الأحد، 9 يناير 2022

إذا كان الشهيد (صالح) فلنكن (طيبون)

إذا كان الشهيد (صالح) فلنكن (طيبون)

_________
عروة الصادق

زف السودانيون مواكبا من الشهداء بالدمع الثخين، فبكوهم وناحوا على فراقهم، واستمسكوا بوثيق عراهم، معتبرين بعظيم سيرهم، مخضبين مواثيقهم بطاهر دمائهم، فمنذ أن وطأت أقدام المستعمرين أرض أجدادنا واقتاتت من منابت رزقنا تصدى لها المتصدون وهب شاب لم يكمل اﻷربعين وأعلنها مهدية تتصدى لشأن الدين والوطن متقلدا بقﻻئد الدين ومالت إليه قلوب المؤمنين وخاض غمار الحروب ضد أعتى الدول، فكسر شوكتها، وقصم ظهرها، وأذل كبرياءها، وهد شأوها، ورقد على جنبات طريقه إلى التحرير في يناير 1885 آﻻف الشهداء، تتحدث سيرهم، ومئات منهم جروحهم تتكلم، ومن لم ينل فضل الشهادة في الطريق إلى الخرطوم رقد بعد ثﻻثة عشر عاما فوق ربى كرري وفي السفح وبجب النيل، واصطف مع خليفة المهدي عليه السﻻم في تصد ثان بأم دبيكرات غربي النيل اﻷبيض وافترشوا بجواره اﻷرض وفراهم للقاء الله في يوم عصيب قال عنه قاتليهم أنهم أشجع من مشى على اﻷرض، وتتابعت رحلة اﻻجتثاث اﻻستعماري لتلك الدعوة بجريمة ضد اﻹنسانية قتل ضحاياها في منطقة الشكابة على النيل اﻷزرق ورموا فيه بعد أن أوثقوهم بالحجارة، ونهض. من وسط هذا الركام طفل مصاب مرهق مثخن بالجراح حاملا لتلك الجذوة صار فيما بعد إمام دعوة وقائد دولة.
وظلت جذوة تلك الدعوة متقدة في عقل وقلب إنسان السودان يصطلي بها، ويزكي أوارها، تارة اﻷمير على الميراوي والسلطان عجبنا في جبال النوبة، والشيخ المجاهد عبد القادر إمام ودحبوبة في الوسط، وكسار القلم اﻻستعماري عبد الله ود جاد الله، وضباط آخرين في الخرطوم منهم عبد الفضيل الماظ وعلي عبد اللطيف، وتواصلت الثورات حتى تعددت وجهاتها، وتنوعت سحناتها، إﻻ أن مقصدها ظل واحدا وهو التصدي لﻻستبداد واﻻستعمار، إلى أن جاءت أحداث مارس التي سطرتها كتب التاريخ وهنا أشير باقتضاب لخريف الفرح لكاتبه عبد الرحمن مختار أو مذكرات ومواقف للراحل أمين التوم أو غيرهم ممن شهدوا وشاهدوا كيف كانت ملحمة الاستقﻻل والتحرير الثاني ستجدون في صفحاتهم كيف سالت دماء بريئة ليس في يدها سﻻح وليس لها إﻻ مطلب واحد السودان للسودانيين، السوداني للسوداني ﻻ مصري ﻻ بريطاني، كانوا يريدون فقط أن يسمعوا صوتهم لنجيب وهاو.
ورفع العلم عاليا و"جابر" كان ذاك الطفل المثخن بالجراح اﻹمام وقتها عبد الرحمن الصادق المهدي الذي يرنو إلي الراية وتفيض مدامعه فرحا، وتهتز فرائصه انتصارا، ويشهد على ذلك الشجر والمدر والحجر والخرطوم البكر، والله فوقهم كان خير الشاهدين.
بعدها انسل الطغاة من جلباب آدمي، فانقلبوا على النظام الدستوري، وقتلوا بعد أيام عديدة اثني عشر شهيدا في ساحة المولد، لحقهم بذبحة قلبية إمامهم الصديق المهدي، وتحرك الموكب مجددا وكأنه يقول أن هذه اﻷرض النوبية الزنجية ﻻ يستقيم حالها إﻻ بالقرابين والدماء فانسال الدم مرة أخرى في جامعة الخرطوم وكان القرشي شهيدا أوﻻ في قائمة طويلة من شهداء ثورة أكتوبر 1964 ضمت كل أبناء السودان، وكان اﻻنتصار ممزوجا بعبق طيب دماء الشهداء.
لم تمض أيام إﻻ واجترح الطغاة إثما أعظم باﻻنقﻻب على ذات النظام الدستوري في مايو وشيدوا المقاصل وحفروا المقابر الجماعية وعسفوا باﻷبرياء وعصفوا باستقرار البﻻد وسفكوا ذات الدماء الذكية في الجزيرة أبا وود نوباوي والكرمك وقتلوا الشهيد اﻹمام الهادي المهدي، وثار الثائرون في موكب ليس من بينهم أجنبي واحد زاحفين إلى الخرطوم في 1976 سموهم استكبارا بالمرتزقة، وكانت وقتها حكومة النظام اﻹنقﻻبي ترتزق من كل دول العالم وتتدرب على أيدي مخابراتها اﻷحنبية وترسم أرفع لوحات الوﻻء للكيان الصهيوني بصفقة ترحيل الحبش المعروفة اصطﻻحا بصفقة الفﻻشا.
ولم تجف تلك الدماء إﻻ واهتزت اﻷرض تحت الطاغية، مزلزلة إياه، هادمة عرشه ومبناه، وهنا تواصلت دماء الطﻻب والشباب تسيل فكان عباس برشم شهيد الثورة، وكان الانتصار المجيد في إبريل 1985.
وتنادت قوى الظﻻم في ليلة الجمعة المشؤومة وانقلبت للمرة الثالثة على النظام الدستوري المنتخب، متوشحة بالعباءات، وممسكة بالمسابح، ومطلقة للحى، بيمناها المصاحف وفي اﻷخرى البندقية، تمتطي دبابة الغدر، تتحدث الكذب على لسان من قال لصاحبة اذهب إلى القصر رئيسا وسأذهب إلى السجن حبيسا، ودارت رحا القتل في أرجاء الوطن، فأهلكت ما يزيد عن المليوني قتيل من خيرة الطﻻب والشباب والرجال والنساء والحجة كانت كذبة بزفة إلى حور الجنان نكص عن تلك الفرية قائلها ولحقه في ذلك ربائبه في يناير 2005 بتوقيع اتفاقية السﻻم الذي سمي شامﻻ وقسم البﻻد في 2010.
في هذه الفترة لم ينج الطﻻب من فوه بنادق النظام الدكتاتوري، فقتلت الأستاذة طالبة التربية التاية أبو عاقلة بجامعة الخرطوم، وكذلك محمد عبد السﻻم، وميرغني محمود عبد السﻻم (سوميت) في جامعة سنار، ومعتصم أبو العاص ومعتصم الطيب في جامعة الجزيرة، و غيرهم في كردفان بزالنجي والدلنج وصوﻻ لغربنا الحبيب دارفور التي ﻻ يمثل عدد القتلى في الجامعات فيها مثقال ذرة أمام تلك النصفيات الممؤسسة والممنهجة، على أساس العرق والدم واللون، فكانت اﻹبادة الجماعية ﻷكثر من 200 ألف بدم بارد حرقا وخنقا وإبادة، وصوﻻ إلى أحد أبنائها محمد موسى الذي كان من أميز طﻻب الرياضيات بكلية التربية جامعة الخرطوم، وليس غريبا أن يغتال النظام النوابغ فقد طالت يده الغادرة د. على فضل وأعقبتها بتصفية مجدي وجرجس، وكان للشمال نصيب من هذه الدماء التي سالت غربا في دارفور وجنوبا في النيل اﻷزرق وكردفان ووسطا في اﻷعوج فكان نصبب المناصير سحﻻ وقتﻻ وكذلك الحماداب فكان الشهيد تاج السر.
هذه السيرة الدامية يظن البعض أنها ستنتهي إلى انتقال أخير هاديء وسلس، إﻻ أن إقدام نظام الخرطوم وسدنته على التنكيل والتعذيب والقتل والتمثيل والتصعيد العسكري مفادها أن التاريخ يغيد نفسه والتركية التي استولدت اﻹنجلزية فرخت (متوركين) في ثوب بشر وأخﻻق شياطين، تجلى ذلك واضحا في حادثة اغتيال شاب وطالب علم بكلية شرق النيل بعد اﻻعتداء عليه بحوالي الشهر من أشخاص معلومي الهوية والجهة واﻻنتماء دون أن يرف لهم جفن لما تمنحهم له العصابة الحاكمة من حصانات، فكان الشهيد الطيب صالح أحد الذين لحقوا بالرفيق اﻷعلى ضمن موكب مغبوط، ولﻷسف بما يتراءى للعين لن يكون اﻷخير.
وهذا الذي تتناوله صحف الخرطوم وصحائف التاريخ ما هو إﻻ بعض قطرات دماء زكية في بحر لجي من تلك التي أريقت بغير وجه حق، وكان الشهيد هذه المرة (الطيب صالح)، ولنسر في طريقه علينا أن نكون صالحين مصلحين لهذا الوطن بالتنادي والتداعي لﻻقتصاص واﻻنتصار له ولركب الشهداء، ولنكن طيبون ﻷبعد الدرجات بأن ننفث الخبث من هذه البﻻد ونستأصل حفنة الدم المخثر في جسد السودان، فلن نكون طيبين وبيننا خبث هؤﻻء الشرذمة الذين ﻻ خﻻق لهم وﻻ دين وﻻ انتماء، وأي حديث عن أمل في ترميم وجوههم الدميمة أو إصﻻح أخﻻقهم الذميمة يعد ضربا من ضروب المستحيل، وهذه الطيبة استحقاقاتها معلومة وباتت الطريق إليها سالكة إﻻ من بعض زخات الرصاص وجحافل الجبناء الذين احتموا بالسلطة.
إذا آن اﻷوان ﻷن يصلي (إمامنا) على الشهيد كما صلى من قبله على القرشي، وأرجو أن ينزل قائد الأمة هذه المرة بساحتهم، فنأتم بإمامته شبابا وطﻻبا، نمسك بأكف بعضنا من كل مكونات شعبنا استجابة لنداء السودان، ونزحف من كل حدب وصوب كما زحف أبو قرجة على الخرطوم، ونحرر السودان للمرة الثالثة واﻷخيرة من قبضة اﻻستبداد وزمرة الفساد.

عروة