زيارة بايدن للشرق الأوسط
✓• بالتركيز على روسيا والصين انطلقت رحلة طويلة لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية اتسمت بكونها زيارة مليئة بالشحن الزائد سعوديا وحظيت بترحيب حار في تل أبيب ولقاء متواضع في بيت لحم.
✓• أهم ما قاله بايدن للقادة العرب إن الولايات المتحدة لن تسمح للصين وروسيا بالهيمنة على الشرق الأوسط، ولعلها الرسالة الأقوى والأقصر والأبلغ التي أراد إيصالها بعد كل هذا العناء ووعثاء السفر، ومن هنا نستخلص درساً عميقاً أدخلنا فيه مستجدو السياسة وقصار النظر، ويتمادون يوماً بعد يوم لوضع السودان في قلب الأزمات وعلى رأس المحاور الاستقطابية.
✓• فيما جاء في البيان الختامي للقمة التي اختتمت أعمالها السبت ١٦ يوليو أن تلك القمة أتت بناء على دعوة كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية الذي بدا منهكا ومتعبا استقبل بايدن استقبالا شرفيا لم يستمر إلا لدقائق مثله مثل لقاءات بايدن مع السيسي والكاظمي وبن زايد الثنائية والتي تم فيها تأكيد المؤكد من أجندة معدة ومعلومة سلفا.
✓• ضمت هذه القمة قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والأردن، ومصر، والعراق، لتأكيد شراكة وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومثل غياب السودان وعدد من الدول تساؤلا كبيرا لأن اللقاء حل وعقد وأفتى في القضية السودانية وقضايا دول أخرى مرتبطة بالسودان وجنود سودانيينفي أراضيها، وصراع هيمنة على المياه الإقليمية والدولية للسودان صلة كبيرة بها.
✓• وفي الوقت أكد فيه بايدن على الأهمية التى توليها الولايات المتحدة لشراكاتها الاستراتيجية الممتدة لعقود فى الشرق الأوسط، والتزامه الدائم بأمن شركاء الولايات المتحدة والدفاع عن أراضيهم، وإدراكه للدور المركزى للمنطقة فى ربط المحيطين الهندى والهادي بأوروبا وأفريقيا والأمريكيتين، يتم تجاهل السودان كأهم الدول التي تشترك في تأمين هذا المسار الرابط بين المحيطين، وهو ما حفز جميع الدول المتشاطئة على البحر الأحمر سابقا لوضعه في قمة قائمة تحالف دول البحر الأحمر، ولكن ما يوسف له زعزعة الأوضاع في السودان وانقلاب ٢٥ أكتوبر حرمته من المشاركة في هذه القمة الاستراتيجية.
✓• جميع القادة العرب وبايدن أكدوا رؤيتهم المشتركة لمنطقة يسودها السلام والازدهار، وما يتطلبه ذلك من أهمية اتخاذ جميع التدابير اللازمة فى سبيل حفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتطوير سبل التعاون والتكامل بين دولها، والتصدى المشترك للتحديات التى تواجهها، والالتزام بقواعد حسن الجوار والاحترام المتبادل واحترام السيادة والسلامة الإقليمية، إلا أنهم جميعا حشروا أنفسهم وأنوفهم في شؤون دول المنطقة والإقليم والتى في مقدتها السودان دون أن يسمحوا او يسمعوا لأهل الشأن واستعاضوا عنهم بالكفيل والوكيل، وهو ما سيعزز من فرضيات قائمة ويثير غبائن نائمة، فالتعاطي مع الشأن السوداني بهذه الطريقة الفوقية لن يجد احتفاء أو اهتماما من السودانيين وقواهم الحية والمؤثرة.
✓• تحدث الجميع عن ضرورة إحلال السلام العادل الشامل في المنطقة وخصوصا في فلسطين وأشاروا لضرورة إيقاف الاستيطان والعنوان الاسرائيلي وتحدث بعضهم بحياء عن عدم إمكانية التطبيع مع استمرار العدوان على الاراضي الفلسطينية وتجاوز القرارات الدولية، ومن المحامد أن السودان لم تمثله الإدارة الحالية حضورا لأنها سارعت مسبقا للتطبيع متجاوزة كافة الأعراف والتقاليد، ولربما تبنت حينها موقفا سيدفع السودان والسودانيين ثمنه يوما ما.
✓• المدهش استعراض القادة العرب لخططتهم الخضراء التي تبارى فيها بعضهم باستضافة مؤتمرات بستنة وآخرين بتخضير الصحراء وأخير سيستضيف قمة المناخ في مصر، وارتبط هذا الحديث مع أهداف الألفية الخاصة بالمناخ والبيئة والطاقة النظيفة والأمن الغذائي، والمعلوم البديهي أن للسودان عشرة أضعاف ما لتلك الدول من موارد تفي باحتياجات المنطقة والإقليم كفيلة باستزراع ترليون شجرة دون موارد مالية تذكر، وبدون استصلاح للتربة او هندسة للمناخ أو تدخلات كيميائية أو جينية، كما أن شمسه تمثل أكبر مصدر للطاقة المتجددة وبإمكانها مد المنطقة والإقليم بما يكفي من احتاجهم النظيف، وكذلك يعد السودان المزرعة القريبة والقادرة على يد فجوة الغذاء التي خلفتها الحرب الاوكرانية الروسية.
✓• في الوقت الذي تم فيه الحديث عن الحديث عن إيقاف التمليش والتحشيد والتسليح والتدخل في شؤون الدول ودعم الهدنة اليمنية والإشادة بالجيش اللبناني، تأتي الأخبار من هنا وهناك عم استعدادات حثيثة وتدريب مستمر لإرسال عدد من الجنود السودانيين للحرب، وفي ذات السياق تتحرك مليشيات وعصابات دولية تحت مرأى ومسمع قادة هذه الدول لتجوب السودان وليبيا وإفريقا طولا وعرضا وتنشط في تدريب جماعات مسلحة، وتستبيح سيادته وتنهب ثرواته.
✓• في هذا الاجتماع 《أكد القادة دعمهم لجهود تحقيق الاستقرار فى السودان، واستكمال وإنجاح المرحلة الانتقالية، وتشجيع التوافق بين الأطراف السودانية، والحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها، ومساندة السودان فى مواجهة التحديات الاقتصادية》، مقروءة هذه الفقرة مت بيان الرباعية وبيانات الترويكا يتضح أن الشأن السوداني قدر له أن يناقش بالوكالة لا بالأصالة، وتدير مداولاته دول لها مصالحها وأحلاف لها صلاتها.
✓• وعند الحديث عن سد النهضة تمت الإشارة لحرص القادة العرب على الأمن المائي المصري، وهو ما يحفز السودان شعبا وحكومة للتوجه جنوبا، إذ أن مياه النيل ليس شأنا مصريا ولا سودانيا والنقاش فيه يوجب الحديث عن عدالة التوزيع، وليس كفالة النسب لهذه الدولة وتجاهل تلك، وهو ما من شأنه إيغار الصدور وزيادة سكان القبور.
✓• ولعل الوجه الحقيقي وخلاصة الزيارة تكشفت جينما قال بايدن: "لن ننسحب ونترك فراغًا تملأه الصين أو روسيا أو إيران". وأردف قائلا: "سنسعى ابتداء من هذه اللحظة لذلك بقيادة أمريكية نشطة تؤمن بهذه المباديء."، لعل هذه الرسالة واضحة للقادة العرب، ولكن القيادة العسكرية للحكومة في السودان تتمادى لتتجه عكس عجلة المنطقة والتاريخ، وترسل رسائلها العكسية لبايدن والمحيط بأن السودان سيتجه شرقا رغم ما يشاع عن التراجع من قرار منح الروس قاعدة عسكرية في البحر الأحمر.
✓• كما أن التأكيد الأمريكي بأن الشرق الأوسط سيكون قبلة أمريكا وان "الولايات المتحدة لن تذهب إلى أي مكان"، سيجعل ذلك مجالا للتنافس والتنازل، فسيحتدم التنافس الروسي والصيني للغرب، قي الوقت الذي يحدث فيه التنازل، إذ يشعر النشطاء والمواطنين في المنطقة بالقلق من التزام الإدارة الأمريكية والرئيس بايدن تجاه الحريات العامة وقضايا العدالة وحقوق الإنسان، ويمكن أن يتم التنازل عنها حال تم ضمان مصالحهم، وأدل دليل على ذلك تراجع بايدن من قضية الصحفي جمال خاشقجي رغم أنه تحدث عن مواجهة الأمير محمد بن سلمان بهذا الخصوص.
✓• وفي هذا المضمار تم غض الطرف عن الحديث عن الانتهاكات الإنسانية في كثير من تلك الدول، وعلى سبيل المثال مصر التي هنأ بايدن رئيسها باستضافة قمة المناخ القادمة، وهو ما سيثير سخط الجماعات النشطة التي تعتبر أن المناخ وحقوق الإنسان حزمة واحدة لا يمكن أن تنفصل، فمن يسهم في تعرية وتجريف الأرض لا يفوقه سوء سوى الذي ينتهك حقوق الإنسان، ولأن الجماعات التي تنشط في مجال البيئة لا تجد حريتها في ظل التسلط والاستبداد.
✓• تحدث الجميع سرا وجهرا عز الطاقة وسبل توفير زيادة الوقود وسد الفجوة العالمي، وقد التزمت المملكة العربية السعودية برفع انتاجها من ١١ مليون برميل في اليوم إلى ١٣ مليون، رغم قناعتي بأن هذا الأمر مضن فنيا وتقنيل ويمكن الاستعاضة عنه بتحقيق الاستقرار في العراق وليبيا وإبرام اتفاق عربي إيراني يوفر تلك المداخيل النفطية فجهود بايدن في الشرق الأوسط بشأن النفط ليست الأولى فقد سبقه الرئيس جيمي كارتر الذي استعان بشاه إيران ذو السجل الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان، وأعتقد أن براغماتية الإدارة الحالية يمكن أن تلجأ لتلك الحلول حتى وإن كانت على حساب ملف الحريات والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
✓• ختاما: إذا أراد السودانيون أن يكون وطنهم علما بين الأمم فلا سبيل لذلك إلا بالإطاحة بهذا الانقلاب البغيض وإقامة نظامة يحترم الآخر وتحترمه الأسرة والمحيط الإقليمي والدولي، فالأزمات التي تطل برأسها بإمكان السودان جعلها فرص يغتنمها لتحل الكثير من الضوائق المناخية والأمنية والاقتصادية وقضايا البيئة والمياه والطاقة النظيفة، وإلا فسيتم التعامل معنا كأمة تابعة خنوعة مهملة في ذيل التاريخ والأمم وسيحل «الوكلاء» في أمرنا ويعقد فيه «العملاء» و ينهب ثرواتنا «الجبناء».
______
@orwaalsadig