هذا العام شمل كل الولايات التي رأتها عيني ولا زال أهل الجبل يستمتعون بزخات الغيث العميم التي تفسدها تارة أصوات الآليات العسكرية والطائرات وتارة أخرى أصوات الذخائر والقذائف رغم إدعاء رأس النظام وقف إطلاق النار.
للحقيقة لم أزر دارفور يوما وندمت أيما ندم لأني لم أزرها منذ آماد بعيدة رغم ما يربطني بها من دم ورحم ونسب، وتمنيت لو لم تنقض أيام تلك الزيارة، فقد رأيت الأمل بأم عيني والبحث عن الحياة والجد والاجتهاد والجهاد في سبيل كسب العيش وبناء الديار، رأيت كيف يحيي الله الأرض بعد موتها في فاشر السلطان ونيالا البحير غرب الجبيل وزالنجي، مررت بوديانها الجارية أزوم وأريبو وأب زريقة وأسواقها في منواشي ونيرتتي وناما وكاس وتذوقت برتقال الجبل وثمراته التي لم تخالطها أسمدة أو مبيدات.
استضافني أهلها المرحابين استضافة طائية ببشاشة ونقاء سيرة وسريرة، ففتحوا صدورهم قبل بيوتهم فأغدقوا عطاءهم وبذلوا سخاءهم مأكلا ومشربا ومأوى، لن يجازيهم القول أبدا اللهم إلا بالدعاء لهم والثناء.
إنها أرض قتلتها أيادي العبث وفتكت بها نيران النظام الإنقلابي وتصليها حمم اللهب منذ العام 2003م حتى يومنا هذا، نعم حتى اليوم؟ تلك الأرض مهما كانت دواعي اندلاع الحرب فيها لم يكن هنالك سبب لتجريف غطائها النباتي وقطع غاباتها الوريفة وبساتينها المثمرة، فما حدث في دارفور لم يكن عدوانا على الإنسان والحيوان فقط وإنما عدوان على الغطاء النباتي والحياة بمختلف أنواعها، هذا الاعتداء على الغطاء النباتي ترك أثرا مناخيا وخللا بيئا وللأسف قد يقود إلى تجدد الصراع حول الموارد.
رأيت إمرأة دارفورية في كل مدينة وقرية وفريق وزرع وشارع ووادي تحمل أداة زرع أو حصاد أو قطع، تعمل بجد فيبكي جبينها ولا تبكي عينها لأنها جفت من دمع ثخين سكب على فراق أخ أو أب أو زوج أو ابن حبيب، يبكي جبينها الطاهر فيقطر عرقها على الأرض فتنبت الأرض لهن ثمرا وخضرا وزهرا.
رأيتها تحمل طفلها في ظهرها وتجر دابة خلفها بعد أن حملتها بالمحصول أو بالفحم الذي لا شك أنها انتظرته أياما بعد أن قطعته شجرا وجمعت الروث وحرقته حتى يصيرا منتجا تبيعه بجنيهات يسددن رمقها ورمق طفلها الذي تحمله.
رأيتها إمرأة شماء أيما شمم لا تجلس خلف مفتاح لوحي وتطالب بحقوقها والمساواة مع الرجال، ولكنها تفوق الرجال قدرا وقدرة واقتدارا فتصعد أعالي المباني الشواهق تعمل في كل مراحل البناء (بناء- طلبة- عتالة... إلخ) دون أدنى إجراءات سلامة، فما عاد يعرف الخوف لقلوبهن سبيل من هول ما رأينه.
رأيتهن يتقاسمن الضحك رغم الآلام التي مرت بهن وهن يجلسن القرفصاء في أسواق المدن يبعن الثمار والخضار والقش، يستحوذ حضورهن على غالب الأسواق فتجدهن يثابرن من فجر الصباح إلى غسق الليل يكابدن شظف العيش.
تسمعهن في كل مكان حلا أو سفرا وفي الإذاعات المحلية يتحدثن حديث الخبيرات الدربات المتمكنات من مادتهن، صقلتهن التجربة والآلام فتجد سواد مؤسسات الدولة فيها من النساء في التعليم والصحة والعمران وغيرها، وأكاد أجزم أن نساء دارفور كطائر العنقاء كلما احترق انتفض من رماده أقوى مما كان عليه.
شبابها منقسمون بين حادبين على مصالحهم ومشفقين على الموطن ومثابرين على التعليم ومدججون بالعلم والعمل بجد، وما بين غارقين في غمرة التخدير والمخدرات والتعاطي، وما بين مدجيجين بالأسلحة المتوسطة والخفيفة والثقيلة يجوبون المدن.
وهنالك من يستعد منهم للهجرة إما مهاجرا أو متاجرا فالذين يهاجرون عبر الصحراء يتم تهريبهم بواسطة شباب في عمرهم يقودون عربات الدفع الرباعي ويشقون الفيافي بحثا عن عبير لم يجدوه في أوطانهم.
وهنالك من تحدى الأوضاع وكابد سوء الحال في المدن والقرى والفرقان والمعسكرات وشق الأرض هذا العام وزرعها رغم شح المدخلات الزراعية وانعدام الجازولين، فلم تخذله يد العناية وفاضت عليه حصادا وفيرا.
هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ الكريم.
وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.
نواصل،،،،،
orwaumma@gmail.com
دارفور – طائر العنقاء (2)
عروة الصادق
مواصلة لمشاهداتي حول زيارتي لإقليم دارفور أتعمد أن أكتب الصورة مجردة أمام القاريء ليصله ما وصلني من قناعات سأبني عليها قراراتي وقراءاتي لكل آت من دارفور، فإلى مضابط المقالة الثانية من سلسلة دارفور طائر العنقاء.
هذا الإقليم حينما تدخله للوهلة الأولى ستشعر برهبة أيما رهبة فالطبيعة تخلب العقل وتطرب القلب ولعل فصل الخريف قد كان الوقت الأنسب لزيارتي، رغم أن الأمطار قد تكون عائقا وتعطلك عن السير ساعات أو ربما لأيام فهنالك أودية يضرب بها المثل (مسكو) في الوعورة وشدة الإندفاع والجريان، وديان عنيدة تضاهي النيل الأزرق في القوة وشدة التيار، وتجد/ي عزيزي/تي القارئ/ة أن كثيرمن البني التحتية سيما الكباري تتضرر أيما ضرر من فعل المياه التي تنخر الحجارة وتفتت الاسفلت، فتعيق مسيرة البشر والمركبات والدواب.
خريف هذا العام لا يستطيع أحد تقدير الانتاج والإنتاجية فيه إلا عبر مسوحات جوية تقديرية، ولكن تلك الربوع المزروعة تحتاج أن تصلها آليات وحاصدات ومعينات وجوالات وكل ما يلزم الحصاد، سيما الوقود. فدارفور إن استهلكت وحدها هذا العام نصف مخزون السودان من الوقود يمكن أن تورد ضعف ما استهلكته عملات صعبة كعائد صادر لأن أسواق البورصة في زالنجي ونيالا والفاشر ستزدهر أيما ازدهار هذا العام بإذن الله، والإجراء المنطقي والمعقول هو تمويل عمليات الحصات وحماية المساحات المزروعة من أي اعتداءات أو تعديات محتملة، والإسراع في شراء المحاصيل كلها من فول وذرة وسمسم وغيرها بأسعار مجزية وكافية للمزارعين وقطع الطريق أمام جشع التجار الذين يستغلون حوجة صغار المزارعين للأموال، هذا قد ينطبق على ولايات الانتاج جميعها (كردفان – سنار – القضارف- جنوب النيل الأبيض – النيل الأزرق – منطقة المناقل والجبال البيض بالوسط).
كما أني لحظت أن القطيع الحيواني هذا العام ولله الحمد يسر الناظرين وقد تفوق الإبل والأغنام والأبقار في دارفور جمال بقرة بني إسرائيل لحسن مظهرها وخصوبة مرتعها وطيب ما طعمناه من لحمها (المنصاص) ولذة ما شربناه من ألبانها، لذلك على الجهات المختصة رعاية هذا القطيع وحمايته من أي عمليات سلب ونهب واعتداء بل وتوفير الجرعات البيطرية اللازمة للرعاة في أماكنهم، لأن في حماية هذا القطيع حماية للأمن الغذائي القومي وحراسة لثروات لا تقدر بثمن.
هنا على أن أذكر أمرا وهو القطعان الكبيرة من الحمير نعم (الحمير) التي استوحشت وفي اعتقادي أنها كانت لمواطنين هجروا وحرقت قراهم وفقدوا مأواهم أو حتى قتلوا وقدر لها أن تعيش وتتكاثر في تلك الوديان والربوع وأعدادها كبيرة جدا يمكن أن يستفاد منها في أغراض طبية كما فعلت تركيا.
أما البنى التحتية في دارفور تردت أيما تردي على الصعيد العام بحسب ما يرويه مواطنو الإقليم، ولكن هناك مباني زخرفية شيدت لأغراض سياسية أو أمنية أو عقابية لا تفيد المواطن الدارفوري بشيء خصوصا وأن المستشفيات العمومية في المدن الثلاث التي زرتها أوضاعها لا تسر أحد ولا تلبي احتياجات الإنسان الذي كرمه الله، وكذلك المدارس الحكومية، ولكنك إذا تحدث عن القطاع الخاص فحدث ولا حرج، فالبني التحتية للقطاع الخاص تضيق بها المدن من متاجر ومدارس ومشاف . ..الخ.
الطريف المبكي في الأمر أن الحكومات الولائية تمتص دم المواطن وتقتطع من قوته وحليب أطفاله لتشييد مباني ومرافق لاستضافة الدورة المدرسية القومية وذلك في فترات ضيقة وقد تكون قاسية لا يتحمل المواطن تبعاتها ولكن الولاة يصرون على إثبات كفاءتهم وقدرتهم وإمكانياتهم، ففي جنوب دارفور مثلا هنالك مسرح واستاد قيد التشييد ومثله مرافق أخرى وصلت الوقاحة من حكومة الولاية استقطاع ما أسمته تبرعات من أطفال (الدرداقات) الذي يقتاتون من هامش السوق، بالله عليكم هل لهؤلاء ذرة إيمان أو ضمير؟؟؟
بل جعلت التقسيمات الجديدة للمحليات في الولاياة مدخل لاستنزاف موارد المحليات والتفنن في الجبايات فهنالك همس بين سكان الولاية أن المحلية التي ستورد أعلى نصيب للدورة المدرسية الحالية سيتم الابقاء عليها بل حتى الوحدات الإدارية التي تريد أن ترفع إلى محليات إذا نافست يمكن أن تصبح محليات وهنالك قادة في تلك الأماكن يصدقون مثل هذه الخرافات.
أما عن طرق دارفور التي نهبت أموالها وصدقت ميزانياتها من الحكومة المركزية مرارا وتكرار بعد ما حدث لها في أكبر عملية اعتداء على المال العام سميت بعملية (خلوها مستورة)، تعد تلك الطرق من أسوأ طرق السودان فطريق طوله 200 كلم تقطعه السيارة في ثمانية ساعات لرداءته وللأسف عدد نقاط الارتكاز والتحصيل خارج إطار وزارة المالية والإيصال (15) لا حصر لها ولا عد، وهي نوع من التحصيل غير القانوني المحمي ببندقية تارة نظامية تابعة للقوات المسلحة وتارة للشرطة وتارة لمليشيا الدعم السريع.
الشيء المضحك المبكي أن طرق تلك المدن مشيدة بطريقة تظهر لك مدى الفساد الذي تمارسه شركات الإنشاء والتشييد، فالناظر لكل طرق مدينة زالنجي يرى عدد المنحدرات (المزلقانات) التي تعترض مسار الطريق وهي في الأساس وديان أو مجاري مائية موسمية من المفترض أن تشيد عليها كباري تصغر أو تكبر بحجم الوادي ولكنها كلها راحت في خبر كان.
تعكف شركة الجنيد الهندسية (إحدى فروع إمبراطورية الجنيد المتعددة) المملوكة لقائد الدعم السريع على تشييد طرق جديدة وإعادة تأهيل طرق قديمة ولكن طريقة العمل وما يعتريها من سوء وبطء يبين لك حجم الفساد الذي يعيشه ذلك الإقليم وحجم فساد هذه الدولة التي تعطي عطاءات للطرق والجسور القومية لشركات ليس لها أي خبرات أو سبق أن شيدت غرفة ناهيك عن طريق إقليمي وقاري كطريق نيالا كاس زالنجي والذي يصل بطبيعة الحال إلى الجنينة التي بدورها ترتبط إرتباطا وطيدا بدولتى تشاد وإفريقيا الوسطى.
كما أن هنالك معتدون جدد على أراضي السكان الأصلاء وصاروا يشيدون المباني والمقار والمؤسسات والمنتجعات على أنقاض تلك المساحات التي هجر أهلها أو نزحوا أو هاجروا، فبعض المباني في دارفور نزعت أراضيها بقوة السلاح، والبعض الآخر تم التلاعب في أوراقها وانتزعت بوضع اليد والدلائل على ذلك كثيرة يمكن للقاريء الاتصال بأقرب مكتب محاماة في أين من مدن دارفور.
الحقيقة التي أود أن أذكرها أيضا هو اختفاء مظاهر التسلح المشاهدة بالعيان والبعض يعزي ذلك لحملة جمع السلاح التي أطلقتها حكومة الخرطوم، فالذي يمر على دارفور لا يرى من يحمل السلاح نهارا إلا في أيادي الشرطة والجيش وقوات الدعم السريع وقوات بعثة يوناميد، ولكن الذي أسرني به أحد الأصدقاء أن السلاح المجموع لا يساوي معشار ما هو محتفظ به في الفرقان النائية أو تمت مواراته وللأسف بمغيب الشمس تظهر بعض تلك الأسلحة، فعند وصولي لنيرتتي بعد مغيب الشمس وفي السوق وجدنا مجموعات مسلحة لولا لطف الله لاشتبكوا مع بعض جنود الدعم السريع الذين كانوا مارين بالمنطقة صوب زالنجي- هذه حادثة واحدة من حوادث وأحداث مروية ومرئية، فضلا عن أن مدينة نيالا شهدت عمليات اعتداء مسلح وقتل ونهب في ظل الحديث عن اختفاء هذه الأسلحة، ولي صديق مقرب قال لي بالحرف: "لا أخرج بعد المغيب إلا وسلاحي معي". انتهى
هذه المشاهد والقصص تنبيء بأن الظلم في الإقليم ماثل ولكن أهله تحدوا الصعاب ونهضوا من تحت الركام ورماد البارود كما تطير العنقاء من رمادها، وهذا يوجب الالتفات بصدق وحق إلى هذا الإقليم وأهله، الذي لا يحتاجون لشيء من حكومته المركزية فما يمكن أن يقدموه للسودان والمنطقة والإقليم قد يضاهي ميزانيات دول جارة وشقيقة ولكننا نصر أن نفسد أوطاننا بالحروب التي لا طائل منها وسفك الدماء التي تجري في شراييننا.
ختاما: أكرر أن هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ/ة الكريم/ة.
وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.
نواصل،،،،،
orwaumma@gmail.com
دارفور – طائر العنقاء (3)
عروة الصادق
تتواصل رحلتنا صوب ذاك الجبل الشامخ (مرة) وما جاوره وجرى منه من وديان ومجاري مائية تندفع بقوة لتشق المدن والقرى والفرقان التي تلاشت ولم يبق منها إلا الأطلال نتيجة الحرب فالمرويات تقول أنا هذه الوديان كانت تحتضن بين جنباتها عشرات القرى والفرقان إلا أن الحرب شردت غالبية قاطنيها، ورغم كل النيران التي حرقت الأكباد وأبادت الشجر والبشر إلا أن أشجار الجبل تصر على الإثمار، فخيرات جبل مرة تملأ أسواق مدن دارفور من موالح وتفاح وخضروات.
سأواصل رحلتي مع القارئ/ة الكريم/ة لاستعراض الوجود الأجنبي الذي يملأ شوارع ومدن الإقليم التي زرتها فبعثة يوناميد تعد من أكبر بعثات حفظ السلام الدولية في القارة والإقليم، ومعلوم أنها جاءت بناء على قرارات دولية أصدرها مجلس السلم والأمن التابع للأمم المتحدة والتي أقسم حينها الرئيس البشير قسما مغلظا بأنه لن يسمح لقدم أجنبية أن تدخل السودان ولكن دخلت إلى جنوب السودان قبل الإنفصال وقتئذ بعثة يوناميس وإلى دارفور يوناميد بعثتان متوسط قوتهما 40 ألف شخص، بالإضافة للعدة والعتاد.
وبما أن الحديث عن دارفور فإن بعثة يوناميد تمارس عملها مظهرا بصورة مهنية وتباشر مهامها وتسير دورياتها التي تجوب المدن والقرى والطرقات ولكن الحقيقة أنها عاجزة عن أداء مهامها على الوجه الأكمل، تجلى ذلك إبان زيارتي في عجزها عن الوصول لمنطقة تربا التي حدثت بها إنزلاقات طينية أودت بحياة عدد لم يتم إحصاؤه إلى الآن من الضحايا.
فضلا عن أن البعثة لا تتخير الزمان والمكان وإنما تتعامل بردود الأفعال لو تذكرون ما حدث في قرية تابت سابقا. ونجد أن البعثة تقدم برامج في غير مواضعها فمثلا شهدت برمجة تثقيفية عن الألغام وخطورتها وما إلى ذلك في وسط دارفور تحديدا مدينة زالنجي وشارك في البرنامج حكومة الولاية وعدد من قادة المجتمع المدني وبعض المشاركات الثقافية من المدارس بالمدينة. كانت البرمجة من حيث العرض مقبولة شيئا ما ولكن الحقيقة التي يعلمها الجميع أن هنالك مناطق تتأثر يوميا بهذه الألغام والأجسام المتفجرة والغريبة أكثر حوجة من زالنجي والمدن المحيطة، وللأسف ذلك البرنامج تمت إقامته في ميدان بغرض إظهار سلاسة الوضع في المدينة إلا أن قوات البعثة وبعض الدوريات الشرطية والأمنية والقوات المسلحة كانت تحيط بالمحتفلين إحاطة السوار بالمعصم، في مشهد يحقق عكس مقاصد الإحتفال.
هذا الوجود الأجنبي يعيش في مرافق تم إعدادها بصورة جيدة وموائمة للحياة بكل صورها من حيث الإنشاء والتشييد والتأثيث والكهرباء والمياه النظيفة وأبراج الاتصالات ومحطات الصرف الصحي وغيرها من الخدمات، وقد تم استغلال مساحات كبيرة جدا اقتطعت من أراض لم يتم تعويض أهلها وفي الغالب قد يكونون من الذين سامتهم الحروب سوء العذاب، إلا أن كل هذه المباني والمعسكرات ذات الصورة الجميلة عرضة للتخريب والتجريف، فبعد خروج البعثة المتوقع في مقبل الأيام ستؤول تلك المرافق سيما الـ(Super Camps) ستؤول بحكم الواقع إلى الحكومة السودانية(حكومة المخلوع) وقتئذ والتي بدورها كانت ستحيل تلك المرافق العالمية إلى معسكرات لتجنيد المليشيات وتدريب العسس وهذا سيكون وصمة في جبين الأسرة الدولية التي عليها أن تكمل عملية بناء السلام بعد أن عملت على حفظه صوريا وذلك بالتوصية والتشديد على الحكومة السودانية (حكومة الحرية والتغيير) بإحالة تلك المرافق إلى مرافق خدمية للصحة والتعليم والتدريب والتأهيل في شتى المجالات العلمية والمهنية كما أوصى بعض الخبراء من أهل الإقليم، وإلا فسيعتدي عليها جنود المليشيات كما فعلوا في بعضها ويبعوا أجهزة التكيف والإنارة والمولدات وغيرها في أسواق الولاية جهارا نهارا.
هذا تواجد رسمي سيخرج بتوقيتات محددة وهو مرئي ومحصور ومعلوم، وقد استنزف موارد الإقليم بصورة مزعجة ولفترات طالت دون تحقيق الدور المناط به والمهام الموكلة إليه بحسب تقديري المتواضع.
أما الخطر الذي أراه بعيني زرقاء اليمايمة أن هنالك تواجد أجنبي غير محصور وليس هنالك من يتابع تحركاته أو يعلم طريقة دخولهم للإقليم من دول جارة وشقيقة وبعضهم يعمل في مهن هامشية وآخرين في مهن خطرة على أمن وأمان الإقليم ومواطنيه كتهريب البشر والاتجار فيهم وتهريب السيارات والأسلحة والممنوعات والمخدرات، هذا الوجود إذا لم يتم ضبطه فستستمر أزمات الإقليم باستضافة أعداد كبيرة من الأجانب ستستنزف الموارد وتضيق على المواطن وستكون عبئا ثقيلا عليه، هذا يوجب مراجعة الوجود الأجنبي وإيقاف إخراج الأرقام الوطنية بالصورة الحالية والمزعجة في الإقليم فهناك من يصل إلى المدينة من دول الجوار ويقضي أياما ثم يتم استخراج الرقم الوطني ويتم تجنيسه والأعداد كبيرة وفوق التصور.
هنا يبدر إلى ذهني تساؤل هل كان للأمر علاقة بانتخابات 2020م التى أزمع المخلوع قيامها؟؟
فضلا عن أن هذا الوجود ليس ذو طابع انتاجي أو زراعي أو استثماري ولكني أرجح أن يكون منهم استخباراتيون من دول جارة وشقيقة لها مآربها في الإقليم.
ولا أنسى التواجد الصيني في بعض شركات الطرق والجسور التي تعمل في العلن تحت هذا الغطاء ولكن إذا سؤلنا عن عائد رصف الطرق والجسور والمشاريع التنموية في الإقليم لتلك الشركات الصينية مع المهددات الأمنية هل العائد مجز ومحفز للبقاء، الإجابة لا!!!! لأن كبريات الشركات الصينية وغيرها خرجت من السودان منذ تدهور العملة السودانية مقابل الدولار ولكن بقيت الشركات العاملة في التعدين والنفط وبعض المستثمرين الأتراك الذين يعملون في مصانع الطوب والشوام في محلات بيع الطعام، لذلك أرجح أن تلك الشركات تعمل ظاهريا في مجال الطرق والجسور وباطنيا في مجال التعدين، لأن الثروات المعدنية في الإقليم لا تقدر بثمن والحدود المشتركة على طول الخط من العوينات شمالا مرورا بالطينة التشادية وصولا إلى إفريقيا الوسطى كلها مفتوحة لتهريب تلك الثروات سيما الذهب الذي لم يعد البنك المركزي السوداني قادرا على شرائه أو حتى توفير السيولة في مصارف الإقليم التي حالها حال مصارف العاصمة بل أشد سوءا وشحا. ولا أستبعد حدوث مشهد كالذي حدث في ولاية القضارف باختفاء عمال شركة وجبل بالكامل في مقبل الأيام.
أنا متأكد أني لست أول ولن أكون آخر من لاحظ ذلك الوجود الأجنبي ولكن التساهل في التعامل معه يمكن أن يجعل من غربنا الحبيب مستودعا لكل الممنوعات ومكبا للنفايات الالكترونية خصوصا أن أسواق دارفور مغرقة إغراق تام بأجهزة كثيرة ومن شركات مجهولة ومتعددة وكذلك المستحضرات التجميلية بل حتى المعلبات والأدوية والمواد الغذائية والتموينية متوفرة بصورة مزعجة ولا أعتقد أن السوق تخطع لرقابة، هذا لا يعني التخوف من كل ما هو وافد ولكن يجب أن تراعى صحة الإنسان والبيئة، فقد تستجلب لنا أجهزة مسرطنة وتهرب بكميات كثيرة وبعلم النظام القائم لأن آخر ما يهمه هو مصلحة إنسان درافور.
ختاما: أكرر أن هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ الكريم.
وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.
نواصل،،،،،
orwaumma@gmail.com
دارفور: طائر العنقاء (4)
عروة الصادق
المسيرة من وإلى الإقليم القارة بقدر ما لاقانا فيها من نصب وتعب إلا أنها كانت فاتحة للآفاق وموسعة للمدارك وملهمة للعقول وشاحذة للقلوب ومعلية للهمم، فالأقليم تجاذبته نزاعات في فترة من الفترات على الغذاء واعتمد بصورة كبيرة على المعونة الدولية ولكن هذا الموسم رغم التحدي الإقتصادي الذي تعيشه البلاد أستطيع أن أقول بكل صدق أن إنسان الإقليم لن يكلف مخازن (WFP) الشاهقة مثقال حبة من خردل من مخزونهم الغذائي، فالنهوض من الركام الذي حققه أهل دارفور سيسهم ملء الهوة الغذائية في الإقليم، وذلك نسبة للآتي:
• اتساع الرقاع المزروعة في الإقليم مقارنة بالفترات السابقة والأعوام الماضية، ولعبت أيادي القدرة الإلهية دورا مفصليا في نجاح فصل الخريف وتحفيز المواطنين على زراعة أراضيهم.
• انحسار نسبة التسلح وانتشار حامليه وانخفاض معدلات الاعتداءات على المزارعين سيما النساء اللائي كن يتعرضن لاعتداءات وحشية في الفترات السابقة وحوادث القتل في الزراعة هذا العام قليلة مقارنة بالسنوات الماضية.
• كسر أهل الإقليم خصوصا النازحين قيد العزلة المفروضة عليهم في المعسكرات وخرجوا نحو مواطنهم ومزارعهم الأصيلة مستخدمين الدواب وآليات النقل الخفيفة (التكاتك)، وفي رأيي هذه سهلت سبل الخروج من المعسكرات للزراعة والعودة إليها من جديد.
• لعب إدراك أهل الإقليم خطورة الإعتماد على الغوث الإنساني والمعونة الدولية دورا كبيرا في الخروج من المجتمع الذي قيد حركة المواطنين في المعسكرات، فها هي الأيام تخرج بعثة اليوناميد من الإقليم وسيتبع ذلك خروج للهيئات الإغاثية والبعثات الدولية.
• هنالك انفتاح تجاري كبير بين الإقليم ودول الجوار وأي انتاج في المحاصيل (الحبوب، السمسم، الذرة، الصمخ، الفول،... إلخ) سيشكل دخلا لهؤلاء المحرومين، لذلك إن لم تشتر الدولة المحصول هذا العام بأسعار مجزية سيتم تهريبه لدول جارة وشقيقة.
يشكل تحدي زيادة المواليد في الإقليم أكبر التحديات الماثلة أمام الحكومة والمجتمع المحلي والإقليمي والأسرة الدولية، سيما منظمة الصحة العالمية، والتي يقع على عاتقها توفير الأمصال الوقائية من أمراض الطفولة (الحصبة - شلل الأطفال- ..الخ)، كما يعد الحديث عن صحة الأمهات الحوامل والصحة الإنجابية ترفا في ظل القصور الحكومي الذي يرى في هذا التنامي السكاني عبئا كبيرا عليه، وهذه ليست من عندي ففي العاصمة والمدن الكبرى تم إلغاء قرارات مجانية العلاج لمن هم دون الخامسة.
هذه الكثافة في المواليد شهدتها في المعسكرات أكثر منها في المدن، رغم أن المسافات غير متباعدة إلا أنك تلحظ هذا الأمر في الصباح الباكر وأولئك الأطفال يتجهون نحو المدارس وتلحظه في تكدس الأعداد الكبيرة للأطفال في مدارس المعسكرات بصورة أكبر من مدارس المدن.
هذا يقودنا إلى التعليم في الولاية، والذي يغلب عليه الطابع الخاص فالمدارس الحكومية لا تضاهي إبرة في كومة قش التعليم الخاص، والذي يكلف الأسر أثمانا باهظة ويكلف المدارس ذاتها خسائر فادحة، فالعام 2018- 2019م الدراسي سماه بعض مدراء المدارس الخاصة (عام ملوص) بمعنى أن الرسوم المفروضة لم تغط تكاليف المنصرفات لرواتب المعلمين ومدخلات العملية التعليمية.
هذا أثر هذا العام في زيادة رسوم القبول للعام الدراسي الجديد بصورة تضاعفت وأزعجت الأسر، بل حتى أقعدت بكثير من التلاميذ ومنعتهم من الالتحاق بالمدارس، رغم العون الذي تقدمه بعض المنظمات الطوعية وعلى رأسها اليونيسيف من حقائب وكراسات وملابس.. الخ.
الفرق بين أطفال الإقليم واطفال العاصمة أنهم أكثر نشاطا وحيوية ورغبة في التعليم وحرص على قطع مسافات بالأرجل للوصول لمدرسة ما، على العكس تماما نجد أن هذا لا يحدث في العاصمة مع فارق الاحتجاج بالأوضاع الأمنية وخطورة ترك الأطفال يلاقون مصيرهم.
هذا الاطمئنان الذي يتمتع به أطفال الإقليم إلى زول خصوصا بعد حادثتي الاختطاف لطفلين في مدينة نيالا تمكن الأهل من استرجاع أطفالهم، ولكن هذه الحوادث تلقي بإشارات سالبة قد تقود إلى انفلات أمني متوقع.
نستطيع أن نقول أن وزارة التربية والتعليم عاجزة عن تقديم أدنى الخدمات للولايات التي زرتها ومنشغلة بأشياء زخرفية كتشييد المباني للدورة المدرسية، تاركة البذل لمنظمات وجمعيات خيرية وعبء أكبر يقع على كواهل الأسر التي ألحقت بنيها بالمدارس الخاصة.
هذا العجز في التعليم يقابله عجز في الصحة والخدمات والكهرباء والبيئة، فالصحة على سبيل المثال لم تشهد المستشفيات العمومية تطويرا أو تأهيلا في الكوادر الطبيبة وجلهم حديثي التخرج أو موظفي الخدمة الوطنية، وانتشرت أيضا المراكز الصحية والعيادات الخاصة والتي في الغالب يتم التصديق لها دون مراعاة لشروط الجودة ومعايير السلامة الصحية.
تعد الخدمات في الإقليم من أسوأ الخدمات فالطرق كما ذكرنا حدث ولا حرج، ومرافق الخدمة العامة شهدت تطورا في العمران ولكنها تحاكي "سماحة جمل الطين"، ففي نيالا وحدها توجد ثلاثة قصور للعدالة تضاهي التي نراها في مدن العاصمة، ولكن عند دخولها تجدها خاوية على عروشها، وأشد ما يؤلم تسيب الموظفين فيها وعجبت لأمرهم حينما يأت وقت الوجبة لا تجد من يرد عليك السلام.
أما عن البيئة فيكفيك أن تغطي أنفك وأنت تدخل إلى إحدى المدن الثلاث، فتجد أكوام النفيات في مقدم المستقبلين وروائحهاالكريهة المنبعثة أو الأدخنة المتصاعدة من الحرق ترسم انطباعا سيئا لا يمكن نسيانه خصوصا مدخل مدينة نيالا التي بها كثافة سكانية كبيرة تضاهي كثافة إحدى مدن العاصمة.
هذا لا ينفي جمال الإطلالة الخضراء التي رسمها خريف هذا العام لنيالا البحير غرب الجبيل وفاشر السلطان، ولكن المياه الآسنة التي تتوسط تلك المدن تحتاج لقليل من المعالجات حتى تصبح مياه نظيفة صالحة لحياة الأحياء المائية والطيور التي تتخذ منها محطات لهجرتها، أم تركها مرتعا خصيبا للبعوض والحشرات فهذا سيؤدي إلى كارثة بيئية وصحية كالتي حلت بكسلا لا قدر الله.
أما دارفور الجديدة التي أو الإشارة إليها هي دارفور الحالية (الموطن والوطن والمواطنة) وهي الناتجة عن سلسلة عمليات شائهة هي:-
التجريف: وهو ما حدث لمواطن الإقليم وبث روح الفرقة بينه وبين أخيه فحدث ذلكم التجريف في كل جغرافيا الإقليم وطبغرافيته، وهدم وشيجة الإخاء الإنساني التي كانت مضرب مثل للشعوب والأمم، كما تم تجريف الحياة العامة وإغراق المجتمع بمنظمات وجمعيات مصطنعة بعيدة كل البعد عن سمت الإقليم وأهله وجلها ذو طابع أمني واستخباراتي، كما أن التجريف طال الحياة السياسية فقد عصفت الأيام بالقوى السياسية ذات الوزن التاريخي والنضالي في الإقليم وصارت في بعض المدن نسيا منسيا وحلت محلها انتماءات حديثة لصالح القبيلة أو الإثنية أو الجهة ونادرا ما يكون الانتماء لفكرة أو مشروع.
التحريف: وقد حدث في المعتقدات والقيم والمثل والأعراف والتقاليد، وأدخلت في قواميس أهل دارفور تحريفات كثيرة، مشوهة العبارة وعاجزة اللفظ ومغرضة القصد، فاستشرت عبارات العنصرية وقلت تلك التي تنادي للإخاء، لحظت هذا في تنادي بعض الإثنيات في نقاط التفتيش لبعضهم البعض، وغابت عبارات كنا نسمعها حتى عهد قريب بين أبناء الإقليم مثل: (يا إخي- يا أخيي – يا أخوي-.. الخ)، ودخلت في هذا القاموس عبارات غريبة نافية للدين والأخلاق وطاردة لكل ما له علاقة بالعقيدة أو المثل والقيم والأعراف، لمست هذا في كثير من أسماء من قابلتهم فتجده ينادى بلقب لا صلة له بالإسم حتى يكاد يكون نسي اسمه وعلمت أن بعض الشباب في غير اسمه ومعتقده مبررا ذلك لما رآه من هول الحروب.
التجفيف: وقد طال البشر والشجر والحجر فقد جففت كل منابع المودة والوئام الإنساني في دارفور، وصارت الجفوة تتسيد روح التعايش في الإقليم، بل وصل مداه بتجفيف أواصر الإخاء بين الأسر والقبائل وخلقت رموز قبلية وإثنية دبجت بالألقاب (ملك- شرتاي- عمدة – ناظر – دمنقاوي- أمير...إلخ) بعضهم منبتون من أصلهم ولا يربطهم بقبائلهم أو أسرهم إلى اسم العائلة، وجففت موارد دخل الإدارة الأهلية الحقيقية وأفقرت وتم الإستعاضة عنها ببعض البيادق وأمراء الحروب.
التطفيف: وهو الظلم البين الذي طال الوطن ككل، والإعتداء الذي تجاوز الإنسان والحيوان إلى الأرض والشجر والحجر، فأرض الإقليم نزعت بعض مراحيلها ومساراتها ومزارعها من سكانها بقوة السلاح وملكت لآخرين ليس لهم ما يربطهم بالأرض..
أما الإعتداء على الأشجار والغطاء النباتي فقط عبرت عنه في مقدمة السلسلة ولكن أكثر ما أزعجني هو الاعتداء على شجر نادر ليس له بذور ولم تعرف له طريقة إكثار (شجر الرطرط) والذي يستخدمه صمغه لأغراض طبية وعلاجية، يتم هذه الأيام الاعتداء عليه بواسطة أناس لا صلة لهم بالإقليم بواسطة ما كينات شفط تستهلك كل مخزون الأشجار وتتركها تجابه مصير الجفاف والاحتراق، وهذه الظاهرة لا رقيب ولا حسيب عليها.
إذا المطلوب عمليا هو :
إعادة التعريف: لهذا الإقليم وإعادة وحدته الجغرافية والوجدانية والانطلاق نحو مشاريع بناء السلام بقوة وإنهاء آماد الحرب التي تتعاظم تكاليفها السياسية والاقتصادية وآثارها الإجتماعية يوما بعد يوم، فدارفور المحمل صارت الإقليم المهمل، ودارفور التعافي والتصاهر صارت محل للنزاع والتناحر، هذا يوجب إعادة التعريف على أسس جديدة للأقليم، ترد المظالم إلى أهلها وتخلخ وشيجة جديدة متماسك لمجتمع سواده الأعظم مكتو بنيران الحرب، وجلهم من الناهضين من ركام الحروب.
ختاما: هذه السلسلة من مشاهدات وإفادات شخصية لمستها لدى زيارتي لإقليم دارفور وثلاث ولايات فيه، وستحوي بيان التحديات التي يواجهها سكان الإقليم ومنتسبي إداراته الأهلية وقياداته المجتعية والحزبية، وكيفية تعاطيهم مع الواقع اليومي في الإقليم. حاولت قدر الإمكان تدوين ما رصدته مجردا لوضع الصورة ماثلة أمام القارئ/ة الكريم/ة.
وقد حاولت تبيين ما اعترى الإقليم من تشوهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وما يتعلق بالبئية والجغرافيا وما طرأ على الطبيعة من تجريف متعمد، كما تطرقت السلسلة إلى ما يمكن أن أسميه دارفور الجديدة وهم سكان المعسكرات المحيطة بالمدن.
هذا والسلام لدارفور وعلى أهلها السلام،،،،،